← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

أم الأفلاك أوجبت اتصالاً ... به في الناس قد عاث الفناء أم استعداد أمزجه جفاها ... جميل الطب واختلف الغذاء أم اقتربت على ما تقتضيه ... عقيدتنا فللزمن انتهاء أفِدنا ما حقيقة ما تراه ... فما الأذهان أحرفها سواء وقلْ ما صحّ عندك من يقين ... بحقٍ لا يعارضُه رياء فإني غير مفش سرَّ حَبْرٍ ... من المُتشرّعين به حياء ولا تخلى الأحبة من دعاء ... فمنك اليوم يلتمسُ الدعاء محمد بن محمد بن علي بن أبي طاهر القاضي شمس الدين بن جلال الدين الموسوي الحسيني المعروف بقاضي ملطية. كان خطيباً بملطية مدة، ثم جمع له بين القضاء والخطابة بملطيّة مدة أخرى. ولما حضر الى دمشق بعد فتح ملطية ولي تدريس الخاتونية ظاهر دمشق. واستمر بها الى أن مات في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة، وعمره ستون سنة. وحجّ من دمشق، وكان قاضي الركب. وكان عنده حظّ من الأدب، وفيه مشاركة وله شعرٌ، وتولى مكانه القاضي بدر الدين محمد بن الفويرة. محمد بن محمد بن عثمان ابن عبد الخالق بن حسن، القاضي الفقيه الإمام العالم المقرئ المحدّث الأديب، فخر الدين أبو عبد الله القرشي المصري الشافعي المعروف بابن المعلم.

стр. 3012

سمع من ابن علان، وابن عبد الهادي القيسي، وجماعة. وحدّث، وقرأ القراءات، وحفظ المقامات. وكان فاضلاً، له نظمٌ ونثر. كان يشهر بمصر على باب الجامع، ثم تولى قضاء بلد الخليل ﵇. ولي قضاء أذرعات، ثم صرف عنها. وولي إعادة الباذرائية الى أن توفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ستين وست مئة. وفيه سخاء وكرم، وله مصنفات. محمد بن محمد بن عيسى بن نجّام ابن نجدة بن معتوق الشيباني النصيبي ثم القوصي، الأديب الشاعر الفاضل المحدّث. سمع العز الحرّاني، ومحمد بن الحسين الخليلي، وإسماعيل بن علي بن هبة الله بن علي بن المليجي وغيرهم. وحدث بالبخاري بقص. وكان له مشاركة في النحو واللغة والتاريخ والبديع والعروض والقوافي. كثير

стр. 3013

المروّة، ظاهر الفتوة، طريفاً لطيفاً خفيفاً، له قدرة على ارتجال الحكاية المطوّلة والشعر، سريع النادرة، قال كمال الدين جعفر الأدفوي: شعره في ثلاثة مجلدات، وكان رزق منه، يمدح القضاة والأمراء والأكابر والتجار. قال: لما جئت الى قوص وجدت بها الشيخ تقي الدين والشيخ جلال الدين الدشناوي فترددت إليهما، فقال لي كل منهما كلاماً انتفعت به، فأما الشيخ تقي الدين فقال لي: أنت رجلٌ فاضل، والسعيد من تموت سيئاته بموته، فلا تهج أحداً. وأما الشيخ جلال الدين فقال لي: أنت رجل فاضل، ومن أهل الحديث، ومع ذلك فأشاهد عليك شيئاً، ما هو ببعيد أن يكون في عقيدتك شيء. وكنتُ متشيّعاً، فتبتُ من ذلك. وقال: كنتُ مرة عند ابن البصراوي الحاجب بقوص، فحضر الشيخ علي الحريري، وحكى أنه رأى درّة تقرأ سورة يس فقلت: وكان غرابٌ يقرأ سورة السجدة، فإذا جاء عند آية السجدة سجد، وقال: سجد لك سوادي واطمأن بك فؤادي. وتوفي ﵀ بقوص سنة سبع وسبع مئة. ومن شعره: إذا ابتسمت من الغَور البروقُ ... تأوّه مغرم وبكى مشوقُ تذكّرني العقيق وأي صبٍ ... له صبرٌ إذا ذكر العقيق قلت: في هذا الثاني نظرٌ لا يخفى على مَن له ذوق. ومنه: تذكّر بالسّفح باناً وظلا ... فأجرى المدامع وبْلاً وطلا

стр. 3014

يرجّي زماناً تولى يعود ... وليس يعود زمانٌ تولى كئيبٌ تحمّل ما لا يطيقُ ... له الصخر من ألم البين حملا يبيت يكابد آلامهُ ... وأسقامه وكما بات ظلا وضيّع أوقاته في عسى ... وماذا تفيد عسى أو لعلا ويشرب من ماء أجفانه ... على الظمأ البرْح نهلا وعلا ومنه: نعم هي دار من نهوى يقينا ... وما نخشاه ساكنها يقينا أنيخوا في معالمها المطايا ... فديتكم لنشكو ما لقينا ذكرنا حُلوَ عيشٍ مرّ فيها ... وما كنا له يوماً نسينا وكاسات المسرّة دائرات ... تحيينا شمالاً أو يمينا محمد بن محمد بن أحمد جلال الدين الكندي بن تاج الخطباء القوصي. قال كمال الدين الأدفوّي: سمع من الشيخ تقي الدين القشيري. وكان فقيهاً فاضلاً أديباً، له نظمٌ ونثرٌ وخطبٌ، وكان أمين الحُكم بقوص، وعاقد الأنكحة وفارضاً بين الزوجين، وكان يكتب خطاً حسناً لا يماثله أحدٌ بقوص. اجتمعت به كثيراً بقوص، ثم إنه أقام بغرب قُمولا، وتوفي بها سنة أربع وعشرين وسبع مئة. وأورد له من شعره:

стр. 3015

يا غاية منيتي ويا مقصودي ... قد صرتُ من السقام كالمفقود إنْ كان بدَتْ مني ذنوبٌ سلفت ... هبها لكريم عفوك المعهود وأورد له أيضاً: هل الى وصل عزّة من سبيل ... والى رشف ريقها السلسبيل غادةٌ جرّدت حسام المنايا ... مُصْلتاً من جفون طرف كحيل قد أصابت مقاتلي بسهام ... فوّقتها من جفنها المسبول أبرزت مبدعاً من الحسن يفدى ... بنفوس الورى بوجهٍ جميل وأورد له أيضاً: دعوى سلامة قلبي في الهوى عجبٌ ... وكيف يسلم من أودى به الوصَبُ أضحت سلامته منكم على خطر ... لا تسلموه ففي إسلامه نصَبُ شربت حبّكم صرفاً على ظمأ ... وكنت غرّاً بما تأتي به النوبُ لا يمنعنّكُم ما قال حاسدُنا ... عن الدنوّ فأقوال العِدا كذبُ محمد بن محمد المعروف بابن الجبَلي الفَرجوطي. كان له مشاركة في الفقه والفرائض، وله معرفة بالقراءات، وله أدبٌ وشعرٌ ومعرفة. يحل الألغاز والأحاجي. وكان ذكياً، جيّد الإدراك خفيف الروح، حسن الأخلاق، كفّ بصره في آخر عمره.

стр. 3016

قال كمال الدين الأدفوي: اجتمعت به كثيراً، وأنشدني من شعره وألغازه. وتوفي رحمه الله تعالى بفرجوط في المحرم سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. وأورد له: وشاعر يزعم من غرةٍ ... وفرْط جهل أنه يشعر يصنف الشعر ولكنه ... يحدّث من فيه ولا يشعر وأورد له في النبق: انظر الى النبق في الأغصان منتظماً ... والشمس قد أخذت تجلوه في القُضُب كأن صفرته للناظرين غَدَت ... تحكي خلاخل قد صيغت من الذهب محمد بن محمد الصدر الأصيل العَدل الرضي شرف الدين أبو عبد الله ابن العدل الرضي شرف الدين أبي عبد الله بن أبي الفتح نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي ابن القلانسي. سمع صحيح مسلم من الرضي بن البرهان، وروى منه أربعين حديثاً، وله إجازة من عثمان ابن خطيب القرافة وعبد الله بن الخشوعي وجماعة. وكان من أعيان دمشق وأكابرها، وباشر وكالة السلطان مدة. وكانت حرمته وافرة وأخلاقه حسنة، وشهد في القيم مدة مع الأكابر، ثم إنه تركها مدة. وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت ثاني عشر صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة.

стр. 3017

ومولده سابع عشري صفر سنة ست وأربعين وست مئة بدمشق. وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين محمود الى أولاده القاضي جمال الدين والقاضي علاء الدين ومحيي الدين يعزيهم بما أنشدنيه لنفسه إجازة: لو سالم الدهر ذا مجدٍ لسؤدده ... ثنى عن الشرف العالي سُطا يده ولو تحامى الردى ذا مفخر وتقى ... ونائل كفّ كفّاً عن محمّده لكنه طالبٌ لا حصن منه فمن ... أرجاه في يومه فاجاه في غده ومنهل ما لحيٍ في الورى صدرٌ ... إلا عن الريّ من إثناء مَورده كم فضّ جمعاً وكم أخلى حمى شرف ... برغم أهليه من اثار سيّده فلا علوّ أخي فضل بعاصمه ... منه ولا مجد ذي مجد بمخلده فحقُّ من كان هذا الموت غايته ... بدء العزاء به من يوم مولده لله طودُ حجىً زانت خلائقه ... نجاده وأبانت طيب محتده حرٌ تقيٌ نقي طاهر ورع ... قد آمن الناس من فيه ومن يده عفّ السريرة لا يطوي على ذحل ... مَغيب من غاب عنه مثل مشهده سيّان ظاهره صفوٌ وباطنه ... بل ودّه المحض أجلى من تودّده مُغضٍ عن الناس لا يعنيه عيبهم ... مغرىً بمنزله فيهم ومسجده لله عهد مضى أيام تجمعنا ... عصر الصبا نَسقاً في سلك معهده وكلنا حافظٌ عهد الصفاء له ... شاء الوفاء يراعي حفظ موعده ففرقّ الدهر سهم البُعد ثم بَدا ... بخَيرنا فرماه عن تعمّده قضى ولم أقضِ من توديعه وطراً ... ولم أكن حاضراً ما بين عُوَّده فبات يخذلني صبري وينجدني ... دمعي وما خاذلٌ صبّاً كمنجده أخشى على ناظري دمعي فيكحلني ... تسهّدي من دجى ليلي بأثمده مضى وها أنا أقْفو إثْره والى ... كم يبطئ المرء أمسى دون مقصده

стр. 3018

وما مضى من رقَتْ أبناؤه رتَباً ... لم يرقَها وعلوا عن أفقِ مصعده وساد منها عليّ ما وهى وعلا ... محمود في كل مجد فوقَ فرقده ثلاثة نظموا عقد العُلا فغَدا ... يختال في مجدهم لا في زبرجده أوصيتهم باصطبار لم أجده ففي ... حسن التبصّر تمهيد لمرقده فجاده صَوب رِضوان يَسحُّ إذا ... سحّ العِهاد عليه في تغمّده ولا خلا أفْقُ هذا البيت من شرفٍ ... تثني مفاخِره أبصارَ حُسّده يقبّل اليد العالية المولوية القضائية الجمالية، لا زالت جزيلة الثواب، جميلة المآب، غنيّة بما منحها الله من العلم عن الدلالة على الصواب، آمنة بحلاوة التلقّي لأمر الله بالعدول عن مراجعة التجرّع لصاب المصاب، وينهي أنه اتصل به ما قدّره الله من وفاة المولى السيد الوالد تعمّده الله برضوانه وبوّأه فسيح جنانه، فأجرى دموعه، ونفى هجوعه، وصدع قلبه، وأطار لبّه، وأطال ألَمه، وأطابَ عدمَه، وألزم الحصر لسانه، وألقى قلمه، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، امتثالاً لأمره، وصبراً على حلو القضاء ومرّه، مات والله الصاحب الذي كان للمملوك يعقد على محبته الخناصر، ويستند من أخوّته الى نسبة صفاءٍ ثابتة الأواصر، ويأنس ببقائه، ويعلل نفسه بلقائه، فاجْتُثّ بوفاته أصلُ الوفا، وتكدّر بذهابه وِرد الصّفا، وذهب الودّ إلا باللسان، وتنكّرت بين المعارف وجوه الإحسان الحِسان، وعدمت الرّياسةُ راسَها وفي الرياسة أكثرها، وفقدت المعالي عينها فلم يبقَ إلا أثرُها، فلله تلك النفس ما كان لتقاها، وتلك الشيم ما كان أطهرها وأنقاها، وذلك اللسان ما كان أقدره على

стр. 3019

ملكه نطقه، وألهجه في المقال بحق صدقه، وذلك النظر ما كان أغضّه عن المحارم وأبصره بالمكارم، وأغضاه عن النقائص والمعايب، وأشبهه بسمعه عن الإصغاء الى المذامّ والمثالب، نضّر الله ذلك الوجه الكريم ولقّاه نُضرة النعيم وتقبّل أعماله، وبلّغه عند القدوم عليه من عَفوه سولَه، ومن رضاه آماله. والمملوك فقد تأهّب المحاب بإخوانه، ولم يخادع نفسه الحداد عند أوانه، وإذا تقدّم الرّفاق لم يبق إلا الرحيل على آثارهم، والاستقرار للنزول معهم في دارهم. فالله يجمعنا في مستقرّ رحمته، ويجعلنا ممّن جعل الثبات عند الممات من فواتح فضله عليه ونعمته، على أنه ما فُقد من جمال بيته باق ببنيه في الوجود، ولا عدم من علاوة راقٍ بأولاده الى رتب القعود، ولا ذهب مَن لم تخل معاليه من ذي مقام محمود، فعمله الصالح ببقائهم متصل المواد، وثناؤه السائر بدوام ارتقائهم آخذ في الازدياد، والمملوك يقبّل اليد العلائية واليد المحيوية، ويكتفي بهذه الخدمة عن تجديد تعزيتهما بما يهيج الأسى والأسف ويعتذر للدهر ببقاء الموالي، فعفا الله عما سلف، وعمّن سلف بمنّه وكرمه. محمد بن محمد الشيخ الإمام والعالم الفاضل شمس الدين السفاقسي. تقدّم ذكر أخيه ابراهيم في الأباره، وكانا فقيهين مالكيين.

стр. 3020

حضر شمس الدين هذا الى دمشق وأنا بها رأيته، وكان شكلاً حسناً مليح الوجه أظنه لم يبلغ الأربعين. وأقام بدمشق بعض سنة أو أكثر، وأقرأ الناس بالجامع الأموي، ثم توجه الى حلب فحظي هناك، وتصدر وأفاد، وولي وظائف. ولم تطل مدّته حتى توفي ﵀ في حلب ليلة الإثنين ثاني شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مئة. سألت شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فأثنى عليه ثناء كثيراً، وقال: له على مختصر ابن الحاجب بعض شرح، وشرح قصيدة ابن الحاجب في العروض. محمد بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسين بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته. الشيخ شمس الدين الفارقي الأصل، المصري المولد، والد الشاعر جمال الدين محمد بن نباته. كان الشيخ شمس الدين هذا من أشياخ الحديث بدمشق، وكان ساكناً خيراً قليل الكلام، منجمعاً عن الناس. وكان يباشر شهادة الخاص بداريا ودومة. وكان كل ما يحصّله ينفقه على أحفاده أولاد ولده. وتولى دار الحديث النورية بدمشق بعد الشيخ زين الدين بن المزي، وكان في الديار المصرية شاهداً بديوان الجاشنكير.

стр. 3021

وسمع من العزّ الحرّاني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وأبي بكر بن إسماعيل الأنماطي وغيرهم، وكان له بدمشق سكن بالظاهرية، سمعت عليه بعض أجزاء بدمشق، وأجاز لي بخطه سنة ثلاثين وسبع مئة. وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني صفر سنة خمسين وسبع مئة. ومولده بمصر سنة ست وستين وست مئة. محمد بن محمد بن مينا بميم مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة وبعدها نونٌ وألف ممدودة، الشيخ الإمام الفاضل العالم شمس الدين البعلبكي الشافعي. سمع من القاسم بن عساكر، ومن عيسى المطعّم وغيرهما. وكان فقيهاً فاضلاً، عارفاً بالجدال مناضلاً، قرأ الفقه وبرع، وبلغ غايةً قصّر عنها من شرد حظه لما شرع، وكان على ذهنه إشكالات في المذهب، وإيرادات من ناظره فيها سبقه ولو كان أشهب. وعنده شكوك في غير الفقه عَقِدة، ومؤاخذات يتعب بها منتقيه ومنتقده، إلا أنه ينحرف كثيراً، ويهدم بذلك له مجداً أثيراً. ولم يزل على حاله الى أن حلّت المنايا بابن مينا، ولم ينفعه طبّ ابن سينا. وتوفي ﵀ في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق وهو في حدود الخمسين. اجتمعت به غير مرة، وكتب عني شيئاً، وكان يعجبني ذهنه وحديثه، وكان

стр. 3022

الشيخ كمال الدين بن الزملكاني يثني على ذهنه، وكان قد توجّه الى بغداد بعدما أفتى وناظر وأعاد بالنظامية وعاد الى دمشق، وسكن الرواحيّة. وما كان يخلو من تعبّد، وتولى قضاء الإقليم بدمشق، وخلّف لما مات دنيا صالحة، ووصّى بأن يصرف ثلث ماله على فقراء الفقهاء، كل إنسان عشرة دراهم. محمد بن محمد بن يعقوب القاضي عماد الدين الأنصاري المصري المعروف بابن النويري، بالنون والواو والياء آخر الحروف والراء. كان من أجود الناس طباعاً، ويحفظ الكتاب العزيز ويتلوه كثيراً، ويصوم الخميس دائماً، وله عقيدة في الفقراء وخدم في الأنظام الكبار بمصر والشام. تولى نظر المرج والغوطة والإقليم، ونقل من ذلك الى صحابة الديوان بدمشق والى نظر صفد، باشره غير مرة، والى نظر الكرك مدة طويلة، وأعيد بعده الى صفد، وآخر وقت ولي ديوان طرابلس. وتوفي رحمه الله تعالى في عشر الثمانين، ورأيته بصفد غير مرة، وكانت وفاته في طرابلس في حادي عشر شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة. محمد بن محمد بن عطايا الوزير سعد الدين. كان أولاً ناظر البيوت بالقاهرة، ورسم له بالوزارة في ثاني عشر شهر رمضان سنة

стр. 3023

أربع وسبع مئة، وأقام في الوزارة الى أن عُزل عنها بضياء الدين النشائي في أوائل سنة ست وسبع مئة. محمد بن محمد بن إبراهيم ابن أبي القاسم، الشيخ الإمام المعمّر المسند صدر الدين أبو الفتح المَيْدومي، بفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف والدال المهملة والواو الساكنة وبعدها ميم، خاتم أصحاب النجيب عبد اللطيف. توفي عن تسعين سنة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة. انتخب عليه خلق من عواليه. محمد بن محمد بن الحارث ابن مسكين، القاضي الإمام فخر الدين القُرشي الزّهري نائب الحاكم بمصر والقاهرة. حدّث عن الشهاب القرافي ببعض تصانيفه، وعن عبد السلام الدميري وغيرهما، وأجاز له جماعة. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة إحدى وستين وسبع مئة. وكان قد أجاز لي رحمه الله تعالى بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله ابن محمد بن هبة الله بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الفارسي الشيرازي

стр. 3024

الأصل، الدمشقي ثم المزّي، الرئيس شمس الدين أبو نصر بن عماد الدين الكاتب ابن أقضى القضاة شمس الدين أبي نصر. سمع من جده حضوراً، ثم سماعاً، ومن عمّه تاج الدين، ومن علم الدين السّخاوي، والعَلم ابن الصابوني، والمؤتمن بن قميرة، وأبي إسحاق بن الخشوعي، وبهاء الدين بن الجُميزي، وجماعة. وأجاز له الشيخ شهاب الدين السهروردي، وبهاء الدين بن شداد، وإسماعيل بن باتكين، وابن روزبة، وخلق كثير. وتفرّد بأجزاء وعوالي، وازدحم الطلبة عليه، وألحق الصغار بالكبار. وانتقى له الشيخ صلاح الدين العلائي والبرزالي وشمس الدين الذهبي. وكان ساكناً وقوراً متواضعاً، نزر الحديث منجمعاً عن الحديث الناس، له ملك يعيش منه. وكان بارعاً في تذهيب المصاحف، وظهرت فيه مبادئ اختلاط في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة. محمد بن محمد بن محمد بن أحمد القاضي زين الدين أبو حامد بن تقي الدين العثماني الشريشي القنائي الشافعي. اشتغل بالفقه على الشيخ جلال الدين أحمد الدشناوي وأجازه بالفتوى، وسمع منه.

стр. 3025

وكانت له مشاركة في الأصول والنحو والأدب. وخطّه حسن، وله يد في الوراقة. وتولى القضاء بأدفو وأسوان وتولى قفط، وقنا، وهُوْ، وعيذاب، وكان حسن السيرة، مرضيّ الطريقة، قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة خمس وسبع مئة بقنا. وأورد له كمال الدين الأدفوي أبياتاً من جملة صداق كتبه وهي: أطِل نظراً فيه فلستَ بناظر ... نظيراً له كلاً ولست بواجِدِ وفُزْ من مُحيّاه بلمحة ناظر ... تنَلْ ما تَرجي من سنيّ المقاصد فكلُ سديد منهم ومُسدّدٍ ... وكل تقي عندهم ثم ماجدِ إذا ما اغتدى سمعي بذكرِ صفاتهم ... تُخامر قلبي سَكرةُ المتواجد محمد بن محمد بن محمد ابن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلّد، الشيخ الإمام المفتي بركة والده بدر الدين أبو اليسر ابن قاضي القضاة عز الدين أبي المفاخر الدمشقي الشافعي المعروف ابن الصايغ مدرس الدماغية وأخو القاضي نور الدين قاضي قضاة حلب.

стр. 3026

سمع كثيراً من أبيه، وابن شيبان، والفخر علي، وبنت مكّي، وعدة. وحضر ابن علان. وحدث بصحيح البخاري عن اليونيني، وسمع حضوراً من فاطمة بنت عساكر، وحفظ التنبيه، ولازم حلقة الشيخ برهان الدين. وكان دينه متيناً، وتصوّنه مبيناً. طُلب لقضاء القضاة بدمشق فامتنع، وظهرت عليه أمارات الزَّمع، فعظم قدره، ولزم الناس حمده وشكره. وكان مقتصداً في لباسه وفي أموره بين ناسه، ودرّس وهو أمرد، ولم يبال بمن يناظره أنقضّ عليه أم ردّ، وحجّ غير مرة، وفعل في طريقه كل مبرّة: وكان غريباً في جميع أموره ... له بركاتٌ في الورى وصلاحُ إذا ما ادْلهمّ الليل قام لربّه ... وناجى الى أن يستنير صباحُ ولم يزل على حاله الى أن أصبح أبو اليسر من الحياة مُعسراً، ومكّن الحِمامُ منه مخلباً ومَنسِراً. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة، جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ودفن عند قبر والده بسفح قاسيون، وشيعه الخلائق وحملوه على أكتافهم، وكانت وفاته بعد قاضي القضاة جلال الدين القزويني بليالٍ يسيرة. ومولده سنة ست وسبعين وست مئة. وكان تنكز قد عظّمه واعتقد فيه لما امتنع من ولاية قضاء القضاة، فإنه حُمِل

стр. 3027

إليه تقليده وتشريفه بالقضاء بعد القاضي جلال الدين القزويني في نصف شهر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وحضر إليه الأمراء والناس، فامتنع وتغيّر مزاجه. ثم إن أرباب الدولة عادوا إليه ثانياً، وأدّيت إليه رسالة الأمير تنكز، فأصرّ على الامتناع، فأعيد التقليد الى مصر، وزادت عظمته عند نائب الشام، فولاه خطابة القدس مُديدة، ثم إنه تركها، ولما كان بالقدس طلبه المَقادسة، ودخلوا عليه بسماع الحديث وخرجوا من هذا الى طلب الشفاعات عند ناظر الحرمين، فشفع لهم وأكثر من ذلك، فثقل أمره على الناظر، وشكا في الباطن الى تنكز وقال: هذا يُدخل روحه في غير الخطابة، ويتكلم في الولاية والعزل، فنقص بذلك قدره عند تنكز ثم إنه فيما بعد زار القدس فتعلل هناك، ونُقل الى دمشق ضعيفاً، فأقام أياماً يسيرة، وتوفي ﵀ في التاريخ المذكور. محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر قاضي القضاة نور الدين بن الصائغ، تقدّم تمام نسبه في ترجمة ابن عم أبي اليسر آنفاً. كان خيّراً ساكناً وقوراً، سمع من أحمد بن هبة الله بن عساكر. ولاه الفخري في نوبة الناصر أحمد قضاء العساكر بدمشق، وتوجه مع العسكر الى القاهرة، ثم إنه عُزل بعد ذلك، وبقي على تدريس الدماغية الى أن تولى قضاء القضاة بحلب بعد القاضي بدر الدين بن الخشّاب سنة أربع وأربعين وسبع مئة. ولم يزل بحلب الى أن توفي ﵀ في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.

стр. 3028

ومولده سنة ست وسبعين وست مئة. وباشر القضاء بحلب جيداً وأحبه أهلها لحسن سيرته. محمد بن محمد بن محمد الإمام المحدّث صدر الدين الورّاق البغدادي المصري. قدم دمشق طالباً حديث سنة أربع عشرة وسبع مئة، وسمع من القاضي والصّدر ابن مكتوم وطائفة. وكان ذا حظ حُلو وخُلُق حسن. وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده بعد التسعين وست مئة. محمد بن محمد بن محمد بن محمود المحدّث تقي الدين البخاري الدمشقي الحنفي ابن خطيب الزنجيلية جلال الدين. حفظ القرآن واشتغل في النافع، وسمع كثيراً ونسخ أجزاءً وكتاب الكاشف. وكتب الطباق وسمع ابن سعد والبهاء بن عساكر وعدة، وأخذ عن شيخنا الذهبي.

стр. 3029

وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة ست وسبع مئة. محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن عبد الله بن محمد بن يحيى، الشيخ سعد الدين أبو سعد، ابن الفقيه أبي عمرو بن الحافظ أبي بكر بن سيد الناس اليعمري أخو الحافظ فتح الدين. سمع من ابن الأنماطي، ومن العزّ الحرّاني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وشامية بنت البكري، وجماعة. وحدّث. وكان له نظم. وجلس مع الشهود. توفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة سبعين وست مئة. محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس، الشيخ الإمام، العالم، العلامة، الحافظ، البارع، الأوحد، مجموع الفضائل، الكاتب، الناظم، الناثر، الأديب فتح الدين أبو الفتح ابن الإمام الفقيه أبي عمرو وابن الإمام الحافظ الخطيب أبي بكر اليعمري الأندلسي الإشبيلي ثم المصري. أجاز له في سنة مولده النجيب عبد اللطيف الحراني، وحضر على الشيخ شمس الدين بن العماد الحنبلي، وطلب بنفسه في سنة خمس وثمانين، وقرأ على الشيوخ، فسمع من قطب الدين بن القسطلاني، وغازي الحلاوي، وابن الأنماطي،

стр. 3030

وابن خطيب المزة، وابن ترجم، وابن الخيمي، وابن الفارض، والعزّ الحراني، وشامية بنت البكري، والفخر المَليجي وغيرهم. ورحل الى الاسكندرية وسمع من شيوخها، ورحل الى دمشق سنة تسعين وست مئة وسمع من بعض أصحاب الكندي وابن الحرستاني وابن ملاعب. نقلت من خط شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى: وتنزّل في الأخذ الى أصحاب سبط السلفي، ثم أصحاب الرشيد العطار قال: وكاد يدرك الفخر بن البخاري ففاته بليلتين، ولعل مشيخته يقاربون الألف ونسخ بخطه، واختار وانتقى شيئاً كثيراً، ولازم الشهادة مدة، قال: جالسته مرات وبت معه ليلة، وسمعت بقراءته على الرضى النحوي. وكان طيب الأخلاق بسّاماً، صاحب دعابة ولعب، وكان صدوقاً في الحديث، حجةً فيما ينقله، له بصرٌ نافذٌ في الفن، وخبرة بالرجال وطبقاتهم، ومعرفة في الاختلاف، ويدٌ طولى في علم اللسان ومحاسنة جمة. انتهى. ونقلت من خط شيخنا البرزالي قال: كان أحد الأعيان معرفة وإتقاناً وحفظاً وضبطاً للحديث وتفهّماً في علله وأسانيده، عالماً بصحيحه وسقيمه، مستحضراً للسيرة النبوية، له حظ من العربية، جيّد الضبط حسن التصنيف، صحيح العقيدة، صحيح القراءة، مع الشُّرعة التامة، حسن الأخلاق، جميل الهيئة، كثير التواضع،

стр. 3031

طارحاً للتكلّف، طيب المجالسة، حلو المعاشرة، خفيف الروح، ظريفاً كيّساً متودداً الى الناس، له الشعر الرائق والنثر الفائق والترسّل البديع. وكان محباً لطلبة الحديث، وصنّف سيرة نبوية لخص فيها سيرة ابن هشام وشرع في شرح الترمذي، عمل منه الى الصلاة، جمع فيه فأوعى، وله القصائد النبوية الفائقة، ولم يخلف في مجموعه مثله، انتهى. وقال كمال الدين الأدفوي في تاريخه البدر السّافر: ولازم الإمام أبا الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، وتخرّج به، وقرأ عليه في أصول الفقه وحفظ التنبيه في مذهب الشافعي، وقرأ المفصّل في النحو على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وبرع في الحديث والأدب، وكتب الخط الحسن بالمغربي والمصري، وحدّث، وسمع منه جمع كثير من الشاميين والمصريين وغيرهم، وصنّف في السير كتابه المسمّى عيون الأثر وهو كتاب جيد في بابه، وشرع بشرح الترمذي ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمُل تصنيفه وتمّ ترصيفه وكان يفيد، ولكنهقصد أن يتّبع شيخه الإمام ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد. انتهى. قلت: وعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب كان شيخنا المذكور حافظاً بارعاً، متوقّلاً هضبات الأدب فارعاً، متفنناً بليغاً في إنشائه، ناظماً ناثراً مترسّلاً، لم يضمّ الزمان مثله في أحشائه، خطه أبهج من حدائق الأزهار، وآنقُ من صفحات الخدود المطرّز وردها بآس العذار، حسن المحاورة مأمون المجاورة، لطيف العبارة، طريف الشارة والإشارة، فصيح الألفاظ، نسي الناس ذكر قسّ سوق عكاظ، كامل الأدوات، جيّد الفكرة في الغوص على درر المعاني

стр. 3032

والأدبيات، صحيح الذهن، يشرق نوره، مليح الفهم، كأنه الصبح إذا ملأ الأفق سفورُه، لا تُملُّ محاضرته، ولا تُذام معاشرته، أدبه غض، والإمتاع بأنسه نضّ، كريم الأخلاق، زكي الأعراق، كثير الحياء والاحتمال، قلما جُرح من إنسان إلا وكان سريع الاندمال. إن كتب فما ابن مقلة عنده إنسان، ولا ابن البوّاب إلا واقف على بابه بعصا القلم يسأله الإحسان، ولا ابن العديم إلا له وزير، ولا الوليّ العجمي إلا وليّ له ونصير. وإن نثر فالعماد مائل عن طريق، وابن الأثير لا يضرب المثل إلا في تحقيقه وتحريره. وإن نظم فابنُ النبيه خامل، وابن الذّروي في الحضيض هامل، والجزار ما حلَت قيمه حلا قيمه، ولا جوّد تعاطي تقاطيفه، والسّراج ما نوّر بل نوّص في شعره وسوّد حائط تواليفه. صحبته مدة فلم أرَ معه من الزمان شدة ونمت معه ليالي، وخالطته أياماً، ورعيت من حسن ودّه أراكاً وبريراً وبشاماً: له هزّة من أريحيّة نفسه ... تكاد لها الأرض الجديبة تُعشِبُ تجاوزَ غايات العقول مواهبا ... تكاد لها لولا العيان تكذّب خلائق لو يلقى زيادٌ مثالَها ... إذاً لم يقل: أي الرجال المهذّب

стр. 3033

عجبت له لم يزهُ تيهاً بنفسه ... ونحن به نختال تيهاً ونعجب ولم يزل على حاله الى أن انضم على فتح الدين قبره وعُدم من كل أحد عليه صبره. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم السبت حادي عشر شهر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن يوم الأحد بالقرافة جوار ابن أبي جمرة وابن عطا قبالة خانقاه بكتمر الساقي، وشيّعه خلقٌ كثير من القضاة والأمراء والفقهاء والجند والعوام، وتقدّم للصلاة عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني. وتعجّب السلطان الملك الناصر محمد من جنازته الحفلة، وسأل عنه فعُرِّف بحاله، فقال: هذا رجل جليل القدر ما نعطي وظائفه إلا لمن يكون مثله. ومولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وست مئة. وكان من بيت رئاسة وعلم، كان ابن عمه أخيراً في زمانه قائداً حاجباً بإشبيلية. وكان عند الشيخ فتح الدين رحمه الله تعالى كتبٌ كثيرة وأصول جيدة كمصنّف ابن أبي شيبة، ومسنده، وجامع عبد الرزاق، والمحلى، والتمهيد، والاستيعاب، والاستذكار، وتاريخ الخطيب،

стр. 3034

والتاريخ المظفّري، وتاريخ ابن أبي خيثمة ومسند البزار ومعاجم الطبراني. وكان قد تفرّد في وقته بالحديث في الديار المصرية. أخبرني من لفظه القاضي الرئيس عماد الدين بن القيسَراني قال: كان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد إذا حضرنا درسه وجاء ذكر أحد من الصحابة أو أحد من رجال الحديث قال: أيش ترجمة هذا يا أبا الفتح، فيأخذ فتح الدين في الكلام ويسرد والناس سكوت، والشيخ مُصغ الى ما يقوله. انتهى. وكان صحيح القراءة سريعها، لم أسمع أفصحَ منه ولا أسرع. وأما خطّه فكان يكتب المصحف في جمعة واحدة، ويكتب سيرته وهي مجلدان كبيران في عشرين يوماً، وأظنه قال لي: لم أكتب على أحد، ولم يرَ أحدٌ أحلى من خطه ولا أظرف. وقال لي: لم يكن لي في العروض شيخ، ونظرت فيه جمعة فوضعت فيه مصنّفاً، ورأيت أنا هذا المصنّف. وصنّف عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير سمعت بعضه من لفظه، واختصر ذلك وسمّاه نور العيون وهو عندي بخطه، وسمعته من لفظه، وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة وسمعته من لفظه وملكته بخطه، والنفح الشذي في شرح الترمذي، ولم يكمل، وكان قد سمّاه العَرف الشذي، فلما اجتمعت به قلت له: سمّه النفح الشذي ليقابل الشرح بالنفح، فسمّاه بذلك، وكتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقرأته عليه بلفظه مشروحاً، ومنح

стр. 3035

المِدَح. وسمعته من لفظه الى ترجمة عبد الله بن الزّبعرى، والمقامات العلية في كرامات الصحابة، وسمعت قصيدتها الميمية من لفظه. وكان بيده من الوظائف مشيخة الظاهرية ومدرسة أبي حليقة على بركة الفيل، ومسجد الرصد، وخطابة جامع الخندق، وكانت له رزق في الديار المصرية، وراتبه في صفد، وما رأيت أحداً محظوظاً مثله، ما رآه أحد إلا أحبه وعظّمه. كان الأمير علم الدين الدواداري يحبّه ويلازمه كثيراً ويقضي أشغال الناس عنده، ودخل به الى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين وقد امتدحه بقصيدة، وقال: أحضرت لك هذا وهو كبير من أهل العلم، فلم يدعه السلطان يبوس الأرض، وأجلسه معه على الطراحة، وهل قام له أو لا، أنا في شك من ذلك، ولما رأى خطه وسمع لفظه قال: هذا ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء، فرتّبه في ديوان الموقّعين، فرأى الشيخ فتح الدين الملازمة ولُبس الخف والمهماز صعباً عليه، فسأل الإعفاء من ذلك، فقال السلطان: إذا كان لابد من ذلك فيكون هذا المعلوم يتناوله على سبيل الراتب، فرتّب له الى أن مات رحمه الله تعالى. وكان الكمالي ينام معه في قرظيّة النوم، وكان كريم الدين الكبير يميل إليه كثيراً ويودّه، ويقضي أشغال الناس عنده، وهو الذي ساعده على عمل المحضر وإثباته بعداوة قاضي القضاة بدر الدين بن جَماعة.

стр. 3036

سمع صحيح البخاري بقراءته على الحجّار، وتعصّب له الأمير سيف الدين أرغون النائب وخلّص له مشيخة الحديث بالظاهرية، ولم أعرف أحداً من أمراء الدولة إلا وهو يحبه ويصحبه ويميل إليه ويجتمع به، وإنما كان الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار والقاضي فخر الدين ناظر الجيش منحرفين عنه قليلاً، وكذلك القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله كان منحرفاً عنه. وأقمت عنده بالظاهرية قريباً من سنتين فكنت أراه في كثير من الأوقات يصلي في كل صلاة مرات كثيرة، وسألته يوماً عن ذلك فقال لي: إنه خطر لي يوماً أن أصلّي كل صلاة مرتين ففعلت ذلك زماناً فخف عليّ، فخطر لي أن أصلي كل صلاة ثلاث مرات ففعلت ذلك زماناً وخفّ عليّ، فخطر لي أن أصلي كل صلاة أربع مرات ففعلت ذلك زماناً وخفّ علي، وأنسيت هل قال لي: خمس مرات أو لا. وكان صحيح العقيدة، جيّد الذهن، يفهم به النكت العقلية ويسارع إليها، ولكنه جمّد ذهنه لاقتصاره به على النّقل، ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه بلغ الغاية القصوى، ولكن كان عنده لعب، على أنه ما خلّف مثله. وكان النّظم عليه بلا كلفة، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن. وفيه قلت أنا: لي صاحب يتمنى لي الرضا أبداً ... كأنما يختشي صدّي وهجراني ويغلب النّظم ألفاظاً يَفوه بها ... فما يُكلّمني إلا بميزان وكتبت له استدعاء بإجازته لي، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة. المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ رحلة

стр. 3037

المحدثين، قبلة المتأدبين، جامع أشتات الفضائل، حاوي محاسن الأوائل والأواخر: حافظ السنّة حفظاً لا ترى ... معه أن يُعمل الناس الأسنّه مركزُ الدائر من أهل النُهى ... فإلى ما قد حوى تُثنى الأعنّه بديع زمانه، نادرُة أوانه، ضابط الأنساب على اختلافها، فهو السيل المتحدّر لا ابنُ نقطة، ناقل العلم الشريف عن سلفه الذي وافق على المراد شرطه، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني جعله في الحُلية قِرطه، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتط، والعبارة تستبق في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم، الذي إذا ترسّل نقصت عنده ألفاظ الفاضل، وعجز عن مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل، أو نظم ثبت الجوهر الفرد خلافاً للنّظام فيما زعم، وتخطى بما بيديه فرق الفرقدين، وترضى النجوم بما حكم، أو أورد مما قد سمع واقعة مات التاريخ في جلده، ووقف سيف حاكٍ عند حده، أو استمد قلماً كف بصره عنه ابن مقْله، ووقف ابن البواب بخدمته يطلب من فضله فُضلهُ، فهو الذي تطير أقلامه الى اقتناص شوارد المغاني فتكون من أنامله " أولي أجنحة مَثنى وثلاثٍ "، وتنبعث فكرته في طلب السنة النبوية وما يكره الله هذا الانبعاث، وتبرز مخبّات المعاني بنظمه ومن السحر إظهار الخبايا، ويعقِد الألسنة عن معارضته، وعقْدُ اللسان لا يكون بغير السحر في البرايا، ويستنزل كواكب الفصاحة من سمائها بغير رصد، ويأتي بألفاظه العذبة، ونورها المشمس وفُحولتها للأسد، ويحل من بيت سيادته بيتاً

стр. 3038

عموده الصّبح وطُنُبه المجرّة، ويتوقّل هضبات المنابر، ويستجنّ حشا المحاريب ويطأ بطون الأسرّة، فتح الدين محمد بن سيد الناس: لا زال روضُ العلم من فضله ... أنفاسُه طيّبةُ النفحِ وكابدا نظما الى نظمه ... أبدى سحابا دائم السحِّ وكيفما حاوله طالبٌ ... في العلم لا ينفكّ ذا نُجْحِ وإن غدا النُهى مُقفلاً ... في الناس نادَوا يا أبا الفتْحِ إجازة كاتب هذه الأحرف جميع ما رواه من أنواع العلوم، وما حمله من تفسير لكتاب الله أو سُنّة عن رسول الله ﷺ ، أو أثر عن الصحابة والتابعين ﵃ ومَن بعدهم الى عصرنا هذا بسماع من شيوخه أو بقراءة من لفظه، أو سماع بقراءة غيره، أو بطريق الإجازة خاصة كانت أو عامة أو بإذن أو مُناوَلة أو وصية كيفما تأدّى ذلك إليه، الى غير ذلك من كتب الأدب وغيرها، وإجازةُ ما له من مقولٍ نظماً ونثراً وتأليفاً وجمعاً في سائر العلوم، وإثبات ذلك بأجمعه الى هذا التاريخ بخطّه إجازة خاصة، وإجازة ما لعلّه يتّفق له بعد ذلك من هذه الأنواع، فإن الرياض لا ينقطعُ زهرُها والبحارَ لا تنفد دررها إجازة عامة على أحد الرأيين عند من يجوّزه. وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. فكتب هو الجواب رحمه الله تعالى: بعد حمد الله المجيب مَن دعاه، القريب ممن نادى نَداه، الذي ابْتعثَ محمّداً بأنواره الساطعة وهداه، وأيّده بصحبه الذين حمَوْا حماه، ونصروه على مَن عاداه،

стр. 3039

وحزبه الذين روَوْ سنّته وروّوْا أسنتهم من عِداه، وشفَوا بإيراد مناهله مَن كان يشكو صداه، وأجابوه لما دعاهم لما يُحييهم إجابة الصارخ صداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تُبلّغهم من الشرف الرفيع غاية مَداه، وسلّم عليه وعليهم تسليماً يسوّغهم مشرع الرضوان عذباً ريّه، سهلاً منتداه. فلما كتبت أيها الصدر الذي يشرح الصدور شفاء، والبدر الذي يبهر العقول سناً وسناءً، والحبر الذي غدا في التماس أزهار الأدب راغباً، ولاقتباس أنوار العلم طالباً، فحصل على اقتناء فرائدها واقتناص شواردها، وأُلفي عقله عقال أوابدها، ومجال مصائدها، ومطار مطاردها، بما أودَعت الألمعية من المعاني المُبْتدعة ذهنه، واستعادته على لسان قلمه وقد ألبسته الفصاحة من حسن تلك الفطنة: زهَرُ الآداب منه يُجْتَنى ... حسنُ الإبداع ما أبدعَ حُسْنه بارعٌ في كل فنّ فمتى ... قال: قال الناس: ما أبدع فنّه ومتى ما فاهَ فاض السحرُ عن ... غامضِ الأفكار منه المرجَحنّه فالآداب، حرسه الله تعالى، رياضٌ هو مجتني غروسها وسماءً هو مجتلي أقمارها وشموسها، وبحر استقرت لديه جواهره وسحر حلال لم تنفث في عصره إلا عن قلمه سواحرُه، فله في فنّي النظم والنثر حمْلُ الرايتين وسبقُ الغابتين، وحوز البراعتين،

стр. 3040

وسرّ الصناعتين، وهو مجمع البحرين، فما طلُّ الغمامة؟، وله النظر الثاقب في دقائقهما، فمَن زرقاء اليمامة، إن سام نظماً فمَن شاعر تِهامَه؟، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قُدامه، فإن وشّى طِرساً فما ابن هلال إلا كالقُلامة، أن أجيز لك ما عندي فكأنما أن أتجاوز حدّي، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الأقران نهج مَهْيَع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وإن لم يكن مَشْرَعه ذلك المَشرع. فنعم قد أجزت لك ما رويتُه من أنواع العلوم وما حملته على الشرط المعروف والعُرف المَعلوم، وما تضمّنه الاستدعاء الرقيم بخطك الكريم مما اقتدحه زندي الشّحاح وجادت به لي السجايا الشحاح من فنون الأدب التي باعُك فيها من باعي أمدّ، وسهمك في مراميها من سهمي أسدّ. وأذنت لك في إصلاح ما تعثُر عليه من الزلل والوهم والخلل الصادر عن غفلة اعترت النقل، أو وَهلة اعترضت الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنّظم، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره مما لعله أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب، وقد أجزتُ لك إجازة خاصة، يرى جوازها بعضُ مَن لا يرى جواز الإجازة العامة، أن تروي عني ما لي من تصنيف أبقيته في أي معنىً انتقيته فمن ذلك ... وذكر رحمه الله تعالى ههنا ما له من التصانيف، وقد ذكرتها آنفاً. وقد أجزت لك أيّدك الله جميع ذلك بشرط التحري فيما هنالك، تبركاً بالدخول في هذه الحلبة، وتمسّكاً باقتفاء السّلف في ارتقاء هذه الرُتبة، وإقبالاً من نشر السنّة على ما هو أمنية المتمني، وامتثالاً لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " بلّغوا عني " فقد أخبرنا أبو العزّ عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله تعالى بقراءة والدي عليه وأنا أسمع

стр. 3041

سنة ست وسبعين وست مئة، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم البغدادي قراءةً عليه وأنا أسمع منه سنة ست مئة، وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وأنا محضر في الخامسة، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعاً عليه سنة أربع وعشرين وخمس مئة: قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في سنة ست وأربعين وأربع مئة، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن يسار السابوري بالبصرة، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري حدثنا محمد بن ابراهيم بن كثير الصوري، حدثنا الفريابي، عن ابن ثوبان، عن حسّان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " بلّغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار ". أبو كبشة تابعي ثقة، والصحيح أنه لا يُعرف اسمه. ومولدي في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وست مئة بالقاهرة، وفي

стр. 3042

هذه السنة أجاز لي الشيخ المُسند نجيب الدين أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرّاني، وكان أبي ﵀ يخبرني أنه كَناني، وأجلسني في حجره، وكان يسأله عني بعد ذلك. وأجاز لي بعده جماعة. ثم في سنة خمس وسبعين حضرت مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان، منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي، وأثبت اسمي في الطباق حاضراً في الرابعة. ثم في سنة خمس وثمانين كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني ﵀ بخطي، وقرأت عليه بلفظي، وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص بن طبرزد والعلامة أبي اليُمن الكندي والقاضي أبي القاسم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله بن البنّا وأبي الحسن بن البنا، وغيرهم بمصر والاسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك. وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام وإفريقية والأندلس وغيرهم يطول ذكرهم. وحبّذا، أيدك الله، اختيارك من طلب الحديث الدرجة العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية، لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصّيْقل الحراني، الأول إجازة، والثاني سماعاً قالا: أخبرنا ضياء بن الخُرَيف، محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوف بن مُطير اللّخمي، حدّثنا محمد بن

стр. 3043

أحمد بن هاشم البعلبكي، حدثنا عبد الملك بن الإصبع البعلبكي: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كُلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة ". وبالإسناد الى الخطيب: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال: سمعت عبد الله بن القاسم يقول: سمعت أحمد بن محمد بن رُوّه يقول حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حُدّثت عن أحمد بن حنبل، وذكر حديث النبي ﷺ " تفترق الأمة على نيّف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة " فقال: إن لم يكونوا أصحابَ الحديث فلا أدري مَن هم. وبه الى أبي بكر الخطيب قال: حدثني محمد بن أبي الحسن قال: أخبرني أبو القاسم بن سختويه قال: سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصور يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله بن بشر نفسا يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله: مَن الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة؟ قال: أنتم يا أصحاب الحديث. وبه الى الخطيب قال: أخبرني محمد بن علي الأصبهاني حدّثنا الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها. حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مسعدة إملاءً، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سلاّم يقول: أنشدني عبدة بن زياد الأصبهاني من قوله:

стр. 3044

دينُ النبي محمد أخبارُ ... نِعمَ المطيّةُ للفتى الآثارُ لا تُخدعنّ عن الحديث وأهله ... فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ ولربّما غلط الفتى سُبُل الهدى ... والشمس بازغةٌ لها أنوارُ وأنشدني والدي أبو عمرو محمد، قال: أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس رحمهما الله تعالى قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي قال: أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال: أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد الملك قال: أنشدنا أبو أسامة يعقوب، قال: أنشدني والدي الفقيه الحافظ أبو محمد بن حزم لنفسه: مَن عذيري من أناس جهلوا ... ثم ظنّوا أنهم أهلُ النظرْ ركبوا الرأي عناداً فسروا ... في ظلام تاه فيه من غبَرْ وطريقُ الرشد نهجٌ مهْيعٌ ... مثلما أبصرتُ في الأفق القمرْ وهو الإجماع والنّص الذي ... ليس إلا في كتابٍ أو أثرْ والله المسؤول أن يلهمنا رشداً يدلّنا عليه، ودلالة تهدينا الى ما يُزلِفنا لديه، وهداية يسعى نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العرض بين يديه بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى. وكنت بصفد لما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى: فلقد ألمْتُ فما الحِمامُ بصادحٍ ... أسفاً ولا أغصانها بموائسِ

стр. 3045

قلت أرثيه رحمه الله تعالى: ما بعدَ فقدك لي أُنس أرجّيه ... ولا سرورٌ من الدنيا أقضيهِ إن متُّ بعدَك من وجدٍ ومن حزَن ... فحقُّ فضلك عند من يوفيه ومن يعلّم فيك الوُرق إن جهلت ... نُواحها أو تناسته فتُمليه أما لَطافةُ أنفاس النّسيم فقدْ ... نسيتُها غيرَ لُطفٍ كنتَ تُبديه وإن ترشّفتُ عذْب الماء أذْكرني ... زُلالُه خُلُقاً قد كنتَ تحويه يا راحلاً فوقَ أعناقِ الرجال وأج ... فانُ الملائكِ تحت العَرشِ تبْكيهِ وذاهباً سارَ لا يلوي على أحد ... والذّكْرُ ينشرهُ واللحْدُ يطويه وماضياً غفر الله الكريم له ... باللُّطفِ حاضرهُ منه وباديه وباتَ بالحُور والولدان مُشتغلاً ... إذا أقبلتْ تتهادى في تلقّيه حتى غدا في جنان الخُلدِ مُبتهجاً ... والقلب بالحُزن يَفنى في تلظّيه لهفي على ذلك الشخص الكريم وقد ... دعاه نحو البلى في التَّرب داعيه وحيرتي فيه لا تقضي عليّ ولا ... تُقضى لواعِجُها حتى أوفّيه أُجزى الأسى عبَراتي كالعَقيقِ وقد ... أصمّ سمعي وأصْمى القلبَ ناعيْه يا وحشة الدّهر في عين الأنام فقد ... خلَتْ وجوهُ الليالي من معانيه ووحشة الدرس إن تُنشر مُلاءتُهُ ... ولم تطرّز حواشيها أماليه يا حافظاً ضاع نشرُ العِلم منه الى ... أن كاد يعرفْهُ مَن لا يسمّيه صان الرّواية بالإسْنادِ فامْتنعَتْ ... ثُغورها حين خاطَتْها عواليه واستضْعَفت بارقاتُ الجوّ أنفُسَها ... في فَهمِ مشكلةٍ عن أن تُجاريهِ حفظْتَ سنّة خيرِ المرسلين فما ... أراكَ تُمسي مُضاعاً عند باريه

стр. 3046

للهِ درّك من حَبر تبحّر في ... علمِ الحديث فما خابتْ مساعيه وهل يخيبُ معاذَ الله سعيُ فتىً ... في سُنّة المصطفى أفنى لياليه يكفيه ما خطّه في الصحف من مدح الن ... بي يكفيه هذا القدرُ يكفيه عزّ البُخاري فيما قد أُصيب به ... مات الذي كان بين الناس يدريه كأنه ما تحلّى سمعُ حاضره ... بلفظه عندما يروي لآليْهِ رواية زانها منه بمعرفةٍ ... ما كلّ مَن قام بين الناس يرويه يا رحمتاهُ لشرح التّرمذي فمَنْ ... يضمّ غُربتَهُ فينا ويُؤويهِ لو كان أمهلهُ داعي المنون الى ... أن تنتهي في أماليه أمانيه لكان أهداه روضاً كله زهرٌ ... أناملُ الفكر في معناهُ تَجنيه مَن للقريض فلم أعرفْ له أحداً ... سواهُ رقّت به فينا حواشيه ما كان ذاك الذي تلقاه يَنظمه ... شعراً ولكنه سحرٌ يعانيه يهزّ سامعه حتى يخيّل لي ... كأس الحُميّا أدارتها قوافيه ومَن يمرُّ على القِرطاس راحتهُ ... فينبتُ الزهرَ غضاً في نواحيه ما كل من خطّ في طرس وسوّده ... بالحبر تغدو به بيضاً لياليه ولا تخلْ كلّ من في كفّه قلمٌ ... إذا دعاه الى معنى يلبّيه هيهات ما كان فتح الدين حين مضى ... والله إلا فريداً في معانيه كم حاز فضلاً يقول القائلون له ... لو جازك الليلُ لابيضّت لياليه لا تسأل الناس سلني عن خلائقه ... لتأخذ الماء عني من مجاريه ماذا أقول وما للناس من صفةٍ ... محمودة قطُّ إلا رُكّبتْ فيه كالشمس كل الورى تدري محاسنها ... والكافُ زائدةٌ لا كافُ تشبيه سقى الغمامُ ضريحاً قد تضمّنه ... صوْباً إذا انهلّ لا ترْقا غواديه

стр. 3047

وباكرتْه تحياتٌ نوافِحُها ... من الجنان تحيّيه فتُحييه وكتبت إليه لما قدمت الى دمشق من القاهرة: كان سمعي في مصر بالشيخ فت ... ح الدين يَجني الآداب وهي شهيّهْ يا لها غُربةً بأرض دمشقٍ ... أعوَزَتْني الفواكهَ الفتحيّهْ وكتبت إليه: يا حافظاً كم لرواياته ... من جنةٍ في بطنِ قِرطاسِ كم شذىً من سُنّة المصطفى ... قد ضاع من حفظكِ للناس وكتبت على كتابه بشرى اللبيب: بُشرى اللبيب لباب النظم للبشر ... في مدح سيدنا المختار من مضَرِ لما بدا الشيخُ فتح الدين ينظمه ... تأرّجتْ نسمةُ الآصال والبُكر بحرٌ ولكنه أهدى الدراري وال ... بحور من شأنها الإتيان بالدُرر تجلو عليكَ معانيه العرائسَ في ... بيتٍ من الشعر لا بيتٍ من الشَعَرِ وبيني وبينه رحمه الله تعالى مكاتبات كثيرة. كتبت إليه من الرحبة وهو: سلوا نسمة الوادي إذا هي هبّت ... سُحَيراً وهزّت في الربا كلَّ أيكةِ فكم لي في أثنائها من رسالة ... أضمّنها شوقي إليكم ووحشتي وما طابَ رياها الى أن تضمّنتْ ... ثنائي على عليائكم وتحيتي إذا عانقتْ في الروض أغصان بانه ... حكت خطراتِ الغيد لما تثنّتِ وإن نبهتْ ورقَ الحمائم أعلنت ... وأغنتْ عن الأوتار لما تغنّتِ

стр. 3048

وإن سحبتْ ذيلاً بمنعرج اللوى ... تحلّ عُرى أزهاره حيث حلّتِ وإن صافحتْ وجه الرياض فإنما ... تقبّل من أوطانكم كل تُربةِ فمنّوا بإهداءِ السلام على فتىً ... تردّد منه الروحُ في جسم ميّت يُقبّل من فرطِ الجوى عتباتِكُم ... وذلك فرضٌ عنده غيرُ سنّةِ وينشر من طيب الثّناء عليكم ... محاسن ينسى نشرُها كل روضة ويبكي إذا ما استخبرَ البرق عنكمُ ... وقد بسمتْ منه ثُغورُ الدجُنّةِ وإن رتّل الذكرى تداعتْ صبابةً ... له الوُرقُ فارتاحت وناحتْ وحنّتِ ولما رأت ريحُ الصّبا ما تكنّه ... أضالعه اعتلّت لذاك وأنّتِ رعى الله أياماً تقضتْ بقُربكمْ ... وحيّا محلاً كنتم فيه جيرتي ولا شكَرَ الرّحمنُ أيام بيننا ... فليستْ سواءً والتي قبلُ ولّتِ ولو أنصفَ الدهرَ الخؤونُ الذي قضت ... صُروفُ لياليه ببيْني وفرقتي لما سِرْتُ عن ذاكَ الجِناب الذي حوى ... من الفضلِ والعلياء كل عظيمةِ ولو كان يُشرى القُربُ بالنفس ما غلا ... ومَن لي لو نِلتُ المُنى بالمنية عسى الدهرُ أن يدني الى ظلّ قُربكم ... مُحباً رأى في البُعد كل مشقّة ووالله ما حالتْ عن العهد مُهجتي ... وكم مُرهفاتٍ لو تسلّت لسُلّتِ وما ضرّكم لو زار طيفُ خيالكم ... فخفّفَ من وجدي ونفّس كُربتي وكيف يخوضُ الطّيفُ لُجَّ مدامعي ... ومن بعدكم تعرف النومَ مُقلتي فكتب هو الجواب عن ذلك:

стр. 3049

مننتَ بنُعمى بلّغت كل منيةٍ ... ونلتُ بها المأمولَ قبل منيّتي وأهدتْ الى قلبي الجريح قرارَهُ ... وجادتْ على طرفي القريح بقُرّةِ مُشرَّفةٌ لم يأت عصرٌ بمثلها ... سقَتْ دارَ مُهديها سوافجُ عبرتي وصلتَ بها عهدَ المسرّة مُحسناً ... وأنعمتَ لي منها بأحسن وُصلتي وشرّفتَ من ذكري وشنّفتَ مَسمعي ... وأعليتَ من قدري وأغْليت قيمتي فها أنا منها في صُعودٍ كأنما ... أحاول ما بين الكواكب ثُورَتي وأهديتها عذراء بالحسن أفردتْ ... وما بينَ أغصانِ اليراع تثنّتِ جلَتْ كل معنىً من بديعك باهرٍ ... وأبدت فُنوناً من علومكَ جلّتِ ونادت فلبّتها المعاني مُجيبةً ... ولو غيرُها نادى المَعافي لندّتِ حوتْ قصباتث السّبقِ كل غايةٍ ... فلم تكُ فيها كالتي قبلُ كلّتِ فمن دُرّ نَظْمٍ لا يُسامُ لمفلسٍ ... ومن نَثر دُر لا يُسامى بنثرةِ ومن وَشي خَطٍ فيه نُزّهت ناظري ... ومن سحر معنىً فيه أنشأتُ نشأتي إليكَ صلاح الدين أشكو صبابتي ... وأرفع فيما رابني منك قصّتي أقول بأن القلب مثواك دائماً ... وأشكو إليكَ الشوقَ في كل لحظةِ وأشكر أياماً تقضّتْ بقربكم ... وقلّ لها شُكري وإن هي حلّتِ وأشكر لكَ الأيام تلك بعينها ... فأعجبُ من شكري لها وشكيتي تصدّت لنا بالوصلُ تُطعمُنا به ... فلما أجبناها تجنّت وصدّتِ ولو أنها منّت بطول بقائها ... جنينا ثمارَ الوصل من حيثُ منّتِ لعَمري أشواقي إليك شديدةٌ ... فهل تُفرج الأيام بالقُرب كُربتي وإني لما سِرتَ عني ولم أكن ... بداري لبُعدي عنك في دار غُربتي تناءَيتَ عن طرفي وأنت بمهجتي ... فها بصري يشكو إليك بصيرتي

стр. 3050

يقبّل كذا وينهي ورود المشرف فأكرِم به وارداً، وأَعزز علي به وافداً، يجلو على الأبصار ما شاء من زَيْن، ويَجلي عن البصائر ما شاء من رين، حائزاً من نظمه ونثره ربح الصناعتين، فائزاً من سحر بيانه ودرّ بنانه بأمدِّ الشرفين، والسّبق في الطرفين، والاستيلاء على الأمدين، والاستعلاء على الصّدفين، فمدّ الملوك إليه راحته، واستمدّ منه راحته، وأدار منه راحه، وألفى لديه انشراحه، ونال به على الدهر اقتراحه، بعدما وجد من فراق من به وجد، وقد أضرم بقلبه من نار الخليل لفقد الخليل ما وقَد، فراح كليم اشتياق في أليم احتراق، ينادي بلسان الأشواق: قد لسعت حيّة النّوى كبدي ... ولا طبيب لها ولا راقِ فوافته وقد شطت الدار، وتنادى عنه المزار، تحية باهى بلطفه الصبا وباهر في حسنها شمس الضحى، وبعرفها زهر الرُبا، فقال يا بشراي بعهدها الوفيّ وجمالها اليوسفي، أصدرت عن بشر أم ملَكْ، أم عن ملك البلاغة الذي ملك من درّ القول ما ملك، وترك لغيره من مخشلبه ما ترك، وأما فقده، حرسه الله تعالى، وهو بدمشق الفواكه الفتحية، فقد وقف المملوك على ما تضمنته تلك التحية، وهزّت منه عطفاً لتلك الأريحية، وإنما يجتني كما قال المقرّ الشهابي حرسه الله تعالى من غرس بدا صلاحه، ورُوِّضُ فلاحُه، وتفتح زهره فراق اختتامه بالمسك وافتتاحه، المملوك يلتمس التشريف بخدمه ومراسيمه ومهمّاته، والله يحرسه في حركاته وسكناته، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →