Полный текст (3 514 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ذراع وستون ذراعاً، وأغمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعاً، وبعضه محفور على هيئة الخندق، وبعضه جباب مفقرة، وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعاً لا يمكن حفره إلا بعد حرقه بالنار مدة أيام، وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر، وكان بعد هذا الجبل سهل، فظهر بالحفر فيه حجارة سود مدوّرة، لا يمكن كسرها إلى بالمشقة، ولما رجع الأمير سيف الدين أرغون إلى المدينة حصل له تشويش ومرض، ومات رحمه الله تعالى. وقيل: إنه قيل له يا خوند! بالله لا تتعرض إلى هذا النهر فإنه ما تعرض له أحد إلا ومات، فقال: أنا أكون فداء المسلمين فيه، وجعل مشده شخصاً من ممالكه اسمه أرغون فاتفق ما جرى.
؟ أرغون الأمير سيف الدين العلائي.
رأس نوبة الجمدارية من أيام أستاذه. أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى صفد، فورد إليها جندياً - فيما أظن - وعاد من الفخري إلى مصر. وهو زوج والدة الصالح إسماعيل والكامل شعبان. فأقام بمصر إلى أن خُلع الناصر أحمد كما تقدم، وجلس الصالح إسماعيل على كرسي المُلك، فكان هو مدبّر تلك الدولة، وحوله ذاك الجو مدار الجوله. ولما قتل أحمد زاد تمكنه، وعظم تعيّنه، وظهر تبينه، وزهر تزيّنه، وكثرت إقطاعاته وأمواله. وضماناته وأملاكه وأثقاله، وأنعامه وأنفاله،
стр. 422
فكان أكبر من النواب، وأعظم من المقيم والجوال والجواب، ودبر الأمر بسعد قد اطمأن، وركن حظه واستكن.
وتوفي الملك الصالح إسماعيل، وولي الملك أخوه الكامل شعبان، وأرغون في سعادته ريّان شبعان، إلى أن خرج أمراء مصر على الكامل وخلعوه، وضُرب أرغون العلائي في وجهه ضربة مهولة بطبر، إلا أنه ثبت لها وتجلد، واحتمل وصبر، وكانت جراحةً نجلاء واسعة، رأى الأرض منها خافضة رافعة، قيل: إن الذي جرحه أرغون شاه. وقيل: على ما ذكره النقلة والوشاة.
ثم إنه اعتقل في إسكندرية أول دولة المظفر حاجي، فأقام في الاعتقال مدة إلى أن قتل الحجازي واقسنقر، فطلب من إسكندرية، وخرج إليه الأمير سيف الدين منجك، فقيل: أنزله العلائي بطن الأرض، واستعاد العدمُ ماله عند وجوده من القرض، وكانت قتلته في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكانت سعادته قريباً من خمس سنين.
؟ أرغون شاه الأمير سيف الدين الناصري كان رأس نوبة الجمدارية أيام أستاذه الناصر، وكان هو وأرغون العلائي شريكين في هذه الوظيفة، لكنه هو المقدم، وكان في أول أمره قد جلبه الكمال الخطائي إلى القان بوسعيد من بلاد الصين وهو وسبعة من المماليك وثمان مئة ثوب وبر خطائي من
стр. 423
أملاك بوسعيد الموروثة عن أبيه وجده من جدهم جنكز خان بتلك البلاد، فنم على الكمال الخطائي لبوسعيد فصادره، وأخذ منه مئة ألف دينار، ثم إن بوسعيد كرهه لذلك، فأخذه منه دمشق خواجا بن جوبان، فكأن ذلك لم يهن عليه، فنم إلى بوسعيد أيضاً بأمر دمشق خواجا مع الخاتون طقطاي، وجرى من أمرهما ما جرى من حزّ رأسيهما وخراب بيت جوبان، ودكه.
ثم إن بوسعيد ارتجع أرغون شاه، ثم إنه بعثه إلى الملك الناصر هو والأمير سيف الدين ملكتمر السعيدي، فحظي الأمير سيف الدين أرغون شاه عند الناصر، وأمره وجعله رأس نوبة، وزوجه بابنة الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولم يزل بمصر إلى أن خرج مع الفخري لحصار الكرك، ثم توجه مع العساكر الشامية إلى القاهرة، وجرى منه في نيابة طشتمر ما أوجب أن ضربه وأراد إخراجه إلى طرابلس، ثم إنه شفع فيه.
ولما تولى الملك الكامل حظي عنده، وجعله أستادار السلطان. ثم تولى الملك المظفر، فزادت حظوته عنده، فما كان بعد ثلاثة أشهر حتى خرج مع النائب الحاج أرقطاي من عند السلطان، وأخرج له تشريف، فلبسه، وطلب الاجتماع بالسلطان، فمنع.
стр. 424
وأخرج لنيابة صفد، فوصل إليها على البريد في خمسة أرؤس في أوائل شوال سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فدبرّها جيداً، وأقام الحرمة والمهابة، وآمن السبل.
لم يزل بها إلى أن طُلب إلى مصر في العشر الأواخر من صفر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين بيدمر البدري، ودخل دمشق في سادس شهر ربيع الأول من السنة دخولاً عظيماً، جاء على البريد، وأقام على القصير المعيني إلى أن جاءه طلبه من صفد، ودخل برخت وأبهة زائدة بسروج معرقة مرصعة، وكنابيش زركش، وغير ذلك من البرك المليح الظريف، والجميع باسمه ورنكه. وتوجه إلى حلب، وأقام بها نائباً.
ولما جرى للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي ما جرى - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته - رسم بنيابة الشام، فحضر إليه الأمير سيف الدين أقسنقر أمي رجاندار، فدخل إلى دمشق بكرة الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولما عاد أقسنقر المذكور أعطاه خمسة عشر فرساً، منها خمسة عربية بسُرجها ولجمها وكنابيشها، وعشرة أكاديش، وجارية بخمسة آلاف درهم، وأربعين ألف درهم ومئة قطعة قماش، والتشريف الذي لبسه للنيابة بالكلوتة والطراز والحياصة، والسيف المُحلى، وألف إردب من مصر، وكان قد أعطاه ألف
стр. 425
وخمس مئة دينار، وغير ذلك، وشرطه له كل شفاعة يشفعها من حلب، وفي الطريق، ومدة مقامه بدمشق، واقام بها قريباً من ثلاثة اشهر ولم يسأله من عزلٍ وولاية إلا أجابه إلى ذلك. وقدم إليه يوماً وهو في سوق الخيل بدمشق نصراني من الزبداني رمى مسلماً بسهم، فمات، فأمر بقتله وتفصيله على أعضائه، قطعت يداه من كتفه، ورجلاه من فخذيه، وخر رأسه، وحملت أعضاؤه على أعواد، وطيف به، فارتعب الناس لذلك، فقلت له أنا:
لله أرغون شاه ... كم للمهابة حصل
وكم بسيف سُطاهُ ... من ذي ضلال تنصل
ومجملُ الرغب خلى ... بعضَ النصارى مفصّل
واختطف الحرافيشُ يوماً في الغلاء الخبز من الجوع، فأمسك جماعة من الحرافيش وقطع أيدي ثمانية عشر رجلاً، وأرجلهم، وسمر على الجمال سبعة عشر وهو واقف بسوق الخيل، وذلك في تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فقلت أنا في ذلك:
كان الغلا يغلو فأما إذا ... أصبح ناراً قلت ذا يغلي
وأصبح الحرفوش ذا كسرة ... عن طلب الكسرة في شعل
من يطلب الخبز ومن يشتهي ... وهو بقطع اليد والرجل
ولم ينل أحدٌ من السعادة ما ناله، ولا حصل ما حصله في المد القريبة من المماليك والجواري، والخيل والجوهر والأمتعة والقماش، ولا تمكن أحد بعد الأمير سيف الدين تنكز تمكنه، يكتب إلى مصر بكل ما يريده في حلب وطرابلس وغيرها، وحماة وصفد
стр. 426
وسائر ممالك الشام من نقل وإضافة وإمساك، ونق لإقطاعات وغيرها، فلا يرد في شيء يكتبه، ولا يخالفُ في جليل ولا حقير إلى أن زاد الأمر، وأفرط هو في معارضة القضاة الأربع، وعاكسهم، وثقلت وطأته على الناس إلى أن حضر الأمير سيف الدين الجيبغا من طرابلس في ليلةٍ يسفر صباحها عن يوم الخميس ثلاث عشري شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، اتفق في الليل هو والأمير فخر الدين أياز السلحدار، وجاء إليه إلى باب القصر الأبلق، وهو به مقيم نائم في فراشه، فدقا الباب عليه الثلث الأخير من الليلة المذكور وأزعجاه، فكانا كلما خرج طواشٍ أمسكاه، وسمع هو الغلبة، فخرج وبيده سيف، فلما رآها سلم نفسه، فأخذاه على الحالة التي خرج عليها، وتوجّها به إلى دار الأمير فخر الدين أياز، وقيداه بقيد ثقيل إلى الغاية، ونقلاه إلى زاوية المنيبغ، ورسم عليه الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي، فأقام هناك يوم الخميس إلى العشاء الآخرة، ودخل مملوكه الذي يخدمه فوجده مذبوحاً والسكين في يده، والدم قد سال ملئ مرقده، فوقف عليه في الليل بالقاضي جمال الدين الحسباني، والشهود، وكتب بذلك محضر شرعي، وجهز إلى الديار المصرية صُحبة الأمير سيف الدين تلك أمير علم، ودفن بمقابر الصوفية.
وكان شخصاً لطيف الجثة. مختصر الحبة أسمر الوجه أحمر اللثة، أبيض اللبة، ظريفاً حسن العمة، شديد العزمة عالية الهمة، ذهنه يتوقد، ونفسه تزاحم الفرقد، يقترح في الملابس أشكالاً غريبة، ويعمل بيده منها صنائع عجيبة، إلا أنه جبار سفاك، طالب لثأره دراك، يده والسيف يمتشقه، وغيظه يوديه إلى العطب وخلقه. لا يشرب الماء إلى من قليب دم، ولا يتنسمُ الهواء إلى بشم سم، ومع ذلك إذا
стр. 427
ظهر له الحق رجع في الحال، وندم على ما فرط منه واستحال، لكنه تروح في ذلك الغضب أرواح، وتُجبّ مذاكير وتقطع أحراج.
وكان في دمشق زمن الطاعون فما طُعن على عادة الملوك، وإنما طعن بالسيف الذي يذر الدم، وهو مسفوك. وقلت أنا فيه:
تعجبتُ من أرغون وطيشه ال ... ذي كان فيه لا يفيق ولا يعي
وما زال في سكر النيابة طافحاً ... إلى حين غاضت نفسه في المنيبع
؟ أرغون السلحدار الأمير سيف الدين توجه أمير الركب الشامي في سنة ست عشرة وسبع مئة، وداره عند دار الطراز داخل مدينة دمشق.
لم أعرف من حاله شيئاً فأذكره، ولا اتصل بي ما يتعلق به فأعرفه به أو أنكره، خلا أنه رحمه الله تعالى توفي في مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
أرغون الأمير سيف الدين مشد الزكاة، ومشد الدواوين بدمشق، ونائب بعلبك. مملوك الأمير سيف الدين سمز، وسيأتي ذكره أستاذه في مكانه.
كانت فيه سياسية، وعنده حشمة ورياسة، تقرّب إلى الأمير سيف الدين تنكز بالكفاية والنهضة، وساعده القدر لما أحكم إبرامه ونقضه، فولاه بعد شدّ الزكاة شدّ
стр. 428
الدواوين، قام فيه مدّة لينقذ الهاوين، ويصدّ الغاوين، ثم إنه بعد مدة ولاه نيابة بعلبك فسدّها، وعرف رسمها وحدها. ثم إنه بعد ذلك توجه إلى طرابلس أميراً، وأقام بها.
ولم يجد لعيشه في دمشق نظيراً إلى أن نزل في رمسه، واستوحش أحبابه من أنسه، وتوفي رحمه الله تعالى في ...
كان قد باشر الشدّ على الزكاة مدة، وخلا شد الدواوين في دمشق مدة زمانية، فولاه الأمير سيف الدين تنكز شد الدوواوين في آخر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو وعماد الدين بن صصرى، ثم إنه ولاه نيابة بعلبك في سادس عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكتبت له مرسوماً بنياب بعلبك، ونسخته: أما بعد حمد الله الذي نصر هذا الدين بالسيف، ورفع بولاة الأمور عن ضعيف الرعية ثقل الخيف والحيف، وأمر الحق في أهله بحسن نظرهم الذي ينتقي الزين وينتقد الزيف، وعرم البلاد بعدلهم الذي إذا طلعت شموسه النيرة، وكان الظلم معها سحائب صيف. وقمع المفسد بمهابتهم التي منعت جفونه أن تجد رجعة هجعة أو ضيف طيف، وجمع حكمة الإيمان ببأسهم الذي إذا دعاهُ مُهمّ لم يقل له متى ولا كيف.
стр. 429
وصلاته على سيدنا محمد خير من أطعنا نهيه وأمره، وأشرف من كحل سواد أمته طرفُ الزمان وكان أمره، وأفضل من ساد بشرفه زيد الخلق وعمره، وأكرم من كان له من الناس على العدل أفضل قوة، وعلى الإحسان إليهم تمام قدره، وعلى آله وصحبه الذين أمضوا فضله وأعزوا نصره، وأطاعوا من جعلوا له عليهم الأمر والإمرة، وجبلوا على محبته فما نهى أحدهم عن شيء فكره أن لا يكون فيه فكره، وهجروا الأهل والوطن في طاعته فكم صبروا على هجير هجره، صلاةً يرسلُ غيثها في كل قطر من الأرض قطره، وينبت روضها الأنف في السماء بين الأنجم الزهر زهره، وسلم ومجد وكرم.
فإنه لما كانت مدينة بعلبك والبقاعان أنموذج الجنة، وغاية إذا جرت جياد الأفكار في ارتياد نزهة ثنت إليه الأعنة، وبقعة إذا تمنت النفوس نفائس شيء كانت لتلك الأماني مظنة، فهي أصح البلاد لأولي الذوق والظرف، وأحسنُ مكان سرح في مدى ميدانه طرف الطرف، قد ركبت على الصحة فما خطبت بخطب، وعلى قول النحاة فقد منعت من الصرف. أهلها أطع رعية، وأكثر خيراً وألمعية، ينقادون لأميرهم، وينادون لمشيرهم، ويتأدب صغيرهم بأدب كبيرهم، وقد خلت هذه المدة من نائبٍ يستقر بها أو يستقل، ويستمد من محاسن هذه الدولة الشريفة أو يشتمل، وكان المجلس السامي الأميري السيفي أرغون الناصري هو السيف الذي حُمدت مضاربه، وشكرت على اختلاف أحواله تجاربه، وأرضت، وأين من ترضى عزائمه؟، وجرد وجرب فلا المجدُ مخفيه، ولا الربُ ثالبه، واصبح وما كل سيف على عاتق الملك الأغر نجاده، وفي يد جبار السموات قائمه، هذا إلى ما اتصف به من كرم الخلال التي قد فغم الخافقين رياها، والتحق به من علو الهمم التي ملء فؤاد الزمان إحداها، وظهر عنه من عز عزم ببعضه يجر طولى القنا وقصراها، واشتهر به من سجايا لو كفر العالمون أكثرها لما عدت نفسه سجاياها، فلذلك وقع الاختيار عليه، ورسم بالأمر العالي
стр. 430
المولوي السلطاني الملكي الناصري لا زالت أوامره بالسيف ماضية، ويجد حجته قاضية، أن يفوض إليه نيابة بعلبك المحروسة والبقاعين على عادة من تقدمه في ذلك وقاعدته، فليتول ما فوض غليه ولاية تحمد منها العواقب، ويشخص لها طرف الشهاب الثاقب، ويتساوى في أمنها منها أهل المراقد والمراقب، وينهض بهمته في أمور الدولة المهمه، ويشمر عن ساعد كفايته في الأوقات التي حراسته في جيدها تميمة، وسياسته لحسنها تتمة، وليقم منار الشرع الشريف، ويعضد حكمه، ويعمل في تنفيذ أمره المطاع فكرهُ وعزمه، فإنه الطريقة المثلى، والحجة التي من نكب عنها لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، حتى يكون هو الذي أقام الحق، وكان على الذي أحسن تماماً، وجلا بشمس العدل الشريف من أفق الظلم ظلاماً، وأعلى المحق على المبطل، لأنّ له مقالاً ومقاماً، وليردع المفسد بنكاله، ويقمع المعتدي بجلاده، ولا يقال بجداله، وليجتنب أخذ البريء بصاحب الذنب، ويحذر الميل على الضيعف، الذي لا جنب له، ويترك صاحب الجنب، وعمارة البلاد، فهي المقدم من هذا المهمّ، والمقصود بكل لفظ تم له المعنى أو لم يتم، فليتوخ العدل فإنه أنفع للبلاد من السحب الماطرة، والذ لأهل القرى من ولوج الكرى في الأعين الساهرة، فإنه لا غيث مع العيث، ولا حلم مع الظلم، وليصل باعَ من لا له إلى الحق وصول، وليتذكر قوله عليه السالم والسلام: " كلكم راع وكل راع مسؤول "، فإنه إذا اتصف بهذه المزايا، والتحف بهذه السجايا تحقق الملك الأمجد لو عاصره أنّ المجد للسيف، وقال تعجباً من سيرته: من أين اتفقت هذه المحاسن وكيف، وملاك هذه الوصايا تقوى الله ، فليكن ركنه الشديد، وذخره العتيد وكنزه الذي ينمى على الإنفاق ولا يبيد، والله تعالى يوفق مسعاه، ويحرس سرحه ويرعاه والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، إن شاء الله تعالى.
стр. 431
أرغون الأمير سيف الدين الكاملي
نائب حلب، ونائب دمشق، ذو وجه طبعَ البدرُ على سكته، وقد لا شك أن قلب المحبّ يذوب من شكته، وعيونٍ سبحان من أبدعها، عروة ليس لها زر سوى السحر، وثغر يتمنى لو كان مثله ما يرضع في التاج أو يتحلى به النحر، ويفتن من يراه، ويعترف بالبوبية لمن براه، وحفظ لإيمانه، وخاف ربه فما نكث عهده ولا خانه، ورعى من ورعه سلطانه، وقمع بالمروءة شيطانه، لأن بيبغاروس لما خرج على السلطان وبغى، وطف ماءُ تمرده، طغى، راسله في الباطن بالباطل مراراً، وقتل في ذروته والغارب نهاراً جهاراً، ووعده بأنه لا يغير عليه في دمشق أمراً من النيابة، وأن يكون شريكه في المهانة والمهابة، وطالت الرسائل بينهما، ولم ير فيه مغمزاً يلين، وتحقق بيبغا أنه من الصابرين عليه والصائلين، فأعياه انقياداً لمرامه، وعلم أنّ بازيه لا يحوم حول حماه ولا يسف على حمامه، فنكص عنه خائباً، وكر نجمه عنه كاسفاً غائباً.
وكان كثير السكون، وراجح الميل إلى العدول والركو، ولا يدخله في أحكامه غيظ ولا حرج، ولا يبالي أدخل الحق على نفسه أو خرج، يعرف القضية من أول ما ينهى إليه أمرها، ويستشف الحقّ في فضلها إذا أشبّ الباطل جمرها، لا يغيب عن ذهنه واقعة جرت، ولا يسير عن ذهنه قضية انقضت أو سدت:
يُحدث عما بين عادٍ وبينه ... وصُدغاه في خدي علامس مراهق
وما الحسنُ في وجه الفتى شرفاً هل ... إذا لم يكن في فعلهِ والخلائقِ
стр. 432
ولم يزل أرغون الكاملي في محاق وكمال، وزيادة وزوال إلى أن:
قصدت نحوهُ المنية حتى ... وهبت حسنَ وجههِ للتراب
أول ما أنشأه الملك الصالح إسماعيل، وزوجه أخته من أمه بنت الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وذلك في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجهزه عقيب زواجه إلى الأمير بدر الدين جنكلي، وقال: انزل إلى الأمير بدر الدين، وقبل يده، فحضر إليه وكنت جالساً عنده، فلما دخل إليه أعظمه وبجله وبش له وهش، وأجلسه، وأحضر له قبا بطرز زركش وألبسه إياه ولم يكن الأمير بدر الدين ممن يهوى المرد، ولا يميل إليه، فلما خرج من عنده، قال لي: أرأيت ما أحسن وجه هذا وعيونه، فقلت له: نعم، رأيت، ونعم ما رأيت.
وكان يعرف في حياة الصالح إسماعيل بأرغون الصغير، فلما مات الصالح رحمه الله تعالى، وتولى الملك أخوه الملك الكامل شعبان أعطاه إمرة مئة وتقدمة ألف، ونهى أن يدعى أرغون الصغير، وسمي أرغون الكاملي.
ولما مات الأمير سيف الدين قطليجا الحموي في نيابة حلب، رسم الملك الناصر حسن له بنيابة حلب، فوصل إليها يوم الثلاثاء خامس عشر شهر رجب الفرد سنة خمسين وسبع مئة، وعمل النيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة، وخافه التركمان والعرب، ومشت الأحوال بها، ولم يزل بها إلى أن جاءه الأمير سيف الدين كجُك الدوادار الناصري، بأن يخرج ويربط الطرقات على أحمد الساقي نائب صفد،
стр. 433
فبرز إلى قرنبيا، فأرجف بإمساكه، فهرب منه الأمير شرف الدين موسى الحاجب بحلب وغيره، ثم إنّ جماعة من الأمراء لحقوا بالحاجب، وأوقدوا النيران بقلعة حلب، ودقوا الكوسات، ونادوا في الناس لينهبوا طلبه، وما معه، فتوجه إلى المعرة، وكتب إلى الأمير سيف الدين طاز يرق نائب حماه، فلم يجد عنده فرجاً، فرد طلبه، ونقله إلى حلب، وتوجّه على البرّية إلى حمص في عشرة مماليك، وقاصى من التركمان شدة.
ثم إنه ركب من حمص هو ونائبها الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر آص في ثلاثة مماليك، ودخل دمشق يوم الجمعة سابع عشري الحجة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أيتمش الحاجب إليه، وابن أخته الأمير سيف الدين قرابغا بقباء أبيض فوقاني بطرز زركش ومركوب مليح، ودخل غليه، وأقام عنده بدار السعادة إلى بكرة السبت ثاني يوم، وجهزه إلى باب السلطان على يدهما مطالعة بالشفاعة فيه، ولما وصل إلى لد تلقاه الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار، ومعه له أمان شريف مضمونه أنه ما كتبنا في حقك لأحد، ولا لنا نية في أذاك، فغن اشتهيت تستمر في نيابة حلب، وإن اشتهيت نيابة غيرها، وإن أردت أن تحضر إلينا كيفما أردت عملنا معك، فعاد معه طشبغا الدوادار إلى مصر، وأقبل السلطان عليه، وأنعم عليه، وأعاده إلى حلب.
стр. 434
فوصل إلى دمشق ومعه طشبغا الدوادار، واصبح يوم الاثنين جلس في دارس العدل إلى جانب قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وظهر نائب حلب إلى قاضي القضاة الحنفي وغيره، وقام من الخدمة، وتوجّه إلى الجامع الأموي، وصلى فيه ركعتين، ودخل إلى خانقاه السميساطي. ولما كان عصر الخدمة خلع نائب دمشق عليه قباء بطرز زركش، وفرساً حسناً بسرجه ولجامه، وكنفوشة الذهب.
وتوجّه بكرة الثلاثاء إلى حلب وصحبته ابن ازدمر مقيداً لأنه كان طُلب من حلب لما شكاه للسلطان، فرد معه من الطريق، ولما وصل إلى حلب تلقاه الناس بالشموع إلى قنسرين وأكثر، ودخلها دخولاً عظيماً، ووقف في سوق الخيل، وعرى زكري البريدي، وأراد توسيطه، ونادى عليه هذا جزاء من يدخل بني الملوك بما لا يعنيه، فنزل طشبغا وشفع فيه، فأطلقه، وأحضر ابن أزدمر النوري، وقال: قد رسم لي السلطان أن أسمرك وأقطع لسانك، ولكن ما أواخذك، وأطلعه إلى قلعة حلب، وأقام على ذلك إلى أن عزل الأمير سيف الدين أيتمش من نيابة دمشق في أول دولة الملك الصالح صالح، فرسم للأمير سيف الدين أرغون بنيابة الشام، فدخل الشام بطلبه في نهار الاثنين حادي عشر شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وكان قد قدم من مصر لإحضاره الأميرُ سيف الدين ملكتمر المحمدي، فأقام في نيابة دمشق، وهو منكد الخاطر، ولم يصفُ له بها عيش، وجهز دواداره الأمير سيف الدين ططق يستعفي من النيابة، وأن يكون في باب السلطان من جملة الأمراء، فما أجيب إلى ذلك.
стр. 435
ولم يزل بدمشق مقيماً إلى أن خرج بيبغاروس وأحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس على السلطان الملك الصالح، واجتمعوا وجروا العساكر وجاؤوا إلى دمشق، فلما بلغه حركة المذكورين حلف عسكر دمشق للسلطان الملك الصالح ولنفسه في العشر الأولى من شهر رجب، وهو مقيم في القصر الأبلق، وكتم أمر نفسه وما يفعله، وأظهر أنه يتوجه بعسكر دمشق، ويقيم بهم على خان لاجين، فوصل إليه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار ومعه ملطفات إلى أمراء دمشق وحلب وطرابلس وحماه بعزل نوابها، وأنهم إن حضروا إلى دمشق مخفين يجهزهم نائب الشام إلى باب السلطان، وإلا فليمسكوا ويقيدوا، وكان وصول الدوادار في سادس عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وفي حادي عشر شهر رجب نادى في العسكر بالخروج إلى خان لاجين، وأنهم في بكرة النهار يجتمعون في سوق الخيل، وليتوجهوا أمامه، وكان هذا رأياً صالحاً حميداً، ولم يعلم أحد بما في ضميره، فلما اجتمع الناس خرج لهم الأمير علاء الدين علي بن بيبرس الحاجب، وقال: بسم الله، توجهوا إلى مصر، فسُقط في أيدي الناس، وتوجهوا أمامه إلى جهة الكسوة، هو ساقه لهم، ولم يزل بهم سائراً ليلاً ونهاراً إلى أن وصل بهم إلى لُد، فخيم بها وأقام.
وقتل أنا وقد خرجت معه بغتة:
خرجنا على أنا نلاقي عسكرا ... أتى بيبغا فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنا ... فأنفسنا إلا بأرض فلسطين
стр. 436
وقلت أيضاً أتشوق إلى ولدي:
أيا ولدي وافاني البينُ بغتةً ... وبدد شملاً قد تنظم كالعقدِ
فسرتُ وما أعددتُ عنك تجلداً ... لقلبي ولا حدثتُ نفسي بالبعدِ
وفي رابع عشري شهر رجب نزل بيبغا بمن معه على خان لاجين، ودخل دمشق مُطلباً، ونزل على قبة يلبغا بمن معه بأحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، وألطنبغا برناق نائب صفد، وقراجا بن دلغادر ومن معه من التركما، وحيار بن مهنا. وبعد ثالثة أيام توجه أحمد الساقي بألف وخمس مئة فارس، وأقام على المزيرب، وجرى في دمشق ما لا جرى في أيام غازان، نُهب المرج والغوطة وبلادهما، ونهبت بلاد حوران، ونهبت البقاع، وسبيت الحريم، وافتضت الأبكار، وقطعت الآذان بحلقها، وأخذت الأموال.
ولم يزل الأمير سيف الدين مقيماً على لد بعساكر دمشق إلى أن وصل الأمير سيف الدين طاز في خمسة آلاف من عسرك مصرن وأقام على ظاهر لد، وكثرت الأراجيب بما يفعله من مع بيبغا من التركمان من الأذى في دمشق، فقلت أنا أذكر أولادي:
أخرجني المقدور من جلق ... عن طيب جنات جنيات
стр. 437
فإن أعد يوماً لها سالماً ... فهو بنيّات بُنياتي
وقلت وقد زاد الإرجاف بأن بيبغا تقدم بمن معه من العساكر إلى الكتيبة:
قد ضجرنا من المقامِ بلدٍ ... بلدٍ ما طباعه مثل طبعي
كلما قيل لي كتيبةُ جيش ... قد أتت للكتيبة اصطكَ سمعي
فتراني مغيراً من سقامي ... ونحولي وفي المزيريب دمعس
وقلت، وقد زاد الذباب علينا بلدّ من طول مقامِ العساكر في منزلتها:
لقد أتانا ذباب لُد ... بكل حتفٍ ولك حيف
وقل: هذا ذبابُ صيف ... فقلت: لا بل ذبابُ سيف
وفي يوم الجمعة ثاني عشري شعبان وصل السلطان الملك الصالح صالح بالعساكر المصرية إلى منزلة بدعرش، وتلقاه الأمير سيف الدين أرغون بالعساكر إلى قرية يُبنى.
وفي يوم السبت توجهت العساكر الشامية إلى دمشق في ركاب أرغون الكاملي، وخرج الأميران سيف الدين شيخو، وسيف الدين طاز على أثرهم، ودخل النائب إلى دمشق يوم الثلاثاء.
وفي يوم الخميس مستهل شهر رمضان دخل السلطان إلى دمشق، وكان بيبغا ومن معه لما تحققوا خروج السلطان من مصر انقلبوا على عقبهم ناكصين - على ما تقدم في
стр. 438
ترجمة أحمد، وعلى ما سيأتي في ترجمة بيبغا - ثم إن شيخو وطاز وأرغون الكاملي توجهوا بالعساكر إلى حلب. وورد بعد ذلك كتاب ابن دلغادر يقول فيه: إن بيبغا وأحمد وبكلمش جاؤوا عندي على فرس فرس، ولم يكن معي مرسوم بإمساكهم، وباتوا عندي ليلة، وتوجهوا إلى البلاد الرومية، ثم إنّ العساكر أقامت على حلب، واتفق الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز على إقامة الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في حلب نائباً لسدّ هذا الثغر في هذا المهم، وكتباً إلى السلطان بذلك، فكتبت له تقليده بذلك من دمشق، وجهز إلى حلب، وأمّروا جماعة من مماليكه طبلخاناه، وجماعة عشرة، وذلك في خامس عشري شهر رمضان، وعادت العساكر إلى دمشق، ودخل شيخو وطاز إلى دمشق يوم الجمعة سلخ شهر رمضان، وأصبح العيد يوم السبت.
وفي سابع شوال توجّه السلطان بالعساكر المصرية إلى مصر، ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون بحلب نائباً إلى أن حضر أحمد وبكلمش إلى حلب مقيدين، وحزت رؤوسهما، وجُهزت إلى باب السلطان - على ما تقدّم في ترجمة أحمد، وسيأتي في ترجمة بكلمش - ثم إنه بعد ذلك حضر بيبغاروس مقيداً إلى حلب، وخز رأسه، وجهز إلى باب السلطان على ما سيأتي في ترجمته - ثم إن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي توجه بعسكر حلب، ومعه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار خلف ابن دلغادر، ووصل إلى الأبلستين وحرقها، وحرق قراها، ودخل إلى قيصرية، وهرب ابن دلغادر،
стр. 439
واتصل بمحمد بك بن أرتنا، وعاد الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، ودخلها يوم الثلاثاء خامس شهر رجب سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وقاسى هو والعساكر شدائد وكابدوا أهوالاً، ومشى هو بنفسه في تلك المضائق، ثم إن ابن دلغادر وصل إلى حلب، وجهز منها إلى مصر مقيداً، وجرى له ما جرى، على ما يأتي ذكره في ترجمته.
ولم يزل الأمير سيف الدين أرغون على حاله نائباً بحلب إلى أن خلع الملك الصالح صالح، وأعيد الملك الناصر حسن في بكرة الاثنين ثاني عيد الفطر سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وطلب الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى باب السلطان، وحضر الأمير سيف الدين طاز عوضه نائباً بحلب، وذلك في أواخر شوال. وأقام أرغون الكاملي بالديار المصرية أمير مئة، مقدم ألف تاسع صفر سنة ست وخمسين وسبع مئة فأمسك بالقلعة، وجُهز إلى الإسكندرية، واعتقل هناك. ولم يزل هناك معتقلاً وعنده زوجُه إلى أن أفرجَ عنه، ورُسم له بالحضور إلى القدس الشريف ليكون به مقيماً، وحصل له ضعف، وأثقل في المرض، وعوفي بعد مدة. وبنى بالقدس تربة حسنة.
وكان قد عز على الحج في سنة ثمان وخمسين، فمرض أيضاً، وأفطر شهر رمضان، فبطل الحج، ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس خامس عشري شوال، ودفن في تربته، ولم يكمل عمارتها، وخسف الموت من أرغون الكاملي بدره الكامل، وبت شمل سعده الشامل.
стр. 440
وأظن مولده في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكنت قد كتبت إليه قصيدة، وهو بحلب أذكر فيها انتصاره على بيبغا وأحمد وبكلمش، وهي:
قد توالى النصر الذي قد تغالى ... في مليكٍ أرضى الإله تعالى
وحمى الملك والممالك والدي ... ن وقاد الجيوش والأبطالا
الأمير المهيب أرغون ذو البا ... س الذي عزمه يدك الجبالا
سار منجلق إلى لدّ لما ... أن بغى بيبغا ورام القتالا
لم يسر خيفةً وكيف يخاف الل ... يثُ يوماً إذا تراءى الغزالا
خاف سفكَ الدماء في رجب الفر ... د، وسفكُ الدماء كان ضلالاً
وتأتي في لدّ يرجو لقاهم ... بثبات لا يعرف الترحال
فهو فيها ليثٌ بغاب سلاحٍ ... كان بيضاً بُترا ومسرا طوالاً
وهم عاجزون لم يتنحوا ... عن مكانه فيه أقاموا كُسالى
فتخلى الشيطان عن كل غاوٍ ... وانثنى خائباً وولى القذالا
من يخون الإيمان كيف يلقى ... بدرهُ في دجى النفاق كمالاً
نكث العهد مائلاً لفجور ... هو عندي لو استحى ما استحالا
أضعفَ الرعبُ قلبهم فتولوا ... خوراً ثم زلزلوا زلزلا
ثم باتوا ما أصبحوا مثل ظلٍ ... نسختهُ أيدي الضياء فزالا
قطعوا البيد لا يُديرون وجهاً ... ليردّوا الغضنفر الرئبالا
تركوا المال مائلاً لسواهم ... وأضاعوا الحريم والأموالا
أمطرتهم قسيهُ وبل نبل ... ملأت سائر الوهاد وبالا
стр. 441
ما استقروا في منزل قطّ إلا ... وبهم قد نبا وضاق مجالا
شبعوا غربة وفقراً وذلا ... وهواناً وروعة وسؤالا
وأتوا خاضعين ذلاً وعجزاً ... يحملون القيود والأغلالا
بوجوه قد سودتها المعاصي ... نحو وجهٍ من نوره يتلالا
ثم حُزت رؤوسهم بسيوف ... ليس يدري المضاءُ منها كلالا
فاشتفي المسلمون منهم وقرت ... أعينٌ ما رأت زماناً خيالا
إن رباً أعطاك نصراً عزيزاً ... وكسا وجهكَ الجميل جمالاً
هو يُوليك ما تحاول منه ... في المعالي وتبلغ الآمالا
أوحشت منك جلق فهي تشكو ... فيك شوقاً تراه داء عُضالا
أنت باهيت حسنها بمحيّا ... جعل البدرَ من حياء هلالا
ثم كاثرت شهبها بالأيادي ... فلما جُودك الأكف نوالا
وكستها أخلاقُك الغر لطفاً ... منه مادَ القضيب لطفاً ومالا
وهي ذاقت من حكمك الفصل عدلاً ... صار في قامة الرماح اعتدالا
فلك الله حافظ حيثما كن ... ت لتُفني من العدا الآجالا
أرقطاي الأمير سيف الدين المعروف بالحاج أرقطاي. من مماليك الأشرف. جعله الملك
стр. 442
الناصر جمداراً، وكان هو والأمير سيف الدين أيتمش نائب الكرك بينهما أخوة. وكانا في لسان الترك القبجاقي فصيحين، وكانا يرجع إليهما في الياسة التي هي بين الأتراك.
ولما خرج الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - خرج معه الحاج أرقطاي والأمير حسام الدين البشمقدار، فحضر الثلاثة على البريد، ولما كان بعد قليل بلغ تنكز أن الأمراء بدمشق يتوجهون بعد الخدمة إلى دار الحاج أرقطاي ويأكلون على سماطه، فما حمل ذلك تنكز، وكبت إلى السلطان فأخرجه إلى حمص نائباً في يوم الأحد سابع شهر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة، وأعطي خبز بيبرس العلائي ومماليكه وحاشيته، فأخذهم عنده، وأقام بحمص مدة، ثم إنه رسُم له بنيابة صفد، فحضر إليها في ثمان عشرة وسبع مئة في جمادى الأولى بعد إمساك طغاي الكبير بها فيما أظن، فأقام بها، وعمر بها دوراً وأملاكاً، وتوفيت زوجته ابنةُ الأمير شمس الدين سنقرشاه المنصوري. بنى لها تربة شمالي الجامع الظاهري، وهي تربة حسناء بالنسبة إلى عمائر صفد، وصار بها للجامع رونق لم يكن له أولاً.
وأعطي ولده أمير علي طبلخاناه، وولده إبراهيم أمير عشرة بعد ما طلبهما، السلطان بسفارة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - أمرهما عنده بدمشق،
стр. 443
وأقاما عنده مدة، ثم إنه جهزهما إلى صفد، وكان في الآخر قد حنا عليه حنواً كثيراً.
ولما كان في سنة ست وثلاثين وسبع مئة طلب الأمير سيف الدين أرقطاي إلى مصر، وجهز الأمير سيف الدين أيتمش أخوه مكانه نائباً بصفد، وأقام الحاج أرقطاي بمصر مقدم ألف.
ولما توجه العسكر إلى أياس جهز إليها في جملة الأمراء، وحضر من هناك، وأقام بالقاهرة يعمل نيابة الغيبة إذا غاب السلطان في الصيد، فلما قدر واقعة تنكز وإمساكه، حضر مع من حضر من الأمراء صحبة الأمير سيف الدين بشتاك، ثم إنه رسم بنيابة طرابلس عوض الأمير سيف الدين طينال، فتوجه إليها، ولم يزل بها مقيماً إلى أن توجه ألطنبغا إلى طشتمر نائب حلب، وكان الحاج أرقطاي بعسكر طرابلس مع ألطنبغا، وتوجهوا إلى حلب، وعادوا، وجرى ما جرى من هروب ألطنبغا إلى مصر، وكان الحاج أرقطاي معه، فأمسكا واعتُقلا بالإسكندرية. ثم أفرج عن الحاج أرقطاي في أول دولة الصالح إسماعيل بوساطة الأمير سيف الدين ملكتمر الحجازي، وجُعل كما كان أولاً بالقاهرة من جملة الأمراء المشايخ المقدّمين، واقام على ذلك إلى أن توفي الملك الصالح، وتولى الملك الكامل شعبان، فرسم له بنيابة حلب عوض الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة، فأقام بها تقدير خمسة أشهر، ثم طلب إلى مصر، وجهز إلى حلب
стр. 444
الأمير سيف الدين طقتمر طاسه نائب حماة. فتوجه الحاج أرقطاي إلى مصر، واقام بها قليلاً إلى أن خلع الكاملي، وتولى الملك المظفر حاجي، فرسم له بنيابة مصر.
ولمن يزل في نيابة مصر إلى أن خلع المظفر، وتولى الملك الناصر حسن، فطلب الإعفاء من مصر، وأن يعود نائباً، فرسم له بذلك، فوصل إلى دمشق في رابع عشر شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن قتل أرغون شاه، فرسم للحاج أرقطاي بنيابة دمشق، ففرح أهل دمشق به، وتوجهوا إليه إلى حلب وما دونها، فاستعد لذلك، وخرج في طلبه وحاشيته، وكان قبل ذلك قد حصل له حمى، ثم إنه حصل له إسهال، فنزل إلى منزلة عين المباركة ظاهر حلب، مرة يركب الفرس، وإذا أثقل في المرض ركب في المحفة، إلى أن حم له الأجل، وتلون له وجه الحياة تارة بالوجل وتارة بالخجل.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - عصر الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة بعين المباركة. فعاد الناس خائبين، وعاجوا بعد الفرح بالترح آيبين.
وكان - رحمه الله تعالى - ذكياً فطناً، محجباً لسناً، مع عجمة في لسانه، وعقدة في بيانه. وله التنديب المطبوع، والتندير الذي فيه الظرف مجموع، مع ميل شديد إلى الصور الجملية، والقامة المديدة مع الوجنة الأسيلة، لا يكاد يملك نفسه إذا رأى العين النفاثة، والجفون الخوّانة النكاثة، والمباسم الفلج، والحواجب البلج. ونفسه زائدة الكرم في المأكول، وسماطه دائماً ممدود لمن أمره إليه موكول. وأظنه عدى السبعين.
стр. 445
وأنشدني بحماة من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين محمد بن علي الغزي بحماة تاسع جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة:
قالوا: أرقطاي مات، قلت: هل ... في الموت بعد الحياة من عجب
ما مات من فرحةٍ بنقلته ... بل مات من حزنه على حلب
اللقب والنسب
الأرمنتي الحسين بن الحسين.
وكمال الدين عبد الباري وكمال الدين عبد الرحمن بن عمر وتقي الدين عبد الملك بن أحمد وجمال الدين محمد بن الحسين وشرف الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي محمد بن إبراهيم.
وصدر الدين محمد بن الحسن.
وصفي الدين محمود بن أبي بكر.
آروم بغا الأمير سيف الدين الناصري.
стр. 446
لما توفي الملك الناصر، ووفر الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي من وظيفة أمير جاندار، أقيم الأمير سيف الدين أروم بغا مكانه أمير جاندار، ولم يزل كذلك إلى أن ملك الصالح إسماعيل، فرسم له بنيابة طرابلس، فحضر إليها عوضاً عن الأحمدي المذكور، وأقام بطرابلس قليلاً، تقدير أربعة أشهر، إلى أن بات في الثرى موسداً وأصبح على رحمة ربه محسداً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وجاء بعده الأمير سيف الدين طوغاي الجاشنكير، الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في حرف الطاء مكانه.
وكان الأمير سيف الدين أروم بغا شكلا كاملاً، إلى الخير مائلاً، محسناً إلى من يعرفه، مجتهداً على مالٍ ينفقه ويصرفه. محبوب الملتقي، قريب المستقى، باراً بأصحابه، فأراً من الأذى اقترابه. وأحمد الناسُ أمره في وظيفته بمصر لما باشرها، وخالطها بالحسنى وعاشرها، إلى أن توجه لنيابة طرابلس على ما تقدم.
أزبك بن طقطاي القان بن القان، صاحب بلاد أزبك، مملكته شمالينا بشرق، وهي من بحر قسطنطينية إلى نهر أربس مسافة ثمان فرسخ، وعرضها من باب الأبواب إلى مدينة بلغار وذلك نحو ست مئة فرسخ، ولكن أكثر ذلك مراعي وقرى. ولها في أيديهم ما ينيف على المئة سنة.
стр. 447
كان ذا بأس وإقدام، وعبادة في الليل في المحراب، وصف أقدام. لما أسلم أسلم بعض رعيته، وعاملهم بحُسن ألمعيته. لم يلبس سراقوجا ولا شيئاً من شعارهم، ولا رغب في درهم ولا دينارهم. يلبس حياصة فولاذ متغير ذهب، ويقول: الذهب حرام على الرجال وقد وجب. وكان يؤثر الفقراء يوحبهم، ويجانب من يُعرض عنهم ويسبهم، يتردد إلى بعض الصوفية ويقول له: أشتهي لو قُتلت، فيقول له ذلك الصوفي: لأي شيء؟ قال: لأنكم تقولون: إن جميع من في ملكي أذاه متعلق بعنقي.
كان السلطان الملك الناصر قد خطب ابنته، وقيل: أخته، وأجاب إلى ذلك، وجهزها في البحر إلى إسكندرية، وتوجه القاضي كريم الدين لملتقاها إلى الإسكندرية، وعمل لها ضيافة في الميدان تحت القلعة، وبعد ذلك طلعت إلى القلعة، وجرى في أمرها ما جرى، وتوهم السلطان أنها ليست من بنات أزبك فهجرها وزوجها بالأمير سيف الدين منكلي بغا السلاح دار، فتوفي عنها، فزوجها بالأمير سيف الدين صوصون أخي قوصون، فتوفي عنها، فزوجها ابن الأمير سيف الدين أرغون النائب.
ولم يزل القان أزبك على حاله إلى أن خانته أم دفر، وامتلأ فمه وعينه بالعفر.
وكانت وفاته سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة.
стр. 448
أزدمر الأمير عز الدين العلائي.
كان أميراً كبيراً، أثيلاً في المكانة أثيراً، عديم المعرفة والفهم، فارس الخيل ما مثله شهر، شرس الأخلاق، صعب المراس على الإطلاق.
لم يزل بدمشق على حاله إلى أن ظفرت به اليد الغالبة، والداهية التي هي للنعم سالبة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة ست وتسعين وست مئة. وصلي عليه بجامع بني أمية. وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء، ودفن داخل دمشق عند مسجد ابن فريدون من نواحي مئذنة فيروز.
وهو أخر الحاج علاء الدين طيبرُس.
اللقب والنسب
الأزرق مملوك العادل كتبغا، اسمه بكتوت. ابن الأزكشي الأمير بدر الدين موسى بن أبي بكر. إسحاق بن ألمي التركي المصري الشاعر قال الشيخ شمس الدين الذهبي - رحمه الله تعالى -: طلب قليلاً، وارتحل إلى
стр. 449
الغرافي وغلى سنقر الزيني والأبرقوهي، وأخذت عنه: وهو من أقراني، ودخل العراق وبلاد العجم، وأضمرته البلاد بعد العشرين وسبع مئة.
إسحاق بن إسماعيل
ابن أبي القاسم بن الحسن بن أبي القاسم المقدادي الكندي، الفقيه الفاضل نجم الدين أبو الفداء بن القاضي مجد الدين بن الرحبي.
كان رجلاً فاضلاً صالحاً، ولي قضاء الرحبة سبعةً وثلاثين سنة، ووليها والده وجده.
قدم إلى دمشق، ولازم الشيخ تاج الدين الفزاري، وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وغيرهما، وكان مشكور السيرة، يحبه أهل بلده من تقدم إلى الرحبة من الأجناد والفقراء. وقدم إلى دمشق قبل موته بسنة وأشره، وولي بها نيابة الخطابة، وخطب في العيدين، وسر الناس به لصلاحه وانقطاعه وعفته، وروى بدمشق وبالرحبة.
وتوفي بدمشق في ثاني شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم
بن هبة الله بن طارق
الشيخ الفقيه الفاضل المسند المكثر كمال الدين أبو الفضل الأزدي الحلبي الحنفي النحاس.
стр. 450
سمع الكثير من الموفق يعيش، والعزّ بن رواحة، والمؤتمن بن قميرة، وابن خليل، وأخيه الضياء صقر الكلبي وابن أخيه شمس الدين الخضر بن قاضي الباب وأبي الفتح البارودي وهدية بنت خميس ومحمد بن أبي القاسم القزويني والكمال بن طلحة والنظام محمد بن محمد البلخي، وعدة.
وخرج له جزءاً عنهم المحدّث أمين الدين الواني، وعنده عن ابن خليل نحو من ست مئة جزء. وقد أكثر عنه المزني والبرزالي وقاضي القضاة العلامة تقي الدين السبكي والمحب والواني وشمس الدين الذهبي.
وكان له حانوت وبطله، وشغله بمعاشه وعطله. وله مدارس كان يحضرها وأوقاف يحصرها، وفيه تعسر على الطلبة وشُح، وعنده بخل بمسك الإفادة على الطلبة ولا يسمح.
وكان قد تنبه شارك، وقالب الأشياخ وعارك، ونسخ بخطه أجزاء كثيرة تركها بعده، وأولاها بعد الموت بعده.
ولم يزل على حاله إلى أن انطبق جفناه على قذى الحين، وصبر على أذى البين.
وتوفي - رحمه الله تعالى -
стр. 451
في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سن ثلاثين وست مئة.
وكان له دكان بسوق النحاسين، ثم إنه تركها أخيراً.
إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم
الشيخ العالم الفاضل المسند المعمر عفيف الدين أبو محمد الآمدي ثم الدمشق الحنفي، شيخ دار الحديث الظاهرية بدمشق.
سمع من عيسى بن سلامة، ومجد الدين بن تيمية بحرّان، ومن ابن خليل بحلب، وأكثر من الضياء صقر وجماعة بحلب، وسمع بدمشق والمعرة، وحصل أصول وأجزاء، وحضر المدارس، وحج غير مرة، وشهد على القضاة.
وخرج له ابن المهندس عوالي سمعها الشيخ شمس الدين الذهبي والجماعة منه سنة ثمان وتسعين وست مئة. وأخذ عنه القاضي عز الدين بن الزبير، وابنه، وعدة.
وكان طيب الأخلاق ينطبع، ويتلطب البشاشة ويتبع. سهل القياد، واري الزناد، متسماً بالعدالة، محتشماً عن الإزالة. تفرد بأشياء عالية، وأحيا أسانيد بالية.
стр. 452
ولم يزل على حاله إلى أن تعفى أثر العفيف، وضمه الموت في ذلك اللفيف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
إسحاق القاضي الكبير الرئيس
تاج الدين عبد الوهاب ناظر الخاص
كان من جملة نظار الدولة، ولما أمسك السلطان القاضي كريم الدين الكبر سير إليه يقول له: من يصلح لنظر الخاص؟ فنص على القاضي تاج الدين إسحاق، فأحضره السلطان، وألبسه تشريفة، وباشر الخاص من يومئذ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - بسكون زائد، وانجماع عن أهل الفتن الذين يرمون الناس من المصابين في مصائد. وساس السلطان بعقله الراجح، وسد الوظيفة بحُسن مقصده الناجح، ولم يختل عليه نظام، وقام في تلك المدة بمهمّات عظام. وجاء بعد كريم الدين ورهجه، واتساع طريقه ونهجه، فكان لا يدير به، ولا يعدم العافي قطر سحابه، وهو على أنموذج واحد وطريق واحدة، وسنة من السكون جارية على أكمل قاعدة.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل به من الموت داؤه العضال، والأمر الذي لا يرده طعان ولا نضال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة.
وكان قد ولي نظر الخاص سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وهو والد القاضي
стр. 453
علم الدين إبراهيم ناظر الدولة. والصاحب شمس الدين موسى ناظر الشام. والقاضي سعد الدين ماجد.
وتولى ولده الصاحب شمس الدين موسى نظر الخاص بعده أشهراً، ثم نُقل إلى نظر الجيش لما توفي القاضي فخر الدين.
إسحاق الأمير علم الدين الحاجب
كان بحلب حاجباً، فترامى إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - فولاه نيابة حمص، وأحضر تقليده من مصر، وألبسه تشريفة بدمشق في ثالث جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وتوجه إليها فلم تطل مدته في هذه النيابة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - وكان قد تولى نيابة حمص بعد الأمير علاء الدين طيبغا قوين باشي، الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في مكانه.
أسدالحكيم اليهودي المعروف
بالسيدة، تصغير أسدة .
стр. 454
كان ذكياً، له مشاركات في المعقول، وخير ما يعرفه الإلهي والطبيعي، ولم يكن يعرف رياضياً ولا منطقياً، وحرفته التي يتكسب بها لجراح مع مشاركة في الطب والكحل وغير ذلك من الطبيعي. ولم يُر أقدم منه على الجراحة في جبر ما يكسر من العظم ويُهاض. باشر الجراحات العظيمة للأمراء الكبار مثل الأمير بدر الدين بيدرا ناظر الأشرف على عكا، ومثل الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وفيه يقول علاء الدين الوداعي، وقد عالج سنجر الدواداري، ونقلته من خطه:
يا قوم إن الدواداري مبتع ... في فضله أنبياءَ الله مجتهد
كأنه دانيال في كرامته ... ذلت له الأسد حتى طبّه أسدُ
وكان الملك المؤيد صاحبكم حماة يحبه ويقربه. وبلغني أنه - رحمه الله تعالى - أوصى له بشيء من كتبه، وكان يتردد إلى العلامة تقي الدين بن تيمية، ويجتمع بالشيخ صدر الدين بن الوكيل، ويبحث معهما.
وكان السلطان الملك الناصر قد طلبه إلى القاهرة ليعالج ما بالأمير عز الدين أيدمر الخطيري من الفالج. ورأيته هناك في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وهو آخر عهدي به، ولم أرّ من يعرف علم الفراسة أحسن منه بعد الشيخ شمس الدين محمد بن أبي طالب الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في المحمدين.
وقال لي: جبرت رجلاً وداويتها بقدوم ومنشار ومثقب.
ولم يزل على حاله إلى أن هلك، وذاق مرارة الموت وعلك.
стр. 455
وكأنه هلك بعد الثلاثين وسبع مئة، واجتمعت به مرات بصفد ودمشق وحلب والقاهرة.
أسعد بن حمزة أسعد
الصدر الرئيس مؤيد الدين، ابن الصاحب عز الدين بن القلانسي. وسيأتي ذكر والده في حرف الحاء مكانه.
سمع في صغره من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، منهم الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن البخاري، وغيرهما.
ولم يحدث.
وكان رئيساً، وكفه على الإحسان حبيساً.
له جماعة من أصحابه وندمائه، وعدةٌ ممن يفتخر بارتمائه إليه وانتمائه، وقطف عيشه غضاً، وتناول نقده من لذة الشبيبة نضاً.
ولم يزل إلى أن غص بكأس حتفه، وذهب من يد والده على رغم أنفه، وجرعه حسرة أكوى لقلبه من الجمرة، وتدلى بعد ظهور الأسرة إلى بطن الحفرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سابع شهر صفر سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
وحصلت له قبل موته إنابة وإخبات، نفه ذلك بعد الممات. وكان ناظر ديوان الزكاة بدمشق.
стр. 456
الألقاب والأنساب
الأسعردي زين الدين محتسب القاهرة أبو بكر بن نصر. ونبيه الدين حسن بن نصر المحتسب والموقت عبد الله بن يوسف.
أسماء بنت محمد بن الحسن
ابن هبة الله بن محفوظ بن الحسن، الشيخة الصالحة أم بنت الشيخ عماد
الدين بن صصرى، أخت قاضي نجم الدين.
سمعت من السيد ميك بن علان، وهو عم جدها للأم، خمسة أجزاء، وهي الأول والثاني من بغية المستفيد لابن عساكر، ومجلس في فضل رمضان من أماليه، وحديث إسحاق بن راهوية، ونسخته أبي مسهر. وحدثت بها مرات، وتفردت بثلاث منها، وهي الثاني من البغية والمجلس وحديث إسحاق بن راهويه.
قال شيخنا البرزالي: ولم يقع لنا من روايتها سوى الأجزاء الخمسة المذكورة. قال: قرأت عليها مجلس شهر رمضان في رمضان سنة ثلاث وثمانين، وقرأت عليها قبل موتها بأربعة أيام. فبين التاريخين أكثر من خمسين سنة.
وكان امرأة مباركة متيقظة، كثيرة البر والصدقة والمعروف، وأصيبت بأولادها
стр. 457
وأولاد أولادها وأقاربها. وحجت مرات، وأنفقت كثيراً من مالها في الطاعات، ووقفت وقوفاً، ولم يكن بقي من أعيان البلد ورواة الحديث أسنّ منها. وكانت تقرأ القرآن في المصحف. ولها أوراد وسُبح، تذكر الله عليها.
وتوفيت - رحمها الله تعالى - يوم الاثنين حادي عشر الحجة، سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولدها في آخر سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ودفنت بجبل قاسيون.
إسماعيل بن إبراهيم بن سالم
بن بركات الأنصاري
الشيخ الإمام الفاضل المحدث نجم الدين أبو الفداء الدمشق، الصالحي الحنبلي المؤدب المعروف بابن الخباز.
سمع سنة سبع وثلاثين وست مئة وبعدها من عبد الحق بن خلف والحفاظ الضياء، وعبد الله بن أبي عمر. وسمع من المرس، والبكري، وإبراهيم بن خليل، وابن أبي الجن، وابن عبد الدائم، وأصحاب الخشوعي، وأصحاب الكندي، وابن ملاعب، وابن الزبيدي، وابن اللتي، ثم أصحاب الكريمة، والسخاوي،
стр. 458
وسمع من المزي، والبرزالي، وعلاء الدين الخراط، والقاضي شمس الدين بن النقيب، والمقاتلي، وابن المظفر، وابن المحب، وابن حبيب.
وكان يؤدب بمكتب ابن عبد داخل باب توما. وعلى الجملة فقد كتب عمن دب ودرج وما ترك أحداً يفوز منه بالفرج، وخرج وحصل الأجزاء وتعب، ومع عمله الكثير ما أنجب، وساوى من لعب، ولا أتقن شيئاً من العلوم، ولا شارك أهل الفهوم. ولا له إلمام بنحوٍ ولا لغت، ولا له مادة إلى جهة علم مفزعة، بل درب ولم يكن بين أهل هذا الشأن في غربة، مع الخطأ الكثير فيما خرجه وجمعه، وحدث به أسمعه.
وكان يؤدب في مكتب، ولم يكتب خطاً غير خطا، ولا كان له في صورة الكتابة ما يرى وسطاً، وخرج لابن عبد الدائم وغيره، وعلم سيرة لشيخنا شمس الدين الذهبي، وطولها.
ولم يزل على حاله إلى أن درج إلى البلى، وأدبر إلى مسكن الأرض مقبلاً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشر صفر سنة ثلاث وسبع مئة.
إسماعيل بن إبراهيم
مجد الدين الشارعي المصري المحدث.
كان شاباً فاضلاً، سمعت بقراءته على الدبابيسي وغيره من أشياخ القاهرة، وسمع هو أيضاً بقراءتي كثيراً. وكانت له عناية بتحصيل الكتب النظيفة، وإكبابُ على ذلك، فهي له وظيفة. وعنده ذكاء ونباهة، وله تقدم بني أهل هذا الشأن ووجاهة.
стр. 459
ولم يزل على حاله إلى أن قصف، وضع المدر عليه ورصف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة يوم عيد الفطر عشاء.
ورثاه الشيخ تاج الدين بن مكتوم بقصيدة.
وكان سمع بمكة من رضي الدين الطبري، وبالقاهرة في الواني والختني، ورحل مع قاضي القضاة عز الدين بن جماعة. وسمع من ابن الشحنة، ورحل إلى الإسكندرية، وسمع من وجية، وقرأ على تقي الدين الصائغ.
إسماعيل بن إبراهيم بن سليمان المقدسي
ابن الحراني، الإمام الفاضل الطبيب عماد الدين أبو الطاهر المقدسي المصري.
سمع من العز الحراني، وابن خطيب المزة، وابن الأنماطي، وقاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وقاضي القضاة مجد الدين بن العديم، والشيخ قطب الدين بن القسطلاني.
стр. 460
ولم يحد.
وقرأ الطب على العماد النابلسي. وكان طبيباً فاضلاً يعالج علاجاً حسناً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقبرة باب النصر بالقاهرة.
إسماعيل بن إبراهيم
بن سعد الله بن جماعة
عماد الدين أخو قاضي القضاة
بدر الدين بن جماعة.
كان رجلاً جيداً.
سمع من ابن البرهان بالقاهرة، وجلس مدة مع الشهود بدمشق.
وتوفي بحماة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة.
إسماعيل بن إبراهيم
القاضي عماد الدين الحلبي المعروف بابن الفرفور.
وأول ما علمت من أمره أنه كان في ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار بالشام، ولما مات أرغون في حلب انتقل هو إلى مصر، وخدم أولاده بها - فيما أظن - ثم إنه توفي سنة سبع أو أول سنة ست وثلاثين وسبع مئة، حضر إلى دمشق، وخدم في ديوان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - عاملاً، ولما أمسك تنكز، خدم هو في ديوان الأمير علاء الدين الطنبغا نائب الشام، ثم عند الأمير علاء الدين
следующие страницы →