← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

للهِ درّك من حَبر تبحّر في ... علمِ الحديث فما خابتْ مساعيه وهل يخيبُ معاذَ الله سعيُ فتىً ... في سُنّة المصطفى أفنى لياليه يكفيه ما خطّه في الصحف من مدح الن ... بي يكفيه هذا القدرُ يكفيه عزّ البُخاري فيما قد أُصيب به ... مات الذي كان بين الناس يدريه كأنه ما تحلّى سمعُ حاضره ... بلفظه عندما يروي لآليْهِ رواية زانها منه بمعرفةٍ ... ما كلّ مَن قام بين الناس يرويه يا رحمتاهُ لشرح التّرمذي فمَنْ ... يضمّ غُربتَهُ فينا ويُؤويهِ لو كان أمهلهُ داعي المنون الى ... أن تنتهي في أماليه أمانيه لكان أهداه روضاً كله زهرٌ ... أناملُ الفكر في معناهُ تَجنيه مَن للقريض فلم أعرفْ له أحداً ... سواهُ رقّت به فينا حواشيه ما كان ذاك الذي تلقاه يَنظمه ... شعراً ولكنه سحرٌ يعانيه يهزّ سامعه حتى يخيّل لي ... كأس الحُميّا أدارتها قوافيه ومَن يمرُّ على القِرطاس راحتهُ ... فينبتُ الزهرَ غضاً في نواحيه ما كل من خطّ في طرس وسوّده ... بالحبر تغدو به بيضاً لياليه ولا تخلْ كلّ من في كفّه قلمٌ ... إذا دعاه الى معنى يلبّيه هيهات ما كان فتح الدين حين مضى ... والله إلا فريداً في معانيه كم حاز فضلاً يقول القائلون له ... لو جازك الليلُ لابيضّت لياليه لا تسأل الناس سلني عن خلائقه ... لتأخذ الماء عني من مجاريه ماذا أقول وما للناس من صفةٍ ... محمودة قطُّ إلا رُكّبتْ فيه كالشمس كل الورى تدري محاسنها ... والكافُ زائدةٌ لا كافُ تشبيه سقى الغمامُ ضريحاً قد تضمّنه ... صوْباً إذا انهلّ لا ترْقا غواديه

стр. 3047

وباكرتْه تحياتٌ نوافِحُها ... من الجنان تحيّيه فتُحييه وكتبت إليه لما قدمت الى دمشق من القاهرة: كان سمعي في مصر بالشيخ فت ... ح الدين يَجني الآداب وهي شهيّهْ يا لها غُربةً بأرض دمشقٍ ... أعوَزَتْني الفواكهَ الفتحيّهْ وكتبت إليه: يا حافظاً كم لرواياته ... من جنةٍ في بطنِ قِرطاسِ كم شذىً من سُنّة المصطفى ... قد ضاع من حفظكِ للناس وكتبت على كتابه بشرى اللبيب: بُشرى اللبيب لباب النظم للبشر ... في مدح سيدنا المختار من مضَرِ لما بدا الشيخُ فتح الدين ينظمه ... تأرّجتْ نسمةُ الآصال والبُكر بحرٌ ولكنه أهدى الدراري وال ... بحور من شأنها الإتيان بالدُرر تجلو عليكَ معانيه العرائسَ في ... بيتٍ من الشعر لا بيتٍ من الشَعَرِ وبيني وبينه رحمه الله تعالى مكاتبات كثيرة. كتبت إليه من الرحبة وهو: سلوا نسمة الوادي إذا هي هبّت ... سُحَيراً وهزّت في الربا كلَّ أيكةِ فكم لي في أثنائها من رسالة ... أضمّنها شوقي إليكم ووحشتي وما طابَ رياها الى أن تضمّنتْ ... ثنائي على عليائكم وتحيتي إذا عانقتْ في الروض أغصان بانه ... حكت خطراتِ الغيد لما تثنّتِ وإن نبهتْ ورقَ الحمائم أعلنت ... وأغنتْ عن الأوتار لما تغنّتِ

стр. 3048

وإن سحبتْ ذيلاً بمنعرج اللوى ... تحلّ عُرى أزهاره حيث حلّتِ وإن صافحتْ وجه الرياض فإنما ... تقبّل من أوطانكم كل تُربةِ فمنّوا بإهداءِ السلام على فتىً ... تردّد منه الروحُ في جسم ميّت يُقبّل من فرطِ الجوى عتباتِكُم ... وذلك فرضٌ عنده غيرُ سنّةِ وينشر من طيب الثّناء عليكم ... محاسن ينسى نشرُها كل روضة ويبكي إذا ما استخبرَ البرق عنكمُ ... وقد بسمتْ منه ثُغورُ الدجُنّةِ وإن رتّل الذكرى تداعتْ صبابةً ... له الوُرقُ فارتاحت وناحتْ وحنّتِ ولما رأت ريحُ الصّبا ما تكنّه ... أضالعه اعتلّت لذاك وأنّتِ رعى الله أياماً تقضتْ بقُربكمْ ... وحيّا محلاً كنتم فيه جيرتي ولا شكَرَ الرّحمنُ أيام بيننا ... فليستْ سواءً والتي قبلُ ولّتِ ولو أنصفَ الدهرَ الخؤونُ الذي قضت ... صُروفُ لياليه ببيْني وفرقتي لما سِرْتُ عن ذاكَ الجِناب الذي حوى ... من الفضلِ والعلياء كل عظيمةِ ولو كان يُشرى القُربُ بالنفس ما غلا ... ومَن لي لو نِلتُ المُنى بالمنية عسى الدهرُ أن يدني الى ظلّ قُربكم ... مُحباً رأى في البُعد كل مشقّة ووالله ما حالتْ عن العهد مُهجتي ... وكم مُرهفاتٍ لو تسلّت لسُلّتِ وما ضرّكم لو زار طيفُ خيالكم ... فخفّفَ من وجدي ونفّس كُربتي وكيف يخوضُ الطّيفُ لُجَّ مدامعي ... ومن بعدكم تعرف النومَ مُقلتي فكتب هو الجواب عن ذلك:

стр. 3049

مننتَ بنُعمى بلّغت كل منيةٍ ... ونلتُ بها المأمولَ قبل منيّتي وأهدتْ الى قلبي الجريح قرارَهُ ... وجادتْ على طرفي القريح بقُرّةِ مُشرَّفةٌ لم يأت عصرٌ بمثلها ... سقَتْ دارَ مُهديها سوافجُ عبرتي وصلتَ بها عهدَ المسرّة مُحسناً ... وأنعمتَ لي منها بأحسن وُصلتي وشرّفتَ من ذكري وشنّفتَ مَسمعي ... وأعليتَ من قدري وأغْليت قيمتي فها أنا منها في صُعودٍ كأنما ... أحاول ما بين الكواكب ثُورَتي وأهديتها عذراء بالحسن أفردتْ ... وما بينَ أغصانِ اليراع تثنّتِ جلَتْ كل معنىً من بديعك باهرٍ ... وأبدت فُنوناً من علومكَ جلّتِ ونادت فلبّتها المعاني مُجيبةً ... ولو غيرُها نادى المَعافي لندّتِ حوتْ قصباتث السّبقِ كل غايةٍ ... فلم تكُ فيها كالتي قبلُ كلّتِ فمن دُرّ نَظْمٍ لا يُسامُ لمفلسٍ ... ومن نَثر دُر لا يُسامى بنثرةِ ومن وَشي خَطٍ فيه نُزّهت ناظري ... ومن سحر معنىً فيه أنشأتُ نشأتي إليكَ صلاح الدين أشكو صبابتي ... وأرفع فيما رابني منك قصّتي أقول بأن القلب مثواك دائماً ... وأشكو إليكَ الشوقَ في كل لحظةِ وأشكر أياماً تقضّتْ بقربكم ... وقلّ لها شُكري وإن هي حلّتِ وأشكر لكَ الأيام تلك بعينها ... فأعجبُ من شكري لها وشكيتي تصدّت لنا بالوصلُ تُطعمُنا به ... فلما أجبناها تجنّت وصدّتِ ولو أنها منّت بطول بقائها ... جنينا ثمارَ الوصل من حيثُ منّتِ لعَمري أشواقي إليك شديدةٌ ... فهل تُفرج الأيام بالقُرب كُربتي وإني لما سِرتَ عني ولم أكن ... بداري لبُعدي عنك في دار غُربتي تناءَيتَ عن طرفي وأنت بمهجتي ... فها بصري يشكو إليك بصيرتي

стр. 3050

يقبّل كذا وينهي ورود المشرف فأكرِم به وارداً، وأَعزز علي به وافداً، يجلو على الأبصار ما شاء من زَيْن، ويَجلي عن البصائر ما شاء من رين، حائزاً من نظمه ونثره ربح الصناعتين، فائزاً من سحر بيانه ودرّ بنانه بأمدِّ الشرفين، والسّبق في الطرفين، والاستيلاء على الأمدين، والاستعلاء على الصّدفين، فمدّ الملوك إليه راحته، واستمدّ منه راحته، وأدار منه راحه، وألفى لديه انشراحه، ونال به على الدهر اقتراحه، بعدما وجد من فراق من به وجد، وقد أضرم بقلبه من نار الخليل لفقد الخليل ما وقَد، فراح كليم اشتياق في أليم احتراق، ينادي بلسان الأشواق: قد لسعت حيّة النّوى كبدي ... ولا طبيب لها ولا راقِ فوافته وقد شطت الدار، وتنادى عنه المزار، تحية باهى بلطفه الصبا وباهر في حسنها شمس الضحى، وبعرفها زهر الرُبا، فقال يا بشراي بعهدها الوفيّ وجمالها اليوسفي، أصدرت عن بشر أم ملَكْ، أم عن ملك البلاغة الذي ملك من درّ القول ما ملك، وترك لغيره من مخشلبه ما ترك، وأما فقده، حرسه الله تعالى، وهو بدمشق الفواكه الفتحية، فقد وقف المملوك على ما تضمنته تلك التحية، وهزّت منه عطفاً لتلك الأريحية، وإنما يجتني كما قال المقرّ الشهابي حرسه الله تعالى من غرس بدا صلاحه، ورُوِّضُ فلاحُه، وتفتح زهره فراق اختتامه بالمسك وافتتاحه، المملوك يلتمس التشريف بخدمه ومراسيمه ومهمّاته، والله يحرسه في حركاته وسكناته، إن شاء الله تعالى.

стр. 3051

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: أهلاً بها من تحية صدرتْ ... عن راحةٍ بالفضائل اشْتهرَتْ يا حُسن ما سطرتْ أناملها ... ولطف ما نظمَتْ وما نثرَتْ فضضْنَ عنها ختامَها فإذا ... بالشمس في حضرتي وقد سفرَتْ فشرّفتْني وشنّفت أذني ... بدرّ ألفاظها التي بهرَتْ أستغفر الله لو تُقابلها الن ... جومُ خرّت الأرض وانكدرَتْ ولو درتْ نسمةٌ برقّتها ... جفّت غصون الرّبا إذا خطرَتْ فليس للمُقلة الكحلية ما ... تفعلُ ألفاظُها التي سحرَتْ ولا لكأس المُدام نشوتُها ... في أنفسٍ من سُلافها سكرَتْ للأدب الغضّ في حديقتها ... أزاهر من نداك قد مُطرتْ بالغتَ في سحرك الحلال فكم ... نظمت زهرَ الدجى وما شعرتْ وزدتُ لطفاً فهل بعثت بها ... نفحة روضٍ مع الصباح سَرتْ سبحان مُعطيكَ فطرة غلبتْ ... على بديع الكلام واقتدرَتْ وراحة ما انطوتْ على قلمٍ ... إلا ووشّتْ مطارِفاً نُشرتْ من ذا الذي في العُلا يُطاولها ... وهي على ذي المحاسن اقتصرَتْ لا مُتّعَتْ مُقلتي برؤيتها ... إن نظرت مثلها أو انتظرتْ مذ برّدتْ حُرقتي تحيتُها ... تلتْ شفاهي الدُعا وما فترتْ وأصبحت أدمعٌ أكفكِفُها ... يا جيرة الفرات جرتْ والنفس لم تستعر محبّتكم ... لكنها بالصّبابة استعرتْ يا سيّد الناس وابنَ سيدهم ... ديارُ مصرَ بفضلكَ افتخرتْ إذ أنت في ربعها تقوم بحف ... ظ سنّة المُصطفى إذا ذُكرت هُنّيتَها رتبة ظفرتَ بها ... خُطا بني العلم دونَها قصُرَتْ

стр. 3052

يقبّل الأرض التي مجالس العلم بها مشهودة، وبركاتها مشهورة، وكتب السنّة الشريفة منصوصة، وكتائبها منصورة، ونفائس الآداب بها مسرودة، ونفوس أهلها مسرورة: فهي أرضٌ تُطاول الأفقَ فخراً ... إذ عليها مَسعاك دون البِقاعِ والقدم الذي إذا خطت يكاد يسعى إليها المنبر، ويوطئها قدرُها العلي خدّ من فسد ومن برّ، ويمسح أخمصها إذا سعت في المعالي عن برّ عنبر: قدمٌ تستقلّ نعلَ الثريا ... مذ ترقّت في سامياتِ المساعي واليد التي لو أرادت لنالت الكواكب، وأخجلت بجودها الغيوث الهوامع والسحب السواكب، وحملت رايات فخارها التي تزدحم تحت ظلها في السيادة مناكب الكواكب: راحةٌ تشرف الشِّفاهُ إذا ما ... قبّلتْها للفضلِ بالإجماعِ تقبيل محب ظفر بوصل حبيبه، وأمكنته الفرصة بغفلة كاشحهِ وغيبة رقيبه، فهو يصل القبلة بالقبلة، ويشفع النهلة بالعلة: ويستمر على ولائه الذي: يراه على طول المدى خير صاحبِ ويحافظ على دعائه الذي: به تُعرف العشّاقُ عند الحبائبِ ويبثّ من ثنائه الذي: يضوع شَذاه في الصَّبا والجنائبِ

стр. 3053

ويصف أشواقه التي لا يعلم قرارها إلا الذي أوجبَها وقررها، ولا يدري قدرها إلا الذي حكم بها وقدّرها، ولا يعرف ألمها إلا القلب الذي لمّها، ولا يجبر ضيمها إلا الفؤاد الذي ضمّها، فهي الأشواق التي استعارت الجحيمُ استعارَها، ونفتْ عن الجفون قرّتها وعن الجوانح قرارها، وأعدمت النفس في الصباح صلاحها وفي المساء مسارّها. وحنيني إذا تصدّى لنفسي ... صدّ لهوي عن ارتياد ارتياحي علّم الوُرقَ حُزنها في الأو ... راقِ تتلوهُ في نواحي النواحي لا يردّ الجوى اغتباطُ الغتباقٍ ... من حنيني ولا اصطبارُ اصطباحي يا لها هفوةً مسيري عنكمُ ... قذفَتْ بي الى اطّرادِ اطّراحي ودرتْ أنني لي الذنبُ في البُع ... دِ فجارَت على اجتراءِ اجتراحي فآهاً على الديار المصرية وأوقاتها، وسقياً لمعاهد أُنسها لنفسها ولذاتها لذاتها، ورعياً لتلك المنازل التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، وحفظاً لتلك الوجوه التي: للشمس أضواءٌ على جبهاتها وشكراً لتلك النفوس التي: المجد يغلبُها على علاتها ذُكر الأنام لنا فكن قصيدة ... أنت البديع الفرد من أبياتها وما أقول بل ما أنتظر إلا نظرة شهابية، ولا أترقب إلا همة عدوية عمرية، تُنقذني من نار هذه الغربه، وتعيدني الى خير عالم وألطف تربه، وتتعطّف على من غدرت به أيامه ولياليه، وأتى كما حكمت عليه الأقدار بذنب عقابه فيه:

стр. 3054

وكأنني بها كما عوّدَتْني ... عطفتْها عليّ تلك المعاطفْ ثم قالت دعوهُ يحظى بوصلٍ ... إذ له مدةً على الباب واقفْ فلله عزماتها التي لو شاءت جمعت بين الضبّ والنون، وأبدلت بالمنى موارد المنون، وما ذلك عليها بمشيئة الله تعالى بعزير ولا عتيد، وما هي إلا كلمة تدخل بالمملوك الى دار السعادة كما عوّدت من باب البريد. وأما المثال العالي أعلاه الله تعالى وجعل القلوب في عليّ قدره تتوالى، فأعود الى وصفه نثراً وأستعير من كلماته في تقريظه درّا، فأقول: إنه اشتمل على المحاسن وغدا أنموذج الجنة التي خمرها مغتال وماؤها غير آسن، تقطر البلاغة من كلمه، وتشفّ الفصاحة من وراء ما سطّر بقلمه، وتغني رياضه الناضرة عن أراك الحمى وعن سلمه، ويهز الواقف على معانيه بالطرف من قرنه الى قدمه، يتحيّر الناظر فيه لتردده بين روض وأفق، ويتخيّر الماهر من لفظه تاجاً لفرقٍ أو قلادة لعنق: قُل فكمْ من جواهرٍ بنظامِ ... وُدُّها أنها بفيكَ كلامُ وأما عبودية المملوك التي تقدّمت فوالله ما توهم المملوك أن سيدي، حرسه الله تعالى، يتكلّف لها جواباً، ولا يفتح من بيوت نظمه المَصون لهذه الطارقة باباً. ولو تحقق هذا الأمر لأعطاها حِيلَهُ وحَيلَه وشدّ على شنّ الإغارة على المعاني الجامحة خَيله، وأعمل فكرة في تهذيب ما يهديه حتى يقال: هذا كتاب ليلة وألف ليلة. ولما كان هذا مقام افتراص، واقتناء لجواهر كلِمِ سيدي واقتناص بعث هذه

стр. 3055

العبودية طمعاً في الجواب الثاني، وعوّذها من الشآم بعطف مولانا الذي لا يثنيه عن الخير ولا الجبر ثانِ، ولله المعرّي حيث قال: قد أجبْنا قولَ الشّريف بقولٍ ... فأنبْنا الحصى على المُرجانِ والله يمتّع الأنام بحياته التي هي جملة الأماني، ويديم فضائله التي لا توجد إلا في العقد ولا تؤخذ إلا من الأغاني، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. فكتب هو الجواب عن ذلك: حيّت فأحيتْ عندما حسرتْ ... خِمارَها كلَّ مهجٍ سحرَتْ يا خجلةَ الشمس عندما سفرَتْ ... وغصّةَ الغُصنِ عندما خطرت وفتنة الظبي عند لفتتها ... وحيرة الظبي كلما نظرت ما كنت أسلو جمالَها أبداً ... لولا التي بالجَمال قد بهرَتْ عقيلةٌ تسلب العقول فها ... ألبابُنا من بديعها سكِرت جاءت فجادت بكل مطربةٍ ... يُطوى لها البيدُ كلما نشرت سماء مجدٍ سمت ببهجتها ... عن صدر أهل الزمان قد صدرت محمرة الحُسنِ في حُلى شفقٍ ... تخضرّ في حُسنها وقد خضرَتْ أبياتها من عقودها نُظمت ... ونثرها للكواكب انتثرتْ لابنِ جلا ما جَلتْهُ من دُرر ... وابن هلال بديعُ ما سطرتْ يا حبّذا للصلاح نسبتُها ... خليلُها من به العُلا افتخرت يا روض فضْل غُصونه زهرت ... وحبر علمٍ بحاره زخرَتْ

стр. 3056

سرتْ فعين السرور ما نظرتْ ... في دوحها الأُنس أغصُناً نضرت ولا نسيم الصبا سرت سِحراً ... إلا كدأب الهجير إذا هجرت ولا تغنّت في الأيك ساجعةً ... فأطلقت مونعاً ولا أسرت ولا تثنّى للراح غانية ... أوتارها واللحاظ كم وترت ولا سمت مُقلةُ المَشوق الى ... لقياك نحو المقام مذ سمرت يا عجباً من بحار عبرته ... ما أُخمدت ناره التي استعرت كدّرتْ مذ غبت عنه عشيته ... فيا لأنس نجومه انكدرت على هواك القلوب قد فُطرت ... لولا تمني لقائك انفطرت يا مُقلةً مذ غبتم سخنتْ ... هل عشية إن حضرتمُ حضرت ويا حياةً صفت بقربكم ... هل يُرتجي عودُها وما كدرتْ يقبّل اليد العالية الصلاحية، لا زالت صالحة الشيم، سافحة الديم بل الباسطة الكريمة، لا برحت واسطة عقد الكرم، بل الأرض المنيفة بحلوله لا فتئت مواطن النعم، ومواطئ أولي الهمم: تقبيل ملآن الجنا ... ن بحبه دون الأممْ متندّم لفراقه ... لو كان ينفعه النّدمْ لو كان يطرقُهُ الكرى ... لكنه لمّا ينمْ لهفي على عصر به ... ولّى حميداً لم يُذَمْ شوقي له شوق العلي ... ل لما شفاه من السّقمْ شُكري له شُكرُ الريا ... ض السحبَ جادت بالدّيم

стр. 3057

ذكري لأيام به ... مرت كما مر الحلم وحلتْ كما مرّت ليا ... لي الشريف بذي سلَمْ وينهي ورود المشرّفة العالية قدراً، الحالية من البدائع الروائع دراً، المؤتقة في رياض الفصاحة زهراً، المطلعة في سماء البلاغة زهراً، وكلف بها كلف عمرو بعراره، والفرزدق بنواره، وأقسم من طرسها بحمرة الشّفق، ومن نِقْسها بالليل وما وسق، ومن غرر معانيها السامية على غير مُعانيها بالقمر إذا اتّسق لتليت أهل البلاغة، فظلت أعناقهم لها خاضعين، وجليت على أرباب اليراعة وألباب البراعة فقالتا: أتينا طائعين، انقياداً لطفيل أعنيتها، وبترياً من مطاعنة أبي براءٍ ملاعب أسنتها، كل يلمحها بطرف كليل وشخص ضئيل، ويرجع عن مجاراتها بأمل حسير وقلب كسير، فلا يُجري في ميدانها خيل طراده ولو قام مقام قسٍ في إياده، وأين حميمه من حمياها أم أين سهيله من ثرياها، لشد ما ارتفعت منها المطالع وانقطعت دونها المطامع، فما الظن بوحيد يحتاج الى الذمام وربيط في الرّغاب لا عهد له في السرايا ولا أنس له بالدخول في القتام أن يجول في حلبة الرهان أو يَطول الى مقاتل

стр. 3058

الفرسان أو يُسابق بسكّيته مجلي الميدان، أو يناطق بباقل من سحب ذيلاً على سحبان، وهل تستفاد تلك المواد من غير ذلك المواد، وهل استولى على أمد تلك الجواد غير ذلك الجواد، وأن يكاثر البحار الزواخر من ورده الثماد، وأن يطاول الأنجم الزواهر من قرارته الوهاد، فما تفوه السليم الصدق إلا بالتسليم لذلك السبق والتعظيم لذلك الحق اعترافاً بما قد حواه رافع ذلك المنار وجامع تلك المبار. وأما أمره بالمسارعة الى المراجعة والمعاجلة الى المساجلة وما غادره لغيره من متردّم، ولو شنّ على الآداب إغارة ربيعة بن مكدم، فلم يرجع المملوك الى جواب ينجده وخطاب يسعفه بالمراد ويسعده إلا التمثل بقول القائل: وأخذْتَ أطرافَ الكلام فلم تدعْ ... قولاً يُقالُ ولا بديعاً يُدّعى وأما تمثيله ببيت أبي العلاء ما هو فيه من علو المكان لإنابته ابن عمه الحصى عن المرجان فما مكاثره بالأدب، وعيونه تنسل إليه من كل حدب إلا المكاثر بياءَي أنيسيان بل لعله حرسه الله تعالى عنّ له المرور ببلاد ابن عنين بلاد بها الحصباء درّ أو ثنى عنانه الى منزل ابن اللبّانة: نزلنا بكافورٍ وتبرٍ وجوهرٍ ... يُقال له الحَصباءُ والرملُ والترْبُ

стр. 3059

أو أجتاز بنهر أخي مناز وحصاهُ تروع حالية العذارى، فورده وأمواجه تطرد، إما يرد أو يبترد، لكنه عاكسهم في التشبيه، ونافسهم في التمويه، فاستعبد كلامهم كلامه الحُرّ، وكان ما جاء به من الحصى أنفس مما جاؤوا به من الدرّ، فتأخّروا وإن تقدّموا، وتقدّم وإن تأخر، وكانت بدائهه لبدائه سواه تسحر، وبدائعه من بديع سواه تسخر. وأما تشبهه بالهمة الشهابية وتشوّفه الى الهمة العدوية فلابد بمشيئة الله تعالى أن تعدّى العدوية قربه على بعاده، وتعمر العُمرية أرجاء رجائه بعوده الى معاده، والقطر يسبق الدين السواجم، والزهر يعبق وما انشقّت عنه الكمائم: وإن رجاءً كاملاً في جميلةٍ ... لكَالمالِ في الأكياس تحت الخواتمِ والله يعمر ببقائه أنداءَه، ويسرّ بلقائه أوداءَه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى. وكتبت أنا إليه من دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة: يا عذولاً في لومه قد تفصّح ... ويرى أنه بذاك تنصّحْ ليس عندي من الجوى بي جوابٌ ... هذه أدمعي تقول وتشرح قف على غير مسمعي واسأل الصّب ... رَ فما عنده سوى الله يفتحْ كم ينادي السلو بالحرب أولى ... وينادي الغرام بالصلح أصلحْ قِستُ بين السلو والوجد حتى ... صحّ أن الغرام أرجى وأرجح كيف صبري عن أرض مصرٍ وفيها ... لي قوم أسمى الأنام وأسمح

стр. 3060

لو تعاطي الجبالُ كأس حديث ... عنهم مال عطفُها وترنّح هات قل لي من أين تلقى لفتح الد ... ين مثلاً إن كنت للحقّ تجنح خادمٌ سنّة النبي وهذا ال ... فضل أنجى يوم الحساب وأنجحْ كلما خط باليراع حديثاً ... كبّر الله في الطّروس وسبّح إن تقسْ خطه بروض نديّ ... صحّ هذا وجفّ ذاك وصوّح كل عين كأنها طرفُ حبٍ ... ما توقّى الفؤاد لما توقحْ أي قلب بالحزن والهم يصدا ... وحمام الأسجاع فيه يصدحْ بنظامٍ كالدر لما تنقى ... ومعانٍ كالسحر لما تُنقّح لو يجاري برقَ الدُجى ما تنحّى ... أو يباري قس النهى ما تنحنح لا أكفر قولي إذ قلت دهري ... قد توشى من فضله وتوشح ما رياضُ قضيبها قد تلوى ... فيه زهرٌ يُزهى بلونٍ تلوّح جاد قطرُ الندى بها وتفتّى ... وغدا وردٌ نصبُها قد تفتّح مثل أخلاقه التي قد حواها ... بل أراها بالحُسن أملى وأملحْ قوبلت نسخةُ المعالي عليها ... وأجاز الجمال ذاك وصحّحْ آه وا وحشَتا لذاك المُحيّا ... والسجايا التي أبرُّ وأوضحْ لا أرى في الزمان أسعدَ ممّنْ ... قد تمسى بوجهه وتصبّحْ فكتب الجواب عن ذلك: صادحاتُ الحمام في الدوح تصدحْ ... بغرامي فالعين للبين تسفحْ رجّعت شدوها فبرّح بي شو ... قٌ مقيم لظاعنٍ ليس يبرحْ فرّقت بيننا صُروف الليالي ... فهل الدهرُ بالتواصلِ يسمح

стр. 3061

فتنادي بك المنى من قريب ... بعد قفرٍ من التباعد أقبح إن لي مطمعاً بقربك يأسو ... ما غدا الناس بالتباعد يجرح كلما شام بارقُ الشام طرفي ... قلت شوقاً لوصلك: الله يفتحْ ولقلبي منه خُفوقٌ ونارٌ ... ولطرفي منه سحائب سُيَّحْ يا صلاح الدين الذي فاقَ أهل ال ... عصر حلما عنه الرواسي تزحزح وبليغاً ما رام يأتيه عفواً ... وفصيحاً ما احتاجَ أن يتفصّح لو رآه غيلانُ قصّر عن قص ... دِ بلالٍ وصدّ عن زجرِ صيدح وفّر النفس عن منى كل وفر ... ورأى العِلمَ منه أرجى وأرجح وغذاء الأرواح أشرف مما ... تغتذيه الأجسام قدراً وأصلح سبّح الله من رآكَ إماماً ... كم له في بحار علمك مسبحْ حائزاً من بدائع بني هلالٍ ... سحرَ نثرٍ بدُرِّ خطٍ موشّح كعلي وضعاً ورقّة إبْرا ... هيم طبعاً بل أنت أسمى وأسمح يا خليل الآداب ما اختلّ منها ... فالصحيح الذي عليك يصحَّح كم على الدهر من حُلالها جمالٌ ... ما لمسرى مؤمِّلٍ فيه مسرح سمطها فائزٌ بدُرِّ معانٍ ... سقطُها من زِناد فكركَ يقدح كلّ عذراء تسبي كل لبٍ ... بسنا عن سناءِ علمك يُلمح زارت الصبِّ في ليالٍ من البُع ... دِ فلما دنت رأى الصبح أصبحْ قلدت بالعقيان سحر بيانٍ ... ليس فيه للفتح بعدك مطمحْ

стр. 3062

ختم النّظمُ منك بحر قريضٍ ... ما أراهُ من بعدِ ختمك يُفتح وكتب هو إلي رحمه الله تعالى وأنا بصفد في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة: سُررتم فإني بعدكم غير مسرور ... وكم لي على الأطلال وقفة مهجورِ ولا حسَّ إلا حس صائحة الصّدى ... ولا أُنسَ إلا أنس عيسٍ ويعفور فيا وحدةَ الداعي صداهُ جوابهُ ... ويا وحشةَ الساعي الى غير معمورِ إذا قلت سيري قال سيري مُحاكياً ... وإن قلتُ زُوري قال لي مثلها زُوري وما سرّني بالقُرب أني استزرتُها ... ولا ساءني بالبُعدي قولي لها سيري فيا ويحَ قلبي كم يعلّله المُنى ... علالةَ دُنيا استعبدت كل مغرور تواصل وصل الطيف في سنة الكرى ... ولست إذا استيقظتَ منه بمحبور وتدنو دنوّ الآلِ لا ينقعُ الصّدى ... وتخلبُ آمالاً بخُلّبها الزورِ تُنيل المُنى من سالمَتْهُ خديعةً ... وتُعقب من نيل المنى كل محذور فدعها وثق بالله فالله كافلٌ ... برزقك ما أبقاك وارضَ بمقدور وكن شاكراً يسراً وبالعُسر راضياً ... فأجرُ الرضا والشكرِ أفضلَ مذخورِ فكتبت أنا الجواب عن ذلك: هل البرقُ قد وشّى مطارفَ ديجورِ ... أو الصبحُ قد غشّى دُجى الأفقِ بالنورِ وهل نسمةُ الأسحار جُرّت ذيولُها ... على زهر روضٍ طيّب النشر ممطورِ وهيهاتَ بل جاءتْ تحيةُ جيرةٍ ... الى مُغرمٍ في قبضة البعد مأسورِ أتته وما فيه لعائد سُقمه ... سوى أنه تنبثّ من قلب مصدورِ فلما تهادت في حُليّ فصاحة ... من النظم عن سحر البلاغة مأثور أكبّ على تقبيلها بعد ضمها ... الى خاطرٍ من لوعة البين مكسور

стр. 3063

وأجرى لها دمع المآقي ولم يكن ... يقابل منظوماً سواه بمنثور فأرشفه كأسَ السُلاف خطابُها ... وغازله من لحظها أعينُ الحورِ فكم حكمةٍ فيها لها الحكم في النهى ... وكم مثلٍ في غاية الحسن مشهورِ يرى كل سطر في محاسن وضعه ... كمسكِ عذارٍ فوقَ وجنةِ كافورِ فلا ألفٌ إلا حكت غُصنَ بانةٍ ... وهمزتُها من فوقها مثلُ شُحرور فأصلح لا يثني الى الأرض جيدَهُ ... غراماً ولم يعدِل بها وردةَ الجوري وقد كانت الأطماع نامت لياسها ... فلما أتت قال الغرامُ لها ثوري وزادت جفون العين سُهداً كأنما ... حبَتْها بكحل منه في الجفن مذروري وكان الدجى كالعام فاحتقرتْ به ... وقالت له ميعادُك النفخُ في الصور ولا ترضَ من نار الحشا باتقادها ... فقد قذفتْ في كل عضو بتنور وما شكرتْ عيني على سفحِ عبرتي ... على أن محصول البُكى غير محصور وقالت أما نحيا الدموع لشدة ... فدعها تفِضْ من زاخرِ اللّج مسجور ولو كنتُ ألقى في البُكا فرجاً لما ... مضى اليوم حتى كنتُ أولَ مغرور ولو كنت ألقى الصبر هانت مصيبتي ... ولكنه للحظّ في غير مقدور فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركم ... فإني لما تهدونه جدُّ مضرور سلوا الليل هل آنستُ فيه برقدة ... فما هو ممن راح يشهدُ بالزورِ فكم لي فيه صعقةٌ موسويةٌ ... وللقلب من تذكاركم دكةُ الطور

стр. 3064

تشفعتُ للبين المشتِّ بكم عسى ... يعود هزيمُ القُرب عودةَ منصور على أن جاه الحظّ أكرمُ شافع ... ولولاه لم يُحتج الى بنت منظور وما هو إلا الحظ يعترضُ المُنى ... ولولاه كان الدهر أطوعَ مأمورِ فكم في البرايا بين عانٍ ومطلَقٍ ... وسالٍ ومحزونٍ ودانٍ ومهجور وليس سوى التسليم لله والرضا ... بقلب منيبٍ طائعٍ غير مقهور وحاش لعلاّم الخفيات في الورى ... على ما ابتلاني أن أُرى غير مأجور فكتب هو ﵀ الجواب: وردت المشرّفة السامية بحُلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيّات، الصادرة عن السجيات السخيّات، التي فاقت الكنديّيْن، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدائع إيداع وروائع إبداع، تقف الفصاحةُ عندها وتقْفو البلاغة حدّها، فالله ذلك الفضل الوافي، بل السحر الحلال الشافي، بل تلك القُوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيّرت المُعاني، وفعلت في الألباب ما تفعله الثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيَها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوماً، ثقة أنها لا تخالف له

стр. 3065

مرسوماً. لقد آل فضل الكتاب إليها وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنَت زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قائلة: مَن يُساجلُني يُساجل ماجداً ... يملأ من آدابه كلَّ ذَنوبِ لقد حسُنَت حتى كأن محاسناً ... تقسّمها هذا الأنام عيوبُ هي الشمس تدنو وهي ناءٍ محلّها ... وما كلُ دانٍ للأنام قريبُ تخطّت الى الحُضْر الجيادَ نباهةً ... وهيهات من ذاك الجناب جنيبُ وحيّت فأحيت بالأماني متيّماً ... حبيبٌ إليه أن يُلمّ حبيبُ يذكّرني ذاك الجمال جمالها ... فليلي كما شاء الغرامُ رحيبُ وما لي إلا أنةٌ بعد أنةٍ ... وما لي إلا زفرةٌ ونحيبُ حنيناً لعهدٍ غادر القلب رهنه ... وعلّم دمعَ العين كيف يصوبُ وذكرى خليلٍ لم يغبْ غيرُ شخصه ... وفي كل قلبٍ من هواهُ نصيب ولولا حديثُ النفس عنه بعودِه ... وأن المنى تدعو به فيجيب

стр. 3066

لما استعذب الماء الزلال لأنه ... إذا مازج الماء الزلال يَطيبُ فبادرها المملوك لبنائها متعرفاً، وبأرحبها متعرفاً، وبولائها متمسكاً وبثنائها متمسكاً، شوقاً إليها لا يبيد ولو عمّر عمر لبيد، واقفاً على آمال اللقاء وقوفَ غيلان بدار ميّة، عاكفاً على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعناً ومقيماً، ويجعل السّعد له حيث حلّ خديناً والنُجْحَ خَديماً، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: تنوحُ حماماتُ اللوى فأَجيبُ ... ويحضُرُ عندي عائدي فأغيبُ وقد ملّ فرشُ السّقْم طولَ تقلّقي ... عليه بجنبي إذ تهبُّ جَنوبُ ولما بكتْ عيني نواكَ تعلّمتْ ... دموعُ السّحاب الغرّ كيف تصوبُ أيا برقُ إن حاكيتُ قلبي فلم يكن ... لنارِكَ مع هذا الخفوقِ لهيبُ ويا غيثُ إن ساجلْتَ دمعي فإنه ... يفوتك مع ذا أنةٌ ونحيبُ ويا غصنَ إن هزّت معاطفك الصّبا ... فما لك قلبٌ بالغرام يذوبُ إذا جفّ جفني ذاب قلبي أدمُعاً ... فلله قلبٌ عاد وهو قليبُ أبيتُ بجفنٍ ليس يعرفُ ما الكرى ... وأيُ حياةٍ بالسهاد تطيب وقلبٍ إذا ما قرّ عادتْهُ لوعةٌ ... فيعروه من بعد القرار وجيبُ ألا إنّ دهراً قد رماني بصَرفِهِ ... لدَهْرٌ إذا فكرت فيه عجيب ويكفي أني بين أهلي ومعشري ... وصحبي لبُعدي عن حِماك غريبُ

стр. 3067

يقبّل الأرض وينهي ورود المثال الذي تصدّق به مولانا منعماً، وأهده خميلةً فكم شفى زهرُها المنعّم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درّها المنظّم من ظمأ وأقامه حجة، على أن مُرسله يكون في الإحسان والآداب مالكاً ومتمِّماً، فبلَلْتُ برؤيته غلة الظّمأ البَرْح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان، فقلت لبلقيس عيني ادخلي الصّرح، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح، وتلقّيته بالضمّ الى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمَت ناظري من طرسه في روضهِ الأُنُف، وقسمت حليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشُنُف، ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضّافي، واجتليت من وجهه بشراً قابله الشُكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلّفت قلبي الطائر جواباً فلم تقوَ القوادم وظهر الخواء في الخوافي، وقلت هذا الفنّ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد، قد نلته برغم الرقيب القريب: فيا عينيّ بِيتا في اعتناقٍ ... ويا نومي قدمْتَ على السّلامهْ

стр. 3068

وأقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكّت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكّت البلغاء وبكّت، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلّصت القلوب من رقّ غيره وفكّر، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطّعوها من حيث رقّت، والصحيح من حيث ركّت، فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حُش بيانه تأتّم الهداة به كأنه علَم، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليّ كلاً أو كلّم العدوّ كلَمْ، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلّف إذا أنشا، ولا يتخلّف إذا وشّى، والسّجع أهون عنده من النفس الذي يردده أو أخف، والدرّ الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدرّ الذي في قعر البحر وأشفّ، وإذا راضَ قلمه روّض الطّروس من وقته، وإذا أفاض كلمَهُ فوّض البيان أمر مقته ومِقته، وما كلمُه إلا بحر، والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطّروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسائله الخمائل، وتعلّمت منها الصّبا لطف الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها قمرها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل، وتركت للناس فضالة الأسافل: وهذا الحقّ ليس به خفاءٌ ... فدعني من بُنيّات الطريقِ فأما درّه الذي خرطه الجناس في ذلك السلك فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء الملك:

стр. 3069

فذا السّجعُ سجعٌ ليس في النثر مثله ... وهذا جناسٌ ليس يُحسنُهُ الشعر فلو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسّم شذى غاليته العزيز الغالي لقال عطّلت هذه المحاسن حالي الحالي وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدّرر حلّى بها تصنيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوّذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القُدسي، فعينُ الله على هذه الكلم التي نفثت في العُقَد، وأيقظت جدّ هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام، وأصبْتَ أنت بالقرطاس، وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغضّ اليانع الغِراس، وأبعدت أنت في مَرمى هذا الفن فقاربوا، ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت الى الغاية، ولو وقفت ما في وقوفك ساعةً من باس، وقد قيل: بُدئ الشعر بأمير وخُتم بأمير، يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ بالبُستي وخُتم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس. وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفّقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفتُ عند

стр. 3070

قدري فما أجبت، ولكن اتّقحت وما استحيَيت، على أني لو وجدت لساناً قائلاً لقلت، فإني قد وجدت أول البيت وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة، وأرجو أنني أوصيها شفاها إما في الدنيا وإما في يوم الحاقة: إن نعِشْ نلتقي وإلا فما ... أشْغل مَن مات عن جميع الأنامْ قلت: كأن هذه الخاتمة كانت مني فألاً عليه، فإنا لم نلتق، وحالت المنية بينه وبين الجواب، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته. وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه ما كتبه الى ابن عمه: تمنّاها وما عقدَ التّمائمْ ... وشابُ وحبُها في القلب دائمْ وحكّم لحظها فقضى عليه ... فأين مجيره من جور حاكمْ وطارحها الغرام به فقالتْ ... علمتُ فقال ماذا فعلُ عالم معلله المتيّم والغواني ... حبالُ وعودها أبداً رمائم أما لي في وصالك من نصيب ... ولا لك في عذابي من مساهم ولا لي ملجأ في الخطب إلا ... سليلُ الملك ذو المنن الجسائم الى ابنِ أبي الحسين الحُسنُ يُعزى ... وثغر الجود عن جدواه باسم هُمامٌ بالحروب له اهتمامٌ ... بفتكٍ في العِدا لا في الغنائم فيُعمل رأيه الماضي شباه ... إذا نبت الأسنّة واللهاذم ويثبت حيث مُشتجر الغوالي ... ويمضي حيثُ لا يمضي الصوارمْ

стр. 3071

ويأمن عنده اللاجي إليه ... ولو حفّتْ بمهجته الضّراغم ويقصده السليم فلا يُبالي ... بما أعياه من سمّ الأراقمْ وهي طويلة، وهذا القدر منها كاف. وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة: فقري لمعروفك المعروفِ يغنيني ... يا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍ ... نجا بإدراكه الناجون من دوني أو غضّ من أملي ما شاءَ من عملي ... فإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني وأنشدني من لفظه لنفسه: صرفت الناس عن بالي ... فحبلُ ودادهم بالي وحبلُ الله معتصمي ... به علّقتُ آمالي ومَن يسلِ الورى طُرّاً ... فإني عنهمُ سالي فلا وجهي لذي جاهٍ ... ولا ميلي لذي مالِ وأنشدني من لفظه لنفسه: عذيري من دهرٍ تصدّى معاتباً ... لمستمنح العُتبى فأقصدَ من قصدْ رجوتَ به وصلَ الحبيب فعندما ... تبدّى له المعشوقُ قابله الرصَدْ وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في قراقوش: ظبيٌ من التُرك هضيم الحشا ... مهفهفُ القدّ رشيقُ القوامْ للطّرفِ من تذكاره عبرةٌ ... والقلب شوقٌ أرّق المُستهامْ

стр. 3072

وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت: إن غضّ من فقرنا قومٌ مُنحوا ... وكل حزبٍ بما أوتوهُ قد فرحوا إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهمُ ... فإنهم خسروا أضعاف ما ربحوا وأنشدني في لفظه لنفسه: يا بديع الجمال شُكرُ جمالُكْ ... أن توافي عشّاقه بوصالكْ لِنتَ عطفاً لهم وقلبُك قاسٍ ... فهم يأخذون من ذا لذلكْ غير أن الجمال أولى بذا الحُس ... نِ ومَن للبدور مثل كمالك قابلتْ وجهك السماءُ فشكل ال ... بدر ما في مرآتها من مثالكْ مثّلتُه لكن رسوم صداها ... كلّفته فقصّرتْ عن مثالِكْ محمد بن محمد بن يوسف ابن نصر، صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله بن الأحمر الخزرجي. كان ملكاً جميلاً نبيهاً نبيلاً حسن السياسة ظاهر الرياسة، عاقلاً وقوراً، فاضلاً يرسل من ذهنه على صيد المعاني صقوراً، متظاهراً بالدين متجاهراً بقمع الملحدين، له نظم أرق من هبّة نسيم سحَرْ، وأخلب من لحظ غادة إذا رمق وسحر.

стр. 3073

وكان قد قرأ العربية على الأستاذ أبي الحسن الأُبّذي وراح وهو على طريقه يحتذي. ولم يزل على حاله الى أن خانه زمانه، وغدر به سلطانه، فخُلع ثم غُرِّق، ووزع سعده وفُرّق، وذلك في سنة تسع وتسعين وست مئة. وكان قد بويع السلطان أبو عبد الله بعد والده سنة إحدى وسبعين وست مئة، فتملك ثمانية أعوام، ثم إنه وثب عليه أخوه أبو الجيوش نصر، وظفر به وسجنه مدة، ثم جهّزه الى بلده شلوبينيّة، فحبسه بها الى أن تحرّك على نصر ابنُ أخته الغالب بالله وطلب نصر أخاه المخلوع الى غرناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته، ومرض أبو الجيوش نصر، فأغمي عليه ثلاثة أيام، فأحضر الكبراء أخاه ليملّكوه، فلما عوفي أبو الجيوش تعجّب من مجيئه وأخبر فغرّقه خوفاً من شهامته، وكان خلعُهُ وتغريقه في السنة المذكورة. أخذرني من لفظه شيخنا الإمام العلامة أثير الدين قال: رأيته بغرناطة مراراً بالمصلى، وأنشدته قصيدة امتدحته بها، وحضرت عنده إنشاد الشعراء في بعض أعياده، ويُذكر أن له نظماً، وقد اشتهر عنه وهو قوله يخاطب وزيره أبا سلطان عزيز بن علي الداني:

стр. 3074

تذكّر عزيز ليالينا ... وأُنسا نعاطي على الفرقدينْ ونحن ندبّر في مُلكنا ... ونُعطى النُضار بكلتا اليدينْ وقد طلب الصُلح منا اللعي ... ن فما فاز إلا بخفّي حُنين إذا ما تُكاثر إرساله ... يكون الجوابُ شبا المرهفين فلمْ لا تشمّر عن ساعدٍ ... وتضرب بالسيف في المغربين وقد خدمتنا ملوك الزما ... ن وقد قصدتْنا من العدوتين فنسأل من ربّنا عونَهُ ... على ما نوينا من الجانبين ومما ذكر عنه قوله: أيا ربة الحسن التذي أذهبت نُسكي ... على كل حال أنت لابدّ لي منكِ فإما بذُلٍ وهو أليقُ بالهوى ... وإما بعزّ وهو أليقُ بالملكِ انتهى. قلت: وقد نظمت جوابه كأني حاضره في وزنه ورويّه: متى لاق بالعُشاق عزٌ وسطوة ... كأنك من ذُل المحبة في شكِّ تلقَ الهوى مع ما ملكتَ بذلّة ... لتُنظم مع أهل المحبة في سِلكِ ولكنه ظرّف في كونه قدّم لفظ الذل على العز. محمد بن محمد بن محمد ابن محمد بن عبد القادر، الإمام المفتي المدرّس ناصر الدين بن الصايغ الدمشقي. كان من أعيان الفقهاء وسمع كثيراً ونظر في الرجال، وعني بالمتون، وسمع من

стр. 3075

القاضي، والمطعّم، وعدة. وكتب عن شيخنا الذهبي. وقال شيخنا عنه: له عبادة وإنابة وتسنّن. وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون دمشق سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة سبع وسبع مئة. كان مدرّس العمادية. محمد بن محمد بن محمد الشيخ الفقيه القاضي فخر الدين أبو عبد الله الشافعي المعروف بابن الصقلّي. ناب في الحكم بالحكر ظاهر القاهرة الى حين وفاته، وصنّف كتاب التنجيز في تصحيح التعجيز وولي قضاء دمياط. توفي رحمه الله تعالى في أواخر ذي القعدة سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وقد قارب السبعين. محمد بن محمد بن محمد ابن خليفة بن نصر الله القاضي الرئيس الفاضل الكاتب أمين الدين ابن القاضي نجيب الدين بن القاضي كمال الدين بن النحاس. أتقن القلمين إنشاءً وحساباً، وتجاوز غاية الفنين، فإذا دعاهما أجابا، وكان فيه رئاسة تشرّبها قلبه قديماً، وصحب الناس على اختلاف حالتيه خادماً وخديماً.

стр. 3076

ولما كان في ديوان الأمير سيف الدين تنكز رأى من العز والوجاهة والصدارة والنباهة ما فاق به أبناء جنسه، وجنى ثمر غرسه، ونفخ في ضرم الكرم، وأبقى من الثناء ما لا انصرف ذكره ولا انصرم. ثم إن الدهر قلب له المجنّ، وأسدف ليلُ خموله وجنّ، وانحرف عليه مخدومه، وغابت من إقباله نجومه، ثم إنه حنّ عليه بعض حنوّ وأسمى قدره بعض سمو. ولم يزل في عمالة الخزانة معروفاً بالضبط والأمانة الى أن نحّى النحاس عن الحياة أجلُه، ولم ينفعه ريثه ولا عجله. وتوفي رحمه الله تعالى فجأة يوم الخميس سابع شهر رجب الفرد سنة سبع وخمسين وسبع مئة. ومولده في غالب الظن في سنة إحدى وثمانين. بات ليلة الخميس وأصبح بكرة نهاره، فحكى لبعض أصحابه، قال: رأيت في بارحتي كأني دخلت الحمام ومتّ، وفي البارحة الأولى رأيت مثل ذلك، ثم إنه اشترى لأهله حلوى، لأنه كان ليلة الرغائب، وجهّزها مع أهله الى تربة ولده بالمزة، وقال: أنا العصر عندكم، ثم إنه دخل الحمام وخرج منه، فمات فجأة، وما أذّن العصر إلا وهو عند أهله كما قال، ولكن على النعش. وكان أول أمره قد توجه مع الأمير سيف الدين طقطاي الجمدار الى نيابة الكرك، ثم إنه عاد واستخدمه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى صاحب ديوانه عوضاً عن القاضي محيي الدين، فصال وجال، وكان له ذكر في دمشق وصيت وسمعة الى أن تغيّر عليه بعد مدة فعزله، وأخذ منه بعض شيء، واستمر في إحدى وظيفتيه

стр. 3077

بديوان الإنشاء، ثم إنه بعد مُدَيدة لزم بيته، وأقام على ذلك مدة. ثم إنه حنّ عليه واستخدمه في نظر دار الطراز، فباشرها مدة، ثم إنه تناقل هو وابن السابق من عمالة الخزانة الى نظر دار الطراز، فاستمر أمين الدين في عمالة الخزانة بقلعة دمشق الى أن توفي رحمه الله تعالى. ولما كان الأمير علاء الدين الطنبغا بدمشق تحدث له القاضي شهاب الدين بن فضل الله في أن يكون في جملة كتّاب الإنشاء، فرسم له بذلك، وكتب بذلك توقيعه، وعلّم عليه، وطُلب ليباشر فاستعفى من ذلك. وكان له نظم ونثر لا بأس بهما، من ذلك ما نظمه وكتبه على حسن التوسّل وهو: فأدركته منها بحسن التوسل ونقلت من خطه صورة قصة كتبها على لسان قلعة الكرك تسأل أن يكون بها موقّعاً وهي: المملوكة المُملكة الكركية الشاكي على لسان حالها أكبر مصيبة وأعظم لية: تقبل الأرض لدى مالك ... ساس الأقاليم برأي مصيب وتشتكي جورَ الزمان الذي ... قد خصها دون الورى بالصليب

стр. 3078

وتنهي أنها من أعز الممالك وأصعب المسالك، قلعتها منيعة، وهضبتها رفيعة، وبقعتها وسيعة، وذروتها باسقة وقُلتها شاهقة، وقد اتخذت لها الغمام لثاماً، وزرقة السماء وشاماً، يكاد ساكنها يردُ من المجرة نهرها ويجالس من النجوم زهرها، وهي دار السلطنة الشريفة، ومحلّ الأرمن من الخيفة، قد جمعت بين قرب الأرض المقدسة والشام ومجاورة الأنبياء والبلد الحرام، ومع ذلك كله لسان إنشائها أقلف، وقلم توقيعها من الحجارة أجلف، ووليّه نصراني الدين، وفي ذلك إجحاف بالإسلام والمسلمين، وكانت صابرة على البلوى ومحتسبة عند الله ما تقاسيه من هذه الشكوى، لعدم من تنهي إليه حالها وتبث مقالها، الى أن أعزها الله بعز الدين، ومنحها منه بالرأي الصائب والفتح المبين: أمير له حزم وعزم وفطنة ... ورأي يجيد العقد والحل صائبه تردّى بثوب العدل والباس والندى ... كما قال من قد أحكمته تجاربه: بصير بأعقاب الأمور كأنما ... تغازله من كل أمر عواقبه فلما حل ساحتها، وأعاد لها بعد التعب راحتها، وأزال عنها كل بوس وأضحك وجوه أملها العبوس، حضر لديه منشئ هذه القصة ومزيل - إن شاء الله - هذه الغصة عبد الأبواب الشريفة محمد بن محمد بن خليفة ممن غذي بالإسلام، ونسب الى أنصار النبي ﵇، وهي تسأل توليته ديوان إنشائها، وإن لم يكن لذلك أهلاً، لكنه أحق من هذا الأقلف وأولى، لتكون المملوكة في ذلك كمن اتخذ سداداً من عوز أو تقلّد لعدم الدرّ الخرز:

стр. 3079

فإن اقتضت آراءُ مولى قد سما ... بمفاخر ومآثر وبسؤدد أن يسعف الشاكي إليه برأفه ... تدنيه من آماله والمقصد فليصرفن هذا اللعين ويغتنم ... إبدالَه لي بطْرُساً بمحمد ويشرف هذا القلم الذي لا يبارى، وليعمل بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى " ويسلك هذه الصناعة أحسن مسلك، معتمداً على قوله : " ولَعَبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشرك " وينزهها من ذلك كأمثالها من الحصون، آخذاً بقوله حلّ اسمه: " لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّونِ ". وقد أرسلت المملوكة هذه القصة والسيل بالغ الزبا وخفيف بلله قد عمّ أعالي الربا، فإن أُجيبت فاللوم عداكم، وإلا أنشدت: فعلى علاكم أنهت ذلك إن شاء الله تعالى. وكنت قد كتبت له توقيعاً بنظر دار الطراز ثالث عشري صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وهو: رسم بالأمر العالي - لا زال يصطفي من كان أميناً ويكتفي بمن تتقلد الأيام من محاسنه عقداً ثميناً، ويحتفي بمن يصبح نور كفايته على مرّ الليالي مُبيناً - أن يرتب المجلس السامي القضائي في كذا.. ركوناً الى كفايته التي يزيد جمالها ويزين،

стр. 3080

ويعيد جلالها ويعين، ويبيد كل فضل سواها ويبين، ويستحق بمكانتها أن يقال له " إنك اليوم لدينا مكينٌ أمين " إذ هو الخبير الذي إذا قام في أمر سدّه، وتمنى بدرُ التمام لو نال بعض كماله ووده، والفاضل الذي مر الزمان على محاسنه وهي لا تزيد إلا جدّة وجدة، وأعيا تعدادُ فضله أنامل الحُسّاب فما أمسكوا إلا على عدة وعدة، والكاتب الذي وشّى المهارق، عوّذ قلمه وطرسه بالقضيب والبُردة، ورقم ابن مقلة تحت رقم خطه، وشهدت له بالحلاوة شهده، والبليغ الذي إذا قال قال الذي عنده، وأعجلت رويّته القلم فلم تدعه يبلغ ريقه ولا يستريح في مدة مدّه. فليباشر ذلك مباشرة هي في كفالة معرفته وكفاية خبرته ناظراً فيما يوشي ويوشع، ويلم شمل الحسن في رقمه ويُلمع، متطلباً أعمال الصناعة بإتقانها، وإقامة الحجة في النظر على صحة رقمهم بأدلتها وبرهانها، متطلعاً الى ضبط ما يصرف، وعرفان ما يمكن أن يتوصل الى كيفية إحسانه وكمية أوزانه ويعرف، حتى تكون هذه المباشرة حقيقةً في صحة النظر دون مجازه، وينسى ابن سناء الملك لمحاسنها طراز داره ودار طرازه، فإنه من هذه الوظيفة المباركة قد تسوّغ العذب النّمير، وفُوّض إليه النظر في جمال المأمور والأمير وزينة الكبير، ولا حظّ فيها للصغير، فيقال: والصغير، ينعم نظره منها في نعيم وملك كبير، ويتفاءل منها بسعادة الآخرة فإنه بها في الدنيا في جنة وحرير. وتقوى الله ملاكُ الأمور فليكن طراز بروده وواسطة عقوده المتحلي بها في صعود سعوده، وليقابل هذه النعمة بشكر يوجب مزيد الخير المستمر والحمد لله الذي

стр. 3081

يستقل بالأيادي الجزيلة ويستقر، والله يزيده فضلاً من عنده ويوفقه الى ما يرشده الى مظان سعده، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. محمد بن محمود ابن شمس الدين بن الكويك، التاجر التكريتي. أقام بدمشق مدة طويلة، ورحل وأقام بالإسكندرية، وصار من تجار الكارم، وكانت له في الإسكندرية صورة مشهورة ومعروف وبرّ. توفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة. محمد بن محمود بن محمد ابن بندار، الشيخ بدر الدين التبريزي الشافعي. كان رجلاً مباركاً معروفاً بالصلاح، ولي القضاء في أماكن متعددة، منها القدس وبعلبك، ثم إنه نُقل من القدس الى بلد الخليل ﵇ خطيباً، فأقام أشهراً يسيرة. ومات رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة خمس وعشرين وسبع مئة. محمد بن محمود بن ناصر ابن ابراهيم، الشيخ الفقيه المقرئ المجوّد شمس الدين ابن الشيخ نجم الدين الزّرعي الدمشقي المعروف بابن البصال.

стр. 3082

كان مُقرئاً جيداً عارفاً بالقراءات، حسن الصوت، مليح الأداء، أمّ بدار الحديث الأشرفية مدة، وكان الناس يقصدون الصلاة خلفه في التراويح فيمتلئ المكان ويزدحم. وكان صيّناً ديّناً متواضعاً ظاهر الخير، وتصدّر للإقراء مدة. وتوفي رحمه الله تعالى في سادس ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الأربعين من عمره. محمد بن محمود بن سلمان ابن فهد، القاضي شمس الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وابن شيخنا العلامة شهاب الدين محمود صاحب ديوان الإنشاء بدمشق. كان ساكناً وادعاً، رادّاً عن الظلم رادعاً، ليس من الشر في شيء وإن هان، ولا عنده كبرٌ ولا له في الملق وجهان. وكان خطه كالقلائد على اللباب، والأزهار إذا كان للنسيم فيها هبات. جمع من إنشاء والده مجاميع، وعلّق أشياء مطابيع: كأنها من حسنها روضةٌ ... تسرح فيها مُقلةُ الناظر ولم يزل على حاله الى أن صرعته المنايا، وصدعت شمل حياته الرزايا. وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة.

стр. 3083

ومولده ثامن شوال سنة تسع وستين وست مئة. وكان يكتب خطاً نقشاً نغشاً مليحاً الى الغاية، وكان كثير التواضع لم يغيره المنصب، وكان الأمير سيف الذي يحبه ويعزه ويكره، ولما جاء والده رحمه الله تعالى الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء كان هو حول والده يكتب المطالعة، هو والقاضي شرف الدين أبو بكر ولده، وقد تقدم ذكره، وكان إذا سافر الأمير سيف الدين تنكز الى الصيود يسافر القاضي شمس الدين معه، وتوجه معه الى الحجاز لعجز الشيخ شهاب الدين والده عن حركة السفر. ولما توفي والده ﵀ في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة كتب فيه تنكز الى السلطان فولاه صحابة ديوان الإنشاء بدمشق على عادة والده، ووصل توقيعه ... ولم يزل على حاله الى أن توفي في التاريخ المذكور، فما طالت المدة. ولما مات رحمه الله تعالى رثاه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها: أطلق دموعك إن القلب معذورُ ... وإنه بيد الأحزان مأسورُ وخلّ عينيك يهمي من مدامعها ... درٌ على كاتب الإنشاء منشورُ يسوءني ويسوء الناس أجمع يا ... بيت البلاغة أن البيت مكسور في كل يوم برغمي من منازلكم ... ينأى ويذهب محمود ومشكور خبا الشهاب فقلنا الشمس فاعترضت ... أيدي الردى فزمان الأنس ديجور آهاً لمنظر شمسٍ لا يُذمّ لها ... بالسعي في فلك العلياء تسيير

стр. 3084

منها: لهفي عليه لأخلاق مهذبة ... سعى الثناء بها والأجر مبرور تواضعٌ لاسمه منه ازدياد عُلا ... وفي التكبّر للأسماء تصغير وهمّة بين خُدّام العلا نشأت ... فاللفظ والعرض ريحان وكافور لا عيب فيه سوى فكر عوائده ... للحمد رقّ وللألفاظ تحرير حتى إذا لاح مرفوع مدائده ... وراح ذيلُ علاه وهو مجرور تخيّرته أكفُّ الموت عارفةً ... بنقده وتنقّته المقادير منها: والمرء في الأصل فخّار ولا عجب ... أن راح وهو بكف الدهر مكسور جادت ضريحك شمس الدين سارية ... يمسي صداك لديها وهو مسرور محمد بن محمود بن معبد الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وهو أخو الأمير علاء الدين، وقد تقدم ذكره في حرف العين، وأصلهما من بعلبك. أخذ الأمير بدر الدين هذا العشرة، ثم الطبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى قد تغير عليه لما تغير على ناصر الدين دواداره، ثم رضي عنه بعد ذلك وولاه الصفقة القبلية، وكانت له نعمة طائلة، وأملاك وسعادة. وكان يحبّ الفضلاء ويكرمهم، وعلى ذهنه تواريخ الناس ووقائعهم، وعنده

стр. 3085

مجلدات في الأدب وغيره، ولم يكن يقدر أحد يحجّه ولا يخصمه إذا سارعه أو حاكمه، وكان شكلاً طويلاً بطيناً دون أخيه علاء الدين. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن الى جانب بيته داخل دمشق. محمد بن مختار الفقيه الفاضل شرف الدين الحنفي. كان جيد الذهن، يعرف الهندسة جيداً، وله يد طولى في الهيئة والحساب، وكان في الأصل صائغاً، فتسلط بالصياغة على معرفة كتاب الحيل لبني موسى وكان يصنع بيده أشياء غريبة ويقدّمها للأمير سيف الدين قجليس الناصري، فراج عنده بذلك، وأخذ له فقاهات في المدارس الحنفية. وكانت له يد في المنطق، وكان يجب الأدب، ولم يكن له فيه يد بل ولا ذوق. اجتمعت به بقلعة الجبل غير مرة وجرت بيني وبينه مباحث أصولية، وكان يميل الى رأي الفلاسفة، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أحمد العسجدي أبياتاً أنشد فيها، منها أولها: ليس ابنُ مختار في كفر بمختار ... وإنما كُفره تقليدُ كفّار
следующие страницы →