Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
مستبدّ بهمةٍ جعلته ... في علوّ المرمي شريك النّجومِ
وخلال لو استردّت إليها ... مثلُها ما وجدْتها في الغيوم
وكان ممدّحاً معظّماً، يختار الشعراء لأمداحه الدرّ الكبار منظّماً.
وولي الوزارة مرتين، وتجمّلت به كرّتين. ثم إن الوزراء بعده كانوا له غلماناً، ولأوامره كفلاء وضمّاناً.
ولم يزل على حاله الى أن سكن ابن حنّا زوايا ضريحه، وخرج فقده من معمّاه الى صريحه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده في يوم الخميس سابع شعبان سنة أربعين وستّ مئة.
وهو الذي اشترى الآثار النبوية على ما قيل بمبلغ ستين ألف درهم، وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بمصر، وقد زرت هذه الآثار ورأيتها مرتين، وهي قطعة من العنزة ومِرْوَد ومِخْصَف وملقط وقطعة من القصعة، وكحّلت ناظري برؤيتها، وقلت أنا:
أكرِم بآثار النبيّ محمدٍ ... من زارها استوفى السعودَ مزارُهُ
يا عين دونَكِ فالحظي وتمتّعي ... إن لم تَريه فهذه آثارُه
وحكى لي الإمام العلامة شيخنا شهاب الدين أبو الثّناء محمود وغير واحد أن الصاحب فخر الدين بن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة وتوجّه الى القلعة بالخلعة
стр. 2942
الى عند الصاحب تاج الدين، وجلس بين يدين وقبّل يده، فأراد الصاحب تاج الدين أن يُجبره ويعظّم قدره، فالتفت الى بعض غلمانه الواقفين أو عبيده وطلب منه توقيعاً بمرتب يختص بذلك الشخص، فأخذه وقال: مولانا يعلّم على هذا التوقيع، فأخذه وقبّله وعلّم عليه قدّامه.
وكان شيخنا الحافظ فتح الدين إذا حكى ذلك يقول: هذه الحالة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتزت بتربة فرأيت في داخلها مكتباً للأيتام، وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادوا مسحَها غسلوا الألواح وقلبوا الماء على قبره، فسألتُ عن ذلك فقيل لي: هذا شرطٌ في هذا الوقف، وهذا مقصدٌ حسن وعقيدة صحيحة.
وكان جدّه الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصُلبه ويعظّمه عليهم. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله تعالى، قال: وقفتُ على إقرار الصاحب بهاء الدين بأنه في ذمّته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف دينار مصرية.
ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نُكب على يد الشجاعي جرّده من قماشه وضربه مقرعةً واحدةً من فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل الى أكثر من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوّه وتمكّنه من السلطان.
وكنان قد رُتّب في الوزارة بعد ابن السّلعوس وقتل الأشرف في أول دولة الناصر
стр. 2943
محمد بن المنصور وقتل الشجاعي، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة الى أن عُزل بابن الخليلي فخر الدين في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة.
وكان الصاحب يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات ويتصيّد بالجوارح والجوامي، ولما قدم من غزوة حمص امتدحه الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال وذلك في سنة ثمانين وست مئة، وأول القصيدة:
تذكّرت سُعدى أم أتاك خيالُها ... أم الريحُ قد هبّت إليك شمالُها
منها:
لقد أقبل الصّدر الوزيرُ محمّد ... فأقبلَتِ الدنيا وسُرَّ وصالُها
منها:
بغى أبغا لما تصرّع أهله ... بدار هَوانٍ قد عراهُم نكالُها
وألقوا عن الأفراس حيثُ رؤوسهم ... أكاليلُها فوق التّراب نعالُها
وكان لها تلك الذوائبُ في الثّرى ... شكالاً وثيقاً حين حلّ وثالُها
فأمْسَوا فراشاً والأسنّة شُرّعٌ ... ذِبالٌ الى أن أحرقتهُم ذبالُها
وأنشدني إجازة لنفسه شيخنا العلامة أبو الثناء يمدحه بقصيدة تزيد على الثمانين بيتاً أولها:
أعليَّ في ذكر الدّيار مَلامُ ... أم هل تذكُّرُها عليَّ حرامُ
أم هل أُذَمّ إذا ذكرتُ منازلاً ... فارَقْتُها ولها عليّ ذِمامُ
стр. 2944
دار الأحبة والهوى وشبيبة ... ذهبت وجيرانٌ عليّ كِرام
فارقتُهم فأرقْتُ من وجدي بهم ... أفَهَل لهم أو للكرى إلمام
كانوا حياتي وابتُليتُ بفقدهم ... فعلى الحياة تحيّةٌ وسلام
أشتاقُها شوقَ الغريب مزاره ... سَفهاً وإلا أين مني الشام
وتروقني خِدعُ المُنى منها وقد ... بعُدَ المدى وتمادت الأيام
وتلذّ لي سُنّة الكرى لا رغبةً ... في النوم بل لتعيدَها الأحلام
وتمثّل الأوهام لي أني بها ... ثاوٍ ولذّات الهوى أوهام
وكأن دمعَ تشوّفي وخيالَها ... دِمَنٌ ألمّ بها فقال سلام
منها:
وله بظلِّ محمد بن محمدٍ ... حرمٌ يُطاف بركنه ومقامُ
الصاحب المولى الوزيرُ ومن به ... بُعثتْ عِظام المجد وهي رمام
متفرّدٌ دون الورى بمناقبٍ ... أمسى لها بين النجوم مقامُ
خُلُق كنشر الروض حُلَّ لنوره ... بيد الصَّبا عند الصباح لثام
وبديهة أسرى وأسرعُ من سَنا ... برقٍ بَدا فكأنّها إلهامُ
من خاطر كالنار يجري ماؤه ... عذباً وهل تُجري المياهُ ضرام
من كل مغنى لو تمثّل جوهراً ... فرداً أقرّ له بها النظام
وشجاعة ما عامرٌ فيها له ... قدم ولا عمرٌو له إقدام
ثبْتَ الجِنان إذا الفوارسُ أحجمتْ ... خوفَ الرّدى لم يُثنه إحجام
وبكفّه في جحفلٍ أو محفل ... تُزجى الرِّماح السمرُ والأقلام
стр. 2945
وهذه قصيدة غرّاء طنانة، وقد أثبتها بكمالها في الجزء التاسع عشر من التذكرة التي لي.
وحكى لي عنه سيادةً كثيرة شاهدها منه، من ذلك أنه قال: دخلت يوماً إليه، فلقيني إنسان من الشعراء - نسيت أنا اسمه - ومعه قصيدة قد امتدحه بها، فقال: يا مولانا لي مدّة ولم يتفق لي إلى الصاحب وصول، فأخذتها منه ودخلت بها إليه وقلت: بالباب شاعرٌ وقد مدح مولانا، فقال: يدخل. فأعطاه القصيدة، ولم يمتنع من إسماعها كما يفعله بعض الناس، فلما فرغت أخذها منه، ووضعها الى جانبه، ولم يتكلم ولا أشار. فحضر خادم ومعه مبلغ مئتي درهم وتفصيلة، فدفعها لذلك الشاعر.
قلت: وهذه غاية في السيادة والرئاسة من سماعها وعدم قوله: أعطوه كذا، أو إشارة الى من يحضر فيشير إليه.
وقيل عنه: إنه كانت أحواله كلُّها كذا لا يشير بشيء ولا يتكلم به في بيته، وكل ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق المراد، وحكى لي أنه أضاف جدّه يوماً ووسّع فيه، فلما عاد الى بيته أخذ الناس يعجبون منه ومن همّته وكرم نفسه، فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأن نفسه كريمة ومُكْنتُهُ متّسعة، والعجب العجب كونه طول هذا النهار وما حضر فيه من المأكول والمشروب والطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف أنواعه، ما قام من مكانه، ولا دعا خادماً فأسرّ إليه بشيء، ولا أشار بطرفه ولا بيده، ولم يجئ إليه أحد من خدمه ولا إشار إليه. وقيل: إن الناس تعجّبوا من كثرتهم وتشربهم الماء البارد في كيزان عامّة
стр. 2946
النهار، فسُئل عن ذلك فيما بعد، فقال: اشترينا خمس مئة كوز، وبعثنا الى الجيران قليلاً، برّدوا ذلك في الباذهنجات التي لهم.
ولا شكّ في أنه كان عالي الهمّة ممجَّداً مسوّداً، ولكن لم يكن له سعادة جدّه ولا دربته في تنفيذ الوزارة، فإنه وليها مرّتين وما أنجب فيها، وكان له إنسان مرتب معه حمام كحمام البطايق مدرَّب، إذا خرج من باب القرافة أطلق ما معه من الحمام، فيروح الى الدار التي له فيعلم أهله أنه قد خرج من القلعة، فيرمون الطُّطماح والملوخية وغير ذلك من أنواع الطعام ومن المطجَّن وما شابهه، حتى إذا جاء وجد الطعام حاصلاً والسماط ممدوداً.
وله ديوان شعر لطيف سمعه منه ابن شامه وابن الصابوني.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: اجتمعت به وسمعت عليه شيئاً من الحديث، وأنشدني من لفظه لنفسه:
ولقد أتيت على أغرّ أدهمٍ ... عبل الشّوى كالليل إذ هو مظلمُ
وبكفي اليُمنى قَناةٌ لدْنةٌ ... كالأُفعوان سنانها منه الفمُ
متقلّداً غضباً كأن متونه ... برقٌ تلألأ أو حريقٌ مضرم
وعليّ سابغةُ الذّيول كأنها ... سلخٌ كسانيه الشجاع الأرقم
وعلى المفارق بيضة عاديّةٌ ... كالنّجم لاح وأين منها الأنجم
فالرّعد من تِصهال خيلي والسّنا ... برقُ الأسنّة والرّذاذ هو الدّمُ
стр. 2947
وكان قد اشترى فرساً من العرب، فأقامت عنده مدة في الحاضرة، ثم إنه عبر بها على بيوت العرب، فجفلت به، فقال:
نسيتِ بيوت الشّعرِ يا فرسي وقد ... ربيتِ بها والحُر للعهد ذاكرُ
ولكن رأيتيها بنجدٍ وأهلُها ... على صفةٍ أخرى فعُذرك ظاهرُ
قلت: أثبت الياء في قوله: رأيتها وإنما هي بكسر التاء، فأشبع، فنشأت ياء.
قال شيخنا أثير الدين: ونظمتُ أنا هذا المعنى فقلت:
عجبتُ لمهري إذ رأى العُرب نُكّبا ... كأنْ لم يكن بين الأعاريب قد رَبا
أجل ليس نكراً للفريق وإنما ... تخوّف عُتباً منهم فتجنّبا
وقد سمع منه شيخنا الذهبي وجالسه، وأنشده من شعره، واعتكف مرة في مئذنة عرفات بجامع مصر ثلاثة أيام، فقال السّراج الورّاق، ونقلت ذلك من خطه:
ثلاثة أيام قطعتَ كطولها ... ثلاث شديدات من السنوات
حجبْن مُحيّا الصاحب بن محمد ... ليجمع بين الحُسن والحَسناتِ
وما كاد قلبي أن يقرَّ قراره ... لأني بمصر وهو في عرفات
ولما عمّر الصاحب تاج الدين جامع دير الطين قال السرّاج الوراق، ومن خطه نقلت:
بنيتم على تقوى من الله مسجداً ... وخيرُ مباني العابدين مساجدُ
стр. 2948
وأعلن داعيه الأذان فبادرت ... إجابته الصمُّ الجبالُ الجلامِدُ
ونالت نواقيسَ الدّيارات وجْمةٌ ... وخوفٌ فلم يمدد إليهنّ ساعد
تبكي عليهنّ البطاريق في الدجى ... وهنّ لديهم مُلقَياتٌ كواسد
بذا قضتِ الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
قلت: البيتان الأخيران لأبي الطيب المتنبي من قصيدة مشهورة.
وأهدى إليه الصاحب تاج الدين عسلاً مسعودياً فقال، ومن خطه نقلت:
من الظّرف ردّ الطّرف ممتلئاً حمدا ... كما جاء من نعماكَ ممتلئاً رَفدا
وكنتُ لَسيعاً من زماني وصرفِه ... فبدّلني من سمّه القاتل الشُّهَدا
منها:
أتاني مسعودٌ به لون عِرضه ... بياضاً جَلا من حالِك الحال ما اسودّا
فأدْنيتُ مَن أبعدتُها لا قِلًى لها ... ولكن من الأشياء ما يوجب البُعدا
فإن رفع الدّاعي يديه فهذه ... بأربعها تدعو فتستفْرِغُ الجُهدا
وأرسل إليه الصاحب يوماً ديوكاً مخصية، فاستبقاهنّ، فأرسل إليه دجاجة كبيرة، ومن خطه نقلت ما قاله في ذلك:
فديتُ الدّيوكَ بذبحٍ عظيمٍ ... وأنقذتُها من عذاب أليمْ
فناري لهم مثلُ نار الخلي ... ل ونارُك لي مثل نار الكليمْ
وذو العرف بالله في جنة ... فكُن واثقاً بالأمان العظيم
стр. 2949
لقد أنسَتْ لي دارٌ بهم ... ومن قبلها أصبحت كالصّريم
مشَوا كالطّواويس في ملبسٍ ... بهيِّ البرود بهيج الرّقوم
كأني أشاهدُهم كالقُضاة ... بسمتٍ عليهم كسمتِ الحليم
وإلا أزمّة دارٍ غدت ... بهم حرَماً آمناً كالحريم
ولا فرقَ بيني وبين الخَصيّ ... فلمَ لا أراهم بعين الحميمِ
ونعمَ الفِداُ لهم قد بعثت ... من الفاتنات ذوات الشّحوم
أعدتَ الشباب الى مطبخي ... وقد كان شابَ بحمل الهُموم
وعادت قُدوري زنجيةً ... فأعْجبْ بزنجية عند رومي
وطال لسانٌ لناري به ... خصمتُ خُطوباً غدت من خصومي
وأمسيتُ ضيفَك في منزلي ... ومن فيه ضيفٌ لضيف الكريمِ
قلت: قوله: زنجية عند رومي ظرّف فيه الى الغاية، لأن السّراج رحمه الله تعالى كان أشقر أزرق، ولذلك قال، ومن خطه نقلت:
ومن رآني والحمار مَركبي ... وزرقتي للروم عِرقٌ قد ضربْ
قال وقد أبصر وجهي مُقبلاً ... لا فارسَ الخيل ولا وجهَ العربْ
ونقلت من خطّ السراج الوراق قصدة مدح بها الصاحب تاج الدين أولها:
أترومُ صبري دون ذاك الرّيم ... هيهاتَ لمتُ عليه غير ملومِ
لو شاهدَت عيناكَ ما شاهدتُه ... لرجعتَ في أمري الى التّسليم
مُخضرُّ آسٍ واحْمِرارُ شقائقٍ ... أنا منهُما في جنة وجحيمِ
стр. 2950
ومعاطفٌ من دونهنّ روادفٌ ... أنا منهما في مقعد ومُقيم
سَلْ طرفَه عن شعره الدّاجي فلن ... يُخبرك عن طول الدُجى كسقيم
يا غُصن قامته إليك تحيتي ... مع كل ماطرةٍ وكل نسيم
إن الجمال له بغير مُنازع ... والوجدُ لي فيه بغير قسيم
وكذا العُلا لمحمّد بن محمّد ب ... ن عليّ بن محمد بن سليم
نسبٌ كمطّرد الكُعوب فلا تَرى ... إلا كريماً ينتمي لكريم
منها:
وشبيبة حرس التُقى أطرافها ... فلها محلّ الشيب في التعظيمِ
وإذا تحرّمتِ المسائلُ باسْمه ... جلّى عن التحليل والتحريم
إن قال لا يخلو فما من علةٍ ... تبقى لصحةِ ذلك التقسيم
أما إذا جارى أخاهُ أحمداً ... شاهدتَ بحري نائلٍ وعُلومِ
بحرانِ إن شئتَ النّدى، نجمان إن ... شِئتَ الهُدى، غَوثانِ في الإقليم
وكتب الصاحب تاج الدين الى الورّاق يعزيه في حمار له سقط في بئر فنفق:
يَفديك جحشُك إذ مضى متردّياً ... وبتالدٍ يُفدى الأديبُ وطارفِ
عدم الشّعير فلا رآه ولا يرى ... تَبناً وراح من الظّمأ كالتّالف
ورأى البُويرةَ غير خافٍ ماؤها ... فرأى حُشاشةَ نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافرِ فضلُكُم ... هذي المكارم لا حمامة خاطِفِ
قومٌ يموت حمارُهُم عطشاً لقد ... أزرَوا بحاتم في الزّمان السّالف
قلت: قوله: لا حمامة خاطف يشير فيها الى أبيات ابن عنين التي مدح بها
стр. 2951
الإمام فخر الدين الرازي وهو على المنبر فجاءت إليه حمامة وراءها جارح، فقال ابن عنين أبياتاً منها:
جاءت سليمان الزّمان حمامةٌ ... والموتُ يلمع من جناحَيْ خاطفِ
مَن أعلمَ الورقاءَ أن محلّكم ... حرمُ وأنك ملجأُ للخائفِ
وأجاب الوراق للصاحب تاج الدين بقصيدة طويلة، ومن خطّه نقلت:
أذنَتْ قُطوف ثمارها للقاطف ... وثنت بأنفاس النّسيم معاطفي
منها، فيما يتعلّق بالحمار:
ولكمْ بكيتُ عليه عهدِ مرابع ... ومراتع رُشّت بدمعي الذارفِ
يُمسي على يُسري وعُسري صابراً ... بمعارفٍ تلهيه دون معالفِ
وقد استمرّ على القناعة يقتدي ... بي وهي في ذا الوقت جلّ وظائفي
ودعاهُ للبئر الصّدى فأجابه ... واعتاقَهُ صرفُ الحمام الآزِفِ
وهو المُدلُّ بألْفةٍ طالت وما ... أنسى حقوق مرابعي ومآلفي
وموافقي في كل ما حاولته ... في الدهر غير مواقفي ومخالفي
دورانُ طاحونٍ لساقية لنق ... لِ الماء في شاتٍ ويوم صائفِ
لكنْ بماء البئر راح بنقلةٍ ... فثلاثُ شاماتٍ بموتٍ جارِفِ
ونظم الصاحب يوماً بيتا وهو:
توفي الجمال الفائزيّ وإنه ... لخَيرُ صديقٍ كان في زمنِ العُسرِ
стр. 2952
وأمر الوراق بإجازته فقال:
فيا ربّ عاملْهُ بألطافك التي ... يكونُ بها في الفائزين لدى الحشرِ
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين:
توهّم واشينا بليلٍ مزارنا ... فجاء ليسعى بيننا بالتّباعد
فعانقته حتى اتّحدْنا تلازُماً ... فلم يرَ واشينا سوى فرد واحدِ
قلت: هو مأخوذ من قول الأول:
كأنني عانقْتُ ريحانَة ... تنفّستْ في ليلها الباردِ
فلو تَرانا في قميص الدُجى ... حسبتَنا في جسدٍ واحد
وقلت أنا وقد كنا بمرح الغسّولة في يوم من الربيع، فورد علينا برد شديد الى الغاية:
أتانا فجأة بردٌ شديد ... أنا للمدح فيه غير جاحدْ
لأني كنتُ عن إلفي بَعيداً ... فصيّرني ومَن أهواه واحِدْ
وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود الى الصاحب تاج الدين مع رأس فانوس أهداه وفيه صورة الفلك:
أيا مولى أعوذ مجْد ... هـ بالروح والمُلكِ
ومَن بِسَنا مفاخره ... تُضيء غياهبُ الحلكِ
بعثتَ بما أبَوه إذا ... يصحّف من كُنى مَلك
يُريك الشّمس في جُنح الدجا ... في قبّة الفلكِ
стр. 2953
فكتب الصاحب تاج الدين الجواب:
أتَتني من الحبر الكريم هديةٌ ... بها من أبي فانوسَ نسبةَ ناسِبْ
وما أبعدَ الفانوس إلا لريبةٍ ... مَطالبها مرجوة في الغباهِبْ
شياطينُها ترجو انقضاضَ شِهابها ... وتأمَلُ منه أن تفوزَ بثاقِبْ
وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في يوم عند الصاحب تاج الدين، فقام الى الصلاة، ورمى إليه بخاتم فضة فصّه زبرجد، ولما انفتل من الصلاة أنشده الشيخ شهاب الدين محمود لنفسه:
يا سيّد الوزراء يا مَن كفُّه ... أربى نَداهُ على سماح حاتمِ
أشبهتَ في الخلق الوصيّ وفعله ... لما تصدّق في الصلاة بخاتم
ومن شعر الصاحب تاج الدين مُلغزاً في الورد:
ومعركة أبطالُها قد تخضّبت ... أكفُهم من شدة الضّرب عندما
لهم عندها ثأرٌ وللنار عنبرٌ ... تأجج حتى يترك الوردَ أدهما
ومنه يمدح الشيخ خضر المكّاري:
وجُزت بميدان العبادة غاية ... تُذكرني يومَ السّباقِ ابنَ أدهَما
ونظم يوماً بيتاً وهو:
ألا قاتل الله الحمامة إنها ... أذابت فُؤاد الصّبّ لما تغّنَت
وقال للوراق: أجزه. فقال قصيدة أولها:
أطارحُها شكوى الغرام وبثّه ... فما صدحتْ إلا أجبتُ بأنّة
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين هذه الموشّحة وقد التزم فيها الحاء قبل اللام وهي:
стр. 2954
قد أنحلالجسم أسمرْ أكحلْوأوحلْالقلبُ فيه مُذ حلْ
يميلُ ... وعنه لا أميلُ
يحول ... وعنه لا أحول
أقول ... إذ زاد بين النُحولُ
أما حلّعِقدَ الصَّدود ينحلّويرحلْعن جسمي المُزَحّلْ
برَغمي ... كم يستبيحُ ظُلمي
ويرمي ... بحربه لسلمي
وجسمي ... مع التزام سُقمي
منحّلْوقد غدا مرحّلْفكم حلسفكَ دمي وما حلْ
متوّجْ ... بالحُسن هذا الأبهَجْ
مدبّجْ ... عِذاره بالبنفسجْ
مفلَّجْ ... يرنو بطَرفٍ أدعجْ
مكحّلْوريقه المنحّلْمُفحّلْبالعنبر المحَلحَل
كم أبعَدْ ... وكم أبيتُ مُكمَدْ
ويعمَد ... بهجرِهِ لا يفقَدْ
ويجهَدْ ... في ارتضاء مَن قَدْ
تمحّلْوالحاسدون وحّلْومحّلوالوعد منهُ أمْحَلْ
стр. 2955
قَلاني ... واشتطّ هذا الجاني
رماني ... في عُشقه زماني
خلاني ... أشكو لمن يراني
قد أنحَلالجسمَ أسمرْ أكحلوأوحَلالقلب منه مُذ حَلْ
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله
القاضي نجم الدين بن جمال الدين بن محب الدين الطبري الآمُلي الشافعي، قاضي مكة.
كان فقيهاً جيداً، كريماً سيّداً، سديداً في أحكامه أيّدا. فيه لُطف أخلاق، وحُسن صحبة وود في يوميّ الفراق والتلاق. له نظمٌ يتأرجح به الروض، ويتدرج به الماء العذب في الحوض.
لم يزل على حاله الى أن غاب نجمه في الثرى وعدمته أم القرى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة، في أول جمعة من جمادى الآخرة بمكة شرّفها الله تعالى.
ومولده سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وكان قد سمع من عمّ جده يعقوب بن أبي بكر الطبري جامع الترمذي.
стр. 2956
وسمع من جده محب الدين، ومن الفاروثي - وله إجازة من الحافظ أبي بكر بن مُسْدىً، وأخذ عنه شيخنا البرزالي وجمال الدين الغانمي، والواني، وآخرون.
وما خلف بمكة مثله، وكان بارعاً في الفقه، وولي بعده ابنه الإمام شهاب الدين أحمد.
قال لي الشيخ تاج الدين اليمني قال: أنشدته قصيدة في سنة عشر وسبع مئة امتدحته بها عند منصرفي من دمشق قاصداً اليمن، ومنها:
جادَ عِهادُ المطر ... عهدَ منًى والمشعَرِ
ولا عدا ربوعها ... سحّ السحاب الممطر
منازلٌ كم لي بها ... من ليل وصل مُقمر
والبَينُ في بينونةٍ ... بوصلنا لم يشعُرِ
قال: فلما فرغتُ من إنشادها أنشدني بديها:
أقسمتُ حقاً بالصّفا ... يا ابن الكرام الغُررِ
شعرُك هذا فائق ... أشعار أهل الحضَر
ما ناله حبيبُه ... ولا الوليد البحتري
стр. 2957
قال: وأنشدني القاضي نجم الدين المذكور قصيدة يمدح بها الملك المظفّر عند قدومه من اليمن أوّلها:
إن لم أروّ الرَّبع من أجفاني ... بعد البعاد دماً فما أجفاني
وأنشدني من لفظه بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة الشيخ محب الدين أبو عبد الله محمد بن الصائغ المغربي الأموي، قال: أنشدني القاضي نجم الدين الطبري لنفسه:
أشبيهة البدر المنير إذا بدا ... حُسناً وليس البدرُ من أشباهك
مأسور حُسنك إن يكن متشفِّعاً ... فإليك في الحسن البديع بجاهك
أشفى أسىً أعيا الأساة رواؤه ... وشفاهُ يحصل بارتشاف شفاهك
فصليه واغتنمي بقاء حياته ... لا تقطعيه جفاً بحق إلاهك
قال: فنظمت قصيدة في هذا الوزن واللزوم والرويّ، وقد ذكرتها في ترجمة محب الدين المذكور آنفاً.
محمد بن محمد بن أبي بكر
قاضي القضاة تاج الدين المالكي بالديار المصرية ابن قاضي القضاة علم الدين الأخنائي، تقدّم ذكر والده علم الدين في مكانه من هذا التاريخ.
стр. 2958
كان من بيت كلهم قضاه، وبيت كله رياحين، إذا كان غيره عِضاه. باشر القضاء بمصر بعد عمه، وطلع في منصبه كالبدر ليلة تمّه.
ولم يزل الى أن أخنى عليه الذي أخنى على لبد ولم يترك له في الحياة من سبد ولا لبد.
وتوفي رحمه الله تعالى في ... ورد الخبر الى دمشق بوفاته في أواخر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده في ...
وكان قد ولي القضاء بعد عمه قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي في سنة تسع وأربعين وسبع مئة، وتولّى بعد تاج الدين المذكور قضاء المالكية بالديار المصرية أخوه قاضي القضاة بُرهان الدين ابراهيم، وسمع الحجّار ووزيرة، فيما أظن، بالديار المصرية، وأظنه حدّث بالبخاري عنه في مكة أو المدينة.
стр. 2959
محمد بن محمد
بن أبي بكر بن عبد الرحمن
الكنجي الدمشقي.
سمع كثيراً، ونسخ وكتب الطباق، وعلّق أشياء جيدة واقتنى كتباً مليحة وأصولاً.
قال شيخنا الذهبي: وله عمل قليل في هذا الفن، وهو قانع متعفف، لا بأس به إن شاء الله تعالى. سمع من ابن القوّاس وطبقته، وسمع قبلنا من الشيخ تاج الدين، قال: وسمعنا من أبيه.
وتوفي صاحب هذه الترجمة في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
ونسبَه الذهبي الى خفّة وعدم رزانة.
محمد بن محمد
القاضي الإمام العالم الفاضي أقضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ شرف الدين أبي البركات بن الشيخ عز الدين أبي العزّ صالح بن أبي العز بن وهيبة بن عطاء بن حسن بن جابر بن وهب الأذرعي الحنفي.
كان فاضلاً فقيهاً بصيراً بالأحكام، حكم بدمشق نيابةً عشرين سنة، وخطب بجامع الأفرم مدة، ودرّس بالظاهرية والقليجية مدة، وأفتى وأذن في الفتيا، وقام
стр. 2960
بكثير من المناصب الدينية، وكان ديّناً يتلو القرآن كثيراً، وحج ثلاث مرات، وكانت جنازته حافلة، وأصيب به أبوه وأولاده وأقاربه وأصحابه.
وتوفي رحمه الله تعالى سلخ المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وست مئة.
وكان قد سمع الغيلانيات بقراءة ابن جعوان، وحدّث في حجاته الثلاث، وباشر الظاهرية عوضاً عنه نجم الدين القحفازي، وباشر نيابة الحكم عوضاً عنه القاضي عماد الدين الطرسوسي.
محمد بن محمد بن الحسين
ابن عتيق بن رشيق، القاضي الإمام المفتي زين الدين أبو القاسم ابن الإمام علم الدين المصري المالكي، قاضي الإسكندرية.
بقي في القضاء بها اثنتي عشرة سنة ثم عُزل، وقد عيّنه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة لقضاء دمشق.
وكان شيخاً وقوراً ديّناً فقيهاً معمراً، روى للجماعة عن أبي الحسن بن الجمَّيزي.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة حادي عشر المحرم سنة عشرين وسبع مئة. ومولده بمصر سنة ثمان وعشرين وست مئة.
قال كما الدين الأدفوي: نُقِلَت عنه أحكامٌ أخطأ فيها، وعزل عن القضاء، ثم لما
стр. 2961
صرف السلطان الملك الاصر محمد قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف عن القضاء استناب قاضي القضاة بدرُ الدين بن جماعة ابن رشيق هذا في القاهرة مدة الى أن أعيد ابن مخلوف الى القضاء، وكان يكتب في الإجازات، من نظمه:
أجَزْتُ لهم أبقاهم الله كل ما ... رويتُ عن الأشياخ في سالف الدهر
وما سمعت أذناي عن كل عالم ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريء من التصحيف عار من النكر
وبالله توفيقي عليه توكّلي ... له الحمد في الحالين: في العسر واليسر
محمد بن محمد بن علي
الفقيه المحدّث مجد الدين الأنصاري الدمشقي الشافعي المعروف بابن الصيرفي، سبط المحتسب ابن الحبّوبي.
كان شاباً متواضعاً ساكناً، نسخ للناس ولنفسه وعمل المعجم، وجلس مع الشهود، وحدّث عن محمد بن النشبي، والتقي بن أبي اليُسر، وأحمد بن أبي الخير، وابن مالك، وابن البخاري، وحضر المدارس، وعاش أبوه بعد موته نحواً من عشر سنين وكان لمجد الدين نظمٌ.
وتوفي رحمه الله تعالى في ... سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
стр. 2962
محمد بن محمد بن أحمد أبي القاسم
المرتضى العلوي الشريف المعروف بالقُمّي بضم القاف وتشديد الميم.
داخل التتار لما أتى غازان الى دمشق وتوجه إليهم وعاد الى دمشق ومعه أربعة من التتار، وكسر أقفال باب توما، ونزلوا بالباذرائية في يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة. وشرع يدلّ التتار على عورات المسلمين الى أن أمسك وحمل الى القلعة في يوم الأربعاء رابع عشري جمادى الأولى، وبعد ذلك كُحِّل الحاج مَنْدَوه وقطع لسانه. وفي ليلة الرابع من شوال سُمّر الشريف القُمي هو وابن العُوفي والبرددار وابن خُطليشي المزّي على الجمال، وشنق اثنان: كاتب مصطبة الوالي وآخر يهودي، وقُطع لسان ابن طاعن وقطعت يد الدّلدرمي ورجله وكُحل الشجاع همّام.
محمد بن محمد بن علي
ابن ابراهيم ابن حُريث القُرشي العبْدَري البلنْسي ثم السّبتي المالكي المقرئ.
حدّث بالموطأ عن أبي الحسين ابن أبي الربيع، عن ابن بقي. وتفنن في العلوم والقراءات والعربية، وولي خطابة سبتة مدة، وأقرأ الفقه مدة ثلاثين عاماً، ثم إنه تزهّد، ووقف كتباً بألف دينار، ووقف عقاره وحج وجاور بالحرمين، وحدّث بمكة.
стр. 2963
وبها توفي رحمه الله تعالى في ... سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد القاهر
ابن هبة الله بن عبد القادر بن عبد الواحد بن هبة الله بن طاهر بن يوسف، الصدر ضياء الدين أبو المعالي النصيبي الحلبي.
كان رئيساً كبيراً فاضلاً، حسن الكتابة. وزر بحماة، وولي المناصب، ودرّس بعصرونية حلب، وحدّث بالكثير.
سمع من ابن شدّاد، والموفق عبد اللطيف، والكاشغري، وابن روزبة، وابن اللتي، وابن خليل، وقرأ بنفسه على المشايخ.
سمع منه شيخنا علم الدين البرزالي بحلب سبعة أجزاء منها المئة السريجيّة وثلاثيات البخاري، والأول من مسند عمار بن ياسر.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة ست وتسعين وست مئة بحلب.
ومولده بها في صفر سنة ثماني عشرة وست مئة.
محمد بن محمد بن محمود بن مكي
ابن عيسى بن دمرتاش، الدمشقي، العدل، شهاب الدين أبو عبد الله.
كان أديباً، فطناً، لبيباً، إذا دعا المعنى الغامض كان له مجيباً، وإذا نظمه كان
стр. 2964
عجيباً، له غوصٌ على المعاني، وألفاظه أطربُ من المثالث والمثاني، له مقاطيعُ أعذبُ من أيّام الوصال، وأشهى من حبيب كرُمت منه الخصال.
لم يزل بدمشق على حاله الى أن نعق غراب بينه، ونزل بحيّه وافد حَينه.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة السبت خامس صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده في ...
كان أولاً في شبيبته جُندياً بحماة، وخدم بها صاحبها الملك المنصور، صحب بها مجير الدين محمد بن تميم الحموي الشاعر، وأقام معه بحماة، وبسببه دخل في الجندية، وكان يثني على مكارمه. وأقام بحماة مدة عشرين سنة، ولما أسنّ وكبر بطّل الجندية ودخل في زي العدول، وجلس بمركز الرواحية، ورأيته في سنة ثماني عشرة وسبع مئة وفيما بعد ذلك، وأظنه كان مخلاً بإحدى عينيه.
أنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدنا ظهير الدين البارزي قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أقول لمسواكِ الحبيب لك الهنا ... برشْف فم ما ناله ثغرُ عاشق
فقال وفي أحشائه حُرقة الجوى ... مقالة صبّ للديار مُفارق
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلِّله بين العُذَيبِ وبارق
قلت: وما أحلى قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
وعود أراكة يجلو الثنايا ... من البيض الدُمى جلْي المرايا
стр. 2965
يقول مُساجل الأغصان فخْرا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
وقول محيي الدين بن قرناص:
سألتك يا عود الأراكة أن تعُدْ ... الى ثغر مَن أهوى فقبّلْه مُشفقا
ورِدْ من ثنيّات العُذيب مُنَيهلاً ... تسلسل ما بين الأبيرق والنقا
وقال: أنشدني المذكور لنفسه:
ولما التقينا بعد بين وفي الحشا ... لواعج شوقٍ في الفؤاد يُخيّمُ
أراد اختباري بالحديث فما أرى ... سوى نظرٍ فيه الجوى يتكلمُ
وأنشدني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أنشدني لنفسه:
ومُهفهَف الأعطاف معسول اللّمى ... كالغصن يعطفه النسيم إذا سرى
قال اسقني فأتيته بزجاجة ... ملئت قراحاً وهو لاهٍ لا يرى
وتأرجحت برضابه وأمدَّها ... من نار وجنته شعاعاً أحمرا
ثم انثنى ثملاً وقد أسكرتهُ ... برضابه وبوجنتيه وما درى
قلت: هو مولَّدٌ من قول الملك الأمجد، وفيه زيادة:
طلبتُ لماءٍ في إناء فجاءني ... غلام بها صرفاً فأوسعته زجرا
فقال هي الماء القراح وإنما ... تجلّى لها خدي فأوهمك الخمرا
ومن شعره، وهو مما نقلته من خطه:
стр. 2966
حتام لا تصل المُدام فقد أتت ... لك في النسيم من الحبيب وعودُ
والنهر من طرب يصفّق فرحة ... والغُصنُ يرقُص والرياض تميدُ
وأنشدني الشيخ الإمام العالم نجم الدين القحفاري قال: أنشدني المذكور لنفسه:
قال لي ساحر اللواحظ صف لي ... هيَفي قلت: يا مليح القوام
لك قدٌ لولا جوارح عيني ... ك لغنت عليه وُرْق الحمام
قلت: قد اشتهر هذا المعنى بين شعراء العصر وأولعوا به، ومما نظمته أنا فيه:
ذو قامة من لينها ... بيد النسيم يكاد يُعقَدْ
لولا جوارح لحظه ... غنى الحمام بها وغرد
ونقلت له من خطه:
قد سنتُ سرَّ هواكم ضناً به ... إن المتيم بالهوى لضنين
فوشت به عيني ولم أك عالماً ... من قبلها أن الوشاة عيون
ونقلت منه له:
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا ... ولكنه ورّى الحديث فأشكلا
وأسنده عن واقديّ أضالعي ... فأضحى صحيحاً بالغرام مُعَلّلا
ونقلت منه له:
وافى النسيم وقد تحمل منكم ... لُطفاً يقصِّرُ فهْمهُ عن عِلمه
وشكا السقام وما درى ما قد جرى ... وأنا أحقّ من الرسول بسقمه
стр. 2967
ونقلت منه له:
إن طال ليلي بعدكم فلطوله ... عُذرٌ وذاك لما أقاسي منكم
لم تَسْرِ فيه نجومُه لكنها ... وقفَت لتسمع ما أحدِّث عنكم
ونقلت منه له:
عجباً لمشغوف يَفوه بذكركم ... ماذا يقول وما عساه يمدحُ
والكون إما صامت فمعظمٌ ... حرماتكم أو ناطق فمسبِّحُ
ونقلت منه له:
مَن لأسير أمست قرينته ... في الدوح عن حاله تسائلهُ
فهو يغني مَبْدا الحزين لها ... وهي بأوراقها تراسلهُ
قلت: ما أعرف هذا العنى في أحسن من قول البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
قامت على ساقٍ تُطارحُني الهوى ... ما بين صَحبي في الدجى ورفاقي
ورْقاءُ قد أخذت فنونَ الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
أنّى تباريني أسىً وكآبة ... وصبابة وجوى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى عن خاطري ... وهي التي تملي عن الأوراق
وقلت أنا في هذه المادة مع اعترافي بالتقصير عنهما:
لا تقيسوا الى الحمامة حزني ... أنا فضلي تَدري به العشاق
أنا أملي الغرام عن ظهر قلب ... وهي تملي وحولها الأوراق
стр. 2968
ونقلت من خط ابن دمرتاش له:
حتى إذا رقّ جلبابُ الدجى وسرتْ ... من تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصبح إعجاباً بخلوَتِنا ... ووصْلِنا الطاهر الخالي من الدنس
ونقلت منه له:
بالروح أفدي منطقياً علا ... برتبة النحو على نَشْوِه
منطقه العذب الشهي الذي ... قد جذب القلب الى نحوه
ونقلت منه له:
جيادك يا من طبّق الأرض عدْلُه ... وحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامهِ غرّةً ... رياح الصّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم تكن في ظهرها كعبة المنى ... لما شبهت آثارها بالمحارب
ونقلت منه له:
يا سيدي أوحشْتَ قوماً ما لهم ... عن حسن منظرك الجميل بديلُ
وتعللت شمس النهار فما لها ... من بعد بُعدك بكرةٌ وأصيلُ
وبكى السحابُ مُساعداً لتفجعي ... من طول هجرك والنسيم عليلُ
ومن شعره:
انظر الى الأزهار تلق رؤوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصبا متمسكا
ومنه:
стр. 2969
ولما أشارت بالبنانِ وودّعت ... وقد أظهرت للكاشحين تشهّدا
طفقْنا نبوسُ الأرض نوهم أننا ... نصلّي الضحى خوفاً عليها من العدا
ومما نقلته من خطه له:
يقولون شبهت الغزال بأهيفٍ ... وهذا دليل في المحبة واضحُ
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح ... وراراً لما تاقت إليه الجوارحُ
قلت: يشبه قول ابن دانيال:
بي من أمير شكار ... وجدٌ يذيب الجوانح
لما حكى الظبي جيداً ... حنت إليه الجوارح
ونقلت منه له:
يقول لي الدولابُ راض حبيبك ال ... ملول بما يهوى من الخير والنفع
فإني من عود خُلقْتُ وها أنا ... إذا مال عني الغصن أسقيه من دمعي
ومن شعره دوبيت:
الصبُّ بك المتعوبُ والمعتوب ... والقلب بك الملسوب والمسلوب
يا من طلبت لحاظُه سَفك دمي ... مَهلاً ضعُفَ الطالب والمطلوب
قيل: إن الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى كان يقول: وددتُ لو أنه كان يأخذ مني جميع شعري ويعطيني هذين (البيتين.
стр. 2970
محمد بن محمد بن أحمد
ابن عبد الواحد، عماد الدين بن شرف الدين بن الزملكاني، وهو ابن عم الشيخ كمال الدين بن الزملكاني.
كان شكلاً حسناً طوالاً، وكان خطه حسناً، وكان ينظم إلا أنه قليل.
كان قد سعى بالقاهرة على أن يكون كاتب إنشاء بدمشق، وقام بأمره الأمير سيف الدين بغا الدوادار في أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فوقف القاضي شهاب الدين بن فضل الله في طريقه وأبطل ما كان قُرّر من أمره. وكان أخيراً ناظر السُّبع الكبير وغيره.
ومولده فيما أظن سنة إحدى وتسعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة بدمشق.
محمد بن محمد بن سهل
الوزير العالم الزاهد الأزدي الغرناطي.
سمع من ابن الرضي الطبري، وقدِم دمشق، وقرأ الصحيح على الحجّار، وصحيح مسلم على ابن العسقلاني، وقرأ بالسبع في صغره على ابن بشر وابن أبي الأحوص.
стр. 2971
وبرع في معرفة الاسطرلاب.
وكان في بلده وافر الجلالة، غامر الإنالة، سافر الإيالة، تزهّد وحضر الى الديار المصرية، وأعرض عن المناصب العصرية، فما كاد يلحقه ابن أدهم زُهداً، ولا أشهب علماً ورفداً. وكان يبرّ الناس ويتحيّلُ على كتمان أمره، ويفرّق الذهب وهو يتقّد في جمره، والشمس لا تخفى بكل مكان والحرف لا تُعدَم ماهيّته بين التحريك والإسكان:
سروا ونجوم الليل زُهرٌ طوالعٌ ... فنمّ عليهم في الظلام التنسم
ولم يزل على حاله الى أن نزلت شدة الموت بابن سهل، وبكاه حتى الحزن والسهل.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء ثاني عُشري المحرم سنة ثلاثين وسبع مئة قافلاً من الحج.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة.
قال الشيخ تاج الدين أحمد بن مكتوم النحوي يرثيه:
مات ابن سهل فماتت ... من بعده المكرماتُ
ولم يخلّف مثيلاً ... أمثاله الصِيدُ ماتوا
وقلت: أنا فيه لما سمعتُ بموته:
стр. 2972
مات ابن سهل ومنا قلّت الحيلُ ... وللعفاة فضاق السهل والجبلُ
مات الوزير الذي كان الملوك به ... في غبطة ولديه العلم والعمل
الزاهد العابد السامي الرفيع ذُرى ... العالم العامل المستأمن البطل
عليه مني سلام الله ما صدحت ... ورق لها في حواشي دَوْحها زجلُ
وقلت أرثيه:
موت ابن سهل قد كان صعباً ... لكل عاف وكل طالب
يحق والله أن يُرثى ... من قد حوى هذه المناقب
توفي أبوه سنة سبعين، وجده سنة سبع وثلاثين. وحج هو سنة سبع وثمانين وعاد، ثم إنه قدم مصر سنة عشرين وسبع مئة، وحجّ وجاور سنتين.
وكان في بلده يرجعون إليه والى رأيه وحُرمة عقله فيمن يولونه المملكة ويلقبونه الوزير، وكان فيه ورعٌ شديد، وتعفّف وصيانة وديانة وكرم ومروّة وحلم وعلم.
وأخذ عنه الشيخ قطب الدين عبد الكريم، وكان شيخاً وقوراً حسن الهيئة مليح الشيبة لا يتعمم ويتطيلس على طاقية.
ورأيته عند شيخنا العلامة أثير الدين، وأخبرني هو وغيره عنه أنه يتصدق سراً من ماله الذي يحمل إليه من أملاكه في الغرب، وعرفه الناس، وصاروا يقصدونه، فإذا طلب منه أحد شيئاً أنكر ذلك، وقال: ليس ما قيل لك صحيحاً، ثم إنه يتركه بعد يوم أو أكثر ويأتي إليه وهو غافل ويلقي في حجره كاغداً فيه ذهب، ويمر
стр. 2973
ولا يقف له، ويتصدّق من الستين ديناراً فما دونها، واستنسخ البحر المحيط تفسير القرآن لشيخنا أثير الدين، وشرح التسهيل له وغير ذلك وجهزه الى الغرب.
محمد بن محمد بن المفضّل
ابن عبد المنعم بن حسين بن حمزة بن حسين بن أحمد بن علي بن طاهر بن حبيش، القاضي الإمام المفتي الخطيب موفّق الدين ابن القاضي عز الدين أبي اليسر ابن القاضي نجم الدين أبي المكارم ابن القاضي مهذب الدين أبي عدي ابن القاضي تاج الدين أبي سالم ابن القاضي أمين الدين أبي القاسم حسين بن حمزة، البهراني القضاعي الحموي الشافعي، المعروف بابن حبيش.
تفقّه بحماة، وحصّل وشارك في الفضائل، وسمع من ابن رواحة، والكمال بن طلحة، وجماعة. وروى لشيخنا الذهبي وغيره بالإجازة عن جده لأمه أبي المشكور مدرك بن أحمد بن مدرك بن حسين بن حمزة القضاعي.
وكان إماماً جليل القدر، وافر الحرمة، ظاهر الحشمة، ولي خطابة حماة، ثم خرج عنها لتهديد السلطان له لما أنكر وأراق الخمور. وقدم دمشق في ... وولي خطابتها سنة ثلاث وتسعين وست مئة، وقيل: سنة إحدى وتسعين عوضاً عن الشيخ عز الدين الفاروثي، وعزّ عليه وعلى الناس ذلك، وحضر السلطان الملك الأشرف، فلما رآه السلاح دارية أخذوه وأجلسوه الى جانب الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب
стр. 2974
الشام، فسأل السلطان عنه، فأخبر أنه قد عُزل، وتوهم الشيخ أن الوزير ابن السلعوس هو الذي عزله، فاعتذر السلطان إليه وقال: بلغنا أنك ضعيف. فقال: من صلى مئة ركعة بألف " قل هو الله أحد " يعجز عن صلاة الفرض؟ يعني صلاة النصف، فلم يلتفتوا إليه وانكسر قلبُه.
ثم في هذه الجمعة هرب حسام الدين لاجين فاغتمّ السلطان لذلك، وتوجه هو والأمراء والعسكر يفتشون عليه، وكانوا قد أطلعوا المنبر الى الميدان الأخضر، فصلى موفق الدين بالعوام، والسلطان والعساكر مهجّجون في طلب حسام الدين لاجين، ثم إن السلطان عاد بالعساكر بعد العصر يوم العيد، فقال بعض الشعراء في ذلك:
خطب الموفق إذ تولى خطبة ... شق العصا بين الملوك وفرّقا
وأظنه إن قال ثانية غدا ... دينُ الأنام وشملُه متفرِّقا
وقال آخر:
إن الموفق لما ... في خطبة قد ترفّق
في جمعة العيد شمل ال ... ملوك كالخطب فرّق
وكان مع ذا وهذا ... في الحال غير موفّق
وكان هذا الخطيب موفق الدين رجلاً صالحاً ديّناً خيراً، ولكن لم يرزق سعادة في هذه الحركة.
ثم إن الموفق طلب الى حماة بكتاب من صاحبها في ذي القعدة سنة سبع وتسعين
стр. 2975
وست مئة من بعد وفاة قاضي القضاة جمال الدين بن واصل رحمه الله تعالى، فتوجه من دمشق الى حماة، وولى بها القضاء مدة.
ثم إنه قدم من دمشق جافلاً من التتار. فتوفي رحمه الله تعالى بدرب القاضي الفاضل فييوم السبت سادس عشري جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن برّاً بباب الفراديس ظاهر دمشق.
ومولده في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
وكان من أهل الدين والخير والصلاح، رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن هبة الله
ابن يحيى بن بندار بن مميل، القاضي الرئيس الكبير الصدر تاج الدين أبو الفضل ابن القاضي شمس الدين بن نصر الشيرازي.
كان من أعيان الدماشقة، ولي وكالة بيت المال والحسبة ونظر الدواوين ونظر ديوان الخزندار، وتنقل في المناصب، وباشر الوظائف الكبار، ورأس.
قال شيخنا علم الدين البرزالي رحمه الله تعالى: روى لنا عن ابن عبد الدائم، وسمع من والده وعمه وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمزة في بستانه في رابع شهر رجب الفرد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ست وخمسين وست مئة، ﵀.
وجرى بينه وبين شمس الدين محمد ابن الشيخ عفيف الدين التلمساني منافسة بسبب شخص مشهور، وعمل شمس الدين مقامة بسبب ذلك. وكان هذا تاج الدين
стр. 2976
من الرؤساء الفضلاء النبلاء فلم يسمع عنه بسبب ذلك كلمة واحدة، ولا أعاد ولا أبدأ، لحشمته ورياسته وفضله ومروّته.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف
الشيخ الإمام العلامة المفنّن المحقق المدقق جامع أشتات الفضائل ركن الدين أبو عبد الله بن القَوْبع، بالقاف والواو الساكنة وبعدها باء موحدة مفتوحة وعين مهملة، الجعفري التونسي المالكي.
فاضلٌ إذا قلت فاضل، ونظّار لم يثبت له مناظر ولا مناضل، قد جمع الفضائل وأتقن ما لمفرداتها من البراهين والدلائل.
إن فسّر القرآن العظيم خضع له وأذعن ابن مُقاتل وفتح على السُّديّ باباً لا يخاتر فيه ولا يخاتل.
وإن ذُكر الحديث فنهايةُ ابن الأثير له بداية، وصاحب الغريبين معروف بأنه لا يصل الى هذه الغاية.
وإن ذكر أسماء الرجال فما يذكر مع بحره الزاخر ابن نقطة ولا ابن عبد البرّ في استيعابه مما يوافق شرطه.
стр. 2977
وإن ذكر الفقه فدونه صاحب المدوّنة، وابن أبي زيد نقص قدره عنه وهوّنه.
وإن ذكر الأصول فالغزالي ليس من هذا البزّ، والحُليمي سفِه رأيه واغتر بما اعتز.
وإن ذكر النحو فالشلوبين شلوٌ بين ماضغيه، وابن عصفور يطير وما يقع إلا بين يديه.
وإن ذكرت اللغة فصاحب المحكم تشابهت أقواله، والقزاز سَدى وألحم وما أفادته أحواله.
وإن ذكر العروض فالخليل ضاقت معه دائرته، والجوهري غام جو جواه وما أفادته مغامرته.
وإن ذكر التاريخ فالخطيب لا يرقى درجته، وابن عساكر يبذل في اعترافه له مهجته.
وإن ذكر الطب فجالينوس ما تجالس أنسه، وابن زُهر كسف نور هذا من ذاك شمسه. هذا الى غير هذه المعارف، وسوى هذه النقود التي لا تبهرجها الصيارف:
إليه انتمت فينا الفضائل كلها ... فدعوى سواه للفضائل زور
стр. 2978
إليه كأن الفضل في كل ليلة ... بكف الثريا في السماء يشير
يقول كذا فليسمُ للعلم من سما ... ويفخر بإدراك العلا فخور
وكان يتودد الى الناس ويتعهد الأكابر بالبشر والإيناس من غير حاجة الى رب جاه أو صاحب وظيفة يترجاه، لأنه كان في غُنيةٍ من دنياه، ورفعة من ذاته في علياه.
وولي نيابة الحكم بالقاهرة مدةً فملأ المنصب عدلاً وإنصافاً، ومال على المظالم وإن صادق وإن صافى، ثم إنه سأل الإعفاء، ورجع الى العطلة وفاء.
ولم يزل في رياسة علمه وفضائله الباهرة وسيادته الباطنة والظاهرة الى أن تولى العلم بركنه، وطال من القبر على إنسانه إغماض جفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الإثنين في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده بتونس سنة أربع وستين وست مئة.
وسمع الحديث من أبي إسحاق ابراهيم بن علي الواسطي، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وأبي العسا أحمد بن محسن بن ملّي، وأبي القاسم الخضر بن عبد الرحمن الدمشقي، وأبي عبد الله محمد بن حمزة بن أبي عمر المقدسي، وجماعة كثيرة. وكتب على سورة " ق " مجلدة جيدة، وعلى آيات من القرآن تفاسير جيدة.
ولما تولى إعادة الناصرية علق على قوله تعالى: " إن أولَ بيتٍ وُضع للناس للذي ببكّة " الآية. وكتب على بعض ديوان المتنبي كلاماً جيداً، واختصر أفعال
стр. 2979
ابن الحاج. وتولى الإعادة في الفقه بالمدرسة الناصرية والجامع الطولوني. ودرس بالمدرسة المنكوتمرية، وكان طبيباً بالبيمارستان، ويلقي الدرس فيه نيابة عن رئيس الطب.
وكان قد تأدّب بابن حبيش، وقرأ المعقول على ابن الدارس.
وكان يستحضر جملة من شعر العرب والمولدين والمتأخرين، ويعرف خطوط الأشياخ، لاسيما أهل الغرب.
وكان نقده جيداً، وذهنه يتوقد ذكاءً، قد مهر في كل ذلك، إذا تحدث في شيء من هذه العلوم تكلم على دقائقه وغوامضه ونكته حتى يقول القائل: إنما أفنى عمره في هذا الفن.
وكان قد قرأ النحو على يحيى بن الفرج بن الزيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصر عام تسعين وست مئة.
قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى وهو ما هو: أنا ما أعرف أحداً مثل الشيخ ركن الدين، وقد رأى من رآه من الفضلاء.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: قدم الى الديار المصرية وهو شاب فحضر سوق الكتب والشيخ بهاء الدين بن النحاس حاضر، ومع المنادي ديوان ابن هانئ، فأخذه الشيخ ركن الدين وأخذ يترنّم بقول ابن هانئ:
فتكاتِ لحظك أم سيوفَ أبيكِ ... وكؤوسَ خمرك أم مراشفَ فيك
стр. 2980
وكسر التاء وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه الشيخ بهاء الدين وقال: يا مولانا ذا نصب كثير. فقال له الشيخ ركن الدين بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء على أنها أخبار لمبتدآت مُقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك أم كذا أم كذا، وأنا الذي أريده أغزلُ وأمدحُ، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك أم مراشف فيك. فأخجل الشيخ بهاء الدين وقال له: يا مولانا فلأي شيء ما تتصدر وتشغل الناس. فقال استخفافاً بالنحو واحتقاراً له: وأيش النحو في الدنيا، النحو علم يذكر؟ أو كمال قال.
وأخبرني أيضاً قال: كنت أنا وشمس الدين بن الأكفاني نأخذ عليه في المباحث المشرقية فأبيت ليلتي أفكّر في الدرس الذي نصبح نأخذه عليه وأجهد قريحتي وأعمل تعقُّلي وفهمي الى أن يظهر لي شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد في بارحتي وهو في واد. أو كما قال.
وأخبرني الشيخ تاج الدين المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس على السيرة التي عملها علّمت فيها على مئة وأربعين موضعاً أو مئة وعشرين موضعاً - السهو مني - أو كما قال.
следующие страницы →