Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
من الرؤساء الفضلاء النبلاء فلم يسمع عنه بسبب ذلك كلمة واحدة، ولا أعاد ولا أبدأ، لحشمته ورياسته وفضله ومروّته.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف
الشيخ الإمام العلامة المفنّن المحقق المدقق جامع أشتات الفضائل ركن الدين أبو عبد الله بن القَوْبع، بالقاف والواو الساكنة وبعدها باء موحدة مفتوحة وعين مهملة، الجعفري التونسي المالكي.
فاضلٌ إذا قلت فاضل، ونظّار لم يثبت له مناظر ولا مناضل، قد جمع الفضائل وأتقن ما لمفرداتها من البراهين والدلائل.
إن فسّر القرآن العظيم خضع له وأذعن ابن مُقاتل وفتح على السُّديّ باباً لا يخاتر فيه ولا يخاتل.
وإن ذُكر الحديث فنهايةُ ابن الأثير له بداية، وصاحب الغريبين معروف بأنه لا يصل الى هذه الغاية.
وإن ذكر أسماء الرجال فما يذكر مع بحره الزاخر ابن نقطة ولا ابن عبد البرّ في استيعابه مما يوافق شرطه.
стр. 2977
وإن ذكر الفقه فدونه صاحب المدوّنة، وابن أبي زيد نقص قدره عنه وهوّنه.
وإن ذكر الأصول فالغزالي ليس من هذا البزّ، والحُليمي سفِه رأيه واغتر بما اعتز.
وإن ذكر النحو فالشلوبين شلوٌ بين ماضغيه، وابن عصفور يطير وما يقع إلا بين يديه.
وإن ذكرت اللغة فصاحب المحكم تشابهت أقواله، والقزاز سَدى وألحم وما أفادته أحواله.
وإن ذكر العروض فالخليل ضاقت معه دائرته، والجوهري غام جو جواه وما أفادته مغامرته.
وإن ذكر التاريخ فالخطيب لا يرقى درجته، وابن عساكر يبذل في اعترافه له مهجته.
وإن ذكر الطب فجالينوس ما تجالس أنسه، وابن زُهر كسف نور هذا من ذاك شمسه. هذا الى غير هذه المعارف، وسوى هذه النقود التي لا تبهرجها الصيارف:
إليه انتمت فينا الفضائل كلها ... فدعوى سواه للفضائل زور
стр. 2978
إليه كأن الفضل في كل ليلة ... بكف الثريا في السماء يشير
يقول كذا فليسمُ للعلم من سما ... ويفخر بإدراك العلا فخور
وكان يتودد الى الناس ويتعهد الأكابر بالبشر والإيناس من غير حاجة الى رب جاه أو صاحب وظيفة يترجاه، لأنه كان في غُنيةٍ من دنياه، ورفعة من ذاته في علياه.
وولي نيابة الحكم بالقاهرة مدةً فملأ المنصب عدلاً وإنصافاً، ومال على المظالم وإن صادق وإن صافى، ثم إنه سأل الإعفاء، ورجع الى العطلة وفاء.
ولم يزل في رياسة علمه وفضائله الباهرة وسيادته الباطنة والظاهرة الى أن تولى العلم بركنه، وطال من القبر على إنسانه إغماض جفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الإثنين في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده بتونس سنة أربع وستين وست مئة.
وسمع الحديث من أبي إسحاق ابراهيم بن علي الواسطي، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وأبي العسا أحمد بن محسن بن ملّي، وأبي القاسم الخضر بن عبد الرحمن الدمشقي، وأبي عبد الله محمد بن حمزة بن أبي عمر المقدسي، وجماعة كثيرة. وكتب على سورة " ق " مجلدة جيدة، وعلى آيات من القرآن تفاسير جيدة.
ولما تولى إعادة الناصرية علق على قوله تعالى: " إن أولَ بيتٍ وُضع للناس للذي ببكّة " الآية. وكتب على بعض ديوان المتنبي كلاماً جيداً، واختصر أفعال
стр. 2979
ابن الحاج. وتولى الإعادة في الفقه بالمدرسة الناصرية والجامع الطولوني. ودرس بالمدرسة المنكوتمرية، وكان طبيباً بالبيمارستان، ويلقي الدرس فيه نيابة عن رئيس الطب.
وكان قد تأدّب بابن حبيش، وقرأ المعقول على ابن الدارس.
وكان يستحضر جملة من شعر العرب والمولدين والمتأخرين، ويعرف خطوط الأشياخ، لاسيما أهل الغرب.
وكان نقده جيداً، وذهنه يتوقد ذكاءً، قد مهر في كل ذلك، إذا تحدث في شيء من هذه العلوم تكلم على دقائقه وغوامضه ونكته حتى يقول القائل: إنما أفنى عمره في هذا الفن.
وكان قد قرأ النحو على يحيى بن الفرج بن الزيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصر عام تسعين وست مئة.
قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى وهو ما هو: أنا ما أعرف أحداً مثل الشيخ ركن الدين، وقد رأى من رآه من الفضلاء.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: قدم الى الديار المصرية وهو شاب فحضر سوق الكتب والشيخ بهاء الدين بن النحاس حاضر، ومع المنادي ديوان ابن هانئ، فأخذه الشيخ ركن الدين وأخذ يترنّم بقول ابن هانئ:
فتكاتِ لحظك أم سيوفَ أبيكِ ... وكؤوسَ خمرك أم مراشفَ فيك
стр. 2980
وكسر التاء وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه الشيخ بهاء الدين وقال: يا مولانا ذا نصب كثير. فقال له الشيخ ركن الدين بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء على أنها أخبار لمبتدآت مُقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك أم كذا أم كذا، وأنا الذي أريده أغزلُ وأمدحُ، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك أم مراشف فيك. فأخجل الشيخ بهاء الدين وقال له: يا مولانا فلأي شيء ما تتصدر وتشغل الناس. فقال استخفافاً بالنحو واحتقاراً له: وأيش النحو في الدنيا، النحو علم يذكر؟ أو كمال قال.
وأخبرني أيضاً قال: كنت أنا وشمس الدين بن الأكفاني نأخذ عليه في المباحث المشرقية فأبيت ليلتي أفكّر في الدرس الذي نصبح نأخذه عليه وأجهد قريحتي وأعمل تعقُّلي وفهمي الى أن يظهر لي شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد في بارحتي وهو في واد. أو كما قال.
وأخبرني الشيخ تاج الدين المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس على السيرة التي عملها علّمت فيها على مئة وأربعين موضعاً أو مئة وعشرين موضعاً - السهو مني - أو كما قال.
стр. 2981
ولقد رأيته أنا مرات يواقف الشيخ فتح الدين في أسماء رجال ويكشف عليها فيظهر الصواب مع ركن الدين.
وكنت يوماً أنا وهو عند الشيخ فتح الدين فقال: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولاً في الدين أصول الدين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - بسم الله الرحمن الرحيم - " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " فنفر الشيخ ركن الدين وقام وقال: قل له يا عُرّة، عمل الناس وصنفوا وما أفكروا فيك، ونفر مغضباً.
وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحح عليه في أمالي القالي، فأخذ الشيخ ركن الدين يُسابقه الى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل فقال له: لي عشرون سنة، ما كررت عليها.
وكان إذا أنشده شيئاً في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدمين والمتأخرين، كأن الجميع كان يكرر عليه البارحة.
وتولى نيابة الحكم بالقاهرة لقاضي القضاة المالكي مدة، ثم إنه تركها تديّناً منه وقال يتعذر فيها براءة الذمة، وكانت سيرته فيها حميدة، ولم يُسمع عنه أنه ارتشى في حكومة ولا حابى أحداً.
стр. 2982
وكان كثير التلاوة وكان ينام أول الليل ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وأخذ كتاب الشفاء لابن سينا ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك.
قال لي الشيخ فتح الدين: قلتُ له يوماً: يا شيخ ركن الدين الى متى تنظر في هذا الكتاب؟ فقال: أريد أن أهتدي.
وكان فيه سأمٌ وضجر حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات يكون في بحث وقد حرر لك المسألة وكادت تنضج وتتضح فيترك الكلام ويمضي.
وكان حسن الودّ، جميلَ الصحبة، يتردد الى الناس ويُهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة لأحد، لأنه كان معه مالٌ له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم، وكان يتصدق سراً على أناس مخصوصين، وكان مع هذه العلوم لثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة، وكنت أنا وهو قد طلعنا الى القلعة فجاء في الطريق ذكر الراء واللثغة بها، فأخذ يسرد عليّ ما يمكن من اللثغة بها وعدّ أنها تغير لغالب حروف المعجم، وأخذ يذكر أمثلة ذلك.
وكان إذا رأى أحداً يضرب كلباً أو يؤذيه يخاصمه وينهره ويقول له: ليس تقفل هذا أمَا هو شريكك في الحيوانية؟ وكان خطه مغربياً وليس بجيد، وكنت كثيراً ما أجتمع به وآخذ من فوائده الغامضة، وكتبت له استدعاء في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ونسخته: المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العلامة جامع شتات الفضائل، وارث علوم الأوائل، حجة المناظرين سيف المتكلمين:
стр. 2983
سبّاق غايات الورى في بحثه ... فالبرقُ يسري في السحاب بحثّه
ويهبّ منه بالصواب صبا لها ... بردٌ على الأكباد ساعة نفثه
ويضوع من تلك المباحث ما يُرى ... أشهى من المسك السحيق وبثه
المتكلم الذي ذهلت بصائر أولي المنطق نحوه، وأنتجت مقدماته المطلوب عنوة ووقف السيف عند حدّه فما للآمدي في مداه خطوه، وحاز رتب النهاية فما لأبي المعالي بعدها خطوه، فهو الرازي على الرازي، لأن قطب علومه من مصره ومحصوله ذهب قبل دخول أوانه وعصره، والفقيه الذي رفع لصاحب الموطأ أعلام مذهبه مُذهبة، فمالكٌ عنه رضوان، وأسفر وجوه اختياره خالية من كلف التكلف حالية بالدليل والبرهان، وأبرزها في حلاوة عبارته فهو جلاّب الجُلاّب، وأظهر الأدلة من مكامن أماكنها، وطالما جمحت تلك الأوابد على الطُلاّب.
والنحوي الذي تركت لُمعهُ الخليل أخفش، وأعرت الكسائي ثوب فخره الذي بهر به سيبويه وأدهش، فأبعد ابن عصفور حتى ضار عن مُقرّبه، وأمات ابن يعيش لمّا أخلق مُذهب مَذهبه.
والأديب الذي هو روضٌ جمع زهر الآداب وحبْرٌ قلّد العقد أجياد فنّه الذي هو لبّ الألباب، وكامل أخذ عنه كتّاب الأدب أدب الكُتاب، فإذان نظم قلت: هذه الدّراري في أبراجها تتّسق، أو خِلْتَ الدُرر تتنضدّ في ازدواجها وتنتسق، أو
стр. 2984
نثر فالزهر يتطلع من كمامه غبَّ غمامه، والأَلفات غصون ترنّح معاطفها بحمائم همزه التي هي كهمز حمامه.
والطبيب الذي تحلى منه أبقراط وسقط عن درجته سُقراط، فالفارابي ألفاه رابياً، وابن مسكويه أمسك عنه مُحاشياً لا محابياً، وابن سينا انطبق قانونه على جميع جزئياته وكلياته، وطلب الشفاء والنجاة من إشاراته وتنبيهاته، فلو عالج نسيم الصبا لما اعتلّ في سحره، أو الجفن المريض لزانه وزاده من حوَره، ركن الدين أبي عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن الجعفري المالكي:
لا زال روض العلم من فضله ... في كل وقت طيّب النَشْر
وكل ما يبدعُه للورى ... تطويه في الأحشاء للنشر
وتزدهي الدنيا بما حازَهُ ... حتى تُرى دائمة البشر
إجازة كاتب هذه الأحرف ما له من مَقول منظوم أو منثور، وضع أو تأليف، جمع أو تصنيف، الى غير ذلك على اختلاف الأوضاع وتباين الأجناس والأنواع.
وذكرت أشياء مذكورة في الاستدعاء.
فأجاب بخطه رحمه الله تعالى: يقول العبد الفقير الى رحمه ربه وعفوه عما تعاظم من ذنبه محمد بن عبد الرحمن القُرشي الجعفري المعروف بابن القُوبع: بعد حمد الله ذي المجد والسّناء والعظمة
стр. 2985
والكبرياء، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، خالق الأرض والسماء، وجاعل الإصباح والإمساء، والشكر له على ما مَنّ به من تضاعفِ الآلاء وترادفِ النعماء، نحمده ونذكره، ونعبده ونشكره لتفرده باستحقاق ذلك وتوفر ما يستغرق الحمد والشكر هنالك، مع ما خصّنا به من العلم وأضاء به بضيائها من نور الفهم.
ونصلي على نبيه محمد سيد العُرب والعُجم، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا من كل فضل بعظم الحظ ووفور القُسم، أجزت لفلان وذكرني:
جمّاع أشتات الفضائل والذي ... سبق السّراع ببطئه وبمكثه
فكأنهم يتعثّرون بجدولٍ ... ويسير في سهل الطريق وبرثه
أزرى بسحب بيانهم في هطلها ... فيما يبين بطلّه وبدثّه
جميع ما يجوز لي أن أرويه مما رويته من أصناف المرويات أو قلته نظماً أو نثراً، أو اخترعته من مسألة علمية مُفتتحاً، أو اخترته من أقوال العلماء واستنبطت الدليل عليه مرجّحاً مما لم أضعه في تصنيف ولا أجمعه في تأليف على مشرط ذلك عند أهل الأثر:
وفّقه الله لما يرتضي ... في القول والفعل وما يدري
وزاده فضلاً الى فَضله ... بما به يأمن في الحشر
فهذه الدار بما تحتوي ... دارُ أذىً ملأى من الشرّ
ذلّت بينهم بغرور فهم ... في عمَهٍ عنه وفي سكر
стр. 2986
قد خدعَتْهم بزخاريفها ... معقبة للغدر بالغدر
تريهم بشراً ويا وَيحهم ... كم تحت ذاك البشر من مَكر
بينا ترى مبتهجاً ناعماً ... ذا فرج بالنهي والأمر
آمن ما كان وأقصى مُنىً ... فاجأه قاصمة الظهر
فعدِّ عنها واشتغل بالذي ... يوليك خيراً آخر الدهر
فإنما الخير خصيصٌ بما ... تلقاه بعد الموت والنشر
هذا إذا مَنّ الذي ترتجي ... رحماه بالصفح والغفر
وزاد رضواناً فهذا الذي ... يُدعى به لأطول العمر
ويؤيد هذا ما أخبرناه الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع المُسند تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الواسطي، قراءة عليه ونحن نسمع بدمشق في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، قيل لي: أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادي قراءة عليه بدمشق، وأبو الفرج الفتح بن عبد الله بن عبد السلام البغدادي قراءة عليه ببغداد قالا: أخبرنا الخطيب أبو منصور أنوشتكين بن عبد الله الرضواني، قراءة عليه: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد البُسري. ح وأخبرنا ابن ملاعب وأبو عليّ الحسن بن إسحاق ابن الجواليقي، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني، أخبرنا الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن علي
стр. 2987
الزينبي، قالا: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص الذهبي، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا خلف بن هشام البزاز سنة ست وعشرين ومئتين حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي ﷺ ونحن نحفر الخندق، وننقل التراب على أكتافنا: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " مختصر.
وهذا الحديث من أعلى ما أرويه، نسأل الله حالاً يرضاها ونرضاها، إنه سميع الدعاء، فعّالٌ لما يشاء، وله الحمد والمنّة. كتبه محمد القوبع ليلة التاسع والعشرين من رجب سنة ذ ك ج.
وأنشدني لنفسه إجازة، ومن خطه نقلت:
جوى يتلظّى في الفؤاد استعارُهُ ... ودمعٌ هتونٌ لا يكفّ انهماره
يحاول هذا بَردَ ذاك بصوبه ... وليس بماء العين تطفأ ناره
وُلوعاً بمن حاز الجمال بأسره ... فحاز الفؤاد المستهام إسارُه
كلِفْتُ به بَدريّ ما فوق طوقه ... ودعصيّ ما يثني عليه إزاره
стр. 2988
غزال له صدري كناسٌ ومرتع ... ومن حب قلبي شيحه وعراره
من السُمر عُدمي الصبر أحمر خده ... إذا ما بدا ياقوته ونضاره
جرى سابحاً ماء الشباب بروضه ... فأزهر فيه وردُه وبهارُه
يشبّ ضراماً في حشاي نعيمه ... فيبدو بأنفاس الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظم مؤشر ... كنور الأقاحي حفّه جُلّناره
يُعَلّ بعَذْبٍ من برود رضابه ... تفاوح منه مسكه وعقاره
وسهد أجفاني بوسنان أدعجٍ ... يحيّر فكري غنجه واحوراره
حكاني ضعفاً أو حكى منه موثقاً ... وخصراً نحيلاً عال صبري اختصاره
معنىً بردف لا ينوء بثقله ... فيا شدَّ ما يلقى من الجار جاره
على أنّ ذا مُثرٍ وذلك معسِرٌ ... ومن محنتي إعساره ويساره
تألّف من هذا وذا غُصنُ بانة ... توافت به أزهاره وثماره
تجمّع فيه كلُ حُسن مُفرّق ... فصار له قطباً عليه مداره
زلال ولكنْ أين مني وروده ... وكدْنٌ ولكن أين مني اهتصاره
وسَلسال راحٍ صدّعني كأسه ... وغودر عندي سكرُه وخماره
وبدر تمام مشرق الضوء باهرٌ ... لأفقي منه مَحْقُه وسراره
دنا ونأى فالدارُ غيرُ بعيدة ... ولكنّ بُعْداً صدُّه ونفاره
وحين درى إن شد أسري حبُّه ... أحلّ بي البلوى وساء اقتداره
стр. 2989
ومنها:
حكت ليلتي من فقدي النوم يومها ... كما قد حكى ليلي ظلاماً نهاره
كتمت الهوى لكنْ بدمعي وزفرتي ... وسقمي تساوى سرُّه وجهاره
ثلاث سجلات عليّ بأنني ... أمام غرام قلّ فيك استتاره
أورّي بنظمي في العذار وتارةً ... بمن إن تفنّى القرط أصفى سواره
وجلّ الذي أهوى عن الحلي زينة ... ولما يقارب أن يدب عذاره
أراحةَ نفسي كيف صرت عذابها ... وجنة قلبي كيف منك استعاره
ونقلت منه يمدح الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
ولو غيرُ الزمان يكون قرني ... للاقى الحتف من ليثٍ جريّ
تحاماه الكماة إذا ادلهمّت ... دُجى الهبوات في ضنك حميّ
وطبّقتِ الفضاء فلا ضياء ... سوى لمعان أبيض مشرفيّ
وأرمدتِ العيون وكل طرف ... عمٍ إلا لأسمر سمهري
بحيثُ عبابُ بحر الموت يرمي ... بموج من بنات الأعوجي
عليها كل أروع هبرزيّ ... يغالب كل أغلب شمّري
تراه يرى الظُّبى ثغراً شنيباً ... من الإفرند في ظَلْم شهيّ
ويعتقد الرماح قدود هيفٍ ... فيمنحها معانقة الهديّ
стр. 2990
هنالك ترى الفتى القرشي يحمي ... حماة المجد والحسب السنيّ
وتعلم أن أصلاً هاشمياً ... تفرع بالنضار الجعفريّ
ولو أن الجعافرة استبدّت ... به يمنى الهُمام القوبعي
منها في المديح:
الى صدر الأئمة باتّفاق ... وقدوةِ كل حَبْر ألمعيّ
ومَن بالاجتهاد غدا فريداً ... وحاز الفضل بالقدح العليّ
وما هو والقداح وذاك تخت ... وهذا نال بالسقي الرضيّ
صَبا للعلم صبّاً في صباه ... فأعْلِ بهمّة الصبّ الصبي
فأتقن والشبابُ له لباسٌ ... أدلة مالكٍ والشافعي
منها:
ونور جلالة يرتدّ عنه ... رسول الطرف بالحسن العيي
ومن كثرت صلاة الليل منه ... سيحسن وجهه قول النبي
منها:
بعدْلٍ عمّ أصناف البرايا ... تساوى فيه دان بالقصيّ
ضممتَ ندىً وجوداً حاتمياً ... الى رأي وحلم أحتفيّ
لديك دعائم المجد استقرت ... فحط بنو الرضى ملقى العصيّ
بحيث طوامح الآمال مهما ... رمت لم تُخطِ شاكلة الرميّ
أيا قمر الفهوم إذا ادْلهمّت ... دُجى الإشكال في غوص خفيّ
стр. 2991
وسحبان المقالة حين يلفى ... بليغ القول كالفَهّ العييّ
لكم أبديت من معنىً بديع ... يروق بحلة اللفظ البهيّ
فأقسم ما الرياض حنا عليه ... ملثّ القطر هطّال الجيّ
فألبسها المزخرف والموشّى ... حيا الوسْميّ منه أو الوليّ
وأضحك نبتها ثغر الأقاحي ... فما نظم الجمان اللؤلؤي
وعطّر جوّها بشذى أريج ... من المسك الفتيق التُبتي
فلاحت كالخرائد يزدهيها ... حليّ الحسن أو حسن الحليّ
بأبهج من كلامك حين تفتي ... سؤالاً بالبديهِ أو الرويّ
وأنشدني لنفسه إجازة:
تأمّل صحيفات الوجود فإنها ... من الجانب السامي إليك رسائلُ
وقد خُط فيها إن تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
محمد بن محمد بن علي
ابن وهب بن مطيع، كمال الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد القشيري، تقدّم ذكرُ والده وجماعةٌ من إخوته.
كان يحفظ القرآن ويتلوه كثيراً، وكرّر على مختصر مسلم للمنذري، وربما
стр. 2992
قيل: إنه حفظه. وسمع من المنذري، ومن النجيب عبد اللطيف والعز الحرانيين، وجماعة.
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرت أنه كرر على الوجيز، وجلس بالوراقين بالقاهرة، ودرّس بالمدرسة النجيبية بقوص، إلا أنه خالط أهل السفه، والخلطة لها تأثير، فخرج عن حدّه، وترك طرائق أبيه وجده. ولما ولي أبوه القضاء أقامه من السوق وألحقه بأهل الفسوق، قال: هكذا أخبرني جماعة من أهله وغيرهم.
وكان قوي النفس، بلغني أن وكيل بيت المال مجد الدين عيسى بن الخشاب رسم للشهود أن يكتبوا شيئاً يتعلق ببيت المال إلا بإذنه، فجاءته ورقة فيها خط كمال الدين ابن الشيخ، فطلبه، فقال له: ما سمعت ما رسمت به؟ فقال: نعم، فقال: كيف كتبت؟ قال: جاء مرسوم أقوى من مرسومك وأشدّ. قال: السلطان؟ قال: لا. قال: فمن رسم؟ قال: جاء مرسوم الفقراء، أصبحت فقيراً ما أملك شيئاً، وجاءتني ورقة أخذت فيها خمسة عشر درهماً فتبسم. وقال: لا تَعُد.
قال: وحكى لي بعض أصحابنا قال: حضرنا وهو معنا عند الشيخ عبد الغفار بن نوح، وكان الشيخ عبد الغفار كبير الصورة بقوص، يأتي إليه الولاة والقضاة والأعيان، وكان يمد رجليه في بعض الأوقات ويدّعي احتياجاً لذلك. فمد رجله ذلك اليوم فأخذ الكمال مروحة وضربه على رجله وقال: ضمّها بلا قلة أدب.
وكان كثير الصدقة مع الفاقة.
стр. 2993
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة بالقاهرة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك
الشيخ شمس الدين ابن العلامة الشيخ جمال الدين بن مالك الجيّاني.
كان شيخاً حسناً، بهيّ المنظر، أحمر الوجه، منوّر الشيبة، كثير التلاوة والتلقين، لازم الجامع الأموي أكثر من أربعين سنة، وله خزانة وبيت بالمئذنة الشرقية.
سمع جزء الأنصاري بقراءة ابن جعوان على بعض الشيوخ، ولم يحدث.
رأيته غير مرة بالجامع، وكان يسأل الطلبة، فإذا قال له أحدهم: قرأت ألفية ابن مالك، يقول: ألفية والدي، ويفرح.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك
الشيخ جمال الدين ابن العلامة ابن مالك، أخو شمس الدين المذكور أولاً.
كان مقيماً بالقاهرة. سمع من ابن البخاري الجزء الذي كتبه له عمّه الحافظ ضياء الدين من المسند والغيلانيات ولم يحدث.
стр. 2994
وله نظم. وكان حسن الأخلاق جميل الهيئة، باشر بعض الجهات ولما توفي خلّف جملة.
وتوفي بالقاهرة عاشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن
البليغ الفصيح الصدر الرئيس بدر الدين أبو عبد الله الخطيب بالجامع الأموي بدمشق ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني.
كان وافر الحشمة، ظاهر النعمة، جميل البزة، نبيل الوجاهة والعزة، كثير التجمل، غزير التحمل، سافر الوضاءة، غامر الوجه بالإضاءة، إذا رقا منبره أو توقل صهوته وأظهر من وجهه مضمره قال الناس: أترى ضمّ خطيباً أم ترى ضمّخ طيباً، وكان يؤدي الخطبة فصيحاً، ويوردها إيراداً مليحاً.
وكان في كل عام يتوجه الى الديار المصرية يزور والده ويكيد بذلك ضده وحاسده، فيقيم هناك مدة، ويقضي له وللناس أشغالاً عدة، ويلبس هناك تشريفاً، وفي دمشق إذا عاد مثله، ويسرّ بذلك قبيلة وأهله:
وأسعدُ الناس من لاقى بلا تعبٍ ... مبدا السعادة في مبدا شبيبته
ولم يزل بدرُه في مطالع سعوده ومعارج صعوده الى أن خُسِف في تمامه، وتجرع كؤوس حِمامه.
стр. 2995
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني جمادى الآخرة سنة اثنين وأربعين وسبع مئة، ودفن في مقابر الصوفية، وقد كمّل الأربعين أو تجاوزها قليلاً.
وكان قد خطب في حياة والده قبل أن يلي القضاء وفي حياة المشايخ الكبار مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني والشيخ برهان الدين بن تاج الدين والشيخ تقي الدين بن تيمية. ولما طُلب والده الى مصر وتولى قضاء القضاة بالشام استقل هو بالخطابة فيما أظن، ولما طُلب والده ثانياً لقضاء الديار المصرية بقي هو في الوظيفة. وكان في كل سنة يتوجه على البريد الى مصر ويحضر عند السلطان ويلبس تشريفاً ويقيم عند والده مدة ثم يعود الى دمشق على البريد، وكانت له بذلك وجاهة زائدة وصيت بعيد، وقضى سعادة وافرة.
ولما عاد والده الى قضاء الشام ناب والده في الحكم، وكان قد أتقن الخطابة وانصقلت عبارته وتلفظ بها فصيحاً، وقرأ في المحراب قراءة حسنة طيبة النغم.
ولما توفي والده توهّم أن يلي المنصب فما اتفق له ذلك وانعكست آماله ونقض حبل سعده وتعكّس، وكلما حاول أمراً أدبر ولم ينجب فيه.
وطُلب الى مصر بوساطة الفخري ونزل عنده في القلعة، وأقام تقدير أربعة أشهر وعاد وقد أكمده الحزن، فأقام أياماً قليلة، ومات رحمه الله تعالى.
стр. 2996
ولما توجه الى مصر بعد وفاة والده رحمهما الله تعالى كتبت أنا له توقيعاً بأن يستنيب في وظائفه من يراه الى أن يعود، ونسخته: أما بعد حمد الله الذي سيّر البدر في منازل سعوده، وأثمر رجاه الذي أنجب لصدق باطنه وظاهره عند غرس عوده، ورقاه الى درجات الكمال من إنجاز وعوده، وبلّغه أمانيه التي جاءت بها الأقدار على وفق غرضه واقتراح مقصوده. وصلاته على سيدنا محمد الذي أسرى به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، ونوّله من الكرامات ما لا يحصر لفضله ولا يحصى، وعلى آله وصحبه الذين لم يرَ عدوّ الدين في كمالهم نقصا، ولم يكن فيهم من يخالف له مفهوم أمر ولا نصّا، صلاة يتألق برقها في سماء الرحمة، ويترقرق ودقُها في نماء النعمة ما نسخت آية النور آية الظلمة، وأضرم الشفق جمرته من الغسق في فحمة، وسلامه الى يوم الدين.
فإنه لما كان الجناب الكريم العالي البدري له على الأبواب الشريفة في كل حين وفادة، وفاز من حسن النظر الشريف في كل أوان من الإنعام بإفاءة وإفادة، وخطر في برود الوقار بين أغصان السيادة، وتجمّل بملابس العلم الشريف مطرّزة برقوم السعادة، واتّصف بمكارم ارتجال معانيها لا يبادى ولا يباده، واقتفى سنن والده، وكان أفضل من سعى ومن برّ، ورقى بأهبة الخطابة درج منبره فكان بدراً بدا في سحابة عنبر، وأسال الدموع بمواعظه الصادقة الصادعة، وأذاب القلوب بحكمه النافذة النافعة، وناب في الأحكام وفصل القضايا المعضلة، وألقى الدروس، فجلا دياجي المسائل المشكلة، وجلس في المحافل فكانت تفاصيل الرياسة فيه مُجمَلة.
стр. 2997
وتصدّر في المجالس فما شك أحدٌ في أن هذا البدر أولى بهذه المنزلة، وطُلب الآن الى الأبواب الشريفة خلّد الله سلطانها، فأعمل الى الأبواب الشريفة ركابه وأحمدَ غُدوَّه إليها وإيابه، وسيكون قدومه عليها مقروناً بالنجح المبين، ومقول سعادته " ادخُلوا مصر إن شاء الله آمنين ".وكان لابد لوظائفه المباركة من يسدّ فيها غيبته، ويقوم فيها إلى أن يقدر الله أوبته.
فلذلك رسم بالأمر العالي أن يستنيب عنه في الخطابة الشريفة وغيراها مما هو به معذوق ومنوط بمباشرته من يراه أهلاً لذلك، ويعتقد أنه في هذه الجادة خير سالك الى أن يعود بدراً منيراً وينقلب الى أهله مسروراً، والله تعالى يقدّر له السعود حيثما توجّه، ويجعل النجح قرينه في كل سبيل سلك فجّه، والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن محمد
الأمير الفاضل سيف الدين أبو بكر بن صلاح الدين أبي الحسن ابن الملك الأمجد مجد الدين الحسن ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين داود ابن المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
كان فقيهاً فاضلاً، وله شعر، مدح الخليفة والسلطان وقاضي القضاة ابن صصرى والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وأجابه عنها ابن الزملكاني، وأقام بحماة مدة، وحضر المدارس معيداً، ثم إنه عاد الى دمشق وأقام بها. وسمع على الفاروثي وغيره.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة.
стр. 2998
محمد بن محمد بن عبد المنعم
القاضي البليغ الكاتب الناظم الناثر تاج الدين أبو سعد السعدي المعروف بابن البرنباري.
كان كاتباً مطيعاً ومترسّلاً منطقياً، خطه أنهج من الروضة الغنّاء وأخلب للقلب من الحدقة الوسنا. كتب الرقاع والتوقيعات والثّلث من أحسن ما يكون، وكان لبقاً في كتابته وفي الحركات والسكون، وكان خبيراً بمصطلح الديوان وبما يكتبه الى الملوك من صاحب التخت والإيوان، وكان يكتب من رأس القلم، ويأتي في كتبه وتواقيعه بما ينسي نسمات الضال والسلم:
جرى معه الجارون حتى إذا انتهوا ... الى الغاية القصوى جرى وأقاموا
فليس لشمسٍ مذ أنار إنارة ... وليس لبدر حيث تمّ تمامُ
فهو كان أحد الكتاب الكلمة الذين رأيتهم وبعتهم في الاختيار وشريتهم، وخبرتهم وذخرتهم وقرأتهم، والى مآدب هذه الصناعة دعوتهم وقريتهم.
ولم يزل الى أن توجه الى القدس ليزور ويستنتج أم الحظ وهي مِقلاتٌ نزور. فهناك وافاه حمامه، وبكاه من الفضل غمامه، وناح عليه حمامُه.
стр. 2999
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة.
وكتب الإنشاء في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون بالقاهرة في شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ولم يزل من أعيان كتاب الإنشاء، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يستكتبه في البريد، ولم يزل في القاهرة في جملة كتاب الإنشاء الى أن توفي القاضي بهاء الدين أبو بكر بن غانم صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، فرسم له السلطان الملك الناصر محمد بأن يتوجه مكانه، فتوجه الى طرابلس ونائبها يومئذ الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، فرأس هناك، وعمل الوظيفة هناك على القالب الجائر، وداخل النوّاب، وصار هو عبارة عن الدولة.
وفي سنة خمس وأربعين وسبع مئة كان في الشتاء نائماً هو وأولاده، فجاء سيل عظيم، وكانت داره على النهر، وكان للسيل ضجة من الناس وضوضاء، فقام من فراشه ليعلم ما الخبر وعاد فلم يجد داراً ولا سكاناً، وراح البيت وولداه، وأحدهما موقع والآخر ناظر الجيش، وجميع ما في البيت الى البحر. وانتبه الناس لهذه المصيبة العظمى، وركب النائب وتوجهوا الى البحر الى أن طلع الضوء وقذف الموج ولديه وهما ميتان، فأخذوهما وعمّر لهما تربة عظيمة هناك. وصدعت واقعته قلوب الناس في الشام ومصر. وأما هو فإنه داخله هلعٌ عظيم واختلط عقله، وبعث الى مصر يسأل الإعفاء والإقالة، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية، فكتبت لولده شرف الدين عبد الوهاب توقيعاً، ونسخته:
стр. 3000
رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي، لازال يجبر بفضله مَن أصيب، ويغمر بإحسانه من فقد الدار والحبيب، ويعمر برفده من مُني من خطب الأيام بأوفر نصيب أن يرتب المجلس السامي القاضي شرف الدين في كذا جبراً لأبيه المصاب في غُصنيه اليانعين، وحصنيه المانعين، وبدريه الطالعين ونسريه الطائرين بجناح حياته، فأصبحا في حبائل الردى واقعين، وسرّيه المخبوءين في سواد عينه، وإن كانا بالثناء ضائعين.
فليباشر ذلك مباشرة أُلفت من بيته، وأجرت فارسَ بلاغتهم من طرسه ونقسه على أشهبه وكميته، مقتدياً بطريق أبيه، فهي طريقة مثلى، وحقيقة تُدرس أماليها وتُملى، وحديقة غرائس بنانها تجلّى محاسنها وتجلى، وعريقة في فن الكتابة التي يُفرغ عليها كيس الثناء حين يُملى، لأنه درة تاجه، وقرّة تخلف على أبيه ماضي سروره وابتهاجه، وغرة يُزان بها الفجر عند انصداعه وانبلاجه، مجتهداً في تحرير ما يكتبه وتقرير ما يرْقمه ويهذّبه، حتى تكون روضات الطروس مدبّجة بأزهار كلماته وتسجيعه، وترى وجنات هوامش القصص مطرزة بغدار توقيعه، والوصايا كثيرة، وتقوى الله تعالى ملاك ما نأمره باتّباعه، وأسلاك الدرر التي يؤم غيثها في انتجاعه، فلا يألف إلا حماها، ولا يرشف إلا لماها، والخط الكريم أعلاه الله وشرّفه أعلاه حجةً في ثبوت العمل بما اقتضاه إن شاء الله تعالى.
وكان القاضي تاج الدين قد أقام بعد ذلك بطرابلس على حاله الى أن تولى نيابة طرابلس الأمير سيف الدين بيدمر البدري في أوائل سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فعُزل من كتابة سرِّ طرابلس، وطالبه الناس بحقوق، فأقام هناك الى أن خرج منها وحضر
стр. 3001
الى دمشق في أواخر السنة المذكورة، وأقام بدمشق مدة، ثم توجه الى القاهرة وأقام بها مدة، الى أن رُتّب موقّعاً في الدست بدمشق، فحضر إليها في شهر رجب، فيما أظن سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. ولم يزل على حاله الى أن توجه الى القدس، وتوفي في يومين في التاريخ.
وكنت أنا قد كتبت إليه بعد خروجي من مصر متوجهاً الى الرحبة كاتب الدّرج:
لما أتيت دِمشقاً بعد مصر وفي ... عطفيَّ منك بقايا الفضل للراجي
عُظِّمتُ من أجل مولانا وصحبته ... وقيل هذا بمصر صاحبُ التاج
وينهي بعد رفع الدعاء، وحمل لواء الولاء، وإشادة بناء الثناء، أن المملوك سطّرها وشوقُه قد ضاقت به الرحبة، وأغار على مثاقيل الصّبر فما ترك عند حبّة القلب حبة، وذكّره الأيام السالفة، حتى عاد نسيبه بها أعظم نسبه:
كأني لم أكن في مصرَ يوماً ... قطعْتُ به الوصال مع الأحبه
ونلتُ القرب من سادات دَسْتٍ ... محلّهم علا كيوانَ رُتبه
إذا عانيت في الإنشا حُلاهم ... تراهم بالنجوم الزهر أشبه
وإن سابقتهم علماً وفضلاً ... فأنت إذا نطقت سُكَيْتَ حلبه
فما ابن الصيرفي إذا أتاهم ... يُساوي عندهم في الفضل حبّه
خصوصاً تاجهم سقي الغوادي ... محلٌّ ضمّه واخضلّ تُربه
إذا أخذ اليراع فليس بين ال ... طروس وبين زهر الروض نسبه
وإن نطق استبان المرءُ منه ... محاسن تستبي في الحال لُبَّه
стр. 3002
وليس الملك محتاجاً الى أن ... يُعدّ كتائباً إن عدّ كتبه
له الفضلان في نظم ونثر ... إذا ما جال في شعر وخطبه
أيا مولاي عفواً عن محبّ ... تهجّم فالبعاد أذاب قلبه
بعثتُ بها إليك عسى تراها ... على بعد من المملوك قربه
فكتب هو الجواب:
شكراً لغرس بروض الفضل قد نبتا ... وودّه في صميم القلب قد ثبتا
أهدى إليّ كتاباً كنت أرقُبُه ... أزال عني من عيث النوى العَنَتا
مباركاً جاء بالحسنى فأحْسنَ لي ... وكيف لا وهو من عند الخليل أتى
لا زالت ألفاظه حلية الممالك، وودّه في النفوس ثابتاً وللقلوب خير مالك، ومنزله من فضل الله رحيب الساحات معموراً بالسماحات في رحبة مالك، وينهي ورود مشرّف سمح ببيانه، ونفح بعرفانه، وجنح الى عوائد إحسانه ولمح أشرف المعاني بإنسانه، وربح إذا بدا بفصل خطابه وفضل بنانه، أبى الله إلا أن يكون له الفضل في ابتدائه، والفوز بسبق تحيته وإنشائه، فقبّله المملوك تقبيلاً، وفضّه فإذا البيان جاء معه كان قَبيلا، ورأى أدباً غضاً، ونظماً ونثراً فاقا مَن سلفَ عصرَه وتقضّى. ولقد ذكر مولانا بأوقات قُربه، على أن المملوك ما زال يذكرها، وأقرّ عيناً ما برحت تشهد محاسنه وتنظرها:
أبلغ أخانا أدام الله نعمته ... أني وإن كنتُ لا ألقاه ألقاه
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
стр. 3003
ولقد تجمّلت بمولانا جهة تصدّر أخبارها بأقلامه، وتصْدر مهماتها بمتين كلامه، ويبدو صلاحُها بألفاظه التي هي كالزُلال في رقته والدُرّ في نظامه، فبسط الله ظلال مَن أمتع هذه المملكة بمولانا، وسيّر ركابه إليها، وطالما أولاه الخير وأولانا، قد شمل البعيد والقريب بفضله، وعمّر مصر بسؤدده، وغمر الشام بفضله:
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... كرماً ويبعث للبعيد سحائبا
ثم يعود المملوك الى وصف محاسن مولانا التي مكنت في القلب حُبّه، وأرضت بالود مملوكه وتِربه، وشيّدت له في الأفئدة أعظم رتبة:
أتتنا من ودادك خيرُ هبّه ... فنعّمَ طيبها عيش الأحبه
وزارتنا على نأيٍ فأهدت ... لنا أنساً به أنسي تنبّه
تذكّرني بزورتها ائتلافاً ... ووقتاً طالما مُتّعت قربه
نأى عن مصر من مولاي أُنسٌ ... فألْفى بعدها رحباً ورحْبَه
للفظك في الطروس عُقودُ معنى ... بها دُرُّ الترائب قد تشبّه
وخطك لم يزل درّاً ثميناً ... له بالجوهر الشفّاف نسبه
بنانكَ منبر يرقى عليه ... يراعٌ كم لها في الطرس خطبه
خطبت من المعاني كلَّ بكر ... فلبّت بالإجابة خير خطبه
كأنك قد رقيت الأفق عَفوا ... فأعطى طرسُك الميمون شُهبه
فدُمت معظّماً في كل أرضٍ ... تنال من السعود أجلَّ رُتْبه
стр. 3004
وكتب هو إليّ ونحن بالمخيم السلطاني على طَنان ملغزاً:
يا مبدعاً في النظم والنثر ... وفاضلاً في علمه يُثْري
ومودعاً مُهرقه كل ما ... يُزري بحسن الدرّ والتبر
إن أُحكمت ألفاظُه أصبحت ... قواطعاً تربي على البُتْر
ما صامتٌ تنطق أفضالُه ... وكاتمٌ للسرّ في الصدر
تصلحُه الراحةُ لكنه ... يُتعب في الطيّ وفي النشر
قد أشبه البيض ولكنه ... يحتاج يا ذا الفضل للسمر
تفرّق الليل بأرجائه ... كأنه وصلٌ على هجر
يسير عن أوطانه دائماً ... للنفع في البر وفي البحر
إذا كان يوماً ضيف قومٍ غدا ... يقري وخير الناس من يقري
فهات لي عنه جواباً كما ... عوّدتني يا عالي القدر
فحللته في كتاب وكتبت الجواب:
أروضةٌ تبسم عن زهر ... أم أكؤسٌ دارت من الخمر
أم نظم مولانا فإني الذي ... أعدّه من جُملة السِّحر
إذ كلُ حرف منك شمسٌ وإن ... سامَحتَ قلت الكوكبُ الدرّي
يا فاضلاً ما مُشتهى نظمه ... في الناس إلا قطعُ الزهر
وكاتباً أصبح من خطهِ ... يغني عن الخطيّة السُمر
حلَلْتُ ما ألغزته في الذي ... تجلوه لي في حبر الحِبْر
стр. 3005
ما فاه بالنطق ولكنه ... له فنون النظم والنثر
يُخبرنا عما مضى وانقضى ... وما جرى في سالف الدهر
لا يكذب القول إذا ما ورى ... فقد حكى صدق أبي ذرّ
وعنده للحسن ديباجة ... سبيهة بالليل والفجر
ذُرَّتْ على كافوره مِسكةٌ ... ليس لها نشرٌ مع النشر
كم أقسم الباري به مرةً ... مرّت لنا في محكم الذكر
يا حسن ما قد قلت يقري وهل ... تعرف في الأيام من يقري
وما قراه غير سمع الذي ... يبُثُّه باللبّ والفكر
هذا جوابٌ إن تكن راضياً ... به فيا عزي ويا فخري
وإن أكن أخطأت في حله ... فابسط على ما اعتدته عُذري
لا زلتَ ترقى صاعداً في العُلا ... الى محلّ الأنجم الزهر
وكتبت أنا إليه عقيب ذلك:
بلّغك الله الأماني فقد ... أطربني لغزك لمّا أتى
يحلو إذا كرّرت إنشاده ... وكيف لا يحلو وفيه كتا
وكتب إليّ أيضاً ونحن بالمخيم على المنوفية:
طرُق الصواب بك استبان سبيلها ... وبك استقام على السواء دليلها
كم خلّةٍ محمودة أوتيتَها ... في المكرمات وأنت أنت خليلها
ما مُلغَزٌ الفاءُ منه كلامه ... وحروفه ما شانهن قليلها
لا شيء تحجبه وكم من دونه ... من حاجب فعُلاه ثم أثيلُها
стр. 3006
إن طال مُلّ وخيره يا صاح ما ... قد طال والنعماء طاب طويلها
وإذا أهلَّ الوفد من ميقاتهم ... طُويت غمامته وزال طليلها
كم أوضحوا مزقاً فأخفاه ومع ... هذا إبانته دنا تعجيلها
ومحلّه كمحلّ مولانا غَدا ... يسمو فرفعته رسا تأصيلها
فاحلله لا برحت يراعك كالظبى ... فصريرها منه يمدّ صليلها
فحللته في شاش وكتبت الجواب:
جاءت تُدار على النفوس شمولها ... وتُجرُّ من فوق الرياض ذيولها
أبياتك الغُرّ التي أبدعتها ... تُطوى على جُمل الجمال فُصولها
ويسير في الآفاق ذكرك لي بها ... وتهبّ بالإقبال منك قبولها
قد ألغزت لي في مسمى واحد ... وله مقادير تفاوتَ طولها
كغمامة ترخى على ليل الشبا ... ب الغضّ أو صبح المشيب فضولها
لا يستحيل إذا قلَبْتَ حروفه ... بالعكس بل يبقى لها مدلولها
وحروفه بيتٌ وباقي لفظه ... آس على التصحيف رُحت أقولها
هذا الجواب وغاية الفضل التي ... قد نلتها في النظم لست أطولها
فلك النجوم تسير في فلك العلا ... ما شانها بعد الطلوع أفولها
وكتب هو إليّ عقيب ذلك:
المسك منك ختام ... وراحتاك غمام
الخطّ روض نديم ... واللفظ حلو مدام
والسحرُ قولك لكنْ ... السحر أمرٌ حرام
стр. 3007
أجبتني عن معمّىً ... بسرعة لا تُرام
في القلب حُبُّك ثاو ... له أقام غرام
فأنت حقاً خليلٌ ... على الخليل السلام
فكتبت أنا الجواب إليه:
أجوهرٌ أم كلام ... وقهوة أم نظام
أم البدورُ تجلّت ... فانجاب عنها الظلام
أم الحدائق وشّى ... منها البرود غمام
غُصونُها ألفاتٌ ... والهمز فيها حمام
أشبّه السطر كاساً ... فيها المعالي مُدام
أو أعيناً فاتنات ... يصبو لها المستهام
وحشوها السحر بادٍ ... ولا أقول السقام
أقلامك الحمر فيها ... للنائبات سهام
كم قد أصابت لمرمى ... ولم يفُتْها مرام
أثنت عليك المعاني ... والكاتبون الكرام
وقلّدتك المعالي ... إذ أنت فينا إمام
فأنت أشرف تاج ... في فضله لا يرام
له على كل رأسٍ ... فاءٌ وصادٌ ولام
فكتب هو الجواب أيضاً:
ألفاظك الغرّ أضحت ... بُروقهنّ تشام
لأجل ذلك سحّت ... من سحبهن ركام
стр. 3008
فاحبس سيولك إن ال ... بيوت هذي الخيام
مصرٌ بها قد تحلّت ... كما تحلى الشآم
عنها يقصر قسٌ ... والسالفون الكرام
أمثالها سائرات ... وما لهن مقام
بدورها طالعاتٌ ... لها التمام لزام
وفي العشيّ أتتني ... منها وجوه وسام
تُعزى الى العُرْب لما ... يُرعى لديها الذمام
لها العيون عيونٌ ... والنون فيها لثام
فكنّ خير سمير ... حتى تجلّى الظلام
وكلما دار دورٌ ... من خمرها حاء جام
هذا جواب جوابٍ ... قد كلّ منه الكلام
فاستر له كل عاب ... إذ أنت فينا إمام
محمد بن محمد بن عبد الله بن صغير
ناصر الدين، الطبيب المصري.
قرأ الطب والحكمة على والده، والأدب على الشيخ علاء الدين القونوي.
كان فيه ظرف الأدباء، ولطف الحكماء، وخلاعة أهل مصر، وبضاعة تنفق عند أهل كل عصر، لا يطبّ إلا أصحابه، أو بيتَ السلطان وأربابه. وهو من بيت كلهم أطباء، وفضلاء ألبّاء.
стр. 3009
وكان ظريف العشرة، دمث الأخلاق، ولا ينصبُّ إلا الى المجون وفيه يَشره، وكان يلعب بالعود لأناس يختص بهم، ويتوفر على قربهم.
ولم يزل على حاله الى أن لم تجد حيلة البرء فيه خيلة، وراح والأبصار على فقده كليلة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وسألته عن مولده فقال لي: في سنة إحدى وتسعين وست مئة.
وكان من أطباء السلطان، وتوجه معه الى الحجاز في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وحضر من القاهرة الى دمشق متوجهاً على البريد لمداواة الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني نائب حلب فما لحقه إلا وقد تمكّن منه المرض، فعاد ناصر الدين المذكور الى دمشق وقد تغيّر مزاجه من حماة. فأقام في دمشق يمرّض في مدرسة الدنيسري قريباً من خمسين يوماً.
وكان رحمه الله تعالى رزقه قليل، لمتُه يوماً وقلت له: يا مولى ناصر الدين، لو جلست في دكان عطار وعالجت الناس لدخلك كل يوم أربعون خمسون درهماً. فقال: يا مولانا هؤلاء نساء القاهرة إن لم يكن الطبيب يهودياً شيخاً مائل الرقبة، سائل اللعاب وإلا فما لهنّ إقبال عليه.
قلت: يريد بذلك السديد الدمياطي لأنه بهذه الصفة.
стр. 3010
أخبرني من لفظه القاضي الفاضل فخر الدين عبد الوهاب كاتبُ الدرج، قال: دخل يوماً ناصر الدين بن صغير الى الطهارة، فعلم برجله شيء من القاذورات، فكتبت إليه والشيء بالشيء يذكر: توجه سيدي بالأمس مخضّب القدم من هَيولاه، ذا مّا من محله المعمور لما منه يولاه، وما كان في حقه في أمسه تكدير نفسه، ولكل شيء آفة من جنسه، هذه مسألة علكها أكبر لحيين، واشتغل بها اشتغال ذات النحيين، وأظنه قبل قدمه، فخرج على تلك الصورة أو بعض أجزائه، خلع صورة ولبس صورة:
فتى غير محجوب الندى عن صديقه ... ولا يُظهر الشكوى إذا النّعل زلّت
على أنه أكثر منه محافظة ووداً، وأرعى ذمة وعهداً. كم أحرقته نار وجد من أوطانه وأزعجته من مكانه، وهو لا يضمر إلا حباً، ولا يطلب منك إلا قرباً:
لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينةٍ واحده
وأخبرني قال: كتبت إليه ونحن بسرياقوس في أيام الطاعون بمصر:
أظن الناس بالآثام باؤوا ... وكان جزاؤهم هذا الوباء
أسيّد من له قانون علم ... بحيلة برئه يرجى الشفاء
أآجال الورى متقاربات ... بهذا الفضل أم فسد الهواء
стр. 3011
أم الأفلاك أوجبت اتصالاً ... به في الناس قد عاث الفناء
أم استعداد أمزجه جفاها ... جميل الطب واختلف الغذاء
أم اقتربت على ما تقتضيه ... عقيدتنا فللزمن انتهاء
أفِدنا ما حقيقة ما تراه ... فما الأذهان أحرفها سواء
وقلْ ما صحّ عندك من يقين ... بحقٍ لا يعارضُه رياء
فإني غير مفش سرَّ حَبْرٍ ... من المُتشرّعين به حياء
ولا تخلى الأحبة من دعاء ... فمنك اليوم يلتمسُ الدعاء
محمد بن محمد بن علي بن أبي طاهر
القاضي شمس الدين بن جلال الدين الموسوي الحسيني المعروف بقاضي ملطية.
كان خطيباً بملطية مدة، ثم جمع له بين القضاء والخطابة بملطيّة مدة أخرى. ولما حضر الى دمشق بعد فتح ملطية ولي تدريس الخاتونية ظاهر دمشق. واستمر بها الى أن مات في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة، وعمره ستون سنة.
وحجّ من دمشق، وكان قاضي الركب.
وكان عنده حظّ من الأدب، وفيه مشاركة وله شعرٌ، وتولى مكانه القاضي بدر الدين محمد بن الفويرة.
محمد بن محمد بن عثمان
ابن عبد الخالق بن حسن، القاضي الفقيه الإمام العالم المقرئ المحدّث الأديب، فخر الدين أبو عبد الله القرشي المصري الشافعي المعروف بابن المعلم.
стр. 3012
سمع من ابن علان، وابن عبد الهادي القيسي، وجماعة.
وحدّث، وقرأ القراءات، وحفظ المقامات.
وكان فاضلاً، له نظمٌ ونثر. كان يشهر بمصر على باب الجامع، ثم تولى قضاء بلد الخليل ﵇. ولي قضاء أذرعات، ثم صرف عنها.
وولي إعادة الباذرائية الى أن توفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ستين وست مئة.
وفيه سخاء وكرم، وله مصنفات.
محمد بن محمد بن عيسى بن نجّام
ابن نجدة بن معتوق الشيباني النصيبي ثم القوصي، الأديب الشاعر الفاضل المحدّث.
سمع العز الحرّاني، ومحمد بن الحسين الخليلي، وإسماعيل بن علي بن هبة الله بن علي بن المليجي وغيرهم.
وحدث بالبخاري بقص.
وكان له مشاركة في النحو واللغة والتاريخ والبديع والعروض والقوافي. كثير
стр. 3013
المروّة، ظاهر الفتوة، طريفاً لطيفاً خفيفاً، له قدرة على ارتجال الحكاية المطوّلة والشعر، سريع النادرة، قال كمال الدين جعفر الأدفوي: شعره في ثلاثة مجلدات، وكان رزق منه، يمدح القضاة والأمراء والأكابر والتجار. قال: لما جئت الى قوص وجدت بها الشيخ تقي الدين والشيخ جلال الدين الدشناوي فترددت إليهما، فقال لي كل منهما كلاماً انتفعت به، فأما الشيخ تقي الدين فقال لي: أنت رجلٌ فاضل، والسعيد من تموت سيئاته بموته، فلا تهج أحداً. وأما الشيخ جلال الدين فقال لي: أنت رجل فاضل، ومن أهل الحديث، ومع ذلك فأشاهد عليك شيئاً، ما هو ببعيد أن يكون في عقيدتك شيء. وكنتُ متشيّعاً، فتبتُ من ذلك.
وقال: كنتُ مرة عند ابن البصراوي الحاجب بقوص، فحضر الشيخ علي الحريري، وحكى أنه رأى درّة تقرأ سورة يس فقلت: وكان غرابٌ يقرأ سورة السجدة، فإذا جاء عند آية السجدة سجد، وقال: سجد لك سوادي واطمأن بك فؤادي.
وتوفي ﵀ بقوص سنة سبع وسبع مئة. ومن شعره:
إذا ابتسمت من الغَور البروقُ ... تأوّه مغرم وبكى مشوقُ
تذكّرني العقيق وأي صبٍ ... له صبرٌ إذا ذكر العقيق
قلت: في هذا الثاني نظرٌ لا يخفى على مَن له ذوق.
ومنه:
تذكّر بالسّفح باناً وظلا ... فأجرى المدامع وبْلاً وطلا
стр. 3014
يرجّي زماناً تولى يعود ... وليس يعود زمانٌ تولى
كئيبٌ تحمّل ما لا يطيقُ ... له الصخر من ألم البين حملا
يبيت يكابد آلامهُ ... وأسقامه وكما بات ظلا
وضيّع أوقاته في عسى ... وماذا تفيد عسى أو لعلا
ويشرب من ماء أجفانه ... على الظمأ البرْح نهلا وعلا
ومنه:
نعم هي دار من نهوى يقينا ... وما نخشاه ساكنها يقينا
أنيخوا في معالمها المطايا ... فديتكم لنشكو ما لقينا
ذكرنا حُلوَ عيشٍ مرّ فيها ... وما كنا له يوماً نسينا
وكاسات المسرّة دائرات ... تحيينا شمالاً أو يمينا
محمد بن محمد
بن أحمد
جلال الدين الكندي بن تاج الخطباء القوصي.
قال كمال الدين الأدفوّي: سمع من الشيخ تقي الدين القشيري. وكان فقيهاً فاضلاً أديباً، له نظمٌ ونثرٌ وخطبٌ، وكان أمين الحُكم بقوص، وعاقد الأنكحة وفارضاً بين الزوجين، وكان يكتب خطاً حسناً لا يماثله أحدٌ بقوص.
اجتمعت به كثيراً بقوص، ثم إنه أقام بغرب قُمولا، وتوفي بها سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وأورد له من شعره:
стр. 3015
يا غاية منيتي ويا مقصودي ... قد صرتُ من السقام كالمفقود
إنْ كان بدَتْ مني ذنوبٌ سلفت ... هبها لكريم عفوك المعهود
وأورد له أيضاً:
هل الى وصل عزّة من سبيل ... والى رشف ريقها السلسبيل
غادةٌ جرّدت حسام المنايا ... مُصْلتاً من جفون طرف كحيل
قد أصابت مقاتلي بسهام ... فوّقتها من جفنها المسبول
أبرزت مبدعاً من الحسن يفدى ... بنفوس الورى بوجهٍ جميل
وأورد له أيضاً:
دعوى سلامة قلبي في الهوى عجبٌ ... وكيف يسلم من أودى به الوصَبُ
أضحت سلامته منكم على خطر ... لا تسلموه ففي إسلامه نصَبُ
شربت حبّكم صرفاً على ظمأ ... وكنت غرّاً بما تأتي به النوبُ
لا يمنعنّكُم ما قال حاسدُنا ... عن الدنوّ فأقوال العِدا كذبُ
محمد بن محمد
المعروف بابن الجبَلي الفَرجوطي.
كان له مشاركة في الفقه والفرائض، وله معرفة بالقراءات، وله أدبٌ وشعرٌ ومعرفة. يحل الألغاز والأحاجي.
وكان ذكياً، جيّد الإدراك خفيف الروح، حسن الأخلاق، كفّ بصره في آخر عمره.
следующие страницы →