← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الشيخة الصالحة المسندة أم عبد الرحمن، حضرت على الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وخطيب مردا، وسمعت من إبراهيم بن خليل، وأجاز لها سبط السلفي، ومن بغداد إبراهيم بن أبي بكر الزعبي، وفضل الله بن عبد الرزاق وغيرهما. توفيت رحمها الله تعالى في خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وأجازت لي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكتب عنا بإذنها عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي. حجاب شيخة رباط البغدادية . بضم الحاء المهملة، وتشديد الجيم وبعدها ألف وباء موحدة: الشيخة الصالحة الزاهدة، شيخة رباط البغدادية. كانت مشهورة بالصلاح والخير، وعندها لمن يزورها من النساء المروءة والمير، ملازمة هذا الرباط، قانعة بما هي فيه دائمة الاغتباط. لم تزل على حالها إلى أن حل رباط أجلها في الرباط، فلم يكن لها حركه، وعدم من ذلك المكان بفقدها الأنس والبركه. وتوفيت رحمها الله تعالى في المحرم سنة خمس وعشرين وسبع مئة.

стр. 877

الألقاب والأنساب الحجار المسند أحمد بن نعمة بن حسن. حجازي بن أحمد بن حجازي صفي الدين الديرقطاني. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي في تاريخ الصعيد: كان كريماً كاتباً أديباً ناظماً لطيفاً. توفي ببلده رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة. وأورد له: قل للمطايا قد بلغت النّقا ... فهنّها يا صاح بالملتقى وخلّها ترعى عرار الحمى ... إن عرار الحيّ يجلو الشقا وقد تملّى باللقا عاشقٌ ... كان لطيف الملتقى شيّقا وقد محا الوصل حديث الجفا ... حتى كأنّ الهجر لن يخلقا قال: وكان يعجبه غناء البصيصة، وكانت تغني من شعره، فحضرت يوماً، فقال:

стр. 878

ادخلي تدخلي علينا سروراً ... أنت والله نزهة العشاق لا تميلي إلى الخروج سريعاً ... تخرجي عن مكارم الأخلاق قلت: البيتان، فائقان رائقان، راقيان في درجة، إلا أنه يخاطب امرأة بقوله من أول ما يطرق سمعها: ادخل تدخلي هذا فيه ما فيه من العيب. اللقب والنسب ابن الحداد بدر الدين محمد بن عثمان. الحجازي الأمير سيف الدين ملكتمر. ابن حرز الله شهاب الدين أحمد بن أبي بكر. الحراني جماعة نفيس الدين إسماعيل بن محمد، ومجد الدين الحنبلي اسماعيل بن محمد. وابن الحراني ناظر الأوقاف محمد بن يحيى. الحربوني الطبيب عبد الله بن محمد. حرمي بن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الشافعي. القاضي مجد الدين وكيل بيت المال بالديار المصرية، ونائب قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ونائب قاضي القضاة جلال الدين القزويني. أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، قال: قرأ حرمي على

стр. 879

الشيخ علاء الدين الباجي الأصولي الأصولين، وقرأ على السيف البغدادي الموجز والإرشاد، وسمع من قاضي القضاة عبد الرحمن بن بنت الأعز قصيدة من نظمه، وحدث بها، وكان يدرس بقبة الشافعي. وحفظ الحاوي الصغير على كبر. وكان وكيل بيت الظاهر بيبرس، وبيت أيبك الخزندار، وبيت بكتمر الخزندار، وكان الناس يقولون: هو آدم أبو البشر. وكان شيخاً طويلاً رقيقا، صغير الذقن بالمكرمات خليقا. ذو مروة غزيره، وسجايا بالمحاسن شهيره، يمشي مع الناس لقضاء أشغالهم ويشفع بوجاهته لهم عند من فيه بلوغ آمالهم، حسن التوصل، لطيف التوسل، مع سكون زائد وإطراق إلى الخير قائد. ولم يزل على حاله إلى أن طرق حرم حرمي الموت، وحرم الفوز بالعيش من الفوت. ووفاته رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة. وكان يلقي الدروس من حفظه من التوسيط على كبر سنه.

стр. 880

الألقاب والأنساب الحرستاني: شرف الدين إسماعيل بن محمد. وبدر الدين عثمان بن عبد الصمد. ابن حريث: محمد بن محمد بن علي. الحريري: سيف الدين الفاضل أبو بكر. والحريري: قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان. وابن الحريري: الشيخ حسن بن علي، وأخوه علي بن علي، وابن ابنه أحد الأخوين الحن والبن: علي بن محمد. وابن الحريري: فخر الدين محمد بن ناصر، وصفي الدين أحمد بن محمد بن عثمان. حسام بن عز بن ضرغام بن محمود بن درع مكين الدين القرشي المصري. أخبرني من لفظه العلامة أثير الدين، قال: كان المذكور غزولياً، جيد الأدب، أنشدنا لنفسه من قصيدة: حاز الجمال بصورة قمريةٍ ... تجلو عليك مشارق الأنوار وحوى الكمال بسيرة عمريةٍ ... تتلو عليك مناقب الأبرار وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

стр. 881

مسافرٌ سافرٌ عن بدر داجيةٍ ... تضيء من وجهه الظلماء والأفق قريب عهدٍ من البيت الحرام غدت ... تطوى بأيدي المطايا تحته الطرق لما زمزم رشحٌ من معاطفه ... وطيب طيبة من أردانه عبق قلت: مولده أظن سنة ثلاث وعشرين وست مئة. وهو شعر جيد. الألقاب والأنساب ابن الحسام: الشاعر عمر بن آقوس. وجمال الدين إبراهيم بن أبي الغيث. حسب الله الشيخ جمال الدين الحنبلي، مدرس المنكوتمرية. كان رجلاً فاضلاً صالحاً. توفي - رحمه الله تعالى - في سادس عشر شهر ربيع الآخر، سنة عشر وسبع مئة، ودفن بالقرافة. الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان قاضي القضاة حسام الدين أبو الفضائل ابن قاضي تاج الدين أبي المفاخر الرازي ثم الرومي الحنفي. كان مجموع الفضائل، عرياً من الرذائل، كثير المكارم، عفيفاً عن المحارم، ظاهر الرئاسة حرياً بالسياسه، ملياً بالنفاسه، يتقرب إلى الناس بالود، ويتجنب الخصماء

стр. 882

اللد، فيه مروءة وحشمه، وبينه وبين المفاخر قرابة ولحمه. وله نظم وعنده أدب، ورغبة في إذاعة الخير واجتهاد وطلب. ولد بأقصرا سنة إحدى وثلاثين وست مئة. وولي قضاء ملطية أكثر من عشرين سنة، ثم نزح إلى الشام سنة خمس وسبعين وست مئة خوفاً من التتار، وأقام بدمشق وولي قضاءها سنة سبع وتسعين وست مئة بعد القاضي صدر الدين سليمان؛ وامتدت أيامه إلى أن تسلطن حسام الدين لاجين، وولى ابنه جلال الدين مكانه بدمشق؛ وبقي معظماً وافر الحرمة إلى أن قتل لاجين وهو عنده، فلما ضربوا السلطان بالسيف استغاث، وقال: ما يحل. فأشاروا إليه بالسيوف، فاختبأ هناك، واشتغلوا عنه بالسلطان. ولما زالت دولة لاجين، قدم إلى دمشق على مناصبه وقضائه، وعزل ولده، ولم يزل على حاله إلى أن خرج إلى الغزاة، وشهد المصاف بوادي الخزندار في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة، وكان ذلك آخر العهد به. فأصابت الرزية الرازي وكان في غنية عن مرآه الملاحم والمغازي. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: والأصح أنه لم يقتل بالغزاة، وصح مروره مع

стр. 883

المنهزمين بناحية جبل الجرديين، وأنه أسر وبيع للفرنج، وأدخل إلى قبرس هو وجمال الدين المطروحي. وقيل: إنه تعاطى الطب والعلاج، وإنه جلس يطبب بقبرس، وهو في الأسر، لكن ذلك لم يثبت، والله أعلم. قلت: ولما كنت بدمشق سنة خمس وثلاثين وسبع مئة؛ جاء الخبر إلى ولده القاضي جلال الدين على ما شاع بدمشق أن والده القاضي حسام الدين حي يرزق بقبرس، وأنه يريد الحضور إلى الشام، ويطلب ما يفك به من الأسر، ثم إن القضية سكنت، وهذا بعيد لأنه يكون عمره إلى ذلك الوقت مئة وأربع سنين؛ وقلت بناءً على صحة هذه الدعوى: إنّ حال الرازي بين الرزايا ... حالةٌ لم نجد عليها مثالا كان قاضي القضاة مصراً وشاماً ... ثم في قبرسٍ غدا كحّالا الله أكرم وأرحم من أن يمشي أحد من أهل العلم الشريف إلى ورا، أو أن يرد في آخر عمره القهقرى. الحسن بن أحمد بن زفر الحكيم عز الدين الإربلي. سمع ابن الخلال والموازيني وخلقاً.

стр. 884

قال الشيخ شمس الدين الذهبي: كان مظلماً في دينه ونحلته، متفلسفاً، صادقاً في نقله، حصل إثبات سماعاته، وألف كتباً وتواريخ، منها السيرة في مجلدين، وسمع معنا كثيراً. قلت: وخطه معروف بين الفضلاء، ومجاميعه غالبها تراجم شعراء وتواريخ ووفيات؛ ويعرف بالعز الإربلي الطبيب، وعبث في مجاميعه برئيس الطب أمين الدين سليمان؛ كما عبث ركن الدين الوهراني بالمهذب النقاش في صورة المنام الذي صنعه، ورماه بأشياء من الخسة والبخل، وبأشياء من الزغل، وعمل الكيمياء، وبأشياء من المطالب؛ وأنه انتقى منها جملة. إلا أن في تعاليقه فوائد أدبية وغيرها وتراجم غريبة وغير ذلك يدل على أنه كان فاضلاً. ولم يزل على حاله إلى أن بلي الإربلي، وفرغ جراب عمره الممتلي. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة. الحسن بن أحمد بن المظفر الشيخ الفاضل الكبير المعمر شرف الدين أبو علي بن الشيخ كمال الدين بن الخطيري الصوفي، بخانقاه خاتون ظاهر دمشق. كان شيخاً حسناً عنده فضل وله نظر، وكتب المنسوب، ونسخ بخطه كتباً،

стр. 885

وسمع صحيح مسلم من الرضي بن البرهان الواسطي بدمشق سنة خمس وخمسين وست مئة، وسمع من ابن عبد الدائم، وحدث وأخذ الطلبة عنه. وتوفي في سابع عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة أربعين وست مئة بمدينة كنبايت بالهند. حسن بن أرتنا الأمير بدر الدين الشيخ حسن بن النوين الحاكم بالروم، تقدم ذكر والده في مكانه. كان هذا الشيخ حسن المذكور ذا حسن باهر، وجمال ظاهر، يفتن من يراه، ويسبح من خلقه وبراه، لأنه كان حسنه بديعا، ومن يشاهده صديعا، بوجه كأنه القمر إذا بزغ، وجفن بسحره نفث الشيطان ونزغ، وشكله تام القامه، كامل الهامه. مرض في سيواس فانكسفت شمسه وأودع جوهر شخصه رمسه. سمع به الأمير سيف الدين طشتمر نائب حلب، وأنه وصل إلى بهسنى، لأنه كان قد أرسله أبوه إلى الشيخ حسن الكبير ببغداد، فكتب إلى نائب بهسنى بطلبه، فحضر إليه إلى حلب، فأعجبه شكله وبهت لحسنه، فخلع عليه خلعة سنية، وأعاده إلى والده؛ وكان والده قد خطب له ابنة صاحب ماردين الملك الصالح شمس الدين، فأجابه إلى ذلك وجهزها إليه، وما أظنه دخل بها، بل مرض في سيواس، وكان والده

стр. 886

في قيصرية، فتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. وكتب أبوه إلى صاحب ماردين؛ يقول له: إن لي ابناً آخر يصلح لزواجها، وأعطاها مدينة خرتبرت. حسن بن أقبغا بن إيلكان بعد الهمزة ياء، آخر الحروف ساكنة ولام وكاف وألف بعدها نون: النوين الكبير الشيخ حسن بك الكبير الحاكم ببغداد والعراق، أبعد في أيام بوسعيد، وكان الناس في داخل حرمه، وهو بالوصيد، وجرت له حروب، وخطبته من الأيام خطوب، وكربت له منه كروب، ومرت به من المحن أنواع وضروب، ووجد بعد بوسعيد شدائد، وتلقى ضربات النكبات حدائد؛ وكافح طغاي بن سوتاي، وإبراهيم شاه وأولاد تمرتاش وغيرهم؛ وأقر له النصرة عليهم، وأطار طيرهم، وناصح المسلمين وما داجى، وصرح بالمحبة وما حاجى. ولم تزل كتب ملوك مصر تفد إليه بالمبرات، وترد عليه بالمسرات، وتجهز له التشاريف، ويعظم في العنوانات والتعاريف، ورسله هو ما تنقطع ولا قصاده، وزراع وده المنجب وحصاده. ولم يزل على حاله إلى أن ورد الخبر بوفاته في شعبان سنة سبع وخمسين وسبع مئة. وجلس ولده الشيخ سيف الدين أويس مكانه في الحكم على بغداد. وهذا الشيخ حسن الكبير إنما عرف بهذا فرقاً بينه وبين الشيخ حسن بن تمرتاش، وسيأتي ذكره.

стр. 887

وكان الشيخ حسن الكبير أولاً زوج الخاتون بغداد بنت جوبان، فلم يزل به بوسعيد القان إلى أن أخذها منه بعدما أتت من الشيخ حسن بابنه الأمير إيلكان، ولم يزل الشيخ حسن مبعداً إلى أن توفي بوسعيد رحمه الله تعالى، فملك بغداد ونزل بها، وأقام فيها، وجرت له مع المذكورين حروب كثيرة ونصره الله عليهم، ولم يزل مروعاً من أولاد تمرتاش وهو المنصور، ثم إنه تزوج الخاتون دلشاذ بنت دمشق خواجا بن جوبان الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه. وجرى في أيامه ببغداد الغلاء العظيم، حتى أبيع الخبز على ما قيل بصنج الدراهم، ونزح الناس عن بغداد؛ وعدم منها حتى الورق، وكان يجلب منها إلى الشام ومصر وغيرهما، ولما أظهر العدل وأمن الناس تراجع الناس إليها وذلك سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. وفي أوائل سنة تسع وأربعين وسبع مئة توجه إلى ششتر ليأخذ من أهلها قطيعة كان قد قررها عليهم، فلما أخذها وعاد وجد نوابه في بغداد قد وجدوا في رواق العزيز ببغداد ثلاث جباب نحاساً مثل جباب الهريسة، طول كل جب ما يقارب الذراعين والنصف، وهي مملوءة ذهباً مصرياً وصورياً ويوسفياً، وفي بعضه سكة الإمام الناصر، وكان زنة ذلك أربعة آلاف رطل بالبغدادي، يكون ذلك مثاقيل خمس مئة ألف مثقال. الحسن بن تمرتاش بن جوبان المعروف بالشيخ حسن، تقدم ذكر والده وجده في مكانهما. كان هذا الشيخ حسن داهية ولم يكن ذاهبه، بعيد الغوص في الفكر والغور،

стр. 888

مخادعاً، لا جرم أن أمست أيامه ذاهبه، ويشتغل بحيل ما تحكى عن البطال، ويفكر ذب خدع سحابه منه هطال، وكان يدخل إلى الحمام ويخلو بنفسه فيها اليوم واليومين والثلاث، وهو يفكر فيما يرتبه من المكر والاجتهاد والاكتراث، وقيل إنه مرة شرب دماً وقاءه، ليرتب على ذلك حيلا، وينال بها ممن يريد مقصوداً وأملا، وزاد بطشه، وصح في الحيل نقشه، وأفنى جماعة من كبار المغول، واغتالهم من فتكه غول، وشوش على المسلمين، قتل أهل تلك البلاد، وأضجر قومه من الإغارات والجلاد. ولم يزل على حاله إلى أن قيل: إنه تهدد زوجته مرة فخبأت عندها خمسة من المغل فأصبح مخنوقا، وأظهر أنه وجد مشنوقا، فوضع في تابوت ودفن بتربته التي أنشأها بتوريز، وراح كما راح أمس الدابر، ودخل في زمرة من دخل في الزمن الغابر، ولم ينتطح في أمره عنزان ولا اختلفت فيها مقادير ولا أوزان، وكفى الله المسلمين منه شراً كبيراً، " وكان الله على كلِّ شيء قديراً ". وجاء الخبر بوفاته في شهر رجب سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وكان يقول أولاً: ما يمنعني من دخول الشام ودوسه إلا هذا تنكز، وقد حصلت له إحدى عشرة حيلة إن لم يرح بهذه وإلا راح بهذه! فما كان إلا أن جاء رسوله القاضي تاج الدين قاضي شيراز، وتوجه إلى السلطان الملك الناصر محمد، وكان مما قاله: إن تنكز طلب الحضور إلى عندي، فاستوحش السلطان من تنكز رحمه الله تعالى وتغير عليه، وكان السبب في ذلك هذا الكلام، والله أعلم، ولما أمسك تنكز، قال: والله أنا كنت أعتقد أن قلع هذا تنكز صعب، وقد راح الآن بأهون حيلة، وعند الله تجتمع الخصوم.

стр. 889

الحسن بن رمضان الإمام العالم الفاضل القاضي حسام الدين القرمي الشافعي، أبو محمد قاضي القضاة بصفد وطرابلس، ابن الشيخ الإمام العالم الخطيب معين الدين أبي الحسن. كان فاضلاً ذكيا، واضح المحيا بهيا، حسن الوجه مديد القامه، ترف الجسم عليه وسامه، بسام الثغر ضحوكا، جميل المنظر كأنما ألبس وشياً محوكا، جيد البحث والنظر، شديد الإصابة إذا فكر وادكر. يعرف العربية وغوامض مسائلها، والأصول ومآخذ وجوهها وتقرب وسائلها. ولم يزل إلى أن حسم الحسام، ووقع في أشراك المنية وحبائلها الجسام. وتوفي رحمه الله تعالى في طرابلس في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبع مئة. وكان قد قدم إلى صفد على قضاء القضاة بها إلى أيام الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وأقام بها مدة وهو فقير لا يملك شيئاً، ثم إنه ثور نعمة موفورة واقتنى أملاكاً، ونقل إلى قضاء القضاة بطرابلس في ذي القعدة سنة ست عشرة وسبع مئة، فأقام بها مدة، وبنى حماماً عجيباً في طرابلس، وهو بها مشهور، وغير ذلك من الأملاك. وكان قد طلب إلى مصر على البريد في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، فأقبل السلطان عليه وزاده وأعاده، ثم إنه عزل ووصل إلى دمشق وأقام بها وأقبل على شأنه، وولي تدريس الرباط الناصري بالجبل، وعكف على الاشتغال وسماع الحديث وعلومه، ولم يزل على خير.

стр. 890

اجتمعت به غير مرة، وجرت بيني وبينه مباحث في العربية وغيرها، وكان ذهنه في غاية الجودة والصحة. ولما كان في صفد وقع بينه وبين شيخنا نجم الدين بن الكمال خطيب صفد منازعة في مسألة إعراب، وأخذه بها في خطبته، وأصر الشيخ نجم الدين على مخالفته، وكتب إليه رسالة نظماً ونثراً افتتحها بقول بعض المغاربة: نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل وكان الشيخ نجم الدين يقول في الخطبة الثانية عند الترضي على الخلفاء الراشدين: المكنى بأبي بكر الصديق وأبي حفص وأبي عمرو، ولا ينون بكراً ولا حفصاً ولا عمراً، وهو وجه في أبي بكر حسن وفيما بعده ضعيف. الحسن بن عبد الرحمن القاضي الصدر سعد الدين بن الأقفهسي، بهمزة وقاف ساكنة، وفاء مفتوحة، وهاء بعدها سين مهملة، والناس يقولون: الأقفاصي. كان ناظر الخزانة بالديار المصرية؛ وله مكانة عند السلطان والدولة؛ وقدم دمشق، وسمع الحديث بقراءة الشيخ علم الدين البرزالي، وعاد إلى القاهرة. وتوفي رحمه الله تعالى في آواخر ذي الحجة، سنة خمس عشرة وسبع مئة، وتولى عوضه الصاحب ضياء الدين النشائي.

стр. 891

الحسن بن شرفشاه هو الإمام العلامة السيد ركن الدين أبو محمد العلوي الحسيني الأستراباذي، عالم الموصل، ومدرس الشافعية، وهو من كبار تلاميذ نصير الدين الطوسي. وكان السيد ركن الدين معظماً عند التتار، مبجلاً في تلك الديار، وافر الجلاله، وافي البساله، له على التتار إدرارات، وفي معاملاتهم وجهاتهم قرارات، بحيث إنها تبلغ في الشهر ألفاً وخمس مئة درهم، هذا مع الوجاهه، والتلقي بالرضا لا بالكراهه. وكان فاضلاً مصنفا، كاملاً في علومه للأسماع مشنفا، يبحث ويدقق، ويغوص على المعاني ويحقق، يواخد الحدود والرسوم، ويشامخ في الألفاظ وموضوعاتها بين أهل الفهوم، ويمزج المنقولات بالمعقولات، ويرد المطلقات إلى المعقولات، فلذلك جاءت تصانيفه فجادت، وعاجت عن طريق الخمول وحادت، واشتهرت بين الفضلاء الأكابر، وشركتها ألسن الأقلام في أفواه المحابر. ولم يزل على حاله إلى أن هدم الموت ركنه، ورماه بعد الفصاحة باللكنه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة وسبع مئة؛ وله سبعون سنة. وكان يوصف بحلم زائد وتواضع كثير بحيث إنه كان يقوم للسقاء إذا دخل داره. وتخرج به جماعة من الأفاضل، إلا أنه كان لا يحفظ القرآن على ما قيل، وصنف

стр. 892

شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مقدمتي ابن الحاجب، وشرح الحاوي في المذهب شرحين. الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن الحسن ابن علي بن إبراهيم بن محمد بن مرام التيمي الأرمنتي الشافعي وأرمنت، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وسكون النون وبعدها تاء ثالثة الحروف. كان حسن الأخلاق، يجود في السعد والإملاق، خير كريم، لا يرحل عن مغنى الجود ولا يريم، تولى قضاء أرمنت، فما أتى قضيةً إلا وقيل له: أحسنت. ولم يزل على حاله إلى أن تجرع كأس فقده، وانحل نظام عقده. وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة ست وثلاثين وسبع مئة؛ وحمل إلى أرمنت، ودفن بها. ومولده سنة سبع وثمانين وست مئة بأرمنت. قال كمال الدين جعفر الأدفوي: ولما مررت بأرمنت زرت قبره بظاهرها، ولم أدخل البلد، وقلت:

стр. 893

أتينا إلى أرمنت فانهلّ وابلٌ ... من الدّمع أجراه الكآبة والحزن وجاوزتها كرهاً وأيّ إقامة ... بمغنىً رعاه الله ليس به حسن فتىً كان يلقاها ببشرٍ وراحةٍ ... ولم نخش منه لا ملالاً ولا منن ومن شعر قاضي أرمنت المذكور: بكفّك الثقتان الخُبر والخَبر ... بأنّك البغيتان السول والوطر وفيك أثبتت الدعوى بيّيّنةٍ ... أقامها الشاهدان العين والأثر يمنك يمنٌ فكم ذا قد حوت ملحا ... يحار في وصفها الألباب والفكر ندىً وليناً وتقبيلاً فواعجباً ... أمزنةٌ أم حريرٌ أم هي الحجر قلت: شعر قاض. أبو الحسن بن عبد الله ابن الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم النابلسي: الشيخ الفاضل السيد القدوة. كان رجلاً صالحاً فاضلا، عاملاً بما يعلمه من أمر دينه عاقلا، غافلاً عما عنده غيره راحلا، راجلاً في أمر آخرته، فارساً في تحصيل ما ينفعه في ساهرته، كثير السكون، والميل إلى أهل الصلاك والركون، بادي التقشف، ظاهر الحال، زائد التكشف، حسن المحاضره لطيف المذاكره، كثير الاتضاع غزير الانطباع، له شعر لطيف، وكلام في الطريقة ظريف، وفكر لا يجيد به عن الصواب ولا يحيف، وله تطلع وافر إلى علم الفروع ومسائل الفقه التي تروق ولا تروع.

стр. 894

ولم يزل على حاله إلى أن انفرد عن ذويه قهرا، وأودع بالرغم منهم قبرا. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة. ومولده بنابلس سنة أربع وأربعين وست مئة. ودفن بالصالحية في التربة المعروفة بالشيخ عبد الله الأرموي، وكان قد سمع من ابن عبد الدائم وعمر الكرماني. الحسن بن عبد الكريم بن عبد السلام ابن فتح الغماري المغربي ثم المصري الشيخ الإمام العالم المقرىء المجود الصالح المعمر، بقية المسندين أبو محمد المالكي الملقن المؤدب سبط زيادة بن عمران. كان تلا بالروايات على أصحاب أبي الجود؛ وسمع من أبي القاسم بن عيسى جملةً صالحة، وكان آخر من حدث عنه. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: بل ما روى لنا عنه سواه. وكان عنده التيسير والتذكرة والعنوان في القراءات وكتاب المحدث

стр. 895

الفاصل للرامهرمزي، وكتاب الناسخ والمنسوخ لأبي داود، وعده أجزاء وسمع الشاطبيتين من أبي عبد الله القرطبي تلميذ الشاطبي، وتفرد بمروياته. وروى عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والعلامة أبو حيان، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس والوافي وابن الفخر. وكان شيخاً متواضعا، مزجياً لأوقاته مدافعا، طيب الأخلاق، يمرح فيما ارتداه من الجديد والأخلاق. ولم يزل على حاله إلى أن نقص سبط زياده، وعدم الناس من الرواية والإفاده. وتوفي رحمه الله تعالى بمصر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. ومولده سنة سبع عشرة وست مئة. الحسن بن علي الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين، أبو علي بن عضد الدولة الحسن أخي المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله محمد ابني يوسف بن هود. كان الشيخ فاصلاً قد تفنن، وزاهداً قد تسنن، وعاقلاً استغرق فراح غافلاً

стр. 896

تجنن، عنده من علوم الأوائل فنون، وله طلبة وتلاميذ وأصحاب وزبون، فيه انجماع عن الناس وانقباض، وانفراد وإعراض عما في هذه من الأعراض. وكان لفكرته غائباً عن وجوده، ذاهلاً عن بخله وجوده، لا يبالي بما ملك، ولا يدري أيةً سلك، قد اطرح الحشمه، وذهل عما ينعم جسمه، ونسي ما كان فيه من النعمه، يلبس قبع لباد ينزل على عينيه، ويغطي به حاجبيه، ويواري جسده بما يقيه، ولا يحذر برداً ولا حراً، ولا يتقيه. وكان يمشي في الجامع الأموي وسبابته قد رفعها، وينظر في وجوه الناس كأنهم ذروة ما فرعها. ولم يزل على حاله إلى أن برق بصره، وألجمه عيه وحصره. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة، وصلى عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده بمرسية سنة ثلاث وثلاثين وست مئة. وكانت وفاته في شعبان. أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: رأيته بمكة وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعاً من الثياب، مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد، وكان يذكر أنه يعرف شيئاً من علوم الأوائل. وكان له شعر أنشدنا له أبو الحكم بن هاني صاحبنا، قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عضد الدولة لنفسه:

стр. 897

خضت الدّجنّة حتى لاح لي قبسٌ ... وبان بان الحمى من ذلك القبس فقلت للقوم: هذا الربع ربعهم ... وقلت للسمع: لا تخلو من الحرس وقلت للعين: غضيّ عن محاسنهم ... وقلت للنطق: هذا موضع الخرس وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة، وكان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة الملقب بالمتوكل؛ حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وسكرة عن ذاته وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين، واشتغل بالطب والحكمة، وزهديات الصوفة، وخلط هذا بهذا وحج ودخل اليمن، وقدم الشام. وكان غارقاً في الفكر عديم اللذة، مواصل الأحزان، فيه انقباض عن الناس، حمل مرة إلى والي البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه. قلت: لأن اليهود نالهم منه أذى، وأسلم على يده منهم جماعة، منهم سعيد وبركات. وكان الشيخ يحب الكوارع المغمومة فدعوه إلى بيت واحد منهم وقدموا له ذلك فأكل منه، ثم غاب ذهولاً، على عادته، فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها وأداروها، ثم ناولوه منها قدحاً فاستعمله تشبهاً بهم، فلما سكر أخرجوه على تلك الحالة، وبلغ الخبر إلى الوالي، فركب وحضر إليه وأردفه خلفه، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره، وهو يقول لهم بعد كر فترة: أي وأيش قد جرى، ابن هود

стр. 898

شرب العقار، يعقد القاف كاملاً في كلامه، وفي ذاك يقول علاء الدين علي الوادعي ونقلت ذلك من خطه: قالوا ابن هودٍ قد غدا ... سكران من خمر المعازف وأعيذه لكنّه ... سكران من خمر المعارف وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب الدلالة، وهو مصنف في أصول دينهم للرئيس موسى. قال الشيخ شمس الدين الذهبي، قال شيخنا عماد الدين الواسطي: أتيته وقلت له: أريد أن تسلكني، فقال: من أي الطرق: الموسوية أو العيسوية أو المحمدية؟ وكان إذا طلعت الشمس ويصلب على وجهه، وصحبه الشيخ العفيف عمران الطبيب وسعيد المغربي وغير واحد من هؤلاء. قلت: الذي بلغني عنه ما أخبرني به شيخنا نجم الدين الخطيب الصفدي. قال: كان بعض الأيام يقول لتلميذه سعيد: يا سعيد أرني فاعل النهار، فيأخذ بيده ويطلع به إلى سطح، فيقف باهتاً إلى الشمس نصف نهار. وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه ذهولاً عنه فإذا أحرقه رجع إليه حسه، فألقاه من يده، وكان تحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولاً عنها وغيبة. ومن شعره: فؤادي من محبوب قلبي لا يخلو ... وسرّي على فكري محاسنه تجلو ألا يا حبيب القلب يا من بذكره ... على ظاهري من باطني شاهدٌ عدل تجلّيت لي منّي عليّ فأصبحت ... صفاتي تنادي: ما لمحبوبنا مثل

стр. 899

أورّي بذكر الجزع عنه وبانه ... ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل وأذكر سعدى في حديثي مغالطاً ... بليلى ولا ليلى مرادي ولا جمل سوى معشرٍ حلّو النظام وفرّقوا الث ... ياب فلا فرضٌ عليهم ولا نفل مجانين إلاّ أنّ ذلّ جنونهم ... عزيز على أعتابهم العقل ومن شعره أيضاً: سلامٌ عليكم صدّق الخبر الخبر ... فلم يبق قال القسّ أو حدّث الحبر خذوا خبري عنّي بقيت مشاهدا ... ذروا ما يقول الغرّ أو يفهم الغمر خذوا عن غريب الدار كلّ غريبةٍ ... وحقّكم من دونها حُجر الحِجر عليك سلام الله يا خير قادم ... على خير مقدوم عليه لك البِشر عليك سلام اسلم وقيت الرّدى فدم ... على غابر الأيام لا خانك الدهر أتيتكم مستقضياً دين وعدكم ... فمن قولهم عند القضا يعرف الحرّ اذكّركم عهداً لنا طال عهده ... وقولكم صبراً وقد فني الصبر فلا تحسبوا أني نسيت عهودكم ... فإني وحقّ الله عبدكم الحرّ أأنسى عهوداً بالحمى طاب ذكرها ... ومثلي وفيٌّ لا يليق به العذر تحييّك عنّا الشمس ما أشرقت ضحا ... يحيّيك عنا ما تبدّى لك البدر تحيّيك عنا كلّما ذرّ شارق ... يحيّيك عنّا من غمائمه القطر تحيّيك عنا الريح بالروح قد بدت ... يحيّيك عنا من منابته الزّهر ألا فاعجبوا من أمرنا إنه امروٌ ... ألا فاعجبوا للقلّ من بعضه الكثر ومنه:

стр. 900

علم قومي بي جهل ... إنّ شأني لأجلّ أنا عبد أنا ربّ ... أنا عزٌّ أنا ذلّ أنا دنيا أنا أخرى ... أنا بعضٌ أنا كلّ أنا معشوق لذاتي ... لست عني الدهر أسلو فوق عشرٍ دون تسع ... بين خمسٍ لي محلّ حسن بن علي بن محمد الأمير عماد الدين بن النشابي، والي دمشق. كان ناهضاً كافيا، خبيراً بأدواء الولايات شافيا، له معرفة بسياسات البلد، وعنده على مكابدة أهوالها صبر وجلد. كان أولاً صائغا، وتجرع الذل سائغا؛ ثم إنه خدم جندياً وتولى في البر، وصبر على ما في ذلك من الخير والشر، وتقلب به الدهر، وقفز إلى البحر من النهر، ثم تولى بر دمشق مده، وقام لها بما تحتاج إليه من عدة وعده، ثم تولى المدينه، وجعل موعده يوم الزينه، ثم أعطي طبلخاناه، وصارت مباعدة السعادة منه مداناه. ولم يزل على حاله إلى أن غص بها الحلقوم، وفرغ أجل الكتاب المرقوم. وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة بالبقاع، وحمل إلى دمشق، ودفن بتربته بقاسيون وكان من أبناء الخمسين.

стр. 901

وكان قد تولى مدينة دمشق في أول دولة الناصر محمد في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة عوضاً عن الأمير عز الدين بن أبي الهيجاء. حسن بن علي الصدر الرئيس الأصيل عزيز الدين أو محمد بن العدل شرف الدين ابن القاضي عزيز الدين محمد ابن القاضي العلامة عماد الدين محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله القرشي الأصبهاني المعروف جد والده بالعماد الكاتب. أوصى أن يفرق على الجماعة الذين يحضرون دفنه حلوى صابونية على برزق، ففعل ذلك، وأكل منه الأغنياء والفقراء. وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وست مئة. وكان جيداً مشكور السيرة، عارفاً بصناعة الكتابة مبرزاً فيها، خدم في عدة جهات منها عمالة الخزانة، ثم نقل منها إلى استيفاء الخزانة. وكان يتلو القرآن دائماً، وحج وجاور سنة، وسمع من ابن عبد الدائم، والخطيب عماد الدين بن الحرستاني والزين خالد النابلسي الحافظ، وابن أبي اليسر، ويوسف بن مكتوم وغيرهم، وشيوخه أكثر من خمسين. وله إجازة من الصدر البكري، وإبراهيم بن خليل وابن السروري، وجماعة.

стр. 902

قال شيخنا علم الدين البرزالي: خرجت له جزءاً عوال شيوخه، وجزأين آخرين بالسماع والإجازة. حسن بن علي بن عيسى بن الحسن الإمام المحدث شرف الدين اللخمي المصري المعروف بابن الصيرفي، شيخ الحديث بالفارقانية. كان فقيهاً معيدا، محدثاً مفيدا، خيراً صدوقا، مكباً على الرواية صبوحاً وغبوقا، حسن الأخلاق متواضعا، ساكناً خالياً من الشر وادعا، مليح الشيبه، ظاهر الهيبه. سمع من عبد الوهاب بن رواج، وأبي الحسن بن الجميزي، ويوسف الساوي، وفخر القضاة ابن الحباب، والمؤتمن بن قميرة والزكي عبد العظيم، والرشيد العطار، وسمع بالإسكندرية من سبط السلفي وجماعة. قال الشيخ شمس الدين: سمعت منه. ولم يزل على حاله إلى أن رئي ابن الصيرفي وقد تبهرج، ودخل في قبره وتدحرج. وتوفي رحمه الله تعالى: سنة تسع وتسعين وست مئة، وهو من أبناء الثمانين.

стр. 903

حسن بن علي بن أبي بكر بن يونس بدر الدين أبو علي الأمين الأنصاري الدمشقي القلانسي بن الخلال، بالخاء المعجمة وتشديد اللام. كان أحد المكثرين، اعتنى بأمره خال أمه المحدث ابن الجوهري. روى شيئاً كثيراً بدمشق وحلب ومصر، وكان يخرج أميناً على القرى، وله فهم وعنده فضل ما. سمع من ابن اللتي، وابن المقير، ومكرم، وأبي نصر بن الشيرازي، وجعفر الهمداني، وكريمة الزبيرية، وسالم بن صصرى، وخلق كثير. وحضر ابن غسان والإربلي. وأجاز له ابن روزبة، والسهروردي وأبو الوفاء بن منده. وله إثبات في ستة أجزاء. وروى عنه المزي وابن تيمية، وابن البرزالي، وغيرهم. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبع مئة، ومولده في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة.

стр. 904

الحسن بن علي بن أبي الحسن بن منصورالشيخ الصالح الزاهد، بقية المشايخ ابن الشيخ علي الحريري. كان شيخ الطائفة وزعيمهم وساقيهم ونديمهم، مليح الشيبة نقيها، يعرف الأحوال ورقيها، حسن الخلق، محبوباً إلى الخلق، له مكانة عند الأكابر، وحرمة عند أولي السيوف والمحابر، وربما يأتي بكرامات، ويظهر بأحوال للعقل فيها غرامات. قدم إلى دمشق مرات، ورأى فيها أوقات مسرات، وكان مقامه في قريته بسر، ويكابد فيها العسر بعد اليسر. ولم يزل على حاله إلى أن أدرج الحريري في قطن أكفانه، وأصبح والتراب ملء أجفانه. ووفاته رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى وعشرين وست مئة. الحسن بن علي الشيخ الإمام الفقيه الصالح الناسك الأسواني أخو الشيخ الإمام نجم الدين الحسين. كان يؤم بالمدينة الشريفه، ويشاهد أنوارها المنيفه، حج فرضه وجاء إليها،

стр. 905

وأقبل بجمعه عليها، فأقام بها ثماني عشرة سنة ملتزماً أن لا يخرج من بابها ولا يشتغل بشيء من أسبابها. وكان يشغل بالحرم الشريف في الفقه، إلى أن حلت أسواء الموت بالأسواني، وانتقل إلى السعد الباقي بعد الذل الفاني. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة. الحسن بن علي بن محمود الأمير الكبير بدر الدين أخو الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة. كان له إقطاع كبير بحماه، ونعمة جليلة قد تغشت حماه، وأموال كاثرت النجوم، وكابرت أنواء الغيوم، مع ما عنده من النظر في العلوم، والمشاركة في الفضل لذوي الألباب والفهوم، وهو كان أكبر من أخيه، وإنما تقدم لأنه خدم الناصر لما كان في الكرك ولم يلو الأمير بدر الدين عليه، فقدمه وجعله صاحب حماة. وصلي عليه غائباً بدمشق، في ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة. الحسن بن علي بن محمد بن عدنان بن شجاع الشيخ الإمام بدر الدين الحراني المعروف بابن المحدث المجود الكاتب.

стр. 906

كان قد كتب على الشيخ نجم الدين بن البصيص، فيقال: إنه ما ظهر من تلاميذه في حسن الكتابة مثل بدر الدين المذكور، ومثل الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني. كان أديباً فاضلاً في فنه عجيباً، ينظم وينثر، ويجري في جلبة البلاغة ولا يعثر، كتب عليه من أهل دمشق جماعة كثيرون، يحركون نوافج الثناء عليه ويثيرون، وكان قد أخمل نفسه بالتعليم، ورضي من الدهر بالتسليم، فعز بالقناعه، وشرف نفسه عن التجشم والرقاعه، ولم يذل نفسه على أحد بالترداد، ولا دخل مع أبناء الدنيا في جملة الأعداد، على أنه له ملك يدخله منه كفايته، ويصل إليه من التجويد ما هو نهايته، وكان إذا كتب كبت، وعثرت الرياح من خلفه وكبت، وأراك بأقلامه الروض، إذا نبت، والسيوف إذا كلت عن مضارب مداه ونبت. ولم يزل على حاله إلى أن رمي ابن المحدث من الحين بحادثه، وحكم في تركته أيدي وارثه. وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة رابع ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. كان الملك الأوحد يصحبه، فتحدث له مع الأفرم أن يدخل ديوان الإنشاء فرسم له بذلك، فأبى الشيخ بدر الدين ذلك، فلامه الأوحد على ترك ذلك. فقال: أنا إذا دخلت بين الموقعين ما يرتب لي أكثر من خمسة دراهم كل يوم، وما يجلسونني فوق أحد من بني فضل الله، ولا فوق بني القلانسي، ولا فوق بني غانم، فما أكون إلا دون هؤلاء، ولو تكلمت قالوا: أبصر المصفعة، واحد كان فقيه كتاب، قال يريد يقعد فوق السادة الموقعين، وإذا جاء سفر ما يخرجون غيري، فإن تكلمت قالوا:

стр. 907

أبصر المصفعة، يحتشم عن السفر في خدمة ركاب مولانا أمير الأمراء، وهذا أنا كل يوم يحصل لي من التكتيب الثلاثون درهماً والأكثر والأقل، وأنا كبير هذه الصناعة، وأتحكم في أولاد الرؤساء والأكابر ونظم في ذلك: لائمي في صناعتي مستخّفاً ... بي إذا كنت للعلى مستحقّاً ما غزالٌ يقبّل الكفّ منّي ... بعد برّي ولم يضع لي حقّا مثل تيسٍ أبوس منه يداً قد ... صفرت من ندى لأسأل رزقا فيولّي عني ويلوي عن ردّ ... سلامي ويزدريني حقّا فاقتصد واقتصر عليها فما عن ... د إله السماء خيرٌ وأبقى وقال أيضاً: غدوت بتعليم الصغار مؤمّراً ... وحولي من الغلمان ذو الأصل والفصل يقبّل كفي منهم كلّ ساعة ... ويعطونني شيئاً أعمّ به أهلي وذاك بأن أسعى إلى باب جاهلٍ ... أقبّل كفّيه أحبّ إلى مثلي أميرٌ إذا ميّزت لكن بلا حجىً ... وكم قد رأينا من أمير بلا عقل قلت: نظم عجيب التركيب، والأول جيد وفيه لحنة، لكنها خفية. وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن بادي الطيبي، قال: أنشدنا من لفظه لنفسه بدر الدين بن المحدث:

стр. 908

كن عاذراً شاتم المؤدب إذ ... يأخذ من عرضه ويشتمه لأنه ناكه على صغرٍ ... ومن ينيك الصغير يظلمه وكلّ فلسٍ حواه يأخذه ... وكلّ وقت بالضّرب يؤلمه نيكٌ وأخذٌ والضرب بعدهما ... والحقد إحدى الثلاث يضرمه قلت: ما جزم الشرط، ولا جوابه في الثاني، ويمكن توجيه إعرابه. ومن شعره أيضاً: بقل هو الله أحد ... أُعيذ خدّاً قد وقد وناظراً وسنانه ... عليه طرفي ما رقد أقول لما زارني ... أنجز حرٌّ ما وعد من كاسه وخدّه ... تخال ورداً قد ورد من حمل ثقل ردفه ... ما قام إلاّ وقعد ولا انثنى من لينه ... إلاّ وقد قلت انعقد كالظبي إلاّ أنّه ... يفعل أفعال الأسد في جيد من عنّفني ... عليه حبلٌ من مسد ومن شعر: وقد عنّفوني في هواه بقولهم ... ستطلع منه الذّقن فاقصر عن الحزن فقلت لهم: كفّوا فإنّي واقعٌ ... وحقّكم بالوجد فيه إلى الذّقن ومن شعره فيمن يحبها، واسمها فرحة: ما فرحتي إلاّ إذا وصلت ... فرحة بين الكسّ والكاس

стр. 909

لا أن أراها وهي في مجلسٍ ... ما بين طبّاخي وعدّاس وشعره كثير، سقت منه جانباً جيداً في ترجمته في تاريخي الكبير، وخمس لامية العجم. واجتمعت به غير مرة وأخذت من فوائده، وكان له مكتب برا باب الجابيه، ويكتب أولاد الرؤساء في المدرسة الأمينية بجوار الجامع الأموي، وكان كتب إلي قصيدة في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة لامية ملزومة وأجبته عنها بمثلها، والتزمت فيها الميم قبل اللام، وقد ذكرتها في ألحان السواجع. ؟ الحسن بن علي بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار بفتح الشين والنون، وبعد الألف راء. البليغ الناظم الناثر بدر الدين الغزي. شاعر إذ قلت شاعر، طاف بكعبة البلاغة وعظم تلك المشاعر، يغوص على المعنى، ويجزل الألفاظ ويحكم المبنى، وينشدك القطعة، فتحسب أنه ضرب المثلث أو جس المثنى، متين التركيب بليغ المعاني، فصيح الألفاظ، إلا أنه يستعمل الغريب فيما يعاني، فيثقل على السمع بذاك وروده، وما تروق رياحينه ولا وروده. وكتب المنسوب مع السرعه، وراعى الأصل في وضع الحرف وفرعه، إلا أنه كان ذا خلق فيه زعاره، وبادرة ليس وراءها حقد فهي في السر معاره، فنفرت عنه بعض النفوس، ولو خلا منها وضع على الرؤوس. ودخل ديوان الإنشاء، فكان فيه بالشام شامه، وصدق هذه الدعوى أنه كان يحكي

стр. 910

بلونه مداده وأقلامه، ولكن كان حر النفس أبيها، سليم الطوية غبيها، لا يكذب لسانه، ولا يطوي الغل جنانه. ولم يزل على حاله إلى أن صادته مخالب المنيه، وعدم الناس فواكه نظمه الجنيه. وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب الفرد، سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ومولده سنة ست وسبع مئة. ودخل الديوان في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد وضع رسالة أنشأها نظماً ونثراً وسمها ب قريض القرين، عارض بها ابن شهيد في رسالة التوابع والزوابع. وغالب نظمه أنشدني إياه بصفد ودمشق والقاهرة، كتب إلي بالقاهرة: ليل التجنّب من أجفاننا شهبه ... ومجدب الدمع ما كانت دما سحبه ما لننوى أطلعت في غارب قمراً ... يقلّه البان يوم البين لا غربه تنظّمت عبراتي في ترائبه ... عقداً كما انتثرت في وجنتي سحبه يا من وفى الدمع إذ خان الوداد له ... غدر الحبيب وفاء الدمع أو سببه قد كنت أحسب صبري لا يذمّ وقد ... مضى وفي ذمّة الأشواق أحنسبه يا نازحاً سكن القلب الخفق ومن ... إحدى العجائب نائي الوصل مقتربه ما لاح برق ولا ناحت مطوّقةٌ ... ولا تناوح من باب الحمى عذبه إلاّ تساعد قلبي والدموع وأحنا ... ء الضلوع على شوقٍ علا لهبه

стр. 911

حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولم ... يفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه من لي بأغيد بدر التم حين بدا ... قد ساء إذ رام تشبيهاً به أدبه ممنّع بالذي ضمّت غلائله ... من القنا أو بما أصمت به هدبه بين الأسنّة محجوبٌ ولو قدروا ... ما قوس حاجبه أغنتهم حجبه سلبني بالضّنى لحمي لواحظه ... وهمّ أُسد الشرى المسلوب لا سلبه لو لم يكن ريقه خمراً ومرشفه ... كأساً لما بات يحكي ثغره حببه كذا ابن أيبك لولا ما حواه لما ... عن الكتائب أغنت في الورى كتبه ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحا ... آثاره فقلت أجبالهم كثبه وآب يقطف من أغصانه ثمراً ... إذا أتى غيره بالشوك يحتطبه أقلامه فرحاً بالفضل أنملها ... كلّ يخلّق ثوب المجد مختضبه تكاد ألسنها تمتدّ من شغفٍ ... إلى أجلّ معاني القول تقتضبه يراعه روّعت لا مات أحرفها ... حشاء منحرفٍ لا ماته يلبه أضحت مسبّبة الأرزاق حين حكت ... سبّابةً لعدوّ وقد وهى سببه يا من يجيل قداح الميسر ارم بها ... وارم الفجاج ليسرٍ نجحه طلبه واقصد جناب صلاح الدين تلق فتىً ... يهزّه حين يتلى مدحه طربه بنت على عنق العيّوق همّته ... بيتاً تمدّ على هام السها طنبه

стр. 912

قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولم ... يدركه حين جرى نحو العلى طربه فاعجب لها راحةً تسقي اليراع ندىً ... إذا لم تكن أورقت في ظلها قضبه تناسب الدرّ من ألفاظها وإلى ... بحر النّدا لا إلى بحر الدنا نسبه يرضى ويغضب في حالي ندىً وردىً ... وبين هذين منهول الحمى نشبه رضاه للطّالي جدواه ثمّ على ... ما تحتوي يده من ماله غضبه فكتبت أنا إليه أشكره: أغصن قدٍّ أقلّت بانه كثبه ... أم درّ ثغر حبيبٍ زانه شنبه أم روض حزنٍ جديد النبت قد نسمت ... فيه أقاحيه لما أن بكت سحبه أم جانب الأفق قد دجّت حنادسه ... للعين لمّا ازدهت في لمعها شهبه أم نبت فكرٍ جلاها لي أخو أدبٍ ... خطابه زان جيد الدّهر أو خطبه قريضه تعرفّ الأسماع جوهره ... فتنتقي حليها منه وتنتخبه فلو همى الشعر قطراً قبله لغدا ... يروي الربا منه هامي الغيث منسكبه ونثره لم يداخل مسمعي أحدٍ ... إلاّ ورنّح منه عطفه طربه وخطّه مثل صدغ زرّقته يد ال ... حسن البديع وقاني الخدّ ملتهبه لوصفه شهدة بالحسن قد شهدت ... وقد تبّرأ من ياقوته نسبه ولابن مقلة عين ما رأت حسناً ... هذا ولو عاينته ما انقضى عجبه هذا هو البدر لا النجم البصيص فقد ... مدّت على ابن هلالٍ في العلا طنبه

стр. 913

جزاك ربّك بدر الدين خير جزاً ... عن امرىء لم يطل نحو العلا سببه بالغت في مدحه فالله يجعله ... كما تقول لتعلو في الورى رتبه وكتبت أنا إليه ملغزاً في ضبع: أيّها الفاضل الذي من يجاريه ... تقوّى في ما ادعى وتقوّل والّذي من أراد يبصر قسّاً ... فعليه دون البريّة عوّل هات، قل لي بالله ما حيوانٌ ... ثابت الخلق قطّ لا يتحوّل عينه إن قلعتها يتبدّى ... حيواناً غير الذي كان أوّل فكتب هو إلي الجواب عن ذلك: يا إماماً طال الورى بمعانٍ ... في المعالي يغوث من قد تطوّل وإذا أعضل السؤال فما زا ... ل عليه في المعضلات المعوّل إنّ زهراً أهديته غضّ عنه ... طرفه واستحال زهر المحوّل حين ألغزت في معمّىً هداني ... نحوه الفكر حين سوّى وسوّل حيوانٌ إن صيّروا رأسه العين ... رأوه إلى الجماد تحوّل فابق واسلم تفيد علماً وجوداً ... فيهما ليس لامرىء متأوّل وكتبت أنا إليه وقد جاءته بنت: تهنّ بها وإن جاءتك أنثى ... لأنّ الشمس بازغة الجمال وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال ولو كان النساء كمن أتانا ... لفضلت النساء على الرجال فكتب هو الجواب إلي:

стр. 914

أتاني من هنائك يا رئيساً ... تتيه به المعاني والمعالي ومن آثار جودك ما أراني ... حياً أهدته لي ريح الشمال وكم أقرأتني وقريت فضلاً ... يفوت الحصر من أدبٍ ومال وكتبت أنا إليه، وقد أهديت إليه أبلوجة سكر وكنت قبلها قد أهديت إليه قليل قطر: أبلوجة بعثتها ... محبةً لك عندي في اللون والكون أضحت ... تخالها نهد هند فكتب الجواب إلي عن ذلك: يقبل الأرض وينهي وصول صدقته الجاريه، وهديته التي جاءت بين الحسن والإحسان متهاديه، وهنديته التي قام نهدها مقام ثغر الغانيه، وأشرقت الأرض بنور وجهها من كل ناحيه، نهد أبرزه الصدر، وشهد ما تجرعت دون اجتناء حلاوته من إبر النحل مرارة الصبر، وهرم أكسب رونق الشباب وجه الدهر، ووجه طبع على دائرته ليلة تمامه البدر، فقابل الملوك تلك المنحة بدعائه وشكره المفرط وثنائه، ومدحه الذي تتدرج شواهد وده الصادق في أثنائه وتذكر بها ما مضى، شكر يد الكريم الذي استأنف إحسانه السابق وما انقضى، فذكر بنضار القطر السائل ولجين هذا الماء القائم، قول القائل: وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء وكتب هو إلي: يا ماجداً لم يزل نداه ... أولى بتقريظ كلّ متن ومن غدا بالصفاء يكنى ... وودّنا عنه ليس نكني نحن افتراقاً بنات نعش ... في ظلمة الهمّ والتمنّي

стр. 915

فسر إلينا نكن ثرّيا ... وادخل إلينا بغير إذن ولا تدعنا نئنّ شوقاً ... ولا تقل للرسول إنّي فكتبت أنا الجواب عن ذلك: أبياتك الغرّ قد أتتني ... فشرّفتني وشنفّتني شعرك فيها ظريف لفظٍ ... لطيف معنىً خفيف وزن قد أثقلت كاهلي بشكرٍ ... فكلّ متني إذ كلّمتني فإن أفز بالمثول فيكم ... فإنه غاية التمنّي وإن تخلّفت عن حماكم ... يا طول دقّي في الجرن حزني وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر: يومٌ كأن سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد
следующие страницы →