← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كتب إليّ ملغزاً: أيها الفاضل الذي حاز فضلاً ... ما عليه لمثله من مزيد قد تدانى عبد الرحيم إليه ... وتنادى إليه عبد الحميد أي شيء سمّي به ذات خدر ... تائه بالإمام أو بالعبيد هو وصف لذات سرٍ مصون ... وهي لم تخف في جميع الوجود مذ مضى حينها بها ليس يأتي ... وهو يأتي مع الربيع الجديد وهو مما يبشر الناس طراً ... منه مأتى وكثرة في العديد وحليم إرادة لا لذات ... بل بشيء سواه في المقصود ذاك شيء مَنْ ارتجاه سفيةٌ ... وهو شيء مخصّص بالرشيد فكتبت أنا الجواب إليه وهو في " زبيدة ": يا فريداً ألفاظه كالفريد ... ومجيداً قد فاق عبد المجيد وإمام الأنام في كل علم ... وشريكاً في الفضل للتوحيد علم العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد من تمنى بأن يرى لك شبهاً ... رام نقضاً بالجهل حكم الوجود طال قدري على المساكين لمّا ... جاءني منك عقد درّ نضيد شابه الدر في النظام ولمّا ... شابه السحر شاب رأسُ الوليد هو لغز في ذات خِدْر منيع ... نَزَلَتْ في العلى بقصر مشيد هي أمّ الأمين ذاتُ المعالي ... من بني هاشم ذوي التأييد

стр. 387

أنت كنت الهادي لمعناه حقاً ... حين لوّحْتَ لي بذكر الرشيد دمت تُهدي إليّ كل عجيب ... ما عليه في حسنه من فريد وكتبت أنا إليه ملغزاً في " نجم ": يا سيّداً أقلامُه لم تزل ... تُهدي لآلي النظم والنثر قل لي ما اسمٌ قلبه لم يزل ... معذَّباً بالبيض والسُّمر وكلّه في الأرض أو في السما ... وثلثه يَسبح في البحر فكتب هو الجواب عن ذلك: دمتَ خليلي سائر الذكر ... مثلَ الذي ألغزتَ في القَدْر بعثتها نجميّة قد حلَتْ ... لكنها مِنْ سُكّر الشكر تطلع بالنجم فأما الذي ... في مطمح الُّهر أو الزَّهر عجبتُ منه كيف شقّ الدجا ... وما أتى إلا مع الفجر من صنعة البَرِّ ولكنه ... قد جاءني في راحة البَحْر أقسمت منه قسَماً بالغاً ... بالفجر والليل إذا يسر لقد أغرتَ الغيد إذ لم تجدْ ... شبهه في الجيد والثغر بعقد دُرّ ما له قيمةٌ ... يا حُسنه للكوكب الدرّي مُسهّد تذكى له مقلةٌ ... مقلوبة كالنظر الشَّزْر وهو إذا ما حقّقت تعريفه ... عَرَفْتَ منه منزل البدر بواحد عَدُّوا له سبعةً ... تقيسُ ذيلَ الليل بالشَّبر

стр. 388

فاعر أخيَّ اليوم إن قصرت ... بديهتي واقبل لها عذري فليس بالألغاز لي قدرة ... ولا غزا في جيشها فكري وكتبت أنا إليه مع ضحايا أهديتها: يا سيداً أرجو دوام ظلاله ... علينا وأن يمسي بخيرٍ كما يُضحي وحقك ما هذي ضحايا بعثتها ... ولكنني سقت الأعادي للذبح فكتب هو الجواب إليّ عن لك: أتتني ضحاياك التي قد بعثتها ... لتصبح كالأعداء في بكرة الأضحى وحقك أعدانا كلابٌ جميعهم ... وحاشاك لا تُجزي الكلاب لمن ضحّى وكتبت إليه أتقاضاه إنجاز ما وعد به من قلع شجرة ليمون مختم وتجهزها، والتزمت الياء قبل النون: يا سيداً فيه لي ولاء ... عند جميع الورى تَعَيّنْ لله ليمونه أراها ... لي مونةً غُصْنُها تزيّنْ كأعين الحاسدين بغياً ... لأجل ذا قلعها تعيّنْ فكتب الجواب، والتزم نوناً قبل النون: يا فاضلاً ما له عديل ... لأنه في الورى تفنّنْ وكل شيء عاناه فينا ... على طريق الهدى تفنّنْ أمرك حكم في كل عقلٍ ... ما عاق إلا من قد تجنّنْ

стр. 389

وكان قد أهدى إليّ - رحمه الله تعالى - عندما عمرت الدويرة التي لي بدمشق عشرة أحمال رخاماً، فكتبتُ إليه أشكره على ذلك، وطلبت ذلك فلم أجده وقد عرفته الآن عند تعليقي هذه الترجمة وهو: لَعَمري لقد أهدى سماحُك والندى ... حُمول رُخام مثل روض تنمنما فأمسيتُ منها في رخاء وفي غنى ... فيا من رأى قبلي رخاماً مرخّما وكتب هو الجواب عن ذلك، ولكنني لم أجده تلآن. وأنشدني لنفسه ونحن على العاصي بحماة: لقد نَزَلْنا على العاصي بمنزلة ... زانت محاسنَ شطّيه حدائقُها تبكي نواعيرها العَبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها فأنشدته أنا أيضاً لنفسي: وناعورة في جانب النهر قد غَدَتْ ... تعبّر عن شوق الشجي وتُعرب ترقص عطف الغصن تيهاً لأنها ... تُغَنّي له طول الومان ويشرب وأنشدني هو أيضاً لنفسه: إنّا نقيم على حماة حجّة ... في حسنها ولها جمال يبهت من النواعير الفصاح خصومنا ... ولها لسان ناطق لا يسكت فأنشدته أنا أيضاً لنفسي: ناعورة أنّت وحنّت فقد ... شوّقت الداني والقاصي

стр. 390

قد نبهتني للهدى والتقى ... لمّا غدت تبكي على العاصي وأنشدته أنا لنفسي، وقد طال علينا المركز من شمسين إلى حمص: محبوب فلبي مثل بدر السما ... أدنيه عمري وهو لي يقصي بيني وبين الصبر في حبّه ... ما بين شمسين إلى حمص فأنشدني هو أيضاً لنفسه: لقد تماديت مدىً يا رستن ... كأنما قربك ما لا يمكنُ لما جعلناك ضمير قصدنا ... غدوت ممّا لا تراك الأعين وكتب إليّ من دمشق وأنا بالقاهرة سنة ٧٤١: رحلتم فلا والله ما بَعْدَكم قلبي ... بقلبي ولا والله عقلي ولا لُبّي هجرتم زماناً ثم شطّ مزاركم ... فأهاً على بُعدي وآهاً على قربي وبدّلتم غيري ووالله ما رأت ... سوى حسنكم عيني ولا غيركم قلبي لئن كان ذنبي أن قلبي بحبّكم ... فيا ربّ زدني منه ذنباً على ذنبي ولا تحسبوا أني تغيّرتُ مثلكم ... فما قلبكم قلبي ولا خبّكم حبي رحلتم وما كنتم سوى روح مغرم ... قضى بكم وجداً وما غاب في الترب نأيتم فلا والله ما هبّت الصبا ... فنمتُ مع النّوام جنباً على جَنْبي لئن عُدْتُم عاد السرور جميعُه ... وإلاّ فما لي بالرسائل والكتب دَعوا عنكم التعليل باليوم أو غد ... فلست بمن يبقى إلى البعد والقرب

стр. 391

ولا تعجبوا إنّ متّ حين فراقكم ... إذا بان حبّي كيف لا ينقضي نحبي أأحبابنا كيف استقلت ركابكم ... وما علقتها العين في شرك الهُدب وطرتم سراعاً كالطيور مشقة ... فهلاّ وقعتم في القلوب على الحَبّ ووالله ما حدّثت نفسي بمجلس ... سوى ما أفاض الدمع فيه من الجبّ ولا كان شرق الدمع من طبع مقلتي ... إلى أن تغربتم ففاض من الغَرْب ونغّصتم طِيبَ الحياة ببعدكم ... وهيهات أن ترجى حَيَاةُ فتىً صَبِّ أأبغي سواكم في الهوى أو أريده ... وهجركم سقمي ووصلكم طبّي دعوني وأطلال الديار أُنحْ بها ... وأندبها إن كان ينفعها ندبي فكتبت أنا الجواب إليه: دعوتم علة بعد فلبّاكم لبّي ... وناجاكم قلبي على البعد والقرب وما لي وذكر الدار يا ساكني الحشا ... وداركم عيني وداركم قلبي وأقسم أنّ الجفن فيكم جفا الكرى ... وأحرق قلب الصب من دَمعه الصَّبِّ إذا قلتُ هُبّي يا نُسيمةَ دارِهم ... يقول الجوى يا نارَ أشواقه شبّي أيا جيرة بالقلب لا الشام خيّموا ... محاسنكم تصبي القلوب فلم تسبي لأنتم وإن أضرمتم النار في الشحا ... ألذّ إلى قلبي من البارد العذب رفعتكم جَرّاً إلى نصب ناظري ... فيا حبّذا رفعٌ يجر إلى نَصْب أحاشيكم أن يألفَ القلبُ غيركم ... فقلبي لا يرضى بهذا ولا ربّي وحقكم ما راقني غيرُ حُسنكم ... وإحسانكم حسبي بما راقني حسبي

стр. 392

رحلت ولي قلب مقيم على الوفا ... لعهدكم حنى أوسّد في التُّرْب أحاول عَودي نحوكم ويصدّني ... خيانة دهر راح حربي لا حزبي أليس من الأنكاد أن لا مخبّر ... يبلغكم عني سلامي ولا كتبي ولولا المنى أن يجمع الله شملنا ... قريباً لما فارقت نَوحي ولا نَدْبي سأجهد في عَوْدي لمطلع حبكم ... ولو أن لي قي مصر مملكة الغرب بُعثتم على بخل الزمان لأنكم ... كرام بنظم فاق منسجم السُّحب غدا خارجاً في النظم عن قدرة الورى ... ولكنّه في حُسنه داخل الضرب فقلت لدهري زِد عليّ قساوة ... فقد ظفرت كفاي باللؤلؤ الرطب وكتب هو إليّ وقد تواترت الثلوج والأمطار سنة ٧٤٤: كيف أصبح مولاي في هذا الشتاء الذي أقبل يُرعب مَقْدَمُه، ويُرهب تقدّمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسّمه، وكيف حاله مع رعوده الصارخة، ورياحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وشرر لياليه التي لا نبيت منها بليلة صالحة، وسحابه وأمواجه، وجليده والمشي فوق زجاجه، وتراكم مطره الأنيث، وتطاول ليل فرعه الأثيث، ومواقده الممقوته، وذوائب جمره، وأهون به لو أنّ كلّ حمراء ياقوته، وتحدّر نوئه المتصبب، وتحيّر نجمه المتصيّب، وكيف هو مع جيشه الذي

стр. 393

ما أطلّ حتى مدّ مضارب غمامه، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه، هذا على أنه حلّ عُرى الأبنية، وحلل ما تلف في ذمّة سالف الأشتية، فلقد جاء من البرد بما رضَّ العظام وأنخرها ودقّ فخّارات الأجسام وفخّرها، وجمّد في الفم الريق، وعقد اللسان إلا أنه لسان المنطيق، ويبَّس الأصابع حتى كادت أغصانها تُوقد حطباً، وقيّد الأرجل فلا تمشي إلاّ تتوقع عَطَباً، وأتى الزمهرير بجنودٍ ما للقويّ بها قَبَل، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه مَنْ " قال سآوي إلى جبلٍ " ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واجتحف ما أتى عليه وأوّل ما بدا الدمع بالكرى، فكيف أنت يا سيّدي في هذه الأحوال؟، وكيف أنت في مقاساة هذه الأحوال؟، وكيف رأيت منها ما شيّب بثلجه نواصي الجبال، وجاء بالبحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصيّ، وخيوط السحب من حبال؟. أمّا نجن فبين أمواجٍ من السحب تزدحم، وفي رأس جبلٍ لا يُعصم فيه من الماءُ إلاّ من رُحِم، وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهمِّ ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلوّن ردّ الله عليه صوائب سهامه، وبدّل منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظّ مولانا من لوافحه ما يذكيه ذهنه من ضرامه، ومن سوافحه ما يولده فكره من توأمه، وعوّضنا وإياه بالصيف، والله يتقّل، وأراحنا من هذا الشتاء ومَشْي غَمامه المتبختر بكمّه المسبل، بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.

стр. 394

فكتب أنا الجواب: يقبّل الأرض، وينهي وُرُود هذه الرقعة التي هي طرازٌ في حلّة الدهر، وحديقة ذكّرت بزمن الربيع، وما تهديه أيامه من الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدّلت فروعُ غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموسٌ وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا يفعله نغمة الشبآبة، وأرشفته سُلافاً كؤوسها الحروف وكل نقطة حبابَه، وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم المتصلة الظلام، فلا أوحش الله من طلعة الشمس وحاجب الهلال وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحابة، والغمائم السكّابة، والرعود الصخّابة، والبروق اللهابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصابة، والبرد الذي أمست إبَرُه لغصون الجلود قَطّابة، والزُّميتا التي لا تروي عن أبي ذرّ إلاّ وتروي الغيث عن أبي قلابة، كلّما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق شرار جمرتها، وكلّما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت مرهاء لما أسبلته من عبرتها، فما هذا شهر طوبة إنْ هذا إلا جبل ثهلان، وما هذا كانون إنْ هذا إلا تنّور الطوفان، وإلى متى قُطْنُ هذه الثلوج يُطرَح على جباب الجبال، وإلى متى نُقاضُ دلاص الأمطار، ويرشقها قوس قزح بالنبال؟!، وإلى متى تشقق السحاب وما لها من الحلل والحبر،

стр. 395

وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجوّ وفي أطرافها على الغدران إبر، وإلى متى تجمد عيون الغمام وتكحّلها البروق بالنار، وإلى متى نثار هذه الفضّة وما يُرى من النجوم دينار؟، وإلى متى نحن نَحْنو على النار " حُنُوَّ المرضعات على الفطيم "، وإلى متى تبكي الميازيب: بكاء الأولياء بغير حزنٍ ... إذا استولوا على مال اليتيم وإلى متى هذا البرق تتلوّى بطون حياته وتقلب حماليق العيون المحمرّة من أسود غاباته؟، وإلى متى يزمجر غيث هذه الرياح العاصفة، وإلى متى يرسل الزمهرير أعواناً تصبح حلاوة الوجوه بها تالفة، أترى هذه الأمطار تقلب بالأذيار أم هذه المواليد التي تنتهي فيها الأعمار، كم جليد يذوب به قلب الجليد، ويرى زجاجهُ الشفّاف أصلب من الحديد، ووحل لا تمشي فيه هريرة الوحى، وبردٍ لا تنتطق به نؤوم الضحى، " اللهم حوالينا ولا علينا "، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كلٍّ عن إلفه، وإغلاق باب القباب، وتحلّل الضباب زوايا البيوت، فالأطفال ضباب الضباب، كل ضَبّ منهم قد ألِف باطن نافقائه، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه، قد حُسد على النار مَنْ أمسى

стр. 396

مذنباً وأمسى عاصياً وتمنّى أن يرى من فواكه الجنات عنّاباً من النار وقراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر مكارم مولانا فيا طول ما تسْفح، وإن كانت العواصف تتشبّه ببأسه فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرّع فيا طول ما تتألق، وإن كانت قوس قزح تتلوّن خجلاً من طروسه فيا طول ما تتألق، وإن كانت الرعود تحاكي جوانح أعدائه فيا طول ما تشهق وتفهق، وإن كانت السيول تجري وراء جوده فإنها تجري على طول المدى وما تلحق، والأوْلى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي، والأليق بهذا الفضل أن لا يتعرّض، فرحم الله مَنْ عرف قدْره، وتحقّق أنّ مولانا في الجود نّدْرَه، أنهي ذلك. فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك، وكتبت جوابه نظماً، وكتب هو الجواب عن ذلك نظماً. وكتب إليّ وأنا بالقاهرة وهو يومئذٍ في دمشق رسالة في الثلج، وكتبت جوابه، وكتب هو إليّ رسالة يصف كثرة المطر نظماً ونثراً، وكتبت جوابه أيضاً كذلك. وبيني وبينه مكاتباتٌ كثيرة، وقد أوردت ذلك في كتابي " ألحان السواجع ". ولمّا توفي رحمه الله تعالى كتبت إلى أخيه القاضي علاء الدين صاحب دواوين الإنشاء أعزيه، ونسخته: يقبّل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي برّح، والسقم الذي جرّ ذيول الدمع على الخدود وجرّح، لما قدّره الله تعالى من وفاة القاضي شهاب الدين: سَقَتْه بألطف أندائها ... وأغزرها ساريات الغمام فإنا لله وإنا إليه راجعون، قَولَ من غاب شهابه، وآب التهابه، وذاب قلبه فصار للدمع قليباً، وشهاب فوده لمّا شبّ جمر فؤاده، ولا غروَ فيومه جعل الولدان شيباً،

стр. 397

فيا أسفي على ذلك الوجه الملّي بالملاحة، واللسان الذي طالما سحر العقول ببيانه، فصاحت: يا ملك الفصاحة، واليد كم روّضت الطروس أقلامها، وأنشأت أسجاعاً لم تذكر معها بانات الحمى ولا حمامها، وكأنّ أبا الطيّب ما عنى سواه بقوله: تعثرت بك في الأفواه ألسنها ... والبُرْد في الطُّرق والأقلام في الكتب فرحم الله ذلك الوجه، وبلّغه ما يرجوه، وضوّاه بالمغفرة يوم تبيضّ وجوهُ وتسودّ وجوه. لقد فقد المجد المؤثل منه ركناً تتكثر به الجبال فما تقلّه ولا تستقلّه، وعدمت الآداب منه بارعاً لو عاصره الجاحظ ما كان له جاحداً، أو البديع علم أن ما فُضّ له فضله، وغاب من الإنشاء منه كاتب ليس بينه وبين الفاضل لولا أخوه مثله، أتُرى ابن المعتزّ عناه بقوله: هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال وما يقول المملوك في البيت الكريم، ألاّ إنْ كان قد غاب بدره وأفل شهابه، أو غاص قطره وتقشّع سحابه فإنّ نيّره الأعظم باقٍ في أَوْجه، وبحره الزاخر متلاطمٌ في موجه، وفي بقاء مولانا خَلَفٌ عمّن سلف، وعِوَضٌ عما انهدم ركنه وانقضّ، وجبرٌ لمن عدك الجلد والصبر، والله يمتع المسلمين بحياته، ويجمع لديه بين ثوابه وثباته، لأنه قد عاش الدرّ المفدّى بالذهب وأضاءت شمس المعالي إن كان قد خمد اللهب: علَم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحلّ الجليل من سلطانه جعل الدين في ضمانك والدن ... يا فعش سالماً لنا في ضمانه

стр. 398

وقد نظم المملوك قصيدة في رثاء المشار إليه، وجعلَ قوافيها تبكيه، وألفاظها تنوح عليه، وهي: الله أكبرُ يا بن فَضْل الله ... شغلَتْ وفاتُك كلّ قلبٍ لاه كلٌّ يقول وقد عرته كآبة ... واهاً لفقدك إنّ صبري واه فقدتْ بك الأملاكُ بحرَ ترسلٍ ... متلاطمَ الأمواج بالأمواه يا وحشة الإنشاء منكَ لكاتبٍ ... ألفاظه زهرَ النجوم تباهي وتوجّع الأشعار فيك لناظمٍ ... من لطفه لشذى النسيم يضاهي كم أمسكتْ يمناكَ طِرْساً أبيضاً ... فأعدْنه في الحال طرزاً باهي كم قد أدَرْتَ من القريض قوافياً ... هي شهوة الناشي وزهو الزاهي ورسالة أنشأتها هي حان ... هـ النبّاذ حازتْ حضرة الفَكّاه ووضعتَ في الآداب كلّ مصنّف ... قالتْ له البُلَغاء زاهٍ زاهِ كم قد خطرْت على المجرّة رافلاً ... يوم الفخار بمعطفٍ تيّاهِ شَخَصت لعَلْياكَ النجومُ تعجباً ... ولك السَّهى يرنو بطرفٍ ساهِ ما كنتَ إلا واحدَ الدهر الذي ... يسمو على الأنظار والأشباهِ من بعدك الكتّاب قد كتبوا فما ... يجدون منجاةً لهم من جاهِ أقلامهم قد أملقت ورمى الردى ... أدواتهم ودواتهم بدواهِ وطروسُهم لبست حداد مدادها ... أسفاً عليك مؤكداً بسفاهِ أمّا القلوب فإنها رهنُ الأسى ... تردُ القامة وهي فيك كما هي أبداً يخيّل لي بأنك حاضر ... تُملي الفوائد لي وأنت تجاهي فتعزَّ فيه واصطبر لمُصابه ... يا خير مولى آمرٍ أو ناهِ فدوام ظلك في البرية نعمةٌ ... ولشكرها حتمٌ على الأفواهِ

стр. 399

لا زال جدّك في المعالي صاعداً ... رتباً سعادتها بغير تناهِ أحمد بن يعقوب بن أحمد بن يعقوب الإمام جمال الدين أبو العباس بن شرف الدين بن الصابوني. هو من ذريّة عبد المحسن بن حمّود الأديب، وقد ذكرته في تاريخي الكبير. كان جمال هذا نزيلَ القاهرة، وبها رأيتُه. وكان بالحديث قد عني، وحصّل الأصول المليحة فغني، ودأب واجتهد، وبلغ الذروة واقتعد. وأسمعه والده من ابن البخاري وطبقته، وطلب هو بنفسه مع لِداته ورفقته، ومهر وتميّز، ومال إلى فئة الأشياخ وتحيّز. ولم يزل على حاله إلى أن غُسل ابن الصابوني بماء الحِمام لا الحمّام، ورثاه حتى الساجعات على القضب من الحَمَام. وتوفي رحمه الله تعالى في مستهلّ شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة. أجاز لي بخطّه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة. وكان مولده بدار الحديث النورية بدمشق، ومنها كانت على وجهه أنوار، وفي روض الطروس في خطّه أنوار.

стр. 400

أحمد بن يوسف بن هلال بن أبي البركات الشيخ الطبيب شهاب الدين أبو العباس الصفدي. مولده بالشُّغر وبَكاس، ثم إنه انتقل إلى صفد، وبها سمّي. ثم إنه انتقل إلى مصر، وخدم في جملة أطباء السلطان والبيمارستان المنصوري. رأيته بالقاهرة غير مرّة، واجتمعت به، وأنشدني من لفظه لنفسه أشعاراً كثيرة. وكان شيخاً طوالاً، أبيض اللحية والحاجب، لا يُرى له عن الفضل حاجب، قادراً على النظم المحكم السّرد، قد أثبت على لغم النُّظّام الجوهر الفرد، وله قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه، ويؤسس بنيانه ويُحكمه، ويُبرز أمداح الناس في أشكال أطيار، وعمائر وأشجار، ومآذن وعقد وأخياط، وصورة مُقاتلٌ ونَفّاط، بحيث إنه له في ذلك اليد الطولى، والقدرة على إظهار الأعاجيب التي تترك النواظر إليها حُولا. ولم يزل على حاله إلى أن نزل بالطبيب الداءُ الذي أعجزه طِبّه، وفارقه بالرُّغم خليله وحِبُّه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن. ومولده سنة إحدى وأربعين وست مئة. أنشدني من لفظه فيما يكتب على سيف:

стр. 401

أنا أبيضٌ كم جئتُ يوماً أسوداً ... فأعدتُه بالنصر يوماً أبيضا ذَكَرٌ إذا ما استلّ يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادي حُيّضا أختال ما بين المنايا والمنى ... وأجولٌ في وسط القضايا والقضا ومن شعره: حُجيتُ وقد وافيت أول قادم ... بأول شهر حلّ أول عامه وكان خليل القلب في نار شوقه ... وكنت المنى في بَرُده وسلامه ومنه: وما زلتَ أنت المشتهى متولعاً ... بكثرة تردادٍ إلى الروضة الصغرى إلى أن بلغتَ القصد في كل مشتهى ... من المصطفى المختار في الروضة وكتب إليّ وقد وقف على شيء كتبته وزمّكته: ومزمّكٍ باللازورد كتابةً ... ذهباً فقلت وقد أتتْ بوفاق أأخذتَ أجزاء السماء حَلَلْتَها ... أم قدْ أذبْتَ الشمس في الأوراق أكتبتَ بالوجنات حُمْرتها كما ... مخضَّرها بمرائر العُشّاقِ وكتب هو إليّ أيضاً: معانيك والألفاظُ قد سَحَر الورى ... لكلّ من الألباب قد أعطيا حظّا فهبّك سَبَكْتَ التبرَ معنىً وصغته ... فكيف أذبْتَ الدّرَّ صيَّرته لفظا فكتبتُ أنا إليه: وحقِّك لم أكتبْ بتبرٍ كما ترى ... سطوراً غدا في وضْعها منية النفسِ ولكنما هذي أشعّةُ وجهك ال ... كريم غدتْ على صفحة الطّرسِ

стр. 402

أحمد بن يوسف بن يعقوب القاضي الكاتب الفاضل الناظم الناثر شمس الدين الطِيبيّ - بكسر الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة -. كان فاضلاً أديباً، عالماً لبيباً، سامعاً على البديهة مجيباً، ينظم الدُرَر، ويطلع في طِرسه الزُّهر، وإن تنازلنا قلنا الزَّهَر، قادر على النظم، نتزل سكين فيه إلى العظم، ويأتي منه بما يشرف الأسماع ويشنفها، ويحكم على المعاني فيتنزل على مُراده ويصرّفها، يترسّل فلا يعثر له جواد قلم في ميدان إنشائه، ويستقي المعاني الغويصة من قَليب الفكر على قِصَر رشائه، رأيت بخطّه الحاجبية، وقد علق في آذان حواشيها أقراطاً، وأتى فيها بفوائد تدلّ على أنه من أئمة هذا الفن فيما تعاطى. أخبرني القاضي شهاب الدين فضل الله قال: أخبرني جمال الدين بن رزق الله قال: كان عندنا ليلة في مجلس أُنس، وقد أخذت السُّلاف منه مأخذها إلى أن صار في غيبةٍ عن وجوده، وذكرنا له واقعة المسلمين على شَقْحب، ونصرتهم على التتار، وقلنا له: لو نظمت في هذا شيئاً، فأخذ الدواة، ونظم قصيدة تتجاوز التسعين بيتاً فائية، ومدح فيها السلطان. قال: فأعجبتنا وقمنا آخر الليل ورحنا إلى الحمّام، فلما أفاق وصحا وأجرَيْنا له ذكر القصيدة، فأنكر وقوعها، وحلف أن هذا أمر لم يبدُ منه، فقلنا له: هذه قصيدة فائية أوّلها:

стр. 403

برق الصوارم للأبصار يختطف فقال: أروني إيّاها. فأوقفناه عليها، فأعجبته، وزاد إعجابنا بها. قال ابن رزق الله: وقمت وأخذتها وأتيت بها إلى والدك القاضي محيي الدين، فلما وقف عليها أعجبته، وأوقف عليها أخاه عمّك القاضي شرف الدين بن فضل الله فأعجبته، وكانت سبباً لأن استخدمه كاتب إنشاء بطرابلس، انتهى. قلتُ: وهذه قصيدة بديعة في بابها، وسوف أوردها إن شار الله تعالى في ترجمة السلطان الملك الأعظم الناصر محمد بن قلاوون. ولم يزل الطيبي في طرابلس على حاله إلى أن صار الطيبي في قبره جيفة، ولم يجد الحمام من حدّ لسانه خيفة. وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة. ومولده في عشري الحجة سنة تسع وأربعين وست مئة. ومن شعره: لست أنسى الأحباب ما دمتُ حيّاً ... إذا نَوَرا للنوى مكاناً قصيّاً وتلَوا آيةَ الدموع فخرّوا ... خِيفة البينِ سُجّداً وبُكيّا فبذكراهم تسحّ دموعي ... كلما اشتقت بُكرةً وعشيّا وأناجي الإله من فرط حزني ... كمناجاة عَبْدِه زكريّا

стр. 404

واختفى نورُهم فناديت ربي ... في ظلام الدجى نداءً خفيّا وَهَنَ العظم بالبِعاد فهَبْ لي ... ربَّ بالقرب من لِدنك وليّا واستجب في الهوى دعائي فإني ... لم أكن بالدعاء رَبِّ شقيّا قد فرى قلبي الفراقُ وحقاً ... كان يومُ الفراق شيئاً فرّيا ليتني متّ قبل هذا وأني ... كنتُ نِسياً يوم النوى منسيّا لم يك الهجر باختياري ولكن ... كان أمراً مقدّراً مقضيّا يا خليليَّ خلّياني وعشقي ... أنا أولى بنار وَجْدي صلّيا إن لي في الفراق دمعاً مُطيعاً ... وفؤاداً صبّاً وصبراً عَصيّا أنا في هجرهم وَصَلْتُ سُهادي ... فصِلاني أو اهجُراني مليّا أنا في عاذلي وقلبي وحبّي ... حائرٌ أيّهم أشد عِتيّا أنا شيخ الغرام مَنْ يتّبعني ... أهدِهِ في الهوى صراطاً سويّا أنا مَيْتُ الهوى ويومَ أراهم ... ذلك اليومُ يومَ أُبعث حيّا أنا لو لم أعش بمقْدَمِ مولى ... هو مولى الوجود لم أك شيّا الفتى الباسطُ الجميلَ جمال ال ... دين من زار من نداه النديّا سيّد مرتضى الخلائق أضحى ... راضياً عندّ ربّه مرضيّا صادق الوعد بالوفاء ضمين ... كالذي كان وَعْدُه مأتيّا أوحدٌ في الصفات لم يجعل الله ل ... هـ قطّ في السموّ سَميّا لا يُرى في الصدور أرحبَ صدراً ... منه إذ تحضر الصدور جثيّا ما جد أولياؤه في رشادٍ ... وعِداه فسوِف يَلقَون غَيّا

стр. 405

وفتى بالسّماح صبّ رشيد ... أوتي العلَم حين صبيّا بلَبَان الكمال غُذّيَ طفلاً ... ونشا يافعاً غلاماً زكيّا لم يزل منذ كان برأ تقياً ... وافياً كافياً وكان تقيّا جعل الله في ادّخار المعالي ... لعلاه لسانَ صدْق عليّا كم عديم الثراء أثنى عليه ... وانثنى واجداً أثاثاً وريّا وأولو الفضل حينَ أمّوا قِراهُ ... أكلوا روقَه هنيّاً مريّا قلت: قد اقتبس شمس الدين الطِّيبي هذه من سورة مريم، كما اقتبسَ ابن النبيه قوله: قمت ليل الصدود إلاّ قليلاً ... ثم رتّلتُ ذكركم ترتيلا من سورة المزمّل. وكما اقتبس سيف الدين بن قزل المشد قوله: شِمتُ في الكأس لؤلؤاً منثوراً ... حين أضحى مزاجها كافورا من سورة الإنسان. والاقتباس إذا كان من آية من آيتين لا بأس به. وأما سورة بكمالها ففي هذا من إساءة الأدب ما فيه. ومن شعر الطيبي رحمه الله تعالى: النهر وافى شاهراً سيفَه ... ولَمْعُه يحتبس الأعينا فماجت البركة من خوفه ... وارتعدت وادّرعت جَوشنا

стр. 406

ومنه يصف ثوبَهُ: لو أنّ عيني على غيري تُعانيه ... بكيته أحمراً أو متّ بالضحك ومن رآني فيه قال واعجباً ... أرى على البَرِّ شيخَ البحر في الشبك ومنه في العود: اشربْ على العودِ من صهباء جاريةٍ ... في المُنتَشي جريان الماء في العود ترنّم العودُ مسروراً ومن عجبٍ ... سرورُه وهْوَ في ضربٍ وتقييد من أينَ للعودِ هذا الصوتُ تُطربنا ... ألحانُهُ بأطاريفِ الأناشيد أظنُّ حين نشا في الدوح علّمهُ ... سجعُ الحمائمِ ترجيعَ الأغاريد ومنه لما أُلبس الذمّة العمائم الملوّنة: لا تعجبوا للنصارى واليهودِ معاً ... والسامريين لمّا عُمّموا الخِرقا كأنما باتَ بالأصباغ مُنسَهلاً ... نسرُ السماء فأضحى فوقهم ذَرِقا ومنه: وأصفرٍ أرزق العينين لحيتُه ... حمراءُ قد سقطت من كفّ دبّاغ ألوانه اختلفت لا تعجبوا فعسى ... قد كان في اسْت أُمّه دكانُ صباغ أحمد بن يوسف بن عبد الدايم الشيخ الإمام العلاّمة شهاب الدين الحلبي المعروف بابن السمين. سمع بآخرة من يونس الدبّوسي. وقرأ على ابن الصائغ، وصنع تفسيراً للقرآن في عشرين سفراً والإعراب. وله شروح على كتب.

стр. 407

وتوفي بالقاهرة في سنة ست وخمسين وسبع مئة كهلاً، رحمه الله تعالى. أحمد شهاب الدين الفاضل المغربي رئيس الأطباء بالديار المصرية، وهو والد الرئيس جمال الدين رئيس الأطباء بالديار المصرية. أسلم سنة تسعين وست مئة، وكان اسمه في اليهودية سليمان. قال الشيخ علم الدين البِرزالي: ضَبطَ ذلك عز الدين الإربلي، ونقلته من خطّه. كان رجلاً فاضلاً، إلى الجدّ مائداً، عن اللهو مائلاً، يَعرِفُ الطب وبه رأس، وجنى به من ثمر الجاه ما غرسْ. وله يد طُولى في المنطف والهندسة، وعنده في ذلك فوائد تجلو بذورها من ظلمة الليل حُندُسه. وأما النجوم فكان في علمها إماماً، ويده تصرف من أحكامها زماماً. ولم يزل على حاله إلى أن أعيا داؤه، وفقده أصحابه وأودّاؤه. وقيل: إنه خلّف من الذهب العين ما قيمته مئة ألف درهم. ووفاته في أواخر صفر سنة ثمان عشرة وسبع مئة. أحمد هو الشيخ أحمد القَبّاري الإسكندراني زعم أنه ابن أخت الشيخ الكبير أبي القاسم. قدم دمشق، وتمشيخ فيها، وأظهر الصلاح، ومشّت له الأيام تمويهاً، واعتقد الناس ولايته، واغتنموا رعايته، وجمع عليه الزَّبون، ولفّ الناس له المحبون. ثم إنه ظهر بَهْرَجُه، وانفتح مَدْرجْه، فساءت عقباه الخاسرة، وضيّع دنياه قبل الآخرة،

стр. 408

فوُسّطَ في سوق الخيل، وجُعل دَلْوين، وكان جَسَداً واحداً فأصبح شِلْوَيْن، وذلك في سنة اثنتين وسبع مئة. وكان قد صادقه الشيخ محمد اليعفوري فقير مشهور، فاتفقا على مكرٍ حاقَ بهما، ووقع بيد الأفرم ورقة فيها نصيحة على لسان قطز مملوك قبجق لما كان بالشوبك فيها: أن ابن تيميّة وابن الحريري يكاتبان أميرنا قبجق في نيابة دمشق، ويعملان عليك، وأن ابن الزملكاني وابن العطار يطالعان أميرنا بأخبارك، وأن جماعة من الأمراء معهم، فتنمرّ الأفرم لذلك، وأسرّ إلى بعض خواصّه، وبحث عمّن اختلق ذلك، فوقع الحدس على الفقيرين، وأمسك اليعفوري، فوجدوا في حجرته مسودّة النصيحة، فضُرب بالمقارع، فأقرّ على القباري، فضرب الأخر، فاعترف، فأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بجواز قتلهما، فطيف بهما، ثم وُسّطا بسوق وقطعت يد التاج ابن المناديلي الناسخ، لأن المسودّة كانت بخطّه، وسيأتي ذكره في موضعه من حرف العين، وهو عبد الرحمن بن موسى. إدريس بن علي بن عبد الله الأمير عماد الدين الحَسَني الحَمْزيّ اليمني.

стр. 409

كان أحد أمراء اليمن في دولة الملك المؤيد بصنعاء، وكان فاضلاً، فارساً مناضلاً، أتقن علوماً، وأنشأ منثوراً ومنظوراً، وكان زيديّ المَذهب، ناشر العلم المُذهب، همّ أهلُ مذهبه بتلك الناحية أن يقلدوه الزعامة، ويرشّحوه للإمامة، لأنه جمع بين الشجاعة والكرم، ونفخ من السيادة في ضَرَم، ونزع يده، فعظّمه لذلك الملك المؤيد وأيّده. ولم يزل على حاله إلى أن حُمّ من الحمزي أمرُه، وضُمّ عليه قبره. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ومن شعره: عوجا على الرسم من سلمى بذي قار ... واستوقفا العيسَ لي في ساحة الدار وسائلاها عسى تُنبيكما خبراً ... يشفي فؤادي فيقضي بعض أوطاري منها: يا راكباً بَلِّغَنْ عني بني حَسَن ... وخصّ حمزة قومي عصمة الجار إن المؤيّد أسماني وقرّبني ... واختارني وَهْوَ حقاً خيرُ مختار أعطى وأمطى وأسدى كل عارفة ... يقصّر الشكر عنها أيّ إقصار وخصّني بولاءٍ فزَتُ منه به ... فأصبح الزندُ مني أيّما وار قلت: شعر متوسط.

стр. 410

الألقاب والأنساب الأحمدي الأمير ركن الدين بيبرس. الأحمرملك الأندلس محمد بن محمد. وابن الأحمر نصر بن محمد بن القاضي. أخوين محمد بن عمر. الأدفوي شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الوهاب. الأدفوي كمال الدين جعفر بن تغلب الدفوي شمس الدين الحسين بن هبة الله، وعبد القادر بن مُهذّب. أذينة شحنة بغداد، أقام بها من جهة المغل مدة، كان مشكور السيرة مسلماً يتوجّه إلى صلاة الجمعة ماشياً. توفي بالكوفة في أوائل سنة تسع وسبع مئة. النسب والألقاب الأذْرعي الصاحب شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عطا. وضياء الدين علي بن سليم. وقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي الحنفي محمد بن إبراهيم.

стр. 411

أراي الأمير سيف نائب الكرك. هو في الأصل مملوك الأمير سيف الدين أرغون الدَّوادار نائب حلب، ثم إنه تنقّل بالديار المصرية إلى أن حصل له إمرة الطبلخانة، وهو الذي ورد على الأمير سيف الدين يَلبغا، وهو بالقصر الأبلق. وقد خرج بدمشق في المرة الثانية على الملك المظفر حاجي، والأمراء قد التفوا عليه، فلما جاء قال له: السلطان رسم بطلبك لتتوجه إلى مصر، والتفتَ إلى الأمراء وقال لهم: يا أمراء! نائبكم الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب حلب، فلما سمع الأمراء ذلك تفلَلت عزائمهم عن يلبغا، وتحللت عُقد ضمائرهم عنه، وعاد إلى مصر. ثم إنه جُهّز لنيابة الكرك في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها نائباً إلى أن طُلب إلى مصر في شهر رجب الفرد سنة ست وخمسين وسبع مئة، فتوجّه إليها وأقام بها، وما لبث أن جاء الخبر إلى دمشق بوفاته في صفر سنة سبع وخمسين وسبع مئة، رحمه الله تعالى. وأظنه كان قد باشر أولاً بالديار المصرية آخوريه الصغرى، وكان عاقلاً ساكناً ديّناً، يحب العلماء، وله رغبة في العلم واقتناء المجلدات. ولما طلب من الكرك إلى

стр. 412

مصر باشر أمير آخور كبيراً، وتوجّه عوضه نائباً بالكرك الأمير سيف الدين قشتمر الحاجب. أَرْبَكَوون بفتح الهمزة وسكون الراء، وفتح الباء الموحّدة والكاف وبعدها واوان ونون، سلطان العراق وأذْرَبيجان والروم، من ذريّة جنكزخان. نشأ في غمار الناس، وكان أبوه قد قتل أولاً. ولما توفي القان بوسعيد رحمه الله تعالى شاور الوزير غياث الدين محمد مُقَدّمي التتار، وقال: هذا الرجل من العظم، فبايعوه وأجلسوه على التخت. يقال: إنه كان نصرانيّ الاعتقاد، لا يثبت إيمانه على محكّ الانتقاد، ألبس التتار السراقوجات الأولى، وجال في الفتك عرضاً وطولاً، وأنكر على كبار المغل مهادنة أهل الإسلام، ومليء قلبه من الظلم والإظلام، وقتل الخوندة بغداد رحمها الله تعالى، وجَبى الموال، وخبط الأحوال، وقاسى الناس منه أمرّ الأهوال. وكان قد قصد دخول الشام، وانتجع برق خرابه وشام، فكفى الله أمره، وأخمد جمره. وجرت أمور يطول شرحها، ويعظم سرحها، إلى أن قتله النوين علي باشا،

стр. 413

وحاز من الثناء النافح ما شاء، وأعصّه السيفُ بريقه، وذلك في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت مدة ملكه شُهيرات. أرَتْنى بفتح الهمزة وسكون التاء ثالثة الحروف، وبعدها نون وألف مقصورة. الحاكم بالبلاد الرومية من جهة القان بوسعيد، كاتَبَ السلطان الملك الناصر بعد وفاة بوسعيد، وطلب منه أن يكون نائبه، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه الخلع السنيّة، وكتب له تقليداً بنيابة السلطنة بالبلاد الرومية، ولم تزل رسله تتردد إلى آخر وقت، ووقع بينه وبين أولاد تمرتاش، فجمعوا العساكر وجاؤوا إليه، ومعهم القان سليمان، فكسرهم بصحراء أكرنبوك - بكافين، وبينهما راء ونون وباء ثانية الحروف وواو، قبل الكاف الأولى همزة - وأسر جماعة من أمرائهم، وغنم أموالهم وهزمهم أقبح هزيمة، ومنها خمل القان سليمان، وعظُم بذلك أرتنى في النفوس. وكانت هذه الواقعة في إحدى الجُمَادين سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وكان خيّراً فيه ديانة، وله ميل إلى المسلمين في الظاهر والباطن من غير جناية ولا خيانة، ولا يزال أهل العلم عنده، وبهم يُوري زَنْده، وخاتونه تجلس وراءه تسمع كلامهم، وترى جدالهم، وتشاهدهم إذا راموا سهامهم، ولم يجد المسلمون منه إلاّ خيراً، ولا عَدِمَ قاصدهم منه كرماً وميراً.

стр. 414

ولم يزل على حاله إلى أن بَرَق منه البصر، وجزم الموتُ حياته واختصر، فعدم الإسلام منه مؤازراً، ورأوا من بَعده من العدوّ طرفاً متخازراً، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. وقلت أنا فيه: بمملكة الروم حلّ الردى ... أجل النَّويْن الذي قد فَقَدْنا فتبّاً لصرف الليالي التي ... أرَتْنا أَرَتْنى كما لا أردنا أرسلان الأمير بهاء الدين الدَّوادار. كان أولاً عند الأمير سيف الدين سلاّر أيام النيابة خصيصاً به، خطيّاً لديه. ولما جاء السلطان الملك الناصر من الكرك بعساكر الشام، ونزل بالرَّيْدانية ظاهر القاهرة، أطلع بهاء الدين أرسلان على أن جماعة قد اتفقوا على أن يهجموا على السلطان، ويفتكوا به يوم العيد أوّل شوّال، فجاء إليه وعرّفه الصورة، وقال له: اخرج الساعة، واطلع القلعة واملكها، ففتحوا له شرج الدهليز، وخرج من غير الباب، وصعد القلعة ونجا من أولئك القوم، وجلس على تخت الملك، فرعى له السلطان تلك المناصحة. ولما خرج الأمير عز الدين أيدمر الدوادار من الوظيفة رُتّب بهاء الدين أرسلان فيها. وكان حسن الشكل ظريفاً، حُلْو الوجه، لا يزال به الإقبال من القلوب مُطيفاً، خطّه أبهجُ من الرياض اليانعة، وآنقُ من النجوم الساطعة، يكتب سريعاً، ويخرج

стр. 415

الطِّرس من تحت قلمه روضاً مَريعاً، بعبارة سادّة، وإشارة في تنفيذ المهمات حادّة. رأيت له أوراقاً بخطه، قد كتبها إلى كتّاب السرّ بما يرسم به السلطان، ويفتقر إلى كتابتها تدبير المُلك لبلوغ الأوطار في الأوطان، وهي عبارة مسدّدة، وافية بالمقاصد المؤكّدة، لا يفوته فيها فخرٌّ مخِلّ، ولا يأتي فيها بقول مملّ. وكان القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر قد درّبه، وخرّجه وهذّبه، ويقال: إن الرسالة التي وسمها ب مراتع الغزلان أنشأها فيه. وكان قد استولى على السلطان في أيامه وغلب عليه في يقظته ومنامه، ولم يكن لغيره في أيامه ذِكْر، ولا يُسمع في تلك المدة ثناء على غيره ولا شكر، ولم يكن لفخر الدين وكريم الدين عظمة إلاّ بعده، واجْتهدا فما نالا طَردَه ولا بُعده. وكان قد أنشأ خانقاه في المنشأة المنسوبة للمهراني. وكان كلّ ليلة ثلاثاء ينزل من القلعة يبيت فبها، ويحتفل الناس للحضور إليها، والمقام بنواحيها. وترسّل عن السلطان إلى مهنّا، وتعيّن لتلك الرسالة وتعنّى، ونفع الناس نفعاً عظيماً، وقلّدهم من مِننه عقداً نظيماً. ولما مات وُجد في تركته ألف ثوب أطلس، ونفائس منى رآها غيره أفرد حيرة وأبلس، وتواقيع جملة، ومناشير حملة، مُعَلّم عليها، فأنكر السلطان معرفتها وعلمها، ونسب إليه اختلاسها وظلمها.

стр. 416

ولم يزل على حاله إلى أن أطفأ الموت شرارته، وأبطل من التواقيع والمراسيم رسالته وإشارته. ونوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع عشرة وسبع مئة. وتوفي هو والقاضي علاء الدين بن عبد الظاهر والقاضي شرف الدين بن فضل الله بدمشق في شهر واحد. ووفاة أرسلان المذكور في ثالث عشري شهر رمضان من السنة المذكورة. كتب إليه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود ما أنشدنيه إجازة لنفسه: بك ماسَ عطفُ الدهر في حُلل البها ... وسما مكان الفضل منه إلى السُّها ولديك أدركَ كلُّ راجٍ مارَجا ... كرماً وأحرز كلّ عافٍ ما اشتهى بَشَرٌ يُبشِّر آمليه بسؤلهم ... منه ويبدأ هم إذا قيل انتهى وكما أوصاف تُعلّم من رأى ... تلك المهابة كيف تُكتسب النهى يحمى حمى الملك الشريف برأيه ال ... عالي فيغدو للسيوف مرفّها ويصون أطراف الثغور يراعُه ... فيشَيدها ويسدّ منها وما وهى متيقّظ للبر والإحسان لا ... يحتاج في كَسْب الثناء منبّها ضَلَّ الذي لنواله ولباسه ... بالليث أو بالغيث ظلَّ مشبّها فالليث ما يُردي الجيوشَ زئيره ... والغيثُ ما يروي الممالك كلّها يا سيّد الأمراء دعوة مخلصٍ ... أضحى بشكرك والثناء مفوّها أنت المؤمَّلُ للمطالب حين لا ... يُدعى سوى إحسانك الوافي لها وإذا تعقّدت الأمور فما سوى ... معروفك المعروف يُحسِنُ حلّها لا زلتَ تَقْني الأجر في البر الذي ... تولي وترجو الله في بذل اللهى

стр. 417

أرسلان الأمير بهاء الدين ابن الأمير علاء الدين مَغْلطاي أمير مجلس، سيأتي ذكر والده مغلطاي في حرف الميم. كان بهاء الدين هذا أمير عَشَرة بدمشق، كان بها إلى أن توجّه إلى إقطاعه بنواحي نابلس. وتوفي رحمه الله تعالى هناك في ثامن شعبان سنة ست وأربعين وسع مئة. أرغون الأمير سيف الدين الدوادار الناصري كافل الممالك الإسلامية. اشتراه الملك المنصور قلاوون وهو صغير لولده الملك الناصر، فربي معه، وألِفَ به، وكان معه في الكرك، ولم يفارقه، وولاه السلطان نيابة مصر بعد الأمير ركن الدين الدوادار في جمادى الأولى سنة اثنتي عشر وسبع مئة. كان بيبرس تولاها بعد الأمير سيف الدين بكْتُمر الحاجب أمير خازن دار. سمع البخاري من الحجار بقراءة الشيخ أثير الدين، وكتبه بخطه في مجلد في الليل على ضوء القنديل. ولم يزل في بيت أستاذه كبيراً، موقراً أثيراً، هو رأس الحزب، وكبش ذلك

стр. 418

الرحب، والذين يقولون بقوله، ويبطشون بقوته وحَوْله، هم أكابر الخاصكية وأعيانهم، وأمراؤهم المذكورون وشجعانهم مثل: قجليس والجمّالي ومنكلي بغا وطُرحي وطشتمر والفخري. وكان فقيهاً حنفياً، فاضلاً في مذهبه مُفْتياً، يعرف دقائق مذهبه ويناظره، ويذاكر بغرائبه ويحاضر. لما توجه إلى حلب نائباً، ونزل بجامع تنكز وصلى العصر خلف الشيخ نجم الدين القحفازي جذبَهُ وأخرجه من المحراب، وقال: ما هو مذهبك يا فقيه؟ يعني بذلك صلاة الطاق، وهي مسألة معروفة في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁. وكانت عنايته بالكتب إليها النتهى، وبلغ من جَمْعها ما أراد واشتهى. لمّا مات قجليس بمصر، وهو بحلب، أرسل ألفي دينار ليُشترى له بهما كتب من تركته، وجهّز إلى بغداد، واستنسخ فتاوى ابن قاضي خان، وعلم الناس رغبته في ذلك، فحملوا إليه حملاً من أطراف الممالك. وكان له معرفة بعلم الميقات، وعنده من ذلك بناكيم وآلات. ولم يُرَ في الترك مثله سكوناً ووقاراً، وهيبة وشعاراً، ومَلَكَةً لنفسه عن الغضب واقتداراً، قلّ أن عاقب، وطالما خاف إلهه وراقب، لم يسفك دماً في حلب مدة إقامته، ولا ظلم أحداً من الرعايا في نيابته، واجتهد في حلب على سياقة نهر الساجور، وبذل فيه أموالاً يتحقق بها أنه عند الله مأجور، وما زال إلى أن أدخله حلب، وساق به إليها كل خير وجَلَب.

стр. 419

وكان يؤثر أهل العلم ويدنيهم ويخصهم بالذكر ويعنيهم، له حنو زائد على الشيخ أثير الدين، وعلى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، ولم يمكن أستاذه مدة مقامه بمصر من خروجٍ عن الواجب، وأمراء الدولة والخواصّ كلهم يهابونه ويخافونه، وللملك به جمال، ولبدر الدولة بنيابته كمال، وعلى الوجود إضاءة، وللنيابة قعدد وأناءة، ولما تولاها أجراها على السداد، وقررّ قواعدها ووطد مجدها وساد، وذلك من أواخر سنة إحدى عشرة فيما أظن إلى سنة

стр. 420

سبع وعشرين وسبع مئة، وهي تدجري بريح طيبّة الهبوب، سالمة من شرر الشر والألهوب. وكان قد توجه إلى الحجاز في سنة ست وعشرين، وفي قلب القاضي فخر الدين ناظر الجيش منه قلوب، هو يؤدّ أن يرمي أسده في أقلوب، فاغتنم غيبته، وجدد في كل وقت غيبته، مع ما كان في نفس السلطان منه، لأمر ندبه إليه في الباطن لم يُر اعتماده، وخاف فيه حشره إلى الله ومعاوده، ولما عاد من الحجاز لم يدعه بكتمر الساقي يدخل إلى السلطان، ولم يساعد في أمره على ما سوله الشيطان، وبقي عنده في بيته ثلاثة أيام بلياليها، والفكرة في أمره تشتبك عواليها، إلى أن جهز السلطان الأمير سيف الدين ألجاي الدوادار إلى حلب لإحضار نائبها علاء الدين ألطنبغا، وأكد عليه في سرعة التوجه والعود لما أراده في ذلك وابتغى، ثم إنه رسم لأرغون بنيابة حلب، أخرجه مع الأمير سيف الدين أيتمش إليها، وأرسل منه سحائب الرحمة عليها، فاجتمع تنكز وألطنبغا وألجاي وأرغون في دمشق في المحرم سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فغرّب ذلك وشرق هذا، ونفذ سهم القدر بما أراده الله تعالى من ذلك نفاذاً، فوصل حلب وأقام بها نائباً إلى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وطلب الحضور إلى مصر في أواخر هذه السنة، فأذن له في ذلك، ولما رآه بكيا طويلاً، وأبدي كل منهما تأسفاً وعويلاً، وأقام أياماً، ثم أعاده إلى نيابة حلب على حاله، فعاد عود الغيث إلى الروض الذي صوح، أو البدر الذي ابتدر نُوره إلى الساري ولوّح. فلم يزل بها على حاله إلى أن أرغم الموتُ من أرغون أنفه، وعدم السمع من ذكر حياته شنفه. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكان عمره تقديراً بضعاً وأربعين سنة، ودفن بتربة اشتريت له بحلب، وكان قد طول في مرضه، وحدس الناس على سهم أصاب مرمى غرضه، وجهز السلطان إليه صلاح الدين محمد بن البرهان الطبيب من مصر، فما وصل إلى دمشق حتى مات، نزل به من عدوه الشمات. وهو الذي كمل سياقة نهر الساجور إلى حلب بعد ما كان في ساقه الأمير سيف الدين سودي، ولم يتفق وصوله على ما سيأتي في ترجمته، ويوم دخوله خرج لتلقيه هو والأمراء وأهل البلد مشاة، وشعارهم التكبير والتهليل حمداً لله تعالى، ولم يمكن أحداً من المغاني والمطربين الخروج معهم، وكان يوماً مشهوداً، وخرج الناس بوصوله، وأحكم عمله وسياقه في الجبال والسهول واتفق في طريقه واديان وجبلان، فبنى على كل واحد من الواديين جسراً يعبر الماء عليه، وأما الجبلان فكان الأول منهما سهلاً نقب في مدة يسيرة، والآخر كان صخراً أصم، وطول الحفر في هذا الجبل ثلاث مئة

стр. 421

ذراع وستون ذراعاً، وأغمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعاً، وبعضه محفور على هيئة الخندق، وبعضه جباب مفقرة، وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعاً لا يمكن حفره إلا بعد حرقه بالنار مدة أيام، وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر، وكان بعد هذا الجبل سهل، فظهر بالحفر فيه حجارة سود مدوّرة، لا يمكن كسرها إلى بالمشقة، ولما رجع الأمير سيف الدين أرغون إلى المدينة حصل له تشويش ومرض، ومات رحمه الله تعالى. وقيل: إنه قيل له يا خوند! بالله لا تتعرض إلى هذا النهر فإنه ما تعرض له أحد إلا ومات، فقال: أنا أكون فداء المسلمين فيه، وجعل مشده شخصاً من ممالكه اسمه أرغون فاتفق ما جرى. ؟ أرغون الأمير سيف الدين العلائي. رأس نوبة الجمدارية من أيام أستاذه. أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى صفد، فورد إليها جندياً - فيما أظن - وعاد من الفخري إلى مصر. وهو زوج والدة الصالح إسماعيل والكامل شعبان. فأقام بمصر إلى أن خُلع الناصر أحمد كما تقدم، وجلس الصالح إسماعيل على كرسي المُلك، فكان هو مدبّر تلك الدولة، وحوله ذاك الجو مدار الجوله. ولما قتل أحمد زاد تمكنه، وعظم تعيّنه، وظهر تبينه، وزهر تزيّنه، وكثرت إقطاعاته وأمواله. وضماناته وأملاكه وأثقاله، وأنعامه وأنفاله،

стр. 422

فكان أكبر من النواب، وأعظم من المقيم والجوال والجواب، ودبر الأمر بسعد قد اطمأن، وركن حظه واستكن. وتوفي الملك الصالح إسماعيل، وولي الملك أخوه الكامل شعبان، وأرغون في سعادته ريّان شبعان، إلى أن خرج أمراء مصر على الكامل وخلعوه، وضُرب أرغون العلائي في وجهه ضربة مهولة بطبر، إلا أنه ثبت لها وتجلد، واحتمل وصبر، وكانت جراحةً نجلاء واسعة، رأى الأرض منها خافضة رافعة، قيل: إن الذي جرحه أرغون شاه. وقيل: على ما ذكره النقلة والوشاة. ثم إنه اعتقل في إسكندرية أول دولة المظفر حاجي، فأقام في الاعتقال مدة إلى أن قتل الحجازي واقسنقر، فطلب من إسكندرية، وخرج إليه الأمير سيف الدين منجك، فقيل: أنزله العلائي بطن الأرض، واستعاد العدمُ ماله عند وجوده من القرض، وكانت قتلته في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكانت سعادته قريباً من خمس سنين. ؟ أرغون شاه الأمير سيف الدين الناصري كان رأس نوبة الجمدارية أيام أستاذه الناصر، وكان هو وأرغون العلائي شريكين في هذه الوظيفة، لكنه هو المقدم، وكان في أول أمره قد جلبه الكمال الخطائي إلى القان بوسعيد من بلاد الصين وهو وسبعة من المماليك وثمان مئة ثوب وبر خطائي من

стр. 423

أملاك بوسعيد الموروثة عن أبيه وجده من جدهم جنكز خان بتلك البلاد، فنم على الكمال الخطائي لبوسعيد فصادره، وأخذ منه مئة ألف دينار، ثم إن بوسعيد كرهه لذلك، فأخذه منه دمشق خواجا بن جوبان، فكأن ذلك لم يهن عليه، فنم إلى بوسعيد أيضاً بأمر دمشق خواجا مع الخاتون طقطاي، وجرى من أمرهما ما جرى من حزّ رأسيهما وخراب بيت جوبان، ودكه. ثم إن بوسعيد ارتجع أرغون شاه، ثم إنه بعثه إلى الملك الناصر هو والأمير سيف الدين ملكتمر السعيدي، فحظي الأمير سيف الدين أرغون شاه عند الناصر، وأمره وجعله رأس نوبة، وزوجه بابنة الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولم يزل بمصر إلى أن خرج مع الفخري لحصار الكرك، ثم توجه مع العساكر الشامية إلى القاهرة، وجرى منه في نيابة طشتمر ما أوجب أن ضربه وأراد إخراجه إلى طرابلس، ثم إنه شفع فيه. ولما تولى الملك الكامل حظي عنده، وجعله أستادار السلطان. ثم تولى الملك المظفر، فزادت حظوته عنده، فما كان بعد ثلاثة أشهر حتى خرج مع النائب الحاج أرقطاي من عند السلطان، وأخرج له تشريف، فلبسه، وطلب الاجتماع بالسلطان، فمنع.

стр. 424

وأخرج لنيابة صفد، فوصل إليها على البريد في خمسة أرؤس في أوائل شوال سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فدبرّها جيداً، وأقام الحرمة والمهابة، وآمن السبل. لم يزل بها إلى أن طُلب إلى مصر في العشر الأواخر من صفر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين بيدمر البدري، ودخل دمشق في سادس شهر ربيع الأول من السنة دخولاً عظيماً، جاء على البريد، وأقام على القصير المعيني إلى أن جاءه طلبه من صفد، ودخل برخت وأبهة زائدة بسروج معرقة مرصعة، وكنابيش زركش، وغير ذلك من البرك المليح الظريف، والجميع باسمه ورنكه. وتوجه إلى حلب، وأقام بها نائباً. ولما جرى للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي ما جرى - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته - رسم بنيابة الشام، فحضر إليه الأمير سيف الدين أقسنقر أمي رجاندار، فدخل إلى دمشق بكرة الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولما عاد أقسنقر المذكور أعطاه خمسة عشر فرساً، منها خمسة عربية بسُرجها ولجمها وكنابيشها، وعشرة أكاديش، وجارية بخمسة آلاف درهم، وأربعين ألف درهم ومئة قطعة قماش، والتشريف الذي لبسه للنيابة بالكلوتة والطراز والحياصة، والسيف المُحلى، وألف إردب من مصر، وكان قد أعطاه ألف

стр. 425

وخمس مئة دينار، وغير ذلك، وشرطه له كل شفاعة يشفعها من حلب، وفي الطريق، ومدة مقامه بدمشق، واقام بها قريباً من ثلاثة اشهر ولم يسأله من عزلٍ وولاية إلا أجابه إلى ذلك. وقدم إليه يوماً وهو في سوق الخيل بدمشق نصراني من الزبداني رمى مسلماً بسهم، فمات، فأمر بقتله وتفصيله على أعضائه، قطعت يداه من كتفه، ورجلاه من فخذيه، وخر رأسه، وحملت أعضاؤه على أعواد، وطيف به، فارتعب الناس لذلك، فقلت له أنا: لله أرغون شاه ... كم للمهابة حصل وكم بسيف سُطاهُ ... من ذي ضلال تنصل ومجملُ الرغب خلى ... بعضَ النصارى مفصّل واختطف الحرافيشُ يوماً في الغلاء الخبز من الجوع، فأمسك جماعة من الحرافيش وقطع أيدي ثمانية عشر رجلاً، وأرجلهم، وسمر على الجمال سبعة عشر وهو واقف بسوق الخيل، وذلك في تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فقلت أنا في ذلك: كان الغلا يغلو فأما إذا ... أصبح ناراً قلت ذا يغلي وأصبح الحرفوش ذا كسرة ... عن طلب الكسرة في شعل من يطلب الخبز ومن يشتهي ... وهو بقطع اليد والرجل ولم ينل أحدٌ من السعادة ما ناله، ولا حصل ما حصله في المد القريبة من المماليك والجواري، والخيل والجوهر والأمتعة والقماش، ولا تمكن أحد بعد الأمير سيف الدين تنكز تمكنه، يكتب إلى مصر بكل ما يريده في حلب وطرابلس وغيرها، وحماة وصفد
следующие страницы →