← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

الإمامة في زمانه، وتفرد برئاسة العلم في أوانه. وكان بحراً من بحور العلم الزخّارة، وحبراً من أحباره، الذين توقدوا للهدى مثل الكواكب السيارة، تستحي ذُكاء من ذكائه، وتفيض علومه حتى يأخذ الغمام منها ملء زكائه، مكباً على الطلب لا يفتر ولا يني ولا يقول السأم لنفسه طالبي بالتي هي أحسن ولا يني قد جانب ملة الملل، وتحقق أن الإخلال بذلك من الفساد والخلل، هذا مع الصون والرزانة والتواضع الذي زاده رفعة وزانه، والوقار الذي خفّت الجبال أن تكون وزانَه، والحلم الذي هو زينة العلم، وطراز الحرب والسلم، والمحاسن التي ما محا سناها ضوء صباح ولا حوتها الوجوه الصِّباح: تراه إذا ما زرته متواضعا ... جليلاً على حشد الندي وحفله وتعرف منه الفضل من قبل نطقه ... كما يُعرف الهندي من قبل سلّه وتبصر منه أمةً وهو واحد ... وما زاد في ذي عدة مثل نبله إذا كان في أفق وأظلم حادث ... سرى خائف العشواء في ضوء عقله ولم يزل على حاله بحماة الى أن ترك القضاء، وذهب بصره فشكر القدر والقضاء. ثم إن البارزي أضمره الضريح وأخفاه، واستكمل الأجل واستوفاه. وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.

стр. 3362

فتوفي رحمه الله تعالى عن ثلاث وتسعين سنة، وحج مرات، وحدّث بأماكن، وحمل الناس عنه علماً جماً، وأذن لجماعة بالإفتاء. وبلغني أن الشيخ برهان الدين بن تاج الدين الفزاري كان يقول: أشتهي أن أروح الى حماة، وأقرأ التنبيه على القاضي شرف الدين البارزي. وكان يرى الكف عن الخوض في الصفات، ويثني على الطائفتين، واقتنى من الكتب شيئاً كثيراً بحيث إنه كان عنده من كل شيء نسختان وثلاثة. وكان إذا سمع بتصنيف لأحد من أهل عصره جهّز الدراهم واستنسخ ذلك. وباشر القضاء بلا معلوم لغناه عنه، وما اتخذ درّة ولا عزّر أحداً قط، ولا ركب بمهماز ولا مقرعة، وعُيّن مرات لقضاء مصر فاستعفى، وكانت جلالته عجيبة مع تواضعه. وكان قد أخذ الفقه عن والده وجده وجدّه، عن القاضي عبد الله بن إبراهيم الحموي، وعن فخر الدين بن عساكر، وأخذ القاضي عب الله عن القاضي أبي سعد بن أبي عصرون، عن الفارقي، عن أبي إسحاق الشيرازي، عن القاضي أبي الطيب، وأخذ فخر الدين عن قطب الدين مسعود النيسابوري، عن عمر بن سهل السلطان، عن الغزالي، عن إمام الحرمين، عن أبيه، عن أبي بكر القفّال. ووقف القاضي شرف الدين كتبه وهي تساوي مئة ألف درهم. ولما توفي رحمه الله تعالى أغلقت أسواق حماة لمشهده. وله من النصانيف: تفسيران، وكتاب بديع القرآن وكتاب شرح الشاطبية وكتاب الشرعة في السبعة وكتاب الناسخ والمنسوخ، ومختصر جامع الأصول في مجلدين، والوفا في شرف المصطفى، والإحكام على أبواب

стр. 3363

التنبيه، وغريب الحديث كبير، وشرح الحاوي، أربع مجلدات، ومختصر التنبيه، والزبدة في الفقه، وكتاب المناسك، وكتاب عروض وغير ذلك. وله مما يقرأ طرداً وعكساً: سور حماة بربّها محروس. قلت: وهذا في غاية الحسن، لأنه فصيح الألفاظ، عذب منسجم، ليس عليه كلفة، وفي القرآن العظيم من هذا النوع وهو قوله تعالى: " كلٌ في فلك " وقوله تعالى: " ربّك فكبّر ". ومما جاء منه في الحديث قوله ﷺ : " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية ". وفيه تسامح ما، ومنه قولهم: كبّر رجاء أجر ربك وقول الحريري في مقاماته: آسِ ارملاً إذا عرا ... وارعَ إذا المرء أسا الأبيات. وقول القاضي ناصح الدين الأرّجاني: مودته تدوم لكل هولٍ ... وهل كلٌ مودته تدوم وقوله أيضاً وهو مطلع قصيدة: دام علا العماد

стр. 3364

ومما ينسب الى القاضي الفاضل ﵀ أبداً لا تدوم إلا مودة الأدباء وقوله القائل: أرانا الإله هلالاً أنارا وقول الآخر: مودتي لخلّي تدوم، وكما قال العماد الكاتب: سر فلا كبا بك الفرس فقال له الفاضل رحمه الله تعالى: دام عُلا العماد. وقد يكون هذا النوع كل كلمتني قلبهما واحد، كقولك: أرضٌ خضراء، فيها أهيف، ساكب كاس، وكقول ابن النبيه: لبقٌ أقبل فيه هيفُ ... كل ما أملك إن غنّى هبه وتارة تكون كل كلمة قلب نفسها، كقول سيف الدين بن قزل المشد: ليلٌ أضاء هلاله ... أنّى يضيء بكوكب هبة الله بن علي ابن السديد، مجد الدين الشافعي. اشتغل بالفقه على الشيخ بهاء الدين القفطي، وكان يطالع تفسير ابن عطية كثيراً. وبنى مدرسة بإسنا، ووقف بساتينه عليها. قال كمال الدين الأدفوي: اتفق عند انتهاء عمارتها حضر الشيخ تقي الدين الى أسنا لزيارة بهاء الدين القفطي، فسأله مجد الدين أن يلقي الدرس بها، فألقى الشيخ

стр. 3365

درساً، وكان شيخنا تاج الدين الدشناوي في خدمة الشيخ من قوص، فقال لمجير الدين: إذا فرغ الدرس قل للشيخ يا سيدي بدستور سيدي آخذ الدرس؟ فيبقى ذلك إذناً من الشيخ، فقال: لا، هذه مدرستي، وأقول له: أنا هذا الذي قلت، فيسكت أو يقول: لا، فينقل عني. وكان يردّس بها ويعمل للطلبة طعاماً طيباً عاماً ويقول لمن تتفق غيبته يا فلان اليوم الفوائد والموائد: ارضَ لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنبٌ عقابه فيه وانتهت إليه رئاسة بلده، وخطب بأصفون. وتوفي ﵀ في بلده سنة تسع وسبع مئة. هبة الله بن محمود ابن أبي القاسم بن أبي الفضائل بن أبي القاسم بن محمد، الشيخ الإمام الزاهد العالم الكامل الفقيه أمين الدين بن قرناص الخزاعي الحموي الشافعي. اشتغل بالفقه، وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ الأنصاري، وحدث بحماة وحلب ودمشق، وحج، وحدّث بمنى. كان مدرساً بحماة، فترك التدريس وصحب الفقراء، وأعرض عن المناصب، وغير ملبوسه.

стр. 3366

قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه جزء ابن عرفة. وتوفي رحمه الله تعالى: سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة. وتأسّف صاحب حماة كونه لم يحضر جنازته لأنه كان غائباً عن حماة، وكان قد عاده في مرضه. هبة الله بن مسعود بن أبي الفضائل القاضي الفاضل معين الدين بن حشيش. قد تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الميم. كان فاضلاً أديباً عاقلاً لبيباً، ذا حافظة وذاكرة، ونظم كثّر الاستحسان له شاكره، عارفاً بوقائع الناس وأيامهم وتراجم أعيانهم وأعلامهم، يسرد من ذلك ألوفاً، ويقول لسان حاله: خُلقتُ لذا ألوفاً، آيةً في الحافظة عجيبة، متى دعاها الى شيء كانت له مجيبة، قد أتقن القلمين إنشاء وحساباً، وبلغ فيها الغايتين مآلاً ومآباً، وباشر الجيش شاماً ومصراً، ووهب الله بهيبته تأييداً ونصراً، ودبّر فأقبل ما أدبر، ورحّب المضائق بما نمّق قلمه وحبّر: ورمى الى الغرض البعيد بفكره ... فأصاب حتف كوامن ودقائق يقظ لأعقاب الأمور مجرّبٌ ... طبّ بأدواء الممالك حاذقِ

стр. 3367

تنقل من الشام الى مصر مرات، ونال من السلطان مكارم ومبرّات. ولم يزل على حاله بمصر أخيراً الى أن جمدت حواسه، وخمدت أنفاسه. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ست وستين وست مئة. ودفن بالقرافة في تربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش، وكانت جنازة حافلة. وكان ينظم شعراً جيداً، وليس له نثر جيد، اللهم إلا إن ترسّل وكتب بلا سجع، فإنه يأتي في ذلك بالمثل السائر والبيت المطبوع، ويأتي بالشاهد على ما يحاوله وذلك في غاية البلاغة والفصاحة، يوفي المقام في ذلك حقّه، وكان عجباً في القوة الحافظة. كان في مبدأ أمره كاتباً في الدبّاغة، حتى إنه كتب الى الأعسر أو لغيره من مشدّي دمشق ممن كان له الحكم في ذلك الوقت: يا أميراً حاز الحيا والبلاغة ... قلتلتني روائح الدّباغهْ ثم إنه نقل الى طرابلس وخدم في الجيش بها، وكان يساعد ابن الذهبي كاتب الإنشاء بطرابلس، فاشتهر وعرف بالأدب، فأحبّه الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس ولم يزل الى أن توجّه أسندمر مع السلطان الملك الناصر محمد من دمشق الى القاهرة سنة تسع وسبع مئة، فسعى له عند السلطان الى أن استخدمه بديوان الجيش بالديار المصرية. وكان قد حضر معين الدين الى دمشق في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة ناظر الجيش عوضاً عن القاضي شمس الدين بن حميد وأقام بدمشق الى أن حضر

стр. 3368

القاضي قطب الدين من الديار المصرية، فتوجه القاضي معين الدين الى مصر، ولم يزل الى أن أمسك القاضي قطب الدين ناظر الجيش بالشام في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، فحضر القاضي معين الدين عوضه في نظر الجيش بالشام، ووصل الى دمشق خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، فانفرد بذلك قليلاً. ثم إنه شورك بينهما في النظر بمعلوم لكل منهما نظيرُ الأصل، وكان القاضي قطب الدين هو الأكبر والعلامة له أولاً، ولم يزل بدمشق الى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ولما عزم القاضي فخر الدين على الحجاز طلب السلطان معين الدين ليسد الوظيفة في الجيش عن القاضي فخر الدين، فأقام بالديار المصرية الى أن مات في التاريخ. وكان يكتب خطاً قوياً ولابد له إذا كتب اسمه هبة الله بن حشيش أن ينقط الشين خوفاً من التصحيف. اجتمعت به في دمشق وفي مصر مرات، وأنشدني له كثيراً، ومما أنشدني له شيخنا علم الدين البرزالي إجازة قوله: طيف ألمّ وطرف الهمّ وسنانُ ... وناظرٌ لارتقاب الوصل يقظان سرى وموكبه شوقي وموطنه ... خدّي وذلكما طِرفٌ وميدانُ حتى تضمنه الطرف السهيد وقد ... غطى شهيد الكرى للدمع طوفان فلم يزل دون تهويم يمتّعنا ... بالوصل زوراً وطرف النجم سهران

стр. 3369

فكم تلقى بصدري فرحةً فرشت ... له السرائر فالأحشاء أوطان إذا تمشى الى جرح الجوارح يأ ... سوه فكم طُفئت للوجد نيران فشق باللطف عن قلبي وعزّل عن ... هـ ما يشقّ فقلبي اليوم فرحان وراح يخلع جلباب السرور على ... وقتي وقد مرّ دهر وهو عُريان أهلاً به من خيالٍ عاد لي أملي ... به وعاودني رَوحٌ وريحان فالعيش رغدٌ ودار الأنس دانية ... وجيرة الحي بعد الهجر جيران ورُقبة البدر سُهدٌ والمنى حلُمٌ ... تحلو لنا ومغاني الحي أوطان فهذه منح الطيف المُلمّ بنا ... سراً فليت بواقي السر إعلان وكتب من طرابلس الى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم: خيالك لما بان ركبُك ما بانا ... لأن له في ناظر العين أوطانا إذا ما اشتكى قلبي لهيب غرامه ... لدمع يجاريه تأجج نيرانا نعمت بما ترضون لي يا أحبتي ... ولم أخشَ أشواقاً إليكم وهجرانا وعذب عذابي فيكم وتحرّقي ... وكم من عزيز في محبتكم هانا فكتب شهاب الدين بن غانم الجواب إليه: رقادي لما بنْت يا منيتي بانا ... فكيف يزور الطيف مني أجفانا وقلبي مذ ودّعت لا علم لي به ... وآخر عهدي أنه عندكم كانا على أن ما شطّت نوى من غدت له ال ... سرائر من صدري ربوعاً وأوطانا وحاشى لمثلي أن يُرى متشكياً ... صدوداً وأن يخشى ببعدك هجرانا وما زال توحيدي وشخصك والهوى ... بقلبي سكّاناً أقاموا وجيرانا ومن شعره قصيدة في المجون، وجوّدها، أولها: لا والأيورِ الصُّلعِ منها يقول: ما وقع الكسّ على ... قلب الخصيّ بموقعِ

стр. 3370

هدية بنت علي بن عسكر الشيخة أم محمد البغدادية، اللّبان أبوها، الهرّاس جدها. كانت امرأة صالحة، كثيرة الصلاة والنوافل. روت عن ابن الزبيدي، وابن اللتي، وجعفر الهمداني، وغيرهم. قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليها مسند الدارمي، ورافقتها في السفر من دمشق الى القدس، وقرأت عليها بعجلون، والبيت المقدس، وبلد الخليل ﵇، وبالأردن عند جسر دامية، وغير ذلك، وكانت تتردد الى بيتنا وتقيم عندنا الأيام المتوالية. وسمع منها جماعة من الطلبة. ثم إنها توفيت رحمها الله تعالى بالقدس في ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. الألقاب والأنساب الهذباني نجم الدين الحسن بن هارون. ونور الدين علي بن محمد. الهكاري الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد. عماد الدين داود بن محمد. ابن هود الشيخ بدر الدين الحسن بن علي. الهرغي تقي الدين عبد الله بن محمد. ابن الهمام ناصر الدين محمد بن الهمام.

стр. 3371

أولاد ابن هلال الصاحب تقي الدين أحمد بن سليمان. ومعين الدين الحسين بن محمد. وفخر الدين عبد الرحمن بن عبد العزيز. ومخلّص الدين عبد الواحد بن عبد الحميد. ونجم الدين علي بن محمد. وأمين الدين محمد بن محمد بن عمر. ابن الهيتي صلاح الدين ناصر بن أبي الفضل.

стр. 3372

حرف الواو ابن والي الليل محمود بن رمضان. الوتار القوّاس علي بن إسماعيل. وحيد الدين إمام الكلاسة يحيى بن أحمد . ابن ورّيدة عبد الرحمن بن عبد اللطيف. وهبان بن علي ابن محفوظ بن أبي الحياء السبتي، الشيخ زين الدين أبو الكرم المؤذن بباب السلطان، الجزري. قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن ابن باقا الجزء الثالث من البيوع من مسائل الإمام أحمد الأثرم، قرأته عليه بمنزله في علوّ خان مسرور بالقاهرة. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة أربع وست مئة بجزيرة ابن عمر.

стр. 3373

الألقاب والأنساب ابن واصل قاضي القضاة محمد بن سالم. الواني الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد المؤذن. وشرف الدين عبد الله محمد بن إبراهيم. والواني علي بن عمر بن أبي بكر. والواني محمد بن إبراهيم. الواسطي الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم. وتقي الدين عبد الرحمن بن عبد المحسن. ابن الواسطي القاضي شهاب الدين غازي بن أحمد. وموفق الدين محمد بن إبراهيم. والمسند شمس الدين محمد بن علي. الوادعي علي بن المظفر. الوردي القاضي زين الدين. ابن الوردي عمر بن مظفر. وأخوه القاضي جمال الدين يوسف بن المظفر. وليّ الدولة أبو الفرج. ابن الوحيد الكاتب محمد بن شريف. ابن الوزيري بدر الدين محمد. أبو الوليد المالكي محمد بن أحمد. الوطواط الوراق محمد بن إبراهيم.

стр. 3374

حرف الياء يحيى بن إبراهيم الملك الناصر صاحب سنجار. قتله القان خربندا، وقتل معه الوزير سعد الدين الساوجي، والوزير مبارك شاه في سنة إحدى عشرة وسبع مئة. يحيى بن أحمد ابن خذاذاذ الخلاطي الشافعي، وحيد الدين، أبو حامد الروحي. شيخ القراء، إمام الكلاسة بالجامع الأموي. توفي رحمه الله تعالى حادي عشري جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة. قرأ بالروم على الصائن البصري. وولي إمامة الكلاسة نحو خمس عشرة سنة، وقبلها كان يؤم بمشهد ابن عروة. وولي مشيخة الخانقاه الأسدية، وبها مات رحمه الله تعالى.

стр. 3375

وكان إماماً عارفاً بفن القراءات، وبلغ الثمانين من عمره، وحضر جنازته خلق عظيم. يحيى بن أحمد بن يوسف ابن كامل، السيد العدل الرضي عماد الدين بن شهاب الدين الشريف الحسيني، عرف بالبصراوي، ناظر ديوان الأشراف. قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان رجلاً جيداً متواضعاً عدلاً من أهل السنّة، روى لنا عن ابن الصلاح، وابن مسلمة، وسمع من ابن البراذعي، وعتيق السلماني، والسخاوي، وغيرهم. وتوفي رحمه الله تعالى ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبع مئة. ومولده في شهر رمضان سنة ست وعشرين وست مئة. يحيى بن أحمد بن عبد العزيز ابن عبد الله بن علي بن عبد الباقي بن علي بن الصواف الجذامي الإسكندراني، الشيخ الفقيه الإمام المحدث المقرئ العدل شرف الدين أبو الحسين ابن المحدث نجيب الدين أبي الفضل. حصل له صمم وكفّ بصره سنتين، وعُمّر، وكان يروي الخلعيات عن ابن

стр. 3376

عماد، وسمع من جده أبي محمد عبد العزيز، ومن ناصر بن عبد العزيز الأغماتي، وعبد الخالق بن إسماعيل التنّيسي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن الجباب، ومرتضى بن العفيف، وجماعة. وقرأ القرآن بالروايات على ابن الصفراوي. قال شيخنا علم الدين البرزالي: وأجاز لنا في سنة إحدى وسبعين وست مئة، ثم قرأت عليه جزء السلفي بسماعه من ناصر الأغماتي، والخامس من الخلعيات بسماعه من ابن العماد. وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شعبان سنة خمس وسبع مئة. ومولده بالإسكندرية في أحد الربيعين أو الجماديين سنة تسع وست مئة. يحيى بن أحمد بن نعمة ابن أحمد بن جعفر بن حسين بن حمّاد، الشيخ الإمام بقية السلف محيي الدين أبو زكريا ابن الشيخ الإمام الصالح كمال الدين المقدسي الشافعي، إمام مشهد علي بالجامع الأموي. أول سماعه بالقدس في شعبان سنة أربعين وست مئة، سمع من والده مكي بن

стр. 3377

علان والمرسي والفقيه محمد اليونيني وشيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري وإسماعيل العراقي والنجم البلخي وابن خطيب القرافة وابن عبد الدائم وجماعة، وأجاز له السخاوي والفرضي وعتيق السلماني وابن الصلاح والعزّ بن عساكر وعمر بن البرادعي وجماعة. وكان له اشتغال بالعلم في أول عمره، وعنده سكون وسلامة صدر، وأعاد بدمشق والقاهرة، وكان صالحاً مباركاً موصوفاً بالخير والدين. توفي رحمه الله تعالى سادس عشري شهر رمضان سنة ست عشرة وسبع مئة ومولده سنة ثلاثين وست مئة تقريباً. يحيى بن إسحاق ابن خليل بن فارس، القاضي الفقيه الإمام محيي الدين أبو زكريا ابن القاضي الإمام العالم كمال الدين أبي محمد الشيباني الشافعي. كان شيخاً حسناً مباركاً، ولي القضاء بشيزر وزُرع وأذرعات، وكان حسن السيرة، كثير التواضع فقيهاً، اشتغل وحصّل وكتب، وكان من أصحاب الشيخ شرف الدين بن المقدسي. وسمع الحديث من والده، ومن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وأحمد بن أبي الخير، والقطب خطيب القدس، وجماعة.

стр. 3378

وخرّج له شيخنا الذهبي جزءاً، وحدّث به. توفي رحمه الله تعالى سلخ شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة، ودفن بجبل قاسيون. يحيى بن إسماعيل ابن محمد بن عبد الله، القاضي الصدر الرئيس النبيل شهاب الدين ابن القاضي عماد الدين بن القاضي شرف الدين ابن الصاحب فتح الدين بن القيسراني المخزومي، تقدم ذكر والده القاضي عماد الدين، وذكر غيره من بينهم. كان القاضي شهاب الدين قد طبع على الرئاسة، وجمع في أجزائه من السيادة والسياسة، يتجمّل في مركوبه وملبوسه، ويتحمل المضض من نكد دهره وبؤسه، لا يشكو والدهر قد عضّه بنابه، ولا يظهر الشماته، ولا يُظهر الشماته بعدو ولا يقول في شده: ليت ما بنا به، ولا يتلفظ بسوء في حق من آذاه ويقول: من أطلق لسانه فليس بنابه. تخف الجبال الراسيات لوقاره، وتتعجب السلافة من لطفه وهي في خزف الدّن وقاره، أخلاقه كنسيم الصّبا، فالخمائل منها في خمول، ومحاسنه كثيرة العدد وعلى ظهر الزمان منها حُمول، وبشرٌ يتعجب من دوامه جليسه، وتواضع يشهد بالرفعة له أنيسه.

стр. 3379

شيمة حرةٌ وظاهرُ بشرٍ ... راح من خلفه السماحُ يشفُّ هذا الى كرم يضطرب موجه، ويشهد لمؤمّله بالفوز فوجه. ولاه السلطان الملك الناصر محمد كتابة السر بالشام إكراماً للأمير سيف الدين تنكز، وتوهّم فيه التقصير، فبدا منه كل أمر معجز، فنفّذ مهمات البريد، وصان أسراره، وصال على أعاديه بكتبه التي يجهزها على الحرارة، حتى دخل في عين تنكز وملأ قلبه، وجعل إليه إيجابه وسلبه، وألقى إليه مقاليد دولته. وروى الليث عنه أسانيد صولته، فتقدم في تلك الدولة ورأس، وجنى من ثمرات الشكر مما غرس، فكان إذا جلس في صدر ديوانه كأنه كسرى في إيوانه مقدد وسؤدد، وستور من الجلالة عليه ترخى، وأطنابٌ من المهابة تُمدد: بصفاته سجع الحمام وهزّ عط ... فيه قضيبُ البانةِ الأملودُ سلك المكارم والممالك عزمُهُ ... فغدت وليس لنظمها تبديدُ من معشر مولودهم في مهده ... يُرجى ومن قبل الفطام يسودُ وكان خطّه أبهى من الروض وأبهج، وسطوره في طروسه آنقُ من بحر كافور بالمسك قد تموج، قد صغت حروفها وقعدت ووضعت تيجان الحسن على رؤوسها وعقدت. إلا أن الزمان قطع عليه اللذة، وارتجع حسنته الفذة، فأمسك السلطان تنكز، فانحل نظام السّعد، وزالت تلك المحاسن و" لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ "،

стр. 3380

وأصابه في تلك المحنة شؤبوب، ومرّ عليه من لامع برقها ألهوب، إلا أنها كانت شدة خفيفة ومحنة عفيفة، فانقشع غيمها، وانجمع ضيمها. ثم إنه أُرسل سعده بعد فترة، ورفع على رأسه جترة، وقالت له الأيام: لُحْ في العلا كوكباً إن لم تلُحْ قمراً ... أو قم بها ربوةً إن لم تقُم علَما فعاد الى توقيع الدّست، وحطّت نغمة نغمته في الدُوكاة بعد أن طلعت في الرّست. ولم يزل على حاله الى أن انطوى بعدما تألق، وتعلّى روحه الى الجنة وتعلّق. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد ثاني عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية عند والده رحمه الله تعالى. ومولده تقريباً سنة سبع مئة ومات بعلّة الاستسقاء بعدما عالج لواعجه قريباً من عشرة أشهر، وصبر على الامتناع من رؤية الماء وشربه جملة كافية. وقلت أنا فيه: قلت إذا استسقى الرئيس الذي ... بالجود عمّ الغرب والشرقا عهدي أن البحر يسقي الورى ... مالي أرى البحر قد استسقى وكان القاضي شهاب الدين - رحمه الله تعالى - قد ورد مع والده الى دمشق من حلب، وقد رُسم له من مصر أن يكون مع والده مُقيماً بدمشق، وأن يكون والده

стр. 3381

موقّعاً بالدست، وأن يكون هو كاتب إنشاء، فباشر ذلك على أتمّ ما يكون من التجمّل في ملبسه ومملوكه ودوابه ومركوبه الى غير ذلك، حتى كان القاضي محيي الدين بن فضل يقول: هذا المولى شهاب الدين بن القيسراني يجمّل هذا الديوان. وكان يكتب الرقاع مليحاً الى الغاية. ولم يزل على ذلك الى أن توفي والده رحمه الله تعالى، على ما تقدم في ترجمته، فرتّبه الأمير سيف الدين تنكز في توقيع الدست مكان والده. ولم يلبث بعد ذلك إلا قليلاً حتى كتب فيه الى السلطان وسأل له أن يكون كاتب السر بدمشق، فأجابه السلطان الى ذلك. وكان تنكز يحبه ويميل إليه ويعتمد عليه اعتماداً كثيراً، حتى إنه كان في السفر لا يُمسك قلماً ولا يكتب على شيء، لا مطالعة الى باب السلطان ولا غيرها، بل يسطّر قبل سفره ما يحتاج إليه من المطالعات وأوراق الطريق والمراسيم التي على الخزانة بالتسافير والإنعامات والمُطلقات وجميع ما يكتب الى النواب والى غيرهم ممن هو في باب السلطان، يفعل ذلك وثوقاً به. ولم يزل كذلك الى أن أُمسك تنكز ورسم السلطان بعزل كل من هو من جهة تنكز، فأمسكه الأمير سيف الدين بشتاك، وأخذ منه تقدير عشرين ألف درهم وأفرج عنه. وأقام بعد ذلك بطّالاً الى أن توفي السلطان. وجاء الفخري وملك دمشق، فاستخدمه في كتابة الدست بدمشق. وتوجه مع الفخري والعساكر الى الديار المصرية، وعاد الى الوظيفة المذكورة، وأقام عليها بدمشق الى أن توفي القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر بدمشق، فكتب

стр. 3382

الأمير سيف الدين يلبغا وكان يومئذ نائب دمشق في القاضي شهاب الدين بن القيسراني وسأل من السلطان أن يكون كاتب سرّ بدمشق، فما قدّر الله له بذلك. وحضر بريدي يطلبه الى باب السلطان فتوجه الى الديار المصرية، فرسم له بأن يكون كاتب إنشاء بالقاهرة فأقام على ذلك قليلاً، ورسم له الملك الكامل بأن يكون موقع الدست قدام السلطان، فعمل ذلك مديدة. ثم إنه خرج الى دمشق على عادته موقع الدست، فأقام على ذلك الى أن مرض بعلة الاستسقاء، ومات في التاريخ المذكور، رحمه الله تعالى. وكان شكلاً حسناً تامّ الخلق، مليح العمّة، نظيف اللباس، عطر الرائحة، محبوب الشخص، حسن الودّ، صحيح الصحبة، يملك أمر نفسه في حالتي الخير والشر، لا يظهر عليه غضب ولا كراهةُ أحد، يعامل صاحبه وعدوّه بظاهر حُسن وبشاشة، كثير الاحتمال، صابراً على أخلاق من يصحبه أو يعاشره، كثير الآداب والرئاسة، وكان أخيراً وهو كاتب السر يصوم الإثنين والخميس، ويتعبّد ويذكّر، لا يقابل أحداً بما يكرهه. لم أر مثله، صحبته مدة تزيد على ثلاث وعشرين سنة، ما رأيت منه سوءاً قط ولا ما أكرهه، فجزاه الله عن الصحبة خيراً.

стр. 3383

وكان يحب الفقراء والصالحين، ويتودد إليهم ويقضي حوائجهم، وعمّر العمائر المليحة الغريبة العجيبة، ولم أر أحداً حاز مثل ذهنه في العمائر واستعمال الصنّاع والصبر على ما عندهم من المكاسرة والمدافعة. وقلت أنا أرثيه، رحمه الله تعالى: مات يحيى فكيف يحيا اللبيبُ ... وبه كانت الحياة تطيبُ لم يمت إنما الرئاسة ماتت ... والمعاني تخرّمتها شعوب كان للناس والأنام جمالاً ... فهو للبدر في التمام نسيب كان والله كاملاً في المعاني ... وحماه للمعتفين رحيب كان في جوده فريداً فأما ... إن ذكرت الوفا فأمرٌ عجيب يملأ العين شكله وتسرَّ النف ... س أوصافه فما تستريب ورئيس إن قلت فيه رئيس ... ما له في الأنام قطّ ضريب خُلق كالنسيم إن مرّ وَهْناً ... في خلال الأزهار وهو رطيب ومحيّاً لو أن بدراً رآه ... لاعتراه بعد الطلوع مغيب وحياء كأنه إذ يُحيّا ... عند ردّ السلام منك مُريب واحتمال لكل ضيم عظيم ... حيث رأس الوليد منه يشيب وإذا نال حظوةً من مليك ... فلكل الأصحاب منه نصيب هو في منصب يسامي الثريّا ... ونداه من المنادي قريب لم يشنْ لفظه بغيبة شخص ... يحضر الشخص عنده أم يغيب من سراةٍ إن سار عنهم ثناءٌ ... مادَ منه غصنٌ وماج كثيبُ إن مخزوم في قريش لريحا ... نٌ شذاه يوم الفخار يطيب

стр. 3384

جدّهم خالدٌ وخالد جدٌ ... لهم والجناس شيء عجيب كلهم كاتبٌ رئيسٌ كريمٌ ... عالم فاضلٌ سريٌ نجيب كتب السرّ عند تنكز دهراً ... وهو ذاك الملك العظيم المهيب فأخاف العدا وسرَّ الموالي ... فلهذا يثني وهذا يثيب وعلى كتبه حلاوة لفظ ... مقتضاه البيان والتهذيب في طروس لنا تشفّ بياضاً ... وسطور مدادها غربيب دبّر الملك بُرهةً ليس فيها ... ما تراه سوءاً ولا ما تعيب يتلقى أغراض كلِّ مهمّ ... فترى رأيه سهاماً تصيب وإذا جُهّز البريد بأمر ... فيه خوف فبالأمان يؤوب ليس إلا اللفظ الذي هو سحر ... ولمعناه في القلوب دبيب ولبعض الكلام رونقُ حُسنٍ ... منه تُنسى البلوى وتُمحى الذنوب أيها الذاهبُ الذي سار عنّا ... وغمامُ الدموع منا يصوب إن يكن شقّ فيك للصبح جَيب ... فلكم شُقِّقَتْ عليك جيوب كان دهري سِلماً فمذْ غبت عني ... نشأت بينه وبيني حروب كنت لا أختشي إذا اعتلّ يوماً ... من أذى خطبه وأنت طبيب آه وا لوعتي وطول نحيبي ... مع علمي أن ليس يُجدي النحيب غير أني قضيت للودّ حقاً ... برثاءٍ له عليّ وجوب كم أيادٍ أولَيتَنيها ونُعمى ... ومحلّ الإحسان محْلٌ جديب جعل الله بقعة أنت فيها ... روضٌ عفو فهو الكريم الوهوب

стр. 3385

وكتبت أنا إليه من الديار المصرية أهنئه بكتابة السر بالشام في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة: كم عدو يموت أيام يحيى ... ومحبّ في العز والسعد يحيا هذه دولة تقول الليالي ... لعُلاها أهلاً وسهلاً ورعيا طالما اشتاقها الزمان بنفسٍ ... هي للمجد والمكارم ظميا جِمجَمَ الدهرُ مدة بسواها ... وهو منها يُسرّ في القلب أشيا أطلعت في سما دمشق شهابا ... منه شمس النهار في الأفق خَزْيا أين من يطلب المعالي وتأبى ... من رئيس تأتي لمغناه سعيا لو أراد الزمان يأتي بمثلٍ ... لعلاه بين البريّة أعيا كاتب السر سرَّ كل محبّ ... وأعاد الجميل فينا وأحيا بسجايا من السحائب أندى ... وجناتٍ من الحدائق أفيا ذو سكون وعفة ليس يشكو ... من خُطاه وجهُ الثرى قطّ وطيا صرّفِ الآن دهرنا يا شهاب ال ... دين مهما أردت أمراً ونهيا ومر السعد بالذي تشتهيه ... فهو يأتي في الحال ما اخترت جَريا فلك الحمدُ والمآثر إرث ... عن كرامٍ زكوا مماتاً ومَحيا أنت من عصبةٍ كرامٍ نماهم ... خالدُ بن الوليد في كل عَليا عملوا صالحاً وحازوا المعالي ... فهم الفائزون أخرى ودُنيا بك تزهى دمشق فامنع حماها ... فلها من علاء في العز بُقيا قلم في بيان كفك يسعى ... فوق طرس أم حاك في الخط وشيا كل سطر كأنه إذ تبدّى ... شفةٌ بالمدادِ الأسودِ لَميا ينثر الدرّ بل يُري السحر حقاً ... حين يُملي عليه فكرك وحيا فإذا ما أعملتَهُ في مهمٍّ ... يستبيح الأعداء قتلاً وسبيا

стр. 3386

هذه الدولة التي كنت أرجو ... أن أرى لي بها مع السعد لُقيا ويسر الفؤاد نيلُ الأماني ... وأرى طعم صبره صار أرْيا لا أراني لها الزمان انفصالاً ... ما اشتكى عاشق من الحب نأيا يقبّل الأرض ويهنئ نفسه والأنام، ومملكة الشام والأيام، وبيض الطروس وسُمر الأقلام وأرباب الطيالس وأصحاب الأعلام، بهذه الرتبة التي طلع في سمائها شهاباً توقّد نوره وكات سرٍّ كثرت بمعاليه في ديوان الإنشاء شموسه وبدوره، ووجدت الأقلام لها في ميدان البلاغة مجالاً، وبلغت المعالي من قربه أمانيها فلم تعدم بمن تهوى اتصالاً: وزاد المرهفات ضياءَ عزمٍ ... فصار على جواهرها صِقالا وأبصرت الذوابل منه عدلاً ... فأصبح في عواملها اعتدالا فالله يرزقنا معاشر الأرقاء شكر هذه النعمة التي أقمر بها ليل الأمل والتحف الدهر منها برداء المحاسن واشتمل، وانتشق خمائل فضلها من كانت الأيام أخرته حتى خمل، وانتصف فيها من كانت واقعته تذكّر الناس بأيام صفّين والجمل: وأضحى فضلها في الناس باد ... يدار بها على الشرب العُقارُ فهذه الأيام التي كانت بها الآمال في الضمائر أجنّة، وهذه الأوقات التي جرت إليها سوابق الأماني مُطلقات الأعنة، وهذه الدولة التي جرت في رياض حماها جداول السيوف تشقّ رياحين الأسنّة، ليس فيها ما يقال له: كمُلَت لو أن ذا كمال.

стр. 3387

فأنتم يا بني القيسراني فضلكم مثل جدكم خالد، ونجمُ من عاندكم هابط ونجم سعودكم صاعد، وجنان الفضل ترون فيها " مُتكئين فيها على الأرائك " وتحيتكم فيها المحامد، وأيديكم تضرب من البلاغة في الذهب الذائب إذا ضرب غيركم من العي في الحديد البارد، وبنان حسانكم ينهلّ بالنّدى فهو جائد وبنانُ غيركم جامد. زينتم الوجود من عصر نور الدين الشهيد سُقي ضريحه رحمة وبرّاً، وبدأت حسنات الأيام بوجودكم من هناك وهلم جرّا، كم قد تجمل منكم منصب الصحابة بوزير، وكم جلس منكم كاتب سرّ بين يدي صاحب السرير، وكم حلّيتم بدرر إنشائكم جيد قاضٍ وعنق أمير، وكم روى الإحسان منكم عن نافع وابن كثير. أما فضائلكم فإنها ملأت الدفاتر، وأقرّت بالتقصير عنها مآثر البواتر. وأما تشددكم في الدين فقد تفيأ الظل من سدرة المنتهى، وبلغ غايةً لم تكن الشمس في علوّ المنزلة أختَها. وأما مكارمكم فما عهد الناس مثلها من البرامك، ولا اجتلوا مثل أقمارها في الدياجي الحوالك. وكيف لا يجد الناس بكم صفاء الأيام وفي وجودكم لذة العيش، أم كيف لا ينشقون أرج الخزامى وبنو مخزومٍ ريحانة قريش، فالله لا يُخلي الوجود من حسناتكم التي تفيد كل بهجة وتحيي من موت الفضائل كل مهجة. بقاؤكم عصمةُ الدنيا وعزّكم ... سترٌ على بيضة الأيام منسدل إن شاء الله تعالى.

стр. 3388

وكتبت إليه وأنا بدمشق أتقاضاه وعداً بإقطاعٍ عند بعض الأمراء لفتاي: يا سيداً دأبي الثناء المجتبى ... عليه بالتصريح والرمز أصبحتُ من جودك أغنى الورى ... لكنني أحلم بالخبز وكتبت أنا إليه عند وصولي الى القاهرة أصف له مشقة كابدناها في الطريق بالرمل وغيره، ونحن صحبة ركاب الأمير سيف الدين تنكز في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وهو مشتمل على نظم ونثر سقته جميعه في الجزء الحادي عشر من التذكرة. يحيى بن سليمان ابن علي، الإمام العالم محيي الدين الرومي الحنفي المعروف بالأسمر. مدرّس المدرسة الركنية، تولاها بعد الفقيه الفاضل شمس الدين محمد بن المعلم الحنفي. وكان شيخاً فاضلاً، وله حلقة إشغال تفيد الطلبة بالجامع الأموي، وقرأ عليه جماعة من الفقهاء. وتوفي رحمه الله تعالى ثالث شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. يحيى بن صالح ابن عتيق، القاضي محيي الدين الزواوي المالكي. كان فقيهاً فاضلاً ناب عن القاضي المالكي مدة بدمشق ثم عزله ثم أعاده. واستمر الى أن مات في أوائل شوال سنة عشر وسبع مئة.

стр. 3389

يحيى بن عبد الله ابن عبد الملك، الشيخ العلامة البارع، شيخ الشافعية أبو زكريا الواسطي. قرأ الفقه والأصلين، وبرع في الفقه وتخرج به الأصحاب، ودرّس بالشرابية بواسط. تفقّه على والده وحدّث ببغداد بكتاب مطالع الأنوار النبوية في صفات أفضل البرية، وكان يقال هو فقيه العراق في زمانه. تفقه عليه ابن عبد المحسن، وشمس الدين محمد بن القاسم الملحمي الواعظ، والمجد عبد الله بن إبراهيم الدقيقي وغيرهم. وله سماع من الفاروثي صحيح البخاري بفوت. وأجاز له الشيخ عبد الصمد، والكمال بن وضّاح، وابن أبي الدينة، وله مؤلف في الناسخ والمنسوخ في الحديث وغير ذلك. توفي بواسط في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. يحيى بن عبد الرحمن الشيخ المحدث الكاتب المجوّد المحرر الموسيقار نظام الدين بن النور الحكيم الجعفري. كان يكتب طبقه، ويتقدم بحسن أوضاعه كل من سبقه، فإذا رأيت خطه في

стр. 3390

المهارق أنساك سحر الأحداق وزهر الحدائق، وكان له عناية بالحديث، وسماع القديم والحديث، قرأ بنفسه، وأسمع أولاده، ورحل بهم عن أوطانه، وفارق أحباءه وبلاده. وكان موسيقاراً يتقن اللحون والأنغام، ويقرّ له في هذه الصناعة ربُّها ويخضع له ولو أنه الضرغام، فإذا أورد لحناً أعرب فيه عن أستاذيته، وفتن أهل الغرب بمشرقيته، وسلب عقولهم بمشرفيته: ما كان حين يُغنّي في مجالسهم ... إلا نسيم الصّبا والقوم أغصانُ قدم من العراق الى الشام، وانتجع بارق الملك الناصر وشام، وتوجه الى الديار المصرية، وطلب العود الى دمشق لما عند نفسه الأبيّة من الحرية، ثم إنه عاد الى عراقه وادّكر أوطانه لطيب أعراقه. ولم يزل هناك يكتب عن الملوك وينظّم درّ رسائلهم في السلوك الى أن انتظم النظام في سلك الأموات وعدّ بعد حياته من الرُفات وفات. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستين أو سنة ستين وسبع مئة. ورد خبر موته من بغداد. كان هذا نظام الدين قد وصل من بغداد مع الوزير نجم الدين بن شروين وناصر الدين خليفة بن علي شاه لما وفدوا على السلطان الملك الناصر.

стр. 3391

حكى لي من لفظه قال: دخلنا مصر، واستقر نجم الدين بن شروين أمير مئة مقدّم ألف، وناصر الدين خليفة طلبه الأمير سيف الدين تنكز من السلطان، فسيّره إليه، وأعطاه إمرة طبلخاناه في دمشق، وبقيت أنا عند الأمير سيف الدين قوصون، إذ طلبني يقول لي: يا شيخ نظام الدين، قول لنا ذلك البيشوره، قول لنا ذلك القول، قول لنا ذلك الساذج الذي لحنته أنت: فقلت أنا في نفسي: متى فترت يا يحيى أداروك هؤلاء مغنياً لا غير، فطلبت من السلطان العود الى دمشق، فجهزني إليها. ولما ورد من باب السلطان أعطاه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى مشيخ ةالربوة، فأقام بها مدة يُسمع أولاده الحديث ويقرأ بنفسه على الأشياخ الى أن طلب العود الى بغداد، لأجل أملاكه، وكان أولاً يكتب الإنشان عن حكام بغداد، ولما عاد إليها استمر كذلك وكانت الكتب ترد عن حكام بغداد الى ديوان الإنشاء بخطه. وكان والده النور حكيماً يطبّ ملوك المغل وغيرهم. وكان نظام الدين يكتب المنسوب ويضع الكوفي والمعقلي من أحسن ما يكون وأجوده، ووضع أشياء بخطه في بيت القاضي شهاب الدين يحيى بن القيسراني، وهي في غاية الإتقان، وأراني درجاً قد كتب فيه منازل الحج من بغداد الى مكة، وصوّر ذلك، وشجّره في خرقة كتّان، وهو من أحسن الأوضاع في التحرير والإتقان. وكان أستاذاً في علم الموسيقى، له فيه أقوال وأعمال ينقلها عنه أربابُ هذا الفن في

стр. 3392

الشام ومصر وكان إذا خلا بمن أحب من الأكابر اندفع وغنى من غير آلة أشياء غريبة، سمعته غير مرة، وكان ينظم أيضاً. نقلتُ من خط الشيخ الإمام العلامة صلاح الدين العلائي قال: نقلتُ من خط نظام الدين المذكور قوله: أيها المالك الذي زيّن المُل ... كَ بفضلٍ يسمو على الوزراء وبجودٍ قد أخجل المُزن منه ... وبعلم يُربي على العلماء ما اسم شيء مناسب الأجزاء ... مستطيلٌ إذا سعى في فِناء مستديرٌ لكونه فلكاً في ... هـ نجومٌ طوال في سماء عمّ حيناً مشارق الأرض والغر ... ب وطاف الدنيا بالاستيلاء مُنزلٌ غير أنه ليس قرآ ... ناً وآياته بلا إحصاء ذو عيون له فمٌ وعليه ... شاربٌ وهو مفرطٌ بالحياء صيته أن ليس عنه غناءٌ ... صوته مطربٌ بغير غناء فتراه طوراً على جبل عا ... لٍ وطوراً يُرى ببئر الماء تارة كالجماد يُلفى على الأر ... ض وطوراً يطيرُ وسط الهواء منه برّ ومنه بحرٌ وفيه ... كل نفس تولدت بسواء وهو ركنُ الدنيا وغوث البرايا ... وملاذ الورى وعون الرواءِ وحياة النفوس في حلبة السب ... ق مبيد الأنام في الهيجاء فيه نونٌ وأول الاسم ميم ... ألفٌ تلوه بغير مراء

стр. 3393

صاحب الأولياء في أول العم ... وأوفى في خدمة الأنبياء واصطفى كل من تصوف حتى ... عُدّ في الأولياء والأصفياء فبلقياه قام بالفرض قومٌ ... وبرؤياه سنّ كل سناء كم له منّةٌ على كل نفس ... وله ضنّةُ على نُفساء واحدٌ في صفاته ثاني اثني ... ن لتخمير طينة الأشياء ثالثٌ إن يُعدّ في عالم الكو ... ن وإن شئت رابع الخلفاء ما له خامسٌ ولكن في الخا ... مسِ منه عكسٌ بغير خفاءِ عجب الناس من تناقض ما في ... هـ مع الاعتدال والاستواء ظاهرٌ طاهرٌ خفيٌّ حفيٌّ ... زائد ناقصٌ مريء مُراءِ صاعدٌ نازل أمينٌ خؤون ... ناصرٌ قاصر شديدُ العناء فابن ما ألغزتُ يا واحد العص ... ر كُفيت الروى وشر البلاء وكتب الشيخ صلاح الدين رحمه الله تعالى الجواب عنه، ونقلت من خطه: يا إماماً حلّى عقود العلائي ... كونه واسطاً لها ببهاء قد بدا لُغزُك اللطيف بديعاً ... مشرقاً منه أنجم الجوزاء هو في دقة الهواء ولكن ... حاز وصف الزلال عند الصفاء فهو درّ والدر في الماء يلقى ... فلهذا لم يعدُه بتناء نوّع الوصف ما لغزت فأضحى ... كل فكر لديه في إعياء كيف لا والذي تضمّن بحرٌ ... من بيان يعزّ في الإحصاء ظاهرٌ لفظه ولكن معاني ... هـ تناهت في دقة وخفاء وينابيعه تسحُّ زلالاً ... بمعينٍ من ألطفِ الأشياء

стр. 3394

ليس يخفى أني أشرتُ الى ما ... ضمّن اللغز في أتم جلاءِ فابق كنزاً للطالبين مفيداً ... والْقَ عزّاً ودُم بكل سناء يحيى بن عبد الرحيم الأرمنتي المعروف بابن الأثير الشافعي. كان من الفقهاء المباركين، درّس بمدرسة سيوط سنين كثيرة، وتولى الحكم بأطفيح وبمنفلوط وكانت سيرته حميدة، وهو من بيت علم ورئاسة وجلالة وأصالة. وتوفي بسيطو في سنة ثمان وسبع مئة رحمه الله تعالى. يحيى بن عبد الرحيم بن زكير محيي الدين القوصي الشافعي. كان معتبراً جيّد الإدراك حسن الفهم. سمع من تقي الدين بن دقيق العيد، وبدر الدين بن جماعة، وجلال الدين أحمد الدشناوي، وأخذ عنه الفقه، وأجازه بالإفتاء. ودرّس بقوص سنين كثيرة. قال كمال الدين الأدفوي: حضرتُ عنده الدرس ست سنين أو ما يقاربها، وكان درساً مفيداً فيه تحقيق وقلة غلط، يتقنه ويحرر الكلام فيه، وقرأ النحو والأصول على جلال الدين، وتولى الحكم بقنا، وناب في قوص، وكان حميد السيرة محمود الطريقة، ولم يعب الناس عليه إلا أنه كان يداوم مسألة الحيلة في المعاملات، يبيع

стр. 3395

السجادة ونحوها بآلاف ويشتريها بما يعطيه في المعاملات التي قررت قبل المعاقدة. وكان يقول: إذا طولبتُ بها في غدٍ، قلت هذا الشافعي وأصحابه جوّزوا ذلك، وأنا مقلّد. ولم يزل الى أن صُودر وأُخذ منه مال، وتضعضع وبقي في قوص. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثماني عشرة وسبع مئة. يحيى بن عبد اللطيف ابن محمد بن سند، محيي الدين بن سراج الدين التاجر الكارمي. كان هذا محيي الدين لطيفاً ظريفاً غاية في الكرم. قال كمال الدين الأدفوي: لم ترَ عيني أكرم منه، عزيز النفس، يحفظ من النظم والنثر كثيراً، وزر اليمن، وكان له حظ عند السلطان الملك الناصر محمد، وكان محبوباً عند الخاص والعام، صحب جملة من الصالحين، وكان جماعة من أصحابه يلومونه على كثرة العطاء والنفقة، فيقول: قال لي جماعة ممن لهم كشف: تموت سعيداً. توفي رحمه الله تعالى بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وعمره ستة وأربعون عاماً. يحيى بن عبد الوهاب ابن عبد الرحيم، الشيخ الفقيه النحوي تاج الدين الدمنهوري الشافعي.

стр. 3396

كان مصدّراً لإقراء العربية بجامع الصالح خارج باب زويلة وبالجامع الظافري بالقاهرة، بلغ السبعين من عمره، وله مصنفات، ووقف كتبه بالجامع الظافري. كان قد غلب عليه التدين والانقطاع. وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. يحيى بن علي ابن تمام بن يوسف بن موسى، الشيخ صدر الدين أبو زكريا السبكي الشافعي. هو عمّ شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي. كان قد ولي قضاء المحلة وعدة مناصب. وروى عن ابن خطيب المزة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن عبد اللطيف وغيره. وكان إماماً عارفاً بأصول الفقه، ومدرساً بالسيفية، وتولاها بعده ابن أخيه العلامة تقي الدين. وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة. يحيى بن علي بن أبي الحسن ابن أبي الفرج بن طاهر بن محمد، الشيخ الإمام المسند الفقيه الفاضل المنشئ محيي الدين بن الحداد الحنفي. كان ناظماً ناثراً، قاعداً بفن الترسّل ماهراً، كتب الإنشاء بطرابلس زماناً، ونال

стр. 3397

من طول المدة في عمره أماناً، الى أن تخلى عن المباشرة، وملّ المصاحبة من إخوانه والمعاشرة وانقطع بدمشق مُقبلاً على شانه، عالماً بخيانة إخوانه، وزمانة زمانه. ولم يزل الى أن عُدّ فيمن أركبته المنايا على الأعواد، ولم يحمل التطريق ابن الحداد. وتوفي رحمه الله تعالى بمنزله في الكفتيّين داخل دمشق بعد العشاء الآخرة ليلة الاثنين حادي عشري شوال سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية الى جانب الشيخ جمال الدين الحصيري الحنفي. ومولده سنة ست وستين وست مئة بدمشق، وأصله رقّي. وكان قد تولى بالقاهرة نظر القنود، ثم دار الوكالة في سنة سبع عشرة وسبع مئة، فلما توفي شمس الدين الطيبي كاتب الإنشاء بطرابلس تولى مكانه، وخرج من القاهرة في أواخر سنة سبع عشرة وسبع مئة. أخبرني ولده الأمير ناصر الدين محمد، أحد البريدية بدمشق قال: توجهت مع والدي الى عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وقال له وأنا أسمع: إن والده أحضر الى الشيخ محيي الدين النواوي - رحمه الله تعالى - بالرواحية وهو أمرد ليشتغل عليه، فقال له: هذا صبي أمرد، وأنا مذهبي أن النظر الى الأمرد حرام مطلقاً، ولكن توجه به الى تاج الدين الفزاري، فأخذه والده وجاء به الى الشيخ تاج الدين وهو يشتغل في الجامع الأموي، أو كما قال. وكتب الإنشاء بطرابلس نحواً من أربعين سنة، وكانت له مباشرات بالشام في دمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب في غير ما وظيفة من وظائف الديوان.

стр. 3398

وكان قد كتب هو إليّ لما ورد دمشق: يا إماماً قد فاق سحبان بل قس ... سَ إيادٍ قل لي أأنت خضر أنت للفضل قبلةٌ ولأهل ال ... علم نجم يُهدي وللدين بَدر فإذا ما نطقت أفنيت أفكا ... ر البرايا ولم يحرْ لك فكر وإذا ما وضعت في الطرس خطّاً ... باهر الحسن جلّ بل حلّ سحر وإذا ما نظمت شعراً فللشع ... رى حياء منه وللشعر فخر وإذا ما نحوت نحواً فمن زي ... دٌ من الماهرين فيه وعمر أخجل النظم منك نظمٌ وأودى ... نثرة الشهب من مقالك نثر أترى أنت عالم بولائي ال ... محضِ أم بينه وبينك ستر ليس شكل من الصواب فلو حقّ ... قت قربي ما عاقني عنك بحر وعلى الحالتين بعدٌ وقرب ... لك عندي حبٌ وحمدٌ وشكر فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: لك مني حمد يفوق وشكرٌ ... لي منه على مدى الدهر سكرُ وولاء عقدتُ منه لواءً ... منه طي في الخافقَين ونشر ودعاء حقٌ بغير ادّعاءٍ ... فيه من سرعة الإجابة سرّ وثناءٌ أعليت منه بناءً ... فهو أفقٌ نجومه منك زهر قد تفضّلت بادياً بقريضٍ ... كلُّ بيت فيه من الحسن قصرُ فهو ينهل في انسجام ويحلو ... فعلي كل حالةٍ فهو قطر

стр. 3399

وكأن السطور روض مريع ... والمعاني كأنها فيها زهرُ أنت يا بن الحداد صغت المعالي ... لك طوقاً فيه كلامك درُّ بك قد أشرقت دمشق وتاهت ... فلها من سناك فجرُّ وفخر أنت فيها بحرٌ وقد سبق القو ... ل ضميري فقلت إنك حبرُ كيف يُدعى بالبحر من كل بحر ... مستمدٌ من فضله مستمرّ فابق في نعمةٍ تفيد البرايا ... فضلَ علمٍ يغشاه زيدٌ وعمرو يحيى بن فضل الله ابن المجلي بن دعجان، القاضي الكبير الرئيس محيي الدين أبو المعالي القرشي العدوي العُمري، كاتب السر السلطان بالشام، أولاً، وبمصر أخيراً. تقدم ذكر أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب، وذِكرُ ولديه القاضي شهاب الدين أحمد، والقاضي بدر الدين محمد وذكر أخيه بدر الدين محمد بن فضل الله كلّ منهم في مكانه. كان سعيد الحركات إذا تحرك، سديد السكنات، كأن القدر تكفّل له بحُسن العقبى وتدرّك، متعه الله تعالى بالمناصب والأولاد، والسعادة التي لها الجبال أوتاداً، فرأى في مناصبه ما لا رآه غيره، وفي أولاده من السعد ما لم يزجر به لغيرهم طيره. وكتب الخطّ الذي تودّ الرياضُ لو كانت أوراقه، والعقود لو نُظمت مثل سطره في حُسن اللباقة. ما أعتقد أنه خدم الترك مثله، ولا نبت في وادي أغراضهم إلا بانُهُ وأثله، قد درِبَ مقاصدهم وألفها، وفرّع مرامي مراميهم وعرفها، طال عمره في السعادة وخدمته في آخر عمره بالحسنى وزيادة.

стр. 3400

وكان يرعى حقّ من خدمه، ويعلي كعب صاحبه وقدمه، ولم يكن فيه لأحد أذى، ولا رأى غيره من عينه قذى، منجمعٌ عن الناس، لا يجتمع بأحد في مآتم ولا أعراس، شُغله بخويصة نفسه، والاعتزال عن أبناء جنسه. وكان شديد الحزم، مديد الهمة والعزم: لا يقرع السنَّ للفوات ولا ... يعضّ حرّ البنان من ندمه يقلّ قدرُ الأنام عنه كما ... يصغر جنب الزمان في عظَمه ولم يزل على حاله الى أن انهار به جُرفه، وتهدّم من عمره شُرفه. وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وكانت جنازة عظيمة، ثم إنه نقل تابوته الى دمشق، ودفن بتربتهم التي في الصالحية في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة. وكتبت أنا الى ولده القاضي علاء الدين كاتب السر أرثيه بقصيدة وهي: يا قاصد الفضل عُد قد مات مُحييه ... وغاب من كان بين الناس يُبديه وأوحشَ الدست ذاك لصّدرٍ حين مضى ... فطالما كانت الأسرار تأويه كم دبر الملك بالآراء فامتنعت ... ثغوره وحماهُ من أعاديه ورفّة السُمر والبيض الصفاح فما اح ... تاج الشجاعُ لأن تجري مذاكيه وكم كتابٍ له أردى الكتائب لم ... ما بات في ساحة الديوان يُمليه مهما نسيتُ فما أنسى توجّعه ... لي من زماني إذ خانت لياليه
следующие страницы →