Полный текст (3 514 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
محيي الدين بصحابة ديوان الإنشاء، وهو كبير الديوان يجلس فيه كأنّه كِسرى في الإيوان، وخطّه يُزري بالحدائق، والمطالعة تروح إلى باب السلطان بخطه كالريحان فوق الشقائق، وكان قد أتقن كتابة المطالعة، وعرف البداءة في ذاك والمراجعة، وكتب النسخ من أحسن ما يُرى، وأبرز سطوره كأنما قد رصّعه جوهراً.
له ردّ على المعاني المبتدعة لابن الأثير، وله رسالة سمّاها رصف الفريد في وصف البريد، نظماً ونثراً.
ولم يزل على حاله إلى أن ورد النقض على كماله، ورُدّ بدره إلى أسرار هلاله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته في ذي القعدة ثالث عشري الشهر المذكور من السنة المذكورة.
ومن شعره:
ولما بدا مُرخى الذوائب وانثنى ... ضحوك الثنايا مسبل الصدغ في الخدّ
بدا البدر في الظلماء والغصن في النَّقا ... وزهر الربا في الروض والآس في الوردِ
أنشده يوماً القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:
لا تنكرنّ على الأقلام إنْ قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أبصرتَها وخُطَا
فعارض الطَّرْس في خد الطروس بدا ... من أبيض الرمل شيبٌ منه قدْ وخطا
стр. 352
فقال كمال الدين بن العطّار:
أقلام فضلك ما شابتْ ولا قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أنصفتها وخُطا
بل عارض الطَّرْس لما شاب عنبره ... بعشبه قيل شيبٌ فيه قدّ وخَطا
وكتب هو إلى القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
سقى وحيّا الله طيفاً أتى ... فقمت إجلالاً وقبّلتُه
لشدّة الشوق الذي بيننا ... قد زارني حقاً وقدْ زرتُهُ
فكتب الجواب عن ذلك:
في النوم واليقظة لي راتبٌ ... عليك في الحالين قرّرْتُه
تفضّل المولى إذا زاره ... طيفي خيالي منه أنْ زُرتُه
أحمد بن محمود بن عبد السيد
القاضي نظام الدين بن الإمام العلاّمة الشيخ جمال الدين الحَصيري الحنفي.
كان يدرّس بالنورية إلى حين وفاته.
قال شيخنا علم الدين البِرزالي: لا أعرف له رواية. وتاب مدة في الحكم بدمشق، وكان يكتب في الفتاوى، وله ذهنٌ جيّد وعبارةٌ طَلْقة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
стр. 353
أحمد بن محمد بن مري
الشيخ الإمام الفاضل شهاب الدين البعلبكي.
كان في مبدأ حاله منحرفاً عن الشيخ تقي الدين بن تيمية، وممن يحطّ عليه، فلم يزل من أصحابه إلى أن اجتمع به فمال إليه، وأحبّه ولازمه وترك كل ما هو فيه، وتلمذ له ولازمه مدة، وتوجّه إلى الديار المصرية، واجتمع بالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، فأذن له في الجلوس والكلام على الناس بجامع الأمير شرف الدين حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي، لأن الأمير بدر الدين كان الناظر في أمر الجامع المذكور، فجلس وتكلم مدة، إلى أن تكلم في مسألة الاستغاثة والوسيلة برسول الله ﷺ ، فمنعه قاضي القضاة المالكي من الجلوس في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ثم إنه أُحضر بيد يديّ السلطان، وأُحضر بعد ذلك عند النائب في خامس شهر ربيع الآخر وحبسه القاضي المالكي، ثم غلَّظ عليه، وقيّده، ثم إنه ضربه نحو خمسين سَوطاً في تاسع عشري جمادى الأولى، وتسلّمه والي القاهرة وأقام عنده يومين، وسفّره هو وأهله إلى بلد الخليل ﵇، ثم إنه حضر وحده إلى دمشق في شهر رمضان من السنة المذكورة. وكان قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قد أثنى عليه هو والأمير بدر الدين جنكلي وغيره من الأمراء قدّام السلطان.
أحمد بن مسعود بن أحمد
ابن ممدود بن برشق، شهاب الدين أبو العباس الضرير السنهوري - بالسين المهملة
стр. 354
والنون والهاء والواو والراء، على وزن منصور - المعروف بالمادح، لأنه كان يكثر من أمداح سيدنا محمد رسول الله ﷺ .
اجتمعت به غير مرة عند الصاحب أمين الدين في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالديار المصرية، وكان قد أضرّت عيناه، وجعلت قلبه الذكي ميناه، حفَظة لُفَظة، يتأثّر بكلامه كلّ من وعظَه، له قدرة زائدة على النظم، والنفَس الذي يذوب له اللحم، وينخر العظم من الالتزام الذي يأتي به، ويبدع في أسلوبه، فينظم قصيدة في كل بيت منها حروف المعجم، أو في كل بيت في كل كلمة منه ضاد أو حرف ظاء، أو غير ذلك من الحروف التي ما لها في دور الكلام اعتضاد.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن جلده التراب، وفارق من يعزّ عليه من الأتراب.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أنشدني من لفظه لنفسه:
إن أنكرتْ مقلتاكَ سفكَ دمي ... فوردُ خدّيك لي به تشهدْ
يُجرّحه ناظري ويشهد لي ... أليس ظلماً تجريحي الشاهدْ
أطاعك الخافقان تِهْ بهما ... قلبي المعنّى وقُرطك المائد
قلت: هو من قول ابن سناء الملك:
ملكتِ الخافقين فتُهتِ عُجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
стр. 355
وأنشدني له:
يا من له عندنا أيادٍ ... تعجز عن وصفها الأيادي
فيك رجاءٌ وفيك يأسٌ ... كالحرّ والبرد في الزِّناد
أحمد بن المسلم بن محمد
ابن المسلّم، الأجلّ عز الدين ابن الشيخ شمس الدين بن علاّن القيسي الدمشقي.
سمع من أبي نصر بن الشيرازي، وشيخ الشيوخ ابن حَمّوُيَه والسخاوي، وإبراهيم الخشوعي، ولم يُرَ له سماع من ابن اللتي، ولا من ابن الزبيدي. وحفظ كتاب التنبيه، وخدم في الجهات السلطانية، وولّي نظر بعلبك مرات.
ولم يزل على حاله إلى أن هبط ابن علاّن إلى حضيض قبره، ولحق بمن يعامله بلطفه وجَبره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة.
أحمد بن مظفر بن مزهر
القاضي فخر الدين النابلسي، الكاتب المشهور أخو الصاحب شرف الدين بن مُزهر.
стр. 356
رُتب أول الدولة المظفر قُطر مقابل الاستيفاء بدمشق، ولما ولي الأمير علاء الدين طَيبُرس النيابة في أول الدولة الظاهرية عزله وجعله ناظر بَعْلبك.
قال ابن الصُّقاعي: فحصل له من جهة الأمير ناصر الدين بن التبنيني النائب بها صداع وإخراق لأمر تعرّض إليه بسبب الحريم، وأرسله مُقرَّما إلى النائب بدمشق، وكان طَيبُرس يكره بني مزهر من أجل نجم الدين أخيه لملازمة علاء الدين البندقدار، وكان طيبرس راكباً فلما أقبل من الركوب ورآه أمر برمْيه في البركة وأن يدوسه المماليك بأرجلهم وأن يحمل عشرة آلاف درهم، ثم إنه عاد بعد ذلك إلى مقابلة الاستيفاء ورتّبه الأفرم صاحب الديوان بدمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن مزهر وقد ذوى، وأمسى فخره المُشمخر وقد هوى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة.
أحمد بن مظفر بن أبي محمد
ابن مظفّر بن بدر بن الحسن، الشيخ الإمام الحافظ الثبت المسند الحجة شهاب الدين أبو العباس النابلسي الأشعري.
كان ثبتاً، حافظاً متقناً تخاله بالدر لافظاً، متحرّياً لا متجرّياً، متحلياً بالقناعة
стр. 357
عن الدنيا متخلياً، لا يزاحم الناس في دنياهم، ولا يسعى مسعاهم، قد قنع من العيش بالبَرْص، وتخيّل أنه قد ملك الأرض، وكان لا يحدث إلا من أصوله، ولا يتكل إلا على محصوره في محصوله، وكان جَلْداً في أشعريته، مبالغاً في الانتصار لعقيدته، قيل: إنه لم يحدّث حنبلياً، ويرى أنه لو فعل ذلك كان بالدم مليّاً، وبه تخرّج شيخنا الحافظ الذهبي، ومنه أصبح في علْم الرواية وهو غير غبي، على أن ابن مظفر ما سلم من جَرْح الذهبي ولا طعنه، وساقه في ركب مَنْ جَرّحه وظَعَنَه، وروماه بما الله به عليم، وتحمّل من إثمه ما يثقله " يوم لا ينفع مالٌ ولا بَنونَ إلاّ مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ ".
ولم يزل ابن مظفّر إلى أن علقت به أظفار شُعوب، وآذن شهابه بعد الطلوع بالغروب.
وتوفي في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع، وقيل: سنة خمس وسبعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ولم يكن عنده في بيته أحد، ففُقد بعد ثلاثة أيام وأربعة، ففُتح عليه الباب ودخلوا إليه، فوجدوه ساجداً وهو ميّت.
أخبرني نور الدين أبو بكر أحمد بن علي بن المقصوص الحنفي، وكان به
стр. 358
خَصيصاً، قال: كان دائماً يقول: أشتهي أن أموت وأنا ساجد، فرزقه الله ذلك، وصُلّي عليه بالجامع الأموي في العشر الأواخر من شهر ربيع الأول.
وهو سِبط الزين خالد الأشعري، وكان قد سمع من خلْق كأبي الفضْل بن عساكر، وزينت بنت مكّي، وعبد الخالق القاضي، وسمعتُ عليه أنا وولدي محمد أبو عبد الله جزء ابن عرفة والمائة حديث انتزاع ابن عساكر من ثُلاثيات أحمد بن حنبل بقراءة مولانا قاضي القضاة تاج الدين بن نصر عبد الوهاب السبكي الشافعي، وأجازنا رواية ما يجوز له روايته.
وكان منجمعاً عن الناس، مجموع ماله في الشهر ما يزيد على العشرين درهماً، رحمه الله تعالى.
أحمد بن مكي قبجق
الأمير شهاب الدين ابن الأمير سيف الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان من فرسان الخيل، ومن أبطال يزدحمون على المعارك ازدحام السيل، لم يُر على ظهر الفرس أخفّ من حركاته ولا أسرع من انتقالاته، كأنما رُكّب من زئبق، أو وُجد ليباري البرق، وهو على كل حال يفوته ويَسبق، وله أعمال عجيبة على ظهر الفرس إذا جرى وانتقالات إذا رآها المحبّ تذكّر بها قول القائل:
ماذا على برق المُصلّى لو سرى
وكان أعجوبة زمانه ونادرة أوانه إلى أن عمّ السكون حركاته، وجاء الأمر الذي لا نجاء من دركاته.
стр. 359
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
كان شهاب الدين هذا على ما ذكر غير واحد أنه يُصفّ له ثلاثة أجمال أحمالها تبن، وأنه يقف من هذا الجانب ويثبُ في الهواء فيتعدّاها إلى ذلك الجانب الآخر، وأنه كان يسوف الفرس فإذا كان في وسط جَرْيه وثب قائماً على السرج ثم يسلّ سيفه ويضرب به في الهواء يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً، ثم يمسكه بين أصبعيه، ويأخذ القوس ويوتره على ما قيل، ويرمي به عدة سهام، وهذا لم أره بعيني، ولكنه حكاه لي غير واحد، وهذا أمرٌ خارق باهر، سيأتي ذكر أخيه ناصر الدين محمد بن مكي قبجق في المحمدين.
أحمد بن منصور بن أسطوْراس
بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، وضمّ الطاء المهملة، وسكون الواو، وراء بعدما ألف وسين مهملة، شهاب الدين المعروف بابن الجبّاس.
اجتمعت به في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل بالديار المصرية سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وكان به صمم، وأنشدني من لفظه لنفسه:
إنْ قلّ سمعي إنّ لي ... فهْماً توفّر منه قِسمُ
يدني إليّ مقاصدي ... ويروقك الرَّمح الأصمّ
ولربّ ذي سمع بع ... يد الفهم عييّ النطق فَدْمُ
زادوا على عيب التصا ... مُم أنهم صُمٌّ وبُكمُ
стр. 360
قلت: في البيت الثالث نظر.
وكان مقيماً بدمياط، وهو خفيف الحركة، جمُّ النشاط لأنه كان خطيب الورّادة، يجيء إليها كل جمعة، ويخطب بها على العادة، ثم يعود إلى دمياط.
ولم يزل على حاله إلى أن صار ابن الجبّاس في الجبّان، وانتقل إلى رحمة الملك الديّان.
وتوفي رحمه الله تعالى....
وسألته عن مولده فقال: في سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وأجاز لي بخطه ما يجوز لي تسميعه، وأنشدني من لفظه لنفسه يصف المور:
كأنما الموز في عراجنه ... وقد بدا يانعاً على شجرهْ
فروع شعرٍ برأس غانيةٍ ... عُقصن من بعد ضمّ منتشره
وفي اعتدال الخريف أحسن ما ... تراه في وَردِه وفي صدره
كأنّ مَنْ ضمّه وعقّصه ... أرسل شُرّابةً على أثره
كأن أشجاره وقد نُشرتْ ... ظلال أوراقه على ثمره
حاملةٌ طفلها على يدها ... تظلّه بالخِمار من شَعره
كأنما ساقُه الصقيل وقد ... بدت عليه نقوش معتبره
ساقُ عروسٍ أُميط ميزرُها ... فبان وشيُ الخضاب في حبره
يصاغ من جدولٍ خِلاخلها ... فتنجلي والنشار من زهره
حدائقٌ خفقت سناجقُها ... كأنها الجيش أمّ في زُمره
стр. 361
زُهي فَراق العيون منظره ... فما تملُّ العيونُ من نظره
وكل آياته فباهرةٌ ... تَبين في وِرده وفي صدره
كأنما عمره الحقير حكى ... زمان وصل الحبيب في قصره
كأن عرجونه المشيب أتى ... يخبر أنْ خانه انقضى عمره
كأنه البدر في الكمال وقد ... أصيب بالخُسف في سنا قمره
كأنه بعد قطعه وقد اص ... فرّ لما نال من أذى حِجره
متيّمٌ قد أذابه كَمدٌ ... يبيت من وَجْده على خَطَره
معلّقٌ بالرجاء ظاهره ... يخبر عمّا أجنّ من خَبره
يطيب ريحاً ويُستلذّ جنىً ... على أذىً زاد فوق مُصطَبره
كأنه الحُرّ حالَ محنته ... يزيد صبراً على أذى ضرره
قلت: قد تكرر معه لفظ في وِرده وفي صدره في موضعين وهو عيب جائز، وفي بقية الأبيات لا يجوز من حيث العربية، ولكن لهذه الأبيات ديباجة لحلاوة هذه القافية.
وأنشدني من لفظه لنفسه في رمّانة:
كتمتْ هوىً قد لجَّ في أشجانها ... وحشَتْ حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقتْ من حبّها عن حبها ... وجداً وقد أبدى خَفا كِتمانها
رُمّانةٌ ترمي لها أيدي النوى ... من بعدما رُمّا على أغصانها
فاعجبْ وقد بكت الدموع عَقائقاً ... لا مِنْ محاجرها ولا أجفانها
ومن نظمه أيضاً، والتزم الهاء الأولى.
أفنيتُ ماء الوجه من طول ما ... أسأل مَن لا ماء في وجهه
стр. 362
أُنهي إليه شرحَ حالي الذي ... يا ليتني متُّ ولم أُنهه
فلم يُنلني كرماً رَفْدُه ... ولم أكد أسلم من جبهه
الموت من دهرٍ جهابيذه ... ممتدّة الأيدي إلى بُلْهه
ومن نظمه أيضاً وقد اشتهر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعك أسوداً ... وقد كان محمرّاً وأنتَ نحيلُ
فقلت دمي والدمع أفناهما البكا ... وهذا سوادُ المقلتين يَسيل
وأنشدني من لفظه قطعةً خمَّس بها قصيدة شيخنا العلاّمة أبي الثناء في مدح سيّدنا رسول الله ﷺ ، التي أولها:
هذا اللقاء وما شِفيتُ غليلاً ... كيف احتيالي إن عزَمتُ رحيلا
وكتب بخطّه على كتابي جنان الجناس:
أتطنّ قلباً منك يوماً قد خلا ... وهواك ما بين الضلوع تخلّلا
وكتابك البحر المحيط بفضل ما ... عَقَد الجمان معقداً ومفصّلا
بهر العقول جِناسه فجنانه ... تُدني جَناه يانعاً ومذلَّلا
روض تفتّق زهره وتكهّلا ... أفقٌ تألّق بدره فتكمّلا
يهدي المعاني من مغانيها التي ... غَنيت فأغنت كلّ فهْم أمحلا
إن قال غرٌّ مثله فيما مضى ... فلقد تأوّل باطلاً وتقوّلا
فليهني العلياء ما تجري به ... أقلامك الغرُّ الميامنة العُلا
وليهنئ القرطاس ما قلدته ... يا ابن الكرام من المآثر والحُلا
كتبتْ عليه من الأفاضل سادةٌ ... مدْحاً يروق مدبَّجاً ومسلسلا
ورأيتُ أني عن مداهم قاصرٌ ... فقعدتُ ثم أتيتهم متطفّلا
стр. 363
أين الثريّا والثرى أين السهى ... ممن سها أن التداني والقلا
دُم في سعودك يا خليل فلا خلا ... منك المكان ولا سلا عنكَ الملا
أحمد بن مهنا بن عيسى
الأمير شهاب الدين أمير آل فضل، يأتي ذكر أبيه وإخوته في مكانهم.
لم يكن في أولاد الأمير حسام الدين مهنّا أدين منه، ولا أكثر رجوعاً إلى الحق فيما استفاض عنه، وهو شقيق موسى وسليمان، وكان يرجع في المعاملة إلى أمان وإيمان، ويستدين على ذمته بلا حجة ولا رهن ولا أيمان، ويفي لمن عاهده، ويعجب في أحواله من شاهده، وكان يُباري الغمائم بكرمه، ويجير الخائف في حَرَمه، حُمل إليه يوماً من أنعامه وهو في مشهد عثمان بالجامع الأموي بدمشق مبلغ سبعين ألف درهم، ففرّقها جميعها بعصىً في يده، ولم يلمس منها درهماً في منتقاه ولا منتقده.
حكى لي نائبه على سَلَمية قال: لما جئنا في أيام الصالح إسماعيل إلى دمشق جاءه رجل ونصحه، وقال له: إن كتاب السلطان جاء إلى طُقُرتُمر وفيه أنه يمسك كل من حضر من أولاد مهنّا، ومتى دخلت أمسكك، قال: فقلت له: يا أحمد لا تعبر دمشق، وعُد من ههنا إلى بيوتك، فقال: ما أروح، والسلطان حبسه ثلاث ليال، والباقي بعد ذلك حبسُ الله، ولا أعصي الله، ولا أعصي السلطان، وإنْ أخذ خبزي أكلتُ من أملاكي، وإن أخذ أملاكي بعت أباعري وخيلي وأكلت منها إلى أن أموت.
стр. 364
قال لي أيضاً: وهو لا يتداوى من مرض يكون به، ولا يأكل من أحد شيئاً فيتّهمه، ولو قيل له: هذا طعام مسموم تناوله منه، وقال: " بسم الله " وأكله، ولمّا ورد في آخر أيام الصالح سنة خمس وأربعين وسبع مئة في أحد شهري جُمادى أمسكه الأمير سيف الدين طُقزتمر واعتقله بقلعة دمشق، فبقي فيها مدّة، ثم إنه نُقل إلى قلعة صَفد وأقام بها مُعتقلاً إلى أن توفي الملك الصالح إسماعيل، وتولّى أخوه الكامل، وطلب أحمد بن مهنّا إلى مصر، وأعطاه الكامل إمرة آل فضل، ولم يزل فيها إلى أن تولّى الإمرة سيف بن فضل ابن عمّه في أيام المظفّر حاجي، ولما كان في آخر أيام المظفّر أعيدت الإمرة إلى أحمد بن مهنّا، فتولاّها بعدما طُلب إلى مصر، ولم تزل الإمرة بيده إلى أن نزل به القضاء، وضاق به الفضاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذكر لي أن مولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
ووفاته بمنزلة كواتل، ونقل منها إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب ﵁ عند رحبة مالك بن طوق، ودفن هناك.
أحمد بن موسى بن عيسى
بن أبي الفتح
أبو العباس البَطَرْني المالكي الأنصاري، شيخ القراءات والحديث بتونس.
أخذ القراءات عن أبي محمد عبد الله بن عبد الأعلى الشُّبارتي صاحب
стр. 365
بن عون الله، وعن أبي بكر بن مَشلْيون وطائفة. وروى عن صالح بن محمد بن وليد، ومحمد بن أحمد بن ماجه، وعلي بن محمد الكِناني.
وكان صالحاً مباركاً فاضلاً مشاركاً، له صيت وسُمعة ولخشوعه تنفس ودمعه.
ولم يزل على حاله إلى أن أتاه اليقين ودرج إلى المتّقين.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة، وتبرك الخلق بجنازته، وتوهموا أنهم في كنفه وحيازته.
أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد
عز الدين بن قُرصة الفيّومي المولد القوصيّ الدار.
تولّى نظر قوص والإسكندرية، وكان من تلاميذ الشيخ ابن عبد السلام، وكان قليل الكلام، بريئاً من الملام، لا يتكلم إلا بإعراب، ولا يأنس إلا بمن هو عامر الباطن غير خراب.
أمسكه الأمير علم الدين الشُّجاعي واستحضره، فقال له: المال، قال: مبتَدأ بلا خبر، فقال له: تعال إلى هنا، قال: أخاف أن تضربني بهذه العصا التي في يدك، فتبسّم منه.
стр. 366
وله كتاب سمّاه نتف المحاضرة، وله مسائل فقهية ونحوية ولغوية وأدبية، ودرّس بالمدرسة الأفْرميّة ظاهر قوص.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح تحت جندل وصفائح، وأقام فيه إلى أن تبعثر الضرائح.
وتوفي ﵀ إحدى وسبع مئة.
ومن شعره:
إذا تزوج شيخ الدار غانيةً ... مليحة القدّ تزْهى ساعة النظر
فقد ترافع في أحواله وأتتْ ... قاف القيادة تستقصي عن الخبر
ومنه:
لا تحقرنّ من الأعداء من قصُرتْ ... يداه عنك وإن كان ابن يومينِ
فإن في قَرصة معتبراً ... فيها أذى الجسم والتسهيد للعين
ومنه:
الشيب عيبٌ ولكن عينه قُلعت ... بالشين من شدّة فيه وتعذيب
والشيب شينٌ ولكنْ نونُه حذفت ... بباءٍ بُعدٍ عن اللذّات والطيب
ومنه:
يا من يعذّب قلبه في صورة ... سوداء مظلمةٍ مفحم النار
أتعبتَ نفسك في سوادٍ مظلمٍ ... إن السواد يُضرّ بالأبصار
وإذا عدلتَ عن البياض وحُسنه ... ماذا تؤمِّل في سواد القار
стр. 367
ومنه:
نحن نسعى والسعيُ غيرُ مفيدٍ ... إنْ أراد الإلهُ منعَ المغانم
وإذا ما الإله قدّر شيئاً ... جاء سعياً إلى الفتى وهو نائم
قلت: شعر جيّد.
أحمد بن نصر الله بن باتكين
محيي الدين القاهري.
سمع حرز الأماني على سديد الدين عيسى بن أبي الرحم إمام جامع الحاكم.
كان شاعراً قادراً، ناظماً في فن الأدب ماهراً، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الجَنَب.
وأنشدني من لفظه العلاّمة أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
أقسمتُ بالله وآياته ... يمينَ برٍّ صادق لا يمينْ
لو زِدْتَ قلبي فوق ذا من أذىً ... ما كنت عندي غير عيني اليمين
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
يا حفنَ مقلته سكرتَ فعربد ... كيف اشتهيتَ على فؤادي الكمد
стр. 368
ورميتَ عن قوس الفتور فأصبحت ... غَرَضاً لأسهمكَ القلوب فسدّدِ
لم تغضضِ الجفْن الكحيل تغاضياً ... إلاّ لتقتلنا بسهم مغمَدِ
من لم يَبتْ بعذاب حُبّك قلبه ... متنعّماً لا فاز منك بموعدِ
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... متنعّمٌ في جَمره المتوقّد
قلت: هذا يشبه قول عفيف الدين التلمساني:
قلبي المنعّم في هواك بناره ... إنْ كان غيري في الهوى متألّم
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... في جمره متوقّداً متنعِّم
وكتب أبو الحسين الجزار إليه مُلغزاً:
وما شيءٌ له نقشٌ ونفسٌ ... ويؤكل عَظْمه ويحكّ جلده
يؤدّبه الفتى إدراك سُؤْلٍ ... وقد يلقى به ما لا يؤدّه
ويأخذ منه أكثره بحقٍّ ... ولكن عند آخره يردّه
فكتب الجواب إليه محيي الدين المذكور:
أمولاي الأديب دعاء عبد ... ودود لا يحول الدهرَ ودّه
يرى محض الثناء عليك فَرضاً ... ولا يثني عِنان الشكر بُعده
لقد أهديتَ لي لغزاً بديعاً ... يضلّ عن اللبيب لديه رُشده
وقد أحكمتَه دُرّاً نَضيداً ... يُشنِّف مسمعي بالدُّرّ عقده
فشطرُ اللغز أخماسٌ ثلاث ... للغزكَ إنْ تُردْ يوماً أحدُّه
стр. 369
وباقيه مع التصحيف كسْبٌ ... إذا ما زدته حرفاً تعُدّه
هما ضدان يقتتلان وهْناً ... ويضطجعان في فرْش تمدُّه
هما جيشان من زنجٍ ورومٍ ... يُقابل كل قرنٍ منه ضدُّه
تقوم الحرب فيه كل حينٍ ... ولا تَدْمى من الوقعات جُندُه
ويشتدّ القتال به طويلاً ... ويحكم بالأصاغر فيه عقدُه
ويقتل ملكه في كل حينٍ ... ويبعثه النشاط فيستردُّه
وما يُنجي الهمامَ به حُسام ... وقد ينجي من الإتلاف بنده
ونصر الله في الهَيجا سجالٌ ... فمن شاء الإله به يمدُّه
وهذا كلُّه حَسْبَ اجتهادي ... وغاية فكرة الإنسان جُهْدُه
ونقلت من خطِّ الحافظ اليغموري قال: أنشدني محيي الدين أبو العبّاس الكاتب المصري لنفسه:
يا ناظراً في البيوت أعمى ... عن كل خيرٍ وكل برِّ
أسود كالفحم فهو مأوى ... كل شرار وكل شرِّ
ونفخ هذا الوزير فيه ... أحرقَ كل الورى بجمرِ
ولم يزل محيي الدين المذكور على حاله إلى أن فرّق الموت بينه وبين ذويه، وتصرّف الوارث فيما كان يحتويه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.
وكان المذكور قد تناثرت أطرافه وحاق به تبذيره وإسرافه، فأصبح
стр. 370
لأعدائه رحمة، وأنار الحزنُ عليه كل قلب قد قسا وصار كالفحمة. وهذا محيي الدين هو الذي نظم ذينك البيتين في ابن بنت الأعز، يكتب في الكتب اسمه وحده، وقد ذكرتهما في ترجمة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت العز.
أحمد بن نعمة بن حسن البقاعي
الديرمقري الدمشقي
الصالحي الحجّار الخياط الرحالة المعمَّر، شهاب الدين أبو العباس المعروف بابن الشِّحْنة.
خدم حجّاراً بقلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وكان لما حاصرها جند هولاكو، ولم يظهر أمره للمحدّثين إلى أثناء سنة ست وسبع مئة، فسألوه، فقال: كنا سمعنا، فوجدنا سماعه في أجزاء على أبي المنجا ابن اللتي.
وسمع منه جماعة جزء ابن مَخلد، ومسند عمر النجّاد، ثم ظهر اسمه في كراس أسماء السامعين بالجَبَل صحيح البخاري على ابن الزبيدي سنة ثلاثين، فحدّث بالجامع بضعاً وسبعين مرة بالبلد، وبالصالحية وبالقاهرة وبحماة وبعلبك وكفر بطنا وحمص.
وطلبه الأمير سيف الدين أرغعون الناصري نائب مصر، وسمع منه. وسمع منه القاضي كريم الدين الكبير، والأمير سيف الدين رحمه الله تعالى، والقضاة والأئمة.
стр. 371
وروى بإجازة ابن رُوزبة وابن بهروز وابن القطيعي والأنجب الحمامي وياسمين بنت البيطار، وجعفر الهَمْداني، وخلق كثير.
وكان صحيح التركيب، دمويّ اللون أزهر، له همّة، وفيه عقل، يطيل الإصغاء بلا ضجر، ويصبر كأنّ قلبه مما لازمه حَجَر.
ألحق الأحفاد بالأجداد، وساوى بالسماع عليه بين الآباء والأولاد، رحل إليه الناس من الأطراف، وأخذهم بالسماع عليه الأشراف في الإسراف، وحصّل الذهب والدراهم والخلع، ورُتّب له معلوم فانجبر به وانتفع.
وكان فيه دينٌ وملازمة للصلوات الخمس، ومحافظةٌ في اليوم على ما كان فيه أمس، لا يمل من الإسماع وطوله ولا ينعس، وهو مشغول بإقباله على القارئ وقبوله، ويحفظ ما يصلّي به من القرآن، وربما أخّر الصلاة في السفر على رأي العوام لاستيلاء الشيطان، وصام وهو ابن مئة عام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال عملاً بسنة الإيمان.
قال الشيخ شمس الدين: حُدّثتُ أنه في هذا السنّ اغتسل بالماء البارد.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه قاطع الأعمار، والموت الذي ساوى بين أولي التجارب والأغمار، ونزل الناس بموته درجة في الرواية، وحصل للطلبة عليه من الأسف النهاية.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين خامس عشري صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة نيف وعشرين وست مئة.
стр. 372
ولعله حصل له بركة رواية الحديث ما يقارب المئة ألف درهم. وسمع هو وأخوته الثلاثة في سنة ثلاثين وست مئة. وأجاز لي بخط شيخنا علم الدين البرزالي سنة ثلاثين وسع مئة، ولم أسمع منه فخُرِمتُه، وعنَّفتُ حظي لذلك ولمتُه.
وقلت عند موته:
عِلْم الراوية حِصنٌ للحديث وبال ... إسناد قدْ سدّ أشياخُ الورى فُرَجَهْ
وكان شاد لنا الحجّارُ منزلةً ... وحين مات تزلنا بعده دَرَجَهْ
ابن هبد الله بن أحمد بن عساكر
بن نح بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر
الشيخ الجليل المسند شرف الدين أبو الفضل. كان شيخاً مسنداً.
سمع من زَين الأمناء ابن عساكر، والحسين ابن صصْرى، وأبي المجد القُزويني، وعز الدين بن الأثير، ومكْرم بن الصقر، وابن صبّاح، وابن الزبيدي، وابن اللتي، وفخر الدين بن الشيرجي، وأبي نصر بن الشيرازي. وأجاز له أبو رَوح اللتي، وفخر الدين بن الشيرجي، وأبي نصر بن الشيرازي. وأجاز له أبو رَوْح
стр. 373
عبد المعزّ الهروي والمؤيّد الطوسي، وزينب الشَّغْرية، وقاسم بن الصفّار، وعبد الرحيم بن السمعاني، وجماعة.
قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه صحيح مسلم، والزهد للبيهقي، ومسند أبي يعلى الموصلي، وموطأ أبي مصعب، ومسند السراج أربعة عشر جزءاً، ومشيخة ابن السمعاني سبعة عشر جزءاً أو أكثر من مئة وعشرين جزءاً، وسمعت عليه أكثر تفسير البغوي من قوله تعالى في سورة النساء: " لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول " إلى آخر التفسير.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وست مئة. قال: وجنازته أول جنازة خرجت على العادة من دمشق.
قلت: يعني أنه بعد رحيل التتار عن دمشق في أيام قبجق.
стр. 374
أحمد بن ياسين الربّاحي
قاضي القضاة المالكي بحلب
شهاب الدين قاضٍ فاضَ جوده وما غاض، وغاظ النفوس بشره لمّا استراب وما استراض.
أقدم على تفسيق العدول. ولك يكن له عن ذلك خروج ولا عُدول، ثم تجرّأ بعد الإسقاط، إلى الضرب بالسياط، وحكم بفسق رفاقه الحكام، وعدل عن العَدْل إلى التعدّي في الأحكام، وكفَّر جماعة، ووفّر على الشرّ ومدّ باعه، فضاقت به أرجاء حلب، ولم يلق الناس به زبدةً لما مخضَ مَحْضَ ما حلب، فعُزل عن القضاء، وانتصف الناس منه بالقدَر والقضاء، ثم إنه توجّه إلى مصر، وسعى فأعيد قاضياً مرة ثانية، وعاد إلى ما كان من الإكباب على جمع حطام هذه الدنيا الفائتة الفانية، ولم يرجع عن عادةٍ ألفها، ومادّة استمد منها وعَرَفها، ففسّق وكفّر، وفرّق شمْل العَدْل ونفّر، إلى أن استفتى نائب السلطنة بحلب عليه، ووجّه وجه اللوم والذم إليه، وجهّز الفتاوي بذلك إلى دمشق، وتوجّهت سنّة الطعن عليه والمشَقْ، فحكم بخطابه الواضح، وتبيّن أنه من أهل الفضائح، في القبائل والقبائح، هذا مع ضيق عطن وعَيْن، وملاءة من الشين وبراءة من الدين، ولثغة قبيحة إذا بدّل راء الورد بالغَيْن، وما كان أحقه بقول سلامة الزرّاد السنجاري:
ضاق بحفظ العلوم ذَرْعاً ... ضيقة كفَيْه بالأيادي
стр. 375
قاضٍ ولكن على المعالي ... والدين والعقل والسَّداد
يعدل في حكمه ولكن ... إلى الرُشا أو عن الرشاد
فعُزل مرة ثانية، وتوجّه إلى القاهرة، وأقام يسعى بالعين إلى أن أصبح بالساهرة، فأكلت الأرض منه خبثاً، ورأى بالموت أن جدّه كان عبثاً.
وتوفي رحمه الله تعالى وعفى عنه في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة، توفي هو وولداه في يوم واحد في طاعون مصر.
كان في أول أمره تاجراً بسوق الرمّاحين في دمشق، ثم إنه سعى في قضاء حلب، وأظنه أول مَنْ وليها من القضاة المالكية، فأساء السيرة، وظهر أنه خبيث السريرة، ففسّق العدول وأسقطهم، وضرب بعضهم بالسياط وحكم بفسق رفاقه الحكام، وحضرتْ كُتبهم إلى شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وحضَر كتاب النائب بحلب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام، فقال قاضي القضاة للنائب: الرأي أن تجهّز واحداً له دُرْبة يتوجه إلى حلب ويُصلح بينهم، وعيّنني قاضي القضاة لذلك، ثم لم يتم ذلك، وبطّله مَنْ بطّله، فكتب النائب إلى حلب بمطالعة السلطان، فكتب، فورد المرسوم بعزله، وتولى القاضي زين الدين أبو حفص بها إلى أن مات. ثم إنّ الرباحي سعى في العَود إلى حلب فأعيد، ولم يرجع عن غيّه، وأقام في قضية الدنَيْسري وكفّره، وهمّ بقتله، وحضرت الفتاوي عليه إلى الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الخوارزمي نائب دمشق من الأمير شهاب الدين القشتمري نائب حلب، فأحضر القضاة إلى دار العدل بدمشق، ووقفوا على ما كتب في حقّه فوجوده مُبْطلاً، وكتبوا إليه بالإنكار
стр. 376
عليه، وتوجه غرماؤه إلى مصر، فسعى، ولم ينجح مسعاه إلى أن طُعن هو وولداه وماتوا في يوم واحد، عفى الله عنه وسامحه.
ولقد كنا يوماً في دار العدل بحلب في أوائل قودم الأمير بكتمر المومني، فقال النائب يوماً كلاماً فيه بعضُ إنكار على القضاة، فخرج هو دون رفاقه، وقال لنفرة وزعارَة: أيش بالقضاة يا أمير؟ فنفر فيه النائب، وقال له: ما تتكلم بأدب!؟ ووضع يده على السيف، وتوعّد، فشغلتُه أنا بقراءة القصص عليه، فاشتغل بذلك لحظة، وقال لنقيب النقباء: ناد في الناس، مَن له على هذا القاضي شكوى، بحضر. فحضر في الوقت الحاضر ثلاثة عشر نفراً، وشكوا عليه، فقال له: يا قاضي، مّن يكون هذه سيرته ما يكون هذا نَفَسه. ثم عقد له ولهم مجلساً، ووزّنه لهم مبلغ أربعة عشر ألف درهم.
ولما زاد شرّه في المرة الأولى بحلب، صنع فيه القاضي زين الدين عمر بن الوردي رسالة، سمّاها الحُرقة للخْرِقة، ووصّى ابنه، قال: إن رجع القاضي عن فعله، اكتمها، واستمر، فأظهرها. فلم يرجع عن غيّه، فأظهرها. وهي نظم ونثر، أبدع فيها، وأتى فيها بكل معنى بديع. منها قوله رحمه الله تعالى:
حاكمٌ يصدُر منه ... خلْفَ كل الناس حَفْرُ
يتمنّى كُفْرَ شخص ... والرضا بالكفر كُفْرُ
وقوله:
امتلأت من ذهب أكياسه ... وقلبه ممتلئٌ من دَغَلْ
ما هو إلا حيّةٌ بَزْقُها ... بالسمّ، هذا المغربي الزَّغَلْ
وقوله:
قاض عن الناش غير راضٍ ... مباهتٌ غالظٌ مخالط
стр. 377
يكذب عن مالك كثيراً ... ويُسقط الناس وهو ساقط
وقوله:
تلِفَت مكاتيب الأنام بفعله ... وأبان عن عكس وكَثرة مَخْرَقهْ
ورمى الأكابر والأصاغر كاذباً ... بالكفر أو بالفسق أو الزندقه
وقوله:
لا واخذ الرحمنُ مصراً ولا ... أزال عنها حُسنَ ديباجه
ولّوا علينا قاضياً ثالثاً ... ما كان للناس به حاجه
وقوله:
كثير الجنون مسيء الظنون ... عدوّ الفنون لظىً محرقُ
فيصبغُ أصبغ من بهته ... وأشهبُ في عينه أبلق
وقوله:
إن الرياحيْ على جَهْله ... وجَوْره في حلب يحكُم
إنْ لم يكن في حلب مُسْلم ... فمصر ما كان بها مسلم
وقوله:
يحبّ مِنْ كل علم ... السين والقاف والطا
حاشى الرسالة منه ... ما خُلقُه بالمَوطّا
وقوله:
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأنّ قاضي القضاة جَمْري
стр. 378
وقوله:
يحبس في الردّة مَن ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حَدّ بارد
وقوله:
في حلب قاضٍ على مالك ... قد اجترا ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال نعم ... قد قيل لي إنك زنديق
وقوله:
قاضٍ من السوق أتى ... معتادُ بيع الأكسيهْ
ذا الموصّى يا مايعي ... كيف يعي للأقضيه
وقوله:
يا ساكني مصر ما عهدنا ... منكم سوى رحمة وأُلفه
فكيف ولّيتم علينا ... من لا تصح الصلاة خلفه
وقوله:
الألثغ الطاغي تولّى القضا ... عدمت هذا الألثغ الطاغي
إن سبّح الباري حكى سبّه ... فقال: سبحانك يا باغي
وقوله:
ولّيتم جاهلاً جريئاً ... ألثغ بالمسلمين ضار
مقلقلاً من بني رُبَاح ... نحن له من بني خُسار
وقوله:
كم أسقط شاهداً وعدْلاً ضابِطْ ... فالعالم كلهم عليه ساخط
من كثرة ما يُسقط خافت حلب ... أن يكتب ظاء حظها بالساقط
стр. 379
أحمد بن يحيى السُّهْرَوَرْدي
الكاتب المشهور ببغداد، حفظ القرآن، وتفقّه للشافعي، وقرأ العربية، ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية.
وسمع من رشيد الدين أبي عبد الله المعرّي، وأبي البركات بن الطبّال. وأجاز له جماعة.
وكان علماً مشهوراً في الكتابة وعِلم الموسيقا، فكتب على الشيخ زكي الدين عبد الله، وفاق شيخه في الكتابة. وأخذ علم الموسيقا عن الشيخ صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع جماعة من أرباب هذا الفن أنه ما أتى بعده مثله.
وكان الشيخ شمس الدين المذكور حسن الأخلاق، كريم النفس في حالتي الغنى والإملاق، كثير الحيا، غزير الحُبَا. شريف النفس كثير الاتضاع، ذا مروءة يخاف مدى الدهر ألاّ تُضاع، كثير البشاشة سديد المقال، شديد الحرص على الأشغال والاشتغال، صاحب رأي وعزم، ونأيٍ عن الدناءة وحَزْم، بليغاً فصيحاً، مليَّ المحيّا بالقبول مليحاً، لطيفاً في حركاته وسكناته، كثير الرحمة لا يزعج الطير في وَكُناته، إماماً في الكتابة، رأساً لهذه العصابة.
كتب المصاحف في القطع الكبير والصغير، وأتى بها كأنها قطع الروض النضير. رأيت منها أنا جملة وافية، ودلّتني على محاسنها العينُ الصافية، فشاهدت منها ما يودّ فم
стр. 380
الثريا لو كان له لاثماً، وشهد عندي أن كاتبه يكون فوق الكواكب جاثماً، لا يُطلَق اسم الكاتب إلا عليه إجماعاً نصاً، ولا يرضى أن يكون ياقوت في خاتمه فَصّاً، فقد زعم كثير أنه كتب أحسن من ياقوت، وأنه لو كان في زمانه لعذُر عليه القوت. وقالوا إنه كتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفاً وخَمْس ربعات، كل ربعة وَقْر بعير. وكتب بخطه أيضاً إحياء العلوم للغزالي، كتب كتاب المصابيح ثلاث نسخ، وعوارف المعارف لجد أبيه ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصغاني ثلاث نسخ، كتاب الشفا لابن سينا في مجلد، والمقامات ثلاث نسخ، ومفصل الزمخشري نسختين، ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئاً كثيراً.
وكتب عليه جماعة، منهم القان أبو سعيد، والسلطان أتابك والوزير غياث الدين بن الرشيد، ونظام الدين بن يحيى بن الحكيم، وجماعة من أولاد الأئمة والقضاة والوزراء والفضلاء.
وقُصد من البلاد لحُسن خطّه، ولعلم الموسيقا. وطبقت مصنفاته الأرض في هذا العلم تطبيقاً. لأنه كان فيها لا يُبارى، ولا يُباده ولا يجارى. إذا وقّع أغرب، وإذا
стр. 381
تنحنح، قيل إنه من الأوتار أطرب. قد ألطف لجسّه إبْريسَمُه، وطُبع على هذه الصناعة مِيسَمُه، إلا أنه أخيراً أنِف من نسبة هذا الفن إليه، ونفض منه يدَيْه.
وكان حظيّ الذِّكر عند الملوك، تكاد أنباؤه تنخرط مع الدرّ في السلوك. كاتبه سلطان الهند وصاحب اليمن وجماعة ليمضي إليهم فما وافق ولا رافق، ولا نافى في الظاهر ولا نافق.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الكسوف بشمسه، وجعل الموت قُربه أبعد من أمسه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصُلّي عليه بجامع الخليفة، ودفن عند جدّه.
ومولده ببغداد سنة أربع وخمسين وست مئة. ومات وما في لحيته من الشيب إلا شعرات يسيرة.
ومن شعره:
بدا نجم السعادة في الصعود ... وبَشَّر بالميامن والسعود
وحقق فيك آمالَ البرايا ... بما أولاك من كرمٍ وجود
فلاح لنا الفلاحُ وحلّ فينا ... محلَّ الروح من جسم العميد
وأبقينا النفوسَ بظلّ أمن ... يعمّ الخلق في مُدُن وبيد
بعدلٍ شامل في كل أرضٍ ... لسلطان الزمان أبي سعيد
стр. 382
قد قنعنا بخمولٍ عن غنى ... وبعزّ اليأس عن ذلّ التمني
فكريم القوم لا أسأله ... فلماذا يُعرض الباخل عنّي
قلت: إلا أن هذا شعر نازل، وهو اقرب إلى التوسّط.
أحمد بن يحيى بن فضل الله
بن المجلّي بن دعجان
ينتهي إلى عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. القاضي شهاب الدين أبو العباس ابن القاضي محيي الدين القرشي العدويّ العمري الدمشقي.
الإمام الفاضل البليغ المفوّه حجة الكتّاب، غمام أهل الآداب، الناظم الناثر، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلاً، وتوصلاً إلى غايات المعالي وتوسّلاً، وإقداماً على الأسود في غابها، وإرغاماً لأعاديه بمنع رغابها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب، ويتحدّر سَيْله ذاكرةً وحفظاً ويتصبّب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألّق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عبارته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى عيب المعنى من سترٍ رقيق، ويغوص في لجّو البيان فيظفر بكبار الدُّرّ من البحر العميق، استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيّته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديهاً ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أنْ
стр. 383
يدانيه تشبيهاً، وينظم من المقطوع والقصيدة جَوْهراً، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهراً، جبل كتابة وأخبار، وبحر إصابة في المعاني التي لا يشق له فيها غبار.
وأما نثره فقلْ من يُجازيه، أو يقارب خطو قلمه في تنسيق دراريه. وأما نظمه ففي الثريّا، وأبياته تطول في المحاسن ريّاً، وتضَوّع ريّاً.
قرأ العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين بن مُسلّم، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وعلى الشيخ برهان الدين قليلاً، وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية، والعروض على شمس الدين الصايغ، وتأدّب على علاء الدين الوداعي. وقرأ جملة من المعاني والبيان على شيخنا العلامة شهاب الدين محمود، وقرأ عليه تصانيفه، وجملة من الدواوين وكُتب الدب، وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني. وقرأ بمصر على الشيخ أثير، وسمع منه. وسمع بدمشق والقاهرة والحجاز والإسكندرية وبلاد
стр. 384
الشام، ونظم كثيراً من القصائد والأراجيز والمقطعات ودو بيت وأنشأ كثيراً من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة.
كتب الإنشاء بدمشق أيام بني محمود، ثم ولي والده كتابة السرّ بدمشق، ثم طُلب إلى مصر هو ووالده في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وباشر والده كتابة السر بمصر، ثم خرج مع أبيه إلى دمشق، ثم عاد إليها معه في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وأقام إلى بعض سنة ست وثلاثين، وهو في المرة الأولى والثانية يدخل يقرأ البريد على السلطان، وفي الثانية جلس في دار العدل ووالده القاضي محيي الدين كاتب السر.
وجرى له ما جرى مع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولزم بيته. ثم حجّ وحضر، وغضب عليه السلطان واعتقله بقلعة الجبل، وأخذ منه مئة ألف درهم، ولما أُمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ولاّه السلطان كتابة السرّ بدمشق، فحضر إليها يوم عاشوراء، فيما أظن، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وباشر ذلك إلى آخر أيام أَيْدَغْمشُ نائب الشام، وتوجّه إلى حماة ليتلّقى الأمير سيف الدين طُقْز تَمُر من حلب، فجاءه الخبر في حماة أنه قد عزل بأخيه القاضي بدر الدين محمد، فجاء إلى دمشق، وذلك سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وبقي في الترسيم بالفلكية قريباً من أربعة أشهر، وطلب إلى مصر فما وصل إلى مصر حتى شفع فيه أخوه علاء الدين كاتب السر بمصر وردّه من الطريق، فقال: لا بد من أن أرى وجه أخي، فدخل مصر، وأقام أياماً، وعاد إلى دمشق بطّالاً، ولم يزل بها مقيماً في بيته إلى
стр. 385
أن حدث الطاعون بدمشق فقله منه، وتطاير به، وعزم على الحج، ثم أبطله، وتوجّه بأهله إلى القدس، فتوفيت هناك زوجته ابنه عمه، فدفنها هناك، وما به قلَبَة غير أنه مروع من الطاعون، فحصل له يوم وصوله حتى ربع، ودامت به إلى أن حصل له صَرْع، فمات منه، وسكن ذلك الهدير، ونضب ذلك الغدير، وكان يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ودفن بتربتهم بالصالحية وكانت جنازته حافلة.
ومولده بدمشق ثالث شوال سنة سبع مئة.
وصنّف فواضل السمر في فضائل آل عُمر أربع مجلدات، وكتاب مسالك الأبصار في أكثر من عشرين مجلداً، ما أعلم لأحد مثله، تراجمه مسجوعة جميعها، ولي فيه عمل كثير في اختيار شعره، والدعوة المستجابة، وصبابة المشتاق، مجلد في مدائح النبي ﷺ ، وسفرة السفر، ودمعه الباكي ويقظة الساهر، وقرأتهما عليه بمصر، ونفخة الروض، وغير ذلك.
стр. 386
كتب إليّ ملغزاً:
أيها الفاضل الذي حاز فضلاً ... ما عليه لمثله من مزيد
قد تدانى عبد الرحيم إليه ... وتنادى إليه عبد الحميد
أي شيء سمّي به ذات خدر ... تائه بالإمام أو بالعبيد
هو وصف لذات سرٍ مصون ... وهي لم تخف في جميع الوجود
مذ مضى حينها بها ليس يأتي ... وهو يأتي مع الربيع الجديد
وهو مما يبشر الناس طراً ... منه مأتى وكثرة في العديد
وحليم إرادة لا لذات ... بل بشيء سواه في المقصود
ذاك شيء مَنْ ارتجاه سفيةٌ ... وهو شيء مخصّص بالرشيد
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في " زبيدة ":
يا فريداً ألفاظه كالفريد ... ومجيداً قد فاق عبد المجيد
وإمام الأنام في كل علم ... وشريكاً في الفضل للتوحيد
علم العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد
من تمنى بأن يرى لك شبهاً ... رام نقضاً بالجهل حكم الوجود
طال قدري على المساكين لمّا ... جاءني منك عقد درّ نضيد
شابه الدر في النظام ولمّا ... شابه السحر شاب رأسُ الوليد
هو لغز في ذات خِدْر منيع ... نَزَلَتْ في العلى بقصر مشيد
هي أمّ الأمين ذاتُ المعالي ... من بني هاشم ذوي التأييد
стр. 387
أنت كنت الهادي لمعناه حقاً ... حين لوّحْتَ لي بذكر الرشيد
دمت تُهدي إليّ كل عجيب ... ما عليه في حسنه من فريد
وكتبت أنا إليه ملغزاً في " نجم ":
يا سيّداً أقلامُه لم تزل ... تُهدي لآلي النظم والنثر
قل لي ما اسمٌ قلبه لم يزل ... معذَّباً بالبيض والسُّمر
وكلّه في الأرض أو في السما ... وثلثه يَسبح في البحر
فكتب هو الجواب عن ذلك:
دمتَ خليلي سائر الذكر ... مثلَ الذي ألغزتَ في القَدْر
بعثتها نجميّة قد حلَتْ ... لكنها مِنْ سُكّر الشكر
تطلع بالنجم فأما الذي ... في مطمح الُّهر أو الزَّهر
عجبتُ منه كيف شقّ الدجا ... وما أتى إلا مع الفجر
من صنعة البَرِّ ولكنه ... قد جاءني في راحة البَحْر
أقسمت منه قسَماً بالغاً ... بالفجر والليل إذا يسر
لقد أغرتَ الغيد إذ لم تجدْ ... شبهه في الجيد والثغر
بعقد دُرّ ما له قيمةٌ ... يا حُسنه للكوكب الدرّي
مُسهّد تذكى له مقلةٌ ... مقلوبة كالنظر الشَّزْر
وهو إذا ما حقّقت تعريفه ... عَرَفْتَ منه منزل البدر
بواحد عَدُّوا له سبعةً ... تقيسُ ذيلَ الليل بالشَّبر
стр. 388
فاعر أخيَّ اليوم إن قصرت ... بديهتي واقبل لها عذري
فليس بالألغاز لي قدرة ... ولا غزا في جيشها فكري
وكتبت أنا إليه مع ضحايا أهديتها:
يا سيداً أرجو دوام ظلاله ... علينا وأن يمسي بخيرٍ كما يُضحي
وحقك ما هذي ضحايا بعثتها ... ولكنني سقت الأعادي للذبح
فكتب هو الجواب إليّ عن لك:
أتتني ضحاياك التي قد بعثتها ... لتصبح كالأعداء في بكرة الأضحى
وحقك أعدانا كلابٌ جميعهم ... وحاشاك لا تُجزي الكلاب لمن ضحّى
وكتبت إليه أتقاضاه إنجاز ما وعد به من قلع شجرة ليمون مختم وتجهزها، والتزمت الياء قبل النون:
يا سيداً فيه لي ولاء ... عند جميع الورى تَعَيّنْ
لله ليمونه أراها ... لي مونةً غُصْنُها تزيّنْ
كأعين الحاسدين بغياً ... لأجل ذا قلعها تعيّنْ
فكتب الجواب، والتزم نوناً قبل النون:
يا فاضلاً ما له عديل ... لأنه في الورى تفنّنْ
وكل شيء عاناه فينا ... على طريق الهدى تفنّنْ
أمرك حكم في كل عقلٍ ... ما عاق إلا من قد تجنّنْ
стр. 389
وكان قد أهدى إليّ - رحمه الله تعالى - عندما عمرت الدويرة التي لي بدمشق عشرة أحمال رخاماً، فكتبتُ إليه أشكره على ذلك، وطلبت ذلك فلم أجده وقد عرفته الآن عند تعليقي هذه الترجمة وهو:
لَعَمري لقد أهدى سماحُك والندى ... حُمول رُخام مثل روض تنمنما
فأمسيتُ منها في رخاء وفي غنى ... فيا من رأى قبلي رخاماً مرخّما
وكتب هو الجواب عن ذلك، ولكنني لم أجده تلآن.
وأنشدني لنفسه ونحن على العاصي بحماة:
لقد نَزَلْنا على العاصي بمنزلة ... زانت محاسنَ شطّيه حدائقُها
تبكي نواعيرها العَبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها
فأنشدته أنا أيضاً لنفسي:
وناعورة في جانب النهر قد غَدَتْ ... تعبّر عن شوق الشجي وتُعرب
ترقص عطف الغصن تيهاً لأنها ... تُغَنّي له طول الومان ويشرب
وأنشدني هو أيضاً لنفسه:
إنّا نقيم على حماة حجّة ... في حسنها ولها جمال يبهت
من النواعير الفصاح خصومنا ... ولها لسان ناطق لا يسكت
فأنشدته أنا أيضاً لنفسي:
ناعورة أنّت وحنّت فقد ... شوّقت الداني والقاصي
стр. 390
قد نبهتني للهدى والتقى ... لمّا غدت تبكي على العاصي
وأنشدته أنا لنفسي، وقد طال علينا المركز من شمسين إلى حمص:
محبوب فلبي مثل بدر السما ... أدنيه عمري وهو لي يقصي
بيني وبين الصبر في حبّه ... ما بين شمسين إلى حمص
فأنشدني هو أيضاً لنفسه:
لقد تماديت مدىً يا رستن ... كأنما قربك ما لا يمكنُ
لما جعلناك ضمير قصدنا ... غدوت ممّا لا تراك الأعين
وكتب إليّ من دمشق وأنا بالقاهرة سنة ٧٤١:
رحلتم فلا والله ما بَعْدَكم قلبي ... بقلبي ولا والله عقلي ولا لُبّي
هجرتم زماناً ثم شطّ مزاركم ... فأهاً على بُعدي وآهاً على قربي
وبدّلتم غيري ووالله ما رأت ... سوى حسنكم عيني ولا غيركم قلبي
لئن كان ذنبي أن قلبي بحبّكم ... فيا ربّ زدني منه ذنباً على ذنبي
ولا تحسبوا أني تغيّرتُ مثلكم ... فما قلبكم قلبي ولا خبّكم حبي
رحلتم وما كنتم سوى روح مغرم ... قضى بكم وجداً وما غاب في الترب
نأيتم فلا والله ما هبّت الصبا ... فنمتُ مع النّوام جنباً على جَنْبي
لئن عُدْتُم عاد السرور جميعُه ... وإلاّ فما لي بالرسائل والكتب
دَعوا عنكم التعليل باليوم أو غد ... فلست بمن يبقى إلى البعد والقرب
следующие страницы →