Полный текст (3 514 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولم ... يفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه
من لي بأغيد بدر التم حين بدا ... قد ساء إذ رام تشبيهاً به أدبه
ممنّع بالذي ضمّت غلائله ... من القنا أو بما أصمت به هدبه
بين الأسنّة محجوبٌ ولو قدروا ... ما قوس حاجبه أغنتهم حجبه
سلبني بالضّنى لحمي لواحظه ... وهمّ أُسد الشرى المسلوب لا سلبه
لو لم يكن ريقه خمراً ومرشفه ... كأساً لما بات يحكي ثغره حببه
كذا ابن أيبك لولا ما حواه لما ... عن الكتائب أغنت في الورى كتبه
ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحا ... آثاره فقلت أجبالهم كثبه
وآب يقطف من أغصانه ثمراً ... إذا أتى غيره بالشوك يحتطبه
أقلامه فرحاً بالفضل أنملها ... كلّ يخلّق ثوب المجد مختضبه
تكاد ألسنها تمتدّ من شغفٍ ... إلى أجلّ معاني القول تقتضبه
يراعه روّعت لا مات أحرفها ... حشاء منحرفٍ لا ماته يلبه
أضحت مسبّبة الأرزاق حين حكت ... سبّابةً لعدوّ وقد وهى سببه
يا من يجيل قداح الميسر ارم بها ... وارم الفجاج ليسرٍ نجحه طلبه
واقصد جناب صلاح الدين تلق فتىً ... يهزّه حين يتلى مدحه طربه
بنت على عنق العيّوق همّته ... بيتاً تمدّ على هام السها طنبه
стр. 912
قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولم ... يدركه حين جرى نحو العلى طربه
فاعجب لها راحةً تسقي اليراع ندىً ... إذا لم تكن أورقت في ظلها قضبه
تناسب الدرّ من ألفاظها وإلى ... بحر النّدا لا إلى بحر الدنا نسبه
يرضى ويغضب في حالي ندىً وردىً ... وبين هذين منهول الحمى نشبه
رضاه للطّالي جدواه ثمّ على ... ما تحتوي يده من ماله غضبه
فكتبت أنا إليه أشكره:
أغصن قدٍّ أقلّت بانه كثبه ... أم درّ ثغر حبيبٍ زانه شنبه
أم روض حزنٍ جديد النبت قد نسمت ... فيه أقاحيه لما أن بكت سحبه
أم جانب الأفق قد دجّت حنادسه ... للعين لمّا ازدهت في لمعها شهبه
أم نبت فكرٍ جلاها لي أخو أدبٍ ... خطابه زان جيد الدّهر أو خطبه
قريضه تعرفّ الأسماع جوهره ... فتنتقي حليها منه وتنتخبه
فلو همى الشعر قطراً قبله لغدا ... يروي الربا منه هامي الغيث منسكبه
ونثره لم يداخل مسمعي أحدٍ ... إلاّ ورنّح منه عطفه طربه
وخطّه مثل صدغ زرّقته يد ال ... حسن البديع وقاني الخدّ ملتهبه
لوصفه شهدة بالحسن قد شهدت ... وقد تبّرأ من ياقوته نسبه
ولابن مقلة عين ما رأت حسناً ... هذا ولو عاينته ما انقضى عجبه
هذا هو البدر لا النجم البصيص فقد ... مدّت على ابن هلالٍ في العلا طنبه
стр. 913
جزاك ربّك بدر الدين خير جزاً ... عن امرىء لم يطل نحو العلا سببه
بالغت في مدحه فالله يجعله ... كما تقول لتعلو في الورى رتبه
وكتبت أنا إليه ملغزاً في ضبع:
أيّها الفاضل الذي من يجاريه ... تقوّى في ما ادعى وتقوّل
والّذي من أراد يبصر قسّاً ... فعليه دون البريّة عوّل
هات، قل لي بالله ما حيوانٌ ... ثابت الخلق قطّ لا يتحوّل
عينه إن قلعتها يتبدّى ... حيواناً غير الذي كان أوّل
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا إماماً طال الورى بمعانٍ ... في المعالي يغوث من قد تطوّل
وإذا أعضل السؤال فما زا ... ل عليه في المعضلات المعوّل
إنّ زهراً أهديته غضّ عنه ... طرفه واستحال زهر المحوّل
حين ألغزت في معمّىً هداني ... نحوه الفكر حين سوّى وسوّل
حيوانٌ إن صيّروا رأسه العين ... رأوه إلى الجماد تحوّل
فابق واسلم تفيد علماً وجوداً ... فيهما ليس لامرىء متأوّل
وكتبت أنا إليه وقد جاءته بنت:
تهنّ بها وإن جاءتك أنثى ... لأنّ الشمس بازغة الجمال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
ولو كان النساء كمن أتانا ... لفضلت النساء على الرجال
فكتب هو الجواب إلي:
стр. 914
أتاني من هنائك يا رئيساً ... تتيه به المعاني والمعالي
ومن آثار جودك ما أراني ... حياً أهدته لي ريح الشمال
وكم أقرأتني وقريت فضلاً ... يفوت الحصر من أدبٍ ومال
وكتبت أنا إليه، وقد أهديت إليه أبلوجة سكر وكنت قبلها قد أهديت إليه قليل قطر:
أبلوجة بعثتها ... محبةً لك عندي
في اللون والكون أضحت ... تخالها نهد هند
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
يقبل الأرض وينهي وصول صدقته الجاريه، وهديته التي جاءت بين الحسن والإحسان متهاديه، وهنديته التي قام نهدها مقام ثغر الغانيه، وأشرقت الأرض بنور وجهها من كل ناحيه، نهد أبرزه الصدر، وشهد ما تجرعت دون اجتناء حلاوته من إبر النحل مرارة الصبر، وهرم أكسب رونق الشباب وجه الدهر، ووجه طبع على دائرته ليلة تمامه البدر، فقابل الملوك تلك المنحة بدعائه وشكره المفرط وثنائه، ومدحه الذي تتدرج شواهد وده الصادق في أثنائه وتذكر بها ما مضى، شكر يد الكريم الذي استأنف إحسانه السابق وما انقضى، فذكر بنضار القطر السائل ولجين هذا الماء القائم، قول القائل:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء
وكتب هو إلي:
يا ماجداً لم يزل نداه ... أولى بتقريظ كلّ متن
ومن غدا بالصفاء يكنى ... وودّنا عنه ليس نكني
نحن افتراقاً بنات نعش ... في ظلمة الهمّ والتمنّي
стр. 915
فسر إلينا نكن ثرّيا ... وادخل إلينا بغير إذن
ولا تدعنا نئنّ شوقاً ... ولا تقل للرسول إنّي
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
أبياتك الغرّ قد أتتني ... فشرّفتني وشنفّتني
شعرك فيها ظريف لفظٍ ... لطيف معنىً خفيف وزن
قد أثقلت كاهلي بشكرٍ ... فكلّ متني إذ كلّمتني
فإن أفز بالمثول فيكم ... فإنه غاية التمنّي
وإن تخلّفت عن حماكم ... يا طول دقّي في الجرن حزني
وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر:
يومٌ كأن سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت
جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد
стр. 916
تداعت ولا يقيل البناء جموعها المتفرقه، والطرق قد شرقت بالسيول فلا تنطق آثارها المغربة ولا المشرقه، وقد قص جناح الارتكاض، وحصت قوادمه، فما تنهض وعظمه مهتاض، والسيل قد بلغ الزبا، وسوى بين الوهاد المتطامنة والربا، وبكت السقوف بعيون الدلف، وحملها المطر بيده العادية على خطه خسف، واستدل لها بمنطق الرعد على أن قدامها الخير، فقالت: هذا خلف، وشهر الصوم قد بلغ غايته، وعيد الفطر قد نصب رايته، وتلا آيته، وطلب من الموسر والمعسر كفايته، فأعاذ الله مولانا من الطلب فيه، ولا ألجأه إلى السعي لابتغاء فضل الله إلا بفيه، بمنه وكرمه.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: العجب من سؤال مولانا عن المملوك كيف حاله، وعنده علم هذا العناء الذي نصب على الأين والنصب تمييزه وحاله، وهي حال أبي الطيب، وما علم ابن منصور بها، ولو علم استعمل التباله. أما ترى هذا النوء الذي ذم نواله وحمد نواه، وأذهل الصائم عن صومه، فما بيت أمره ولا نواه وشغله من حسه فما يدري أفطر على تمرة أم نواه؟، قد هال الجبال أمره، فشابت من الفرق إلى القدم، وغمرت سيوله الأباطح والربا، ولكن من الزيادة بدم، كيف يهنأ العيش وبروق الجو سيوف تخترط، ونفس هذه الرعود يخرج بعدما حبس في حشا السحاب وانضغط، وإلحاح سائل هذا المطر، فلو كان قطره دراً لما مدّ الفقير إليه يداً ولا التقط، وتوالي هذه الغيوث التي لو عاينها ابن هانىء لما قال:
стр. 917
ألؤلؤٌ دمع هذا الغيث أم نقط
كأن الأيام قواف اندمجت في الليل، أو النجوم أقاح ولكن غطاها تراكم السحاب بالذيل، أو كأن الله جعل الزمان سرمداً، فما يتعاقب فيه شمس ولا قمر، ولا تصفو لجة الأفق بضوء ولا ترميها الدياجي بكدر؛ قد تزاحمت الغياهب على المواقيت بالمناكب وجهلت المدد فيا وحشتا لحاجب الشمس ومحيا القمر وعيون الكواكب، أكل هذا تشريع تشرين، وشره شره الذي نتجرع من أمره الأمرين، وشهرة شهره، فيا أيام كانون إذا جئت ماذا تبيعين وتشرين، أما المساكن فأهلها مساكين، وأفواههم من الحزن مطبقة فما تفتحها السكاكين، قد انتبذ كل منهم زاوية من داره، وتداخل بعض في بعض لتضمه بقعة على مقداره، هرباً من توقيع أكف الوكف، وخوفاً من ركوع الجدار وسجود السقف، وما يعتقد المملوك أن في كانون هذه الجمرات، ولا أن ساباط سباط وأذى آذار يرمي القلوب بهذه الحسرات، وتمام التعثير في الركوب إلى دار السعادة، والكتابة التي صارت في هذا الزمان زيادةً في نقص السيادة، واتساع هذه الأهوال، وضيق ذات اليد مضاف إلى ضيق النفوس، وبصاق هذا الثلج في وجه الضاحك منا والعبوس، وسكر هذه الميازيب التي لا تبوك إلا على الرؤوس، وأشغال الديوان التي تكاثر المطر، ولا تبلغ الغاية من الوطر، فنحن من الديوان في جامعة لا جامع، وباب البريد على عدد الساعات ودقه هامع وبرقه لامع، لا يفتر وروده، ولا يزال يصل حديده، وتصل وفوده، وكل كتاب يصل معه يتفرع منه
стр. 918
إشغال عدد حروفه، وتطلب في الوقت الحاضر، فلو كانت بالطابع لانهارت جوانب حروفه، وصاحب الديوان في تنفيذ أسرع من هذه البروق، وأنفذ من السهم في القضاء الذي ليس فيه ما يصد ولا ما يعوق، فهو إذا دبر المهمات نجز، ودمر العداة، وجنز، وهذا العيد أقبل، وما لنا بتكاليفه قبل، وكل من يختص بشيء منها يلحظك بطرف متخازر كأنهما به قبل، والاستعانة بالله على هذه الشرور التي اتصلت نقط خطها، والفرار إليه من هذه الخطوب التي نعجز عن شيل سيلها وحد حطها، والله يرزق مولانا وإيانا حلاوة الصبر، ويجعل العدو بين جانحتي قبر، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت له توقيعاً لما دخل ديوان الإنشاء، لوحت فيه في غير موضع بلقب كان يلقب به، ونسخته في الجزء السادس والعشرين من التذكرة التي لي، وكتبت له أيضاً توقيعاً بنظر قمامة.
وبيني وبينه مكاتبات وبداءات ومراجعات نظماً ونثراً، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ثغر من قد هويته يهدي ... في ظلام الدجنّة الحالك
بالثريّا شبّهته ظلماً ... والثريا أقلّ من ذلك
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوى ... تصفية الكاسات في شواربي
стр. 919
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهةٍ ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من يلوم في التصابي خلنّي ... فأذني عن الملام قد نبت
تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطّة حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنها ... دويهيةٌ تصفرّ منها الأنامل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
شممت نسيم زهر الّلوز لمّا ... خرجنا بكرةً ننفي السجونا
فتحت الدوح شاهدنا بدوراً ... وفي أعلاه عاينّا غصونا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه
стр. 920
رأى البدر يحكي وجهه وهو سافرٌ ... فحمّله من جوره فوق طوقه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصّبا ... فقد أصبحت حسرى من السير ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعبٍ أنفاسها متتابعه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غصنٌ رشيق القدّ لان معاطفاً ... نشوى وبالشّعر المرّجل أورقا
وبمثل بدر التّمّ أينع فانظروا ... هذا القوام أجلّ أم غصن النّقا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا صاحباً ما زال من إنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطّعت فرجيّتني حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي
وكان يوماً هو والشيخ محمد الغزي جالسين في الجامع الأموي، عند الشيخ جمال الدين محمد بن نباته، وكل يذكر مساوئ صاحبه، وينشد هجوه فيه. فقال بدر الدين الغزي: لا قلت أنا، ولا قلت أنت، في هذه الساعة ننظم بديهاً يكون هجواً، وأطرق قليلاً ثم أنشد:
يا بن أبي طرطور خلّ الهجا ... وخذ كلاماً راق في حسنه
أنا وأنت اثنان كلٌّ غدا ... منا يروم الفضل في فنّه
فواحد يكذب في قوله ... وآخر يكذب في ذقنه
стр. 921
وأنشدني من لفظه لنفسه موشحةً عارض بها موشحة ابن سناء الملك المشهورة، وأجاد:
أذكى الهوى وهاجه برد اللمى ... في ثغر ريم مايس القدّ
يحميه أن أرومه لحظٌ أرى ... فرط الفتور سيفه الهندي
ظبيٌ رمى فؤادي ... من لحظه بسهم
وقد حمى رقادي ... لمّا أباح سقمي
فالطرف للسّهاد ... وللسّقام جسمي
واعجب من انقيادي ... إليه وهو خصمي
لكنّها اللّجاجه ترمي بها ... عقل الحليم سورة الوجد
إياك أن تلومه فاللوم في ... هذي الأمور قلّما يجدي
أفديه ظبي أُنس ... ألمى الشفاه أحوى
حشاشتي ونفسي ... مرعى له ومثوى
كذّبت فيه حسّي ... إذ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسي ... عند العناق يطوى
يا حسن الاندماجه في خصره ... المضنى السقيم وهو في البرد
والقامة القويمه بالخّد ... كالغصن النضير ناضر الورد
لله منه طرف ... يدمي القلوب لحظا
ووجنة تشفّ ... ولا تنيل حظّا
يرقّ إذ يرفّ ... قلبي لها ليحظى
تريك حين تصفو ... جسماً يخال فظّا
стр. 922
كالراح في الزجاجه تزهى بها ... كف النديم عندما تبدي
أشعةً عظيمه تندى إذا ... شيمت وتوري جذوةً تهدي
يا لوعة الغرام ... زيدي ويا جفوني
بأدمعي الهوامي ... جودي ولا تخوني
فهتف الحمام ... قد هيّجت شجوني
وكلّ مستهام ... مستأنف الحنين
لا تنكر انزعاجه للبرق في ... الليل البهيم مقلة تهدي
إلى الحشا السليمه خفقاً ... أباتته سميري ليلة الصّد
دع ذا وقل مديحا ... في أحمد بن يحيى
من لم يزل مزيحا ... أعذار كلّ عليا
منتسباً صريحا ... آخرة ودنيا
تخال من يوحى ... في الدست حسن رؤيا
إذا أرى ابتهاجه للجود ... والداعي المضيم ساعة الجهد
فالكف منه ديمه والوجه ... شمسٌ ذات نور في سما المجد
للسّر منه حصن ... على الورى مطلّ
ليست به تظنّ ... عوراء تستدلّ
غاراته تشنّ ... على العدى فتبلو
أخبارهم ويعنو ... منهم لها الأجلّ
فمن رأى هياجه سوّاه ... بالليث الكليم وهو في السّرد
ونفسه الكريمه في السلم ... كالغيث المطير ساعة الرّفد
стр. 923
وغادةٍ ثنتني ... أعطافها الرشاق
لكنّها أرتني ... أن الدّما تراق
بالصدّ والتجني ... وبعدها الفراق
قالت فرغت عني ... والصحبة اتفاق
فقلت بانحراجه يا ست خليني ... بشوم وأنجزي وعدي
قالت أنا مقيمه فاعمل وهت لي ... قلت زودي فالذهب عندي
حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي
الشيخ أبو علي مسند الديار المصرية في آخر عمره.
سمع حضوراً من ابن اللتي مسند الدارمي ومسند عبد بن حميد وجزء أبي الجهم والمئة السريجية، وغير ذلك. وسمع من مكرم بن أبي الصقر الموطأ، وسمع من السخاوي، وقرأ القرآن على السخاوي، ثم إنه انتقل إلى مصر وسكن الجيزة، وكان يؤذن ويبيع الورق على باب الجامع ولم يعرفه أحد، وكان بيده ثبت فظهر أمره في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وفرح به أناس، وأخذوا عنه، ثم إنه ثقل سمعه فشق السماع عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ثلاثين وست مئة.
стр. 924
حسن بن عمر الصاحب بدر الدين
ناظر الخاص بدمشق المعروف بابن النابلسي.
كان في وقت قد باشر نظر الخاص بالقاهرة في أواخر أيام الملك الناصر حسن دون الشهر، ولما طلب الإقالة الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي شاكر من دمشق أجيب إلى سؤاله، ورسم للصاحب بدر الدين بن النابلسي فوصل إلى دمشق في ثاني عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وباشر دمشق. فما أحمد الناس مباشرته. وكان يدعي أنه فقيه على مذهب الإمام مالك ﵁، وأقام بدمشق إلى أن عزل بالصاحب سعد الدين بن التاج إسحاق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.
وأقام في بيته بطالاً بدمشق مدة تزيد على الشهرين، ثم طلب إلى مصر فتوجه إليها.
وتوفي هناك في طاعون مصر سنة أربع وستين.
وكان قد رسم له في وقت بكتابه الإصطبلات بمصر ناظراً. وكان الأمير سيف الدين بكتمر المومني يومئذ أمير آخور كبير، فقيل له: إن هذا أحمق كبير وما أنت قدره، فلما حضر إليه بالخلعة عراه إياها، ورسم بقتله بالمقارع وسأله عن قضايا - نزهت هذا الكتاب عن ذكرها لفحشها - فامتنع، ثم إنه أقر له بها، فألبسه الخلعة واستمر به.
وأنشدني من لا اسمي فيه:
стр. 925
قل لهذا الصاحب المولى الذي ... سار فينا سيرةً لم تحسن
أنت فينا كافر النّفس فقل ... أحسن الله خلاص المومني
الحسن بن محمد بن هبة الله
شرف الدين قطنبه، بضم القاف والطاء المهملة وسكون النون وبعدها باء ثانية الحروف وبعدها هاء: الأصفوني.
كان شاعراً كثير المجون، عذب الينبوع بري من الأجون، ربي بأصفون، ولم يكن بين الصفا والحجون، كثير التنديب، غزير التذريب، مقبول المحيا، من رآه خدمه وحيا، ظريف الحركات، يكون في الدرجات، وينحط منها إلى الدركات.
كان معاصره نبيه الدين عبد المنعم الشاعر، وهو أيضاً ماجن ظريف، قادر على التلعب بالكلام والتصريف، تدور بينهما محاورات ومفارقات ومحاورات أشهى من نقائض جرير والفرزدق، وأسح من الغمام الصيب وأغدق، وكانا يشبهان بالجزار والوراق، وللزمان بوجودها ضياء وإشراق.
ولم يزل قطنبة على حاله إلى أن جاءه ما لا له به قبل، وكسر فخارته الذي سوى طينها وجبل.
وتوفي رحمه الله تعالى....
صلى قطنبة هذا صلاة عيد الأضحى، وإلى جانبه آخر فلما ذكر الخطيب قصة الذبيح بكى ذلك الشخص زماناً طويلاً، فالتفت إليه قطنبة، وقال له: ما هذا البكاء الطويل؟ أما سمعته وهو يقول في العام الماضي إنه سلم وما أصابه بشيء.
стр. 926
واتفق مرة أن وقع بينه وبين أهل بلده، وحضر الأمير علاء الدين خزندار والي قوص وإخميم فقصد شكواهم، فدخلوا عليه فلم يرجع، وكان مع الوالي شمس الدين الآمدي الناظر. وكان شيعياً، فلما حضروا عند الأمير قفز قطنبة وقال: يا آل أبي بكر، واغتاظ الناظر، وأنشد قطنبة:
حديث جرى يا مالك الرقّ واشتهر ... بأصفون مأوى كلّ من ضلّ أو كفر
لهم منهم داعٍ كتيسٍ معمّمٍ ... وحسبك من تيسٍ تولّى على بقر
ومن نحسهم لا كثّر الله منهم ... يسبّ أبو بكر ولا يشتهى عمر
فخذ ما لهم لا تختشي من مآلهم ... فإن مآل الكافرين إلى سقر
فقال له الناظر: أنت تشاور، ما أنت منهم؟ وصرفهم فما حصل له قصده، فقالوا له: ما قلنا لك نصطلح معك ما فعلت. فقال: أنا ما عرفت أن هذا المشؤوم منكم.
وكان قد تزوج بامرأة تحت الحجر، وكان لها منزل باعه أمين الحكم وخلى من اشتراه له، فقدم قطنبه إلى الأمير علاء الدين وأنشده:
سبت فؤادي المعنّى من تثنّيها ... فتانةٌ كلّ حسن مجمعٌ فيها
أنسيّة مثل شمس الأفق قد بزغت ... وحشيّةٌ في نفورٍ خوف واشيها
منها:
قهرت بالجانب البحري طائفةً ... فولّ وجهك يا مولاي قبليها
عندي يتيمة تركيٍّ ظفرت بها ... لها من الله جدرانٌ تواريها
تعاونوا مع أمين الحكم واعتصبوا ... أخفوا وثائق فحوى خطهم فيها
حتى أُبيعت عليها نصف حصتّها ... ما حيلتي وأمين الحكم شاريها
ما زلت أفحص عن تلك الوثائق يا ... مولاي حتى أبان الله خافيها
وها هي الآن عندي وهي ثابتةٌ ... فامض الولاية فيمن كان يؤذيها
стр. 927
ومات له صاحبان كانا خصيصين به. فقال الشهاب أحمد بن الحسين الأصفوني: ما لقطنبة تأخر عنهما، فبلغه ذلك، فقال:
ما تأخرت عنكما عن ملالٍ ... غير أني أرم صيد الشّهاب
فأنا مثل فارس البحر لا بدّ ... بظفري أصيده أو بنابي
وكان قد وقع بينه وبين نجم الدين بن يحيى الأرمنتي، فهجاه بقصيدة منها:
يا إلهي أرحتها منه في الح ... كم أرحها من ابنه في الخطابة
فقال له الخفراء: يا قطنبة، الباسرية جاؤوا من أرمنت يريدون قتلك، أرسلهم ابن يحيى وما نقدر على ردهم، انج بنفسك، فخرج منها وكان آخر العهد به.
حسن بن محمد
الشيخ الإمام الفاضل البليغ المنشئ الكاتب نجم الدين أبو محمد بن الشيخ كمال الدين القرشي القرطبي الصفدي الشافعي الخطيب بصفد.
كان فارساً منبر، وإمام من برى قلما ومن بر، ناظماً ناثرا، يجري في ميدان البلاغة فما يرى جواد قلمه عاثرا. كتب الإنشا، وتصرف فيه كيف شا، مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف، وكرم بموجوده الحاضر وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر، وصدق لهجه، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجه.
وكان شعاره أشعريا، وعلمه عن التقليد عريا، فكم كان عنده من التقليد أدلة
стр. 928
وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة وجبله، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهله، لم أر بعده من يقول: أيها الناس أفصح منه، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها، كم جعل العبرات على الخدود وهي هوامي هوامع، وكم غادر العيون وهي دوامي دوامع، شدت الفصاحة لحييه، وسدت البلاغة نحييه، تزور في الموعظة حدقتاه، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه، كأنه منذر جيش، أو منكر طيش.
وكانت له في البحث سلطه، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطه، وله قدرة على التعليم، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم، يعلم من الطالب إذا فهم، ولا يخفى عليه إذا بهم، فلا يزال يغير له الأمثلة، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابه، ويظهر له أنه حصل على العنايه.
ولم يزل يذكر بوعظه ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات، ونزلت بذويه سمات الشمات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وست مئة.
كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد، وكان ينوب عن والده ويكتب الإنشاء، ويوقع عن النواب بصفد، فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد
стр. 929
نائباً حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين وجعله يكتب عنده، فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم وبين القاضي شرف الدين النهاوندي وغيره، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي، ثم إنهم صادروه، حتى توجه خفية إلى دمشق، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين، وهو يعرفه من صفد، فاستخدمه موقعاً بدمشق، وكتب قدامه، وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله يأمن إليه ويقدمه ويستكتبه في السر وغيره، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق. ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ويركن إلى أمانته وعفته، فقلده الأمر وغدقه به، فتعب بذلك تعباً مفرطاً ونصح مخدومه، فكان لا يعلم لا من يده، فعادى الدماشقة ومقتوه، ولما أمسك كراي اختفى وسلمه الله منهم لما سلكه من الأمانة والعفة. أخبرني من لفظه قال: رددت ليلةً مئتي دينار، ورهنا تلك الليلة طاسةً على زيت القنديل.
ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به، وأرادوا منه الإيقاع به، فقال: أخذ لأحد شيئاً؟ فقالوا: لا، قال: فما أصنع به إذا نصح لمخدومه. ثم إنه جهز إلى صفد خطيباً وموقعاً، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر وتمكن من نواب صفد، ودخل إلى النائب وقرر معه ما أراد، فلم يمكنه من مباشرة شيء، فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان، وكلما حضر له توقيع عطله، إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع والخطابة، فأقاما مدة، فوقع بينهما، فطلبا إلى دمشق، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا وينفرد كل واحد بوظيفة، فاختار
стр. 930
الشيخ نجم الدين خطابة القلعة والمدينة، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع، فأقام يخطب ويشغل الناس تبرعاً، وتخرج به جماعة فضلاء، وقل من قرأ عليه ولم ينبه، ولم أر مثل في مبادئ التعليم، كان يفتق أذن المشتغل، ويوضح له طرق الاشتغال، ولم أر مثله ف تنزيل قواعد النحو على قواع المنطق، وكان يحب إفساد الحدود والمؤاخذة فيها والرد عليها والجواب عنها.
وممن قرأ عليه أولاً العلامة القاضي فخر الدين المصري وغيره.
وكان لي منه - رحمه الله تعالى - نصيب وافر من المحبة، وكنت أجد منه حنواً كثيراً وبراً، ولم أقرأ على أحد قبله، وكان شديد المحبة لأصحابه، شغوفاً عليهم صادق اللهجة، مفرط الكرم، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة، وكان هشاً بشاً بساماً، وعمته مليحة، ولم أر أعف يداً ولا فرجاً منه، وكان خطه مليحاً ونظمه سريعاً، ونظمه أرشق من نثره، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية. وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، يحب الكتب ويبالغ في تحصيلها ويحرص على المنافسة فيها، ولكنه كان مقلاً من الدنيا ماله غير علومه. قال: ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري. رأيته بعدما مات ﵀ في المنام بمدة، فقمت إليه وقبضت على يده بعدما قمت إليه وصافحته، وقلت له: قل لي ما الخبر؟ فقال لي: لا تعتقد إلا وحدانيته، فقلت له: هذا شيء قد جبل عليه اللحم والدم، فقال: ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن، وقصيصات الناس، فعلمت بذلك أنه قد نصحني حياً وميتاً، لأنه كان في حياته رحمه الله تعالى يتوقف في توقيعه ويتحرى ويتحرز كثيراً فيما يكتبه، ولا يكتب إلا ما هو سائغ، فكان صاحب القصة يتعذر عليه مطلبه.
ولما توفي رحمه الله تعالى كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية،
стр. 931
وكتبت إلى ولده كمال الدين محمد وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظماً ونثراً، ثم جمعت ذلك وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب. ومما نظمته فيه قولي:
يا ذاهباً عظمت فيه مصيباتي ... بأسهمٍ رشقت قلبي مصيبات
قد كنت نجماً بأفق الفضل ثمّ هوى ... فاستوحشت منه آفاق السّموات
سبقت من بات يرجو قرب خالقه ... ولم تزل قبلها سبّاق غايات
بكى الغمام بدمع الودق مذ عقدت ... حمائم البان من شجوي مناحات
ولطّم الرّعد خدّ السّحب وانتشرت ... ذوائب البرق حمراً في الدّجنّات
أصمّ نعيك سمعي من تحقّقه ... وهان ما للّيالي من ملمّات
جنحت فيه إلى تكذيب قائله ... تعلّلاً بالأماني المستحيلات
وكدت أقضي ويا ليت الحمام قضى ... حسبي بأن الأماني في المنيّات
وراح دمعي يجاري فيك نطق فمي ... فالشان في عبراتي والعبارات
إن أبدت الورق في أفنانها خطباً ... فكم لوجدي وحزني من مقامات
جرحت قلبي فأجريت الدموع دماً ... ففيض دمعي من تلك الجراحات
لو كنت تفدى رددنا عنك كلّ أذىً ... بأنفسٍ قد بذلناها نفيسات
فآه من أكؤسٍ جرّعتها غصصاً ... وقد تركت لنا فيها فضالات
نسيت إلاّ مساعيك التي بهرت ... عين المعالي بأنوارٍ سنيّات
ومكرماتٍ متى تتلى مدائحها ... تعطّر الكون من ريّا الرّوايات
وفضل حلم تخف الراسيات له ... وعز علم علا السبع المنيرات
стр. 932
وكم مناقب في علمٍ وفي عملٍ ... أضحت أسانيدها فينا صحيحات
ومنها:
فأين لطفك بي إن هفوةٌ عرضت ... كأنّما حسناتي في إساءاتي
وأين فضلك إن وافى أخو طلبٍ ... فتخجل الغيث من تلك العطيّات
نبكي عليك وقد عوّضت من كفنٍ ... أُلبسته بثيابٍ سندسيّات
وما تلبّثت في مثوى الضريح إلى ... أن صرت ما بين أنهار وجنّات
تصافح الحور والولدان منك يداً ... كم أظهرت في النّدى والفضل آيات
من ذا يعيد دروس النحو إن درست ... ربوعها بالعبارات الجليّات
ومن لعلم المعاني والبيان ومن ... يبدي بعلميهما سرّ البلاغات
ومن يزفّ عروس النظم سافرةً ... قد حلّيت بعقودٍ جوهريّات
إذا أُديرت على أسماعنا خلبت ... ألبابنا بكؤوسٍ بابليّات
ويرقم الطّرس أسطاراً فنحسبها ... سوالفاً عطفت من فوق وجنات
ومن إذا بدعةٌ عنّت يمزّقها ... سطا براهينه بالمشرفيّات
وإن أتت مشكلات بعدما اتضحت ... وأقبلت كالدياجي المدلهمات
نضى نصول أصول الدين لامعة ... فيقطع الشّبهات الفلسفيّات
ومن يفيد الورى في علمه حكماً ... تجلى ويبدي رياضاً في الرياضات
ومن يذيب دموع العين من أسفٍ ... إذا ارتقى منبراً بين الجماعات
ويوقظ الأنفس اللائي غدت سفها ... من لهوها والتّصابي في منامات
وتقتفيه إلى العرفان تاركةً ... قبيح ما ارتكبته من غوايات
ليهن قبرك ما قد حاز منك فما ... ضمّت حشا كلّ قبرٍ طاهر الذات
وجاد تربتك الغرّاء ساريةٌ ... تحلّ فيها العقود اللولويات
وكلّ يومٍ تحيّاتي تباكرها ... فتفضح النّسمات العنبريات
стр. 933
وكتب هو يوماً إلي وقد فارقته متأذياً:
بالله لا تغضب لما قد بدا ... فأنت عندي مثل عيني اليمين
ما أتعب النفس سوى من غدا ... يجحد ما أوليته أو يمين
وأنت عندي جوهرٌ قد صفا ... من دنس الذّمّ نفيسٌ ثمين
ووالذي يعلم ما قلته ... إخبار من أخلص في ذي اليمين
ما حلت عن حسن الوفا في الهوى ... وأنت في هذا المكين الأمين
نسأل الله أن يحرس تلك الروحانية الطاهرة من الكدر إن شاء الله تعالى، فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
بررت فيما قلت يا سيّدي ... ولست تحتاج إلى ذي اليمين
والله لم أغضب وحاشى لمن ... أراه عندي مثل عيني اليمين
ولم يكن غيضي إلاّ لمن ... يمين عن طرق الوفا أو يمين
ويفتري الباطل في قوله ... عني وليس الناس عنه عمين
ويظهر الودّ الذي إن بدا ... ظاهرة فالغشّ فيه كمين
فغثّه غثّى نفوس الورى ... ممّن ترى والسمّ منه سمين
وكتب إلي من صفد وأنا بدمشق كتاباً نظماً ونثراً عدمته، وكتبت الجواب في سنة ثمان عشرة وسبع مئة:
تذكّرت عيشاً مرّ قدماً وقد حلا ... وربعاً عمرناه بلهوٍ وقد خلا
فهاجت لي الذّكرى غراماً ألفته ... وشنّت على الأحشاء حرباً مقسطلا
ولله صبري في الرّزايا فإنّه ... جميلٌ ولكن خان فيكم وبدّلا
وقيل أتبكي في دمشق من الأسى ... وإن حلّ جيش الهمّ فيه ترحّلا
стр. 934
زماناً تقضّى أو ربوعاً تطاولت ... عهودك منها وانمحت بيد البلى
ففاضت جفوني بالدموع لقولهم ... وقلبٌ له أبكى حبيباً ومنزلا
وهل نافعي أنّ الرياض تدبّجت ... بساحتها أو صوت قمريّها علا
وللورق من زهر الرياض مجامرٌ ... إذا حركت عوداً تحرّق مندلا
وقد راح منها الدوح لابس حلّة ... وصاغ من الأزهار تاجاً مكلّلا
وغنّى حمام الأيك ثمّ تراقصت ... غصونٌ سقتها الريح كاساتها ملا
فمالت سكارى ثمّ صفّق جدولٌ ... فألقت عليها من معاطفها الحلى
فمن جدولٍ أضى حساماً مجرّدا ... ومن هيف أغصانٍ تحرّك ذبّلا
وللبين في الأحشاء ما لو أقلّه ... يثير قليلاً ملّ ثمّ تململا
كأنّ اجتماع الشّمل عقدٌ تعلّقت ... بأسلاكه كفّ النّوى فتفصّلا
ففارقت مخدوماً حمى الله ربعه ... من الدهر يوماً ما أبرّ وأجملا
سقاني طفلاً قهوة العلم والنهى ... وزاد إلى أن طال قدري واعتلى
وألبسني لمّا اتّصفت برقّة ... من الفخر والعلياء مجداً مؤثّلا
وكم نعمٍ لو رمت تعدادها أبت ... وكانت من الإحصاء للذرّ أسهلا
إذا غبت عن أبوابه فهباته ... إليّ كأنفاس النّسيم توصّلا
وإن قذفتني غربةٌ كان جوده ... سحاباً يوافيني فأعطى ونوّلا
ووافى في كتاب منه من بعد جفوة ... فأضحى به دمعي على الخدّ مرسلا
لقد أنشأته راحةٌ كفّ كفها ... من الخطب ما أعيى الأنام وأعضلا
تمنى ملثّ الغيث لو كان بطنها ... وودّت بها الأنهار لو كن أنملا
على أن كتبي لا تزال كتائباً ... أُلاقي بها في ساحة الوجد جحفلا
أقبّل فيها الأرض أعني مؤدّيا ... بذلك فرضاً ما أراه تنفّلا
وإن كان في الأحشاء ما يمنع الفتى ... من الوجد والتّبريح أن يترسّلا
فلا زال محروس الجناب مظفّرا ... بأعدائه ما هيّج الشوق مبتلى
стр. 935
فكتب الجواب عن ذلك رحمه الله تعالى: يقبل الباسطة ألهمها الله الوفاء لمن وفى بعهوده، وأطلع نجمها المتقد في مطالع سعوده، وأعاد غصنها إلى منبت سما منه رافلاً في خلع بروده، مثمراً بدوحة منشئه الذي ما يفتح ورده إلا لما سقي ماء ورده عند وروده، وينهي بعد وصف شوقه الذي تطاول عليه ليله فادلهما، ولمع في دجنته بارق اللواعج فأضرم بين الجوانح نيران الخليل لما، وأجرى من جفنه القريح طوفان نوح فلأجل ذلك هجره الوسن ومن بعد الهجران به ما ألما، وكابد فؤاده هما، ووالذي يعلم خائنة الأعين بالسلو ما هما، وعاهده على الأخذ بسنة الصبر الجميل فلم يف بعهد " ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً "، وأراد القلم أن يصف ما وجد بعد البعد من الأسف نثراً، فأبت البلاغة إلا أن يكون نظما، وهو:
نأيتم فأمسى الدمّع منّي مورّدا ... على صحن خدّ صار بالسّقم عسجدا
إذا ما بدا في وجنتي منه صيّبٌ ... رأيت من الياقوت نثراً مبدّدا
وإن نظمته فوق نحري صبابةٌ ... تبيّنت عقداً بالشذور منضّدا
وما حثّه إلا بريقٌ تتابعت ... لوامعه يبدين نصلاً مجرّدا
وكم أذهب التذهيب منه حشاشةً ... وأودع حزناً في الفؤاد مجدّدا
بدا من سفيرٍ مستطيرٍ ضياؤه ... فآنست ناراً في الدجنّة مذ بدا
وأمى فؤادي كالكليم ولم يجد ... على النار لما أن تحقّقها هدى
وكيف اهتداء الصبّ والقلب والهٌ ... وإدراكه مذ غبت عنه مشرّدا
يهيم إذا هبّت نسيمة جلّق ... ويصبوا إذا ناح الحمام وغرّدا
ويذكر أياما تقضّت بسفحها ... فيبدئ نوحا في الظلام مردّدا
стр. 936
ليالي تحكي الروض في حلل الحيا ... وغضن النقا يبدي عليه تأوّدا
تبسّم ثغر الزهر لمّا بكى أسىً ... ولاح كصبحٍ بالظلام قد ارتدى
أأحبابنا غبتم فكم لي وقفةٌ ... على صفدٍ والقلب مني تصفّدا
وكم لي بهاتيك الطلول مواقفٌ ... وقفت عليها الدمع إذ رحت منشدا
تناءى خليلٌ يا خليليّ فاسعدا ... بدمعٍ يضاهي المزن إن كنت مسعدا
وأبدى صدوداً والصدود ملامةً ... وأنجز هجراناً وأخلف موعدا
كذا شيمة الدهر الخؤون ودأبه ... يخون وفيّاً أو يكدّر موردا
وأنشدني لنفسه على طريق ابن رشيق في الأبيات المشهورة:
ولقد ذكرتك بين مشتجر القنا ... والموت يختطف النفوس بمخلب
وأسنّه المرّان مثل كواكبٍ ... تبدو أشعتها بظلمة غيهب
ولوامع البيض الرقاق كأنّها ... برقٌ تألّق مذهباً في مذهب
والحتف قد لعبت كؤوس مدامه ... بعقولنا والذّكر غاية مطلبي
وأمرني أن أنظم على هذا الأسلوب فقلت:
ولقد ذكرتكم بحربٍ ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب
والصّافنات بركضها قد أنشأت ... ليلاً وكلّ سنا سنانٍ كوكب
والبيض تنثر كلّما نظم القنا ... والنّبل يشكل والعجاج يترّب
وحشاشة الأبطال قد تلفت ظماً ... ودم الفوارس مستهلٌّ صيّب
والنفس تنهب بالصّوارم والقنا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب
وكتب يوماً في الاعتذار من وداع الحبيب:
يوم الوداع بدت شواهد لوعتي ... نار الخليل تشبّ في الطوفان
وأردت أعتنق الحبيب فخفت أن ... يغشاه يمٌّ أو لظى نيران
стр. 937
وطلب مني أن أنظم شيئاً في هذه المادة فقلت:
لم أطّرح يوم الوداع عناقه ... مللاً ودمع المقلتين سكوب
إلا مخافة أن يفترّ عن ... بردٍ وتبدو حرقتي فيذوب
ومن نظمه وقد أهدي إليه قراصيا:
يا سيّداً أصبحت كفّاه بحر ندىً ... تولي سحائبه الأنعام والقوتا
كنّا عهدنا اللآلي من مواهبه ... واليوم ننظرها فينا يواقيتا
ومنه وقد أهدي إليه بطيخ أصفر:
أهديت شيئاً يروق منظره ... ماءً تبدّى في جامد اللهب
أو شمس أفقٍ قد كوّرت فبدا ... شعاعها مثل ذائب الذهب
لما تبدّت لها بروق مدىً ... أبدت حشاها أهلّة الشّهب
وكم أرتنا القسيّ من قزحٍ ... مبشّراتٍ بواكفٍ سرب
أخضرها قد زها بأحمرها ... كورد خدّ بالآس منتقب
وأرشقت من عقيق مبسمها ... خمرة ريقٍ أحلى من الضّرب
فبتّ من نشوةٍ بها ثملاً ... أهزّ عطف السّرور من طرب
ومذ ترشّفت برد ريّقها ... خلت فؤادي العزيز في حلب
ومنه، وقرأته عليه، ونقلته من خطه:
سرى برق نعمان فأذكره السّقطا ... وأبدى عقيق الدمع في خده سمطا
فلاح كسيفٍ مذهبٍ سلّ نصله ... وروّع وسميّ السّحائب فانحطا
وأدّى رسالاتٍ عن البان والنّقا ... وأقرأه معنى الغرام وما خطّا
стр. 938
وأهدى إليه نسمةً سحريّةً ... أعادت فؤاداً طالما عنه قد شطّا
تمرّ على روض الحمى نفحاتها ... فتهدي إلى الأزهار من نشرها قسطا
وتنثر عقد الطلّ في وجناتها ... فتظهر في لألاء أوجهنا بسطا
وتطلع منه في الدجا أيّ ألجم ... وتلبس عطف الغصن من سندسٍ مرطا
وتوقظ فوق الدوح ورق حمائمٍ ... جعلنا قلوب العاشقين لها لقطا
هم نسبوا حزناً إليها وما دروا ... وما أرسلت من جفنها أبداً نقطا
وكم تيّمت صبّاً بلحن غريبه ... رواه الهوى عنها وما عرفت ضبطا
فيا ليت شعري هل بها ما بمهجتي ... من الوجد أم لم ترع عهداً ولا شرطا
هل هي في دوحات كلّ خميلةٍ ... تغرّد أو ناحت على فقدها السّبطا
ولو أنّها قد تيّمتها صبابةٌ ... لما طوّقت جيداً ولا جاورت شطّا
ولا عانقت غصناً بكفّ مخضّب ... ولا اتّخذت من زهر أعطافه قرطا
ولا لبست ثوباً يروق مدبجاً ... ولا نسيت عهد الهديل ولا الأرطى
ولو ذكرت أيامنا بطويلعٍ ... لأجرت كدمعي مذ بدت لمّتي شمطا
وقد نفّرت عني غرابيب صبوتي ... غرابيب دهرٍ جار في الحكم واشتطّا
وخطّ على فوديّ سطراً حروفه ... رقمن بقلبي عارض الحتف مذ خطّا
ولكنّه قد أودع الفكر حكمةً ... أفادته عرفانا فيا نعم ما أعطى
تجارب أيامٍ لها الغدر شيمةٌ ... فكم سترت فضلاً وكم أظهرت غمطا
وألبسه ثوباً من العلم معلماً ... بدا لذوي جهلٍ فأورثهم سخطا
إذا ما روت عنه البلاغة منطقاً ... يرى النجم في عليائه عنه منحطّا
وإن غاص في لجّ البيان يراعه ... أرى جنّةً لا أثل فيها ولا خمطا
стр. 939
بها حور عينٍ لو رآها زهيرها ... لصيّر خدّيه لأقدامه بسطا
إذا ما تجلّى للأفاضل حسنها ... أدارت عليهم من لواحظها اسفنطا
وتحجب عمّن قد تردّى لجهله ... وأصبح جلباب الحيا عنه منعطّا
ولا غرو ألاّ يدرك الشمس ذو عمىً ... على قلبه من الجهالة قد غطّى
صفاتٌ عزتها نسبةٌ قرشيّةٌ ... إلى من سما مجداً وأكرم بهم رهطا
الحسن بن محمد بن جعفر
بن عبد الكريم بن أبي سعد الصاحب قوام الدين بن الطراح .
كان من بيت علم ورئاسه، وحديث ونفاسه، وكان أخوه فخر الدين أبو محمد المظفر بن محمد له تقدم عند التتار، وحرمة لا يحجبها استتار. وقدم هذا قوام الدين القاهره، وكان حسن الصحبة والمحاوره، ظريف المنادمه، كريم المجاوره، وله معرفة بنحو ولغة ونجو وحساب، وأدب لم يكن لغيره فيه احتساب.
أخبرني من لفظة العلامة أثير الدين أبو حيان قال: قدم علينا القاهرة. وقال لي: إني أول من تشيع من بيتنا، قال أثير الدين: وكان فيه تشيع يسير، ثم إنه سافر إلى الشام وكر منها راجعاً إلى العراق مع غازان، وكنت سألته أن يوجه إلينا شيئاً من أخباره وعمن أخذ من أهل العلم، وشيئاً من شعره فوجه لي بذلك وكتب لي من شعره بخطه:
غدير دمعي في الخدّ يطّرد ... ونار وجدي في القلب تتّقد
ومهجتي في هواك أتلفها الش ... وق وقلبٌ أودى به الكمد
стр. 940
وعدك لا ينقضي له أمدٌ ... ولا الليل المطال منك غد
ومنه:
لقد جمعت في وجهه لمحبّه ... بدائع لم يجمعن في الشمس والبدر
حبابٌ وخمرٌ في عقيقٍ ونرجسٍ ... وآسٌ وريحانٌ وليلٌ على فجر
وقال: كتب إلي أخي أبو محمد المظفر يعاتبني على انقطاعي عنه، وهو الذي رباني وكفلني بعد أبي:
لو كنت يا ابن أبي حفظت إخائي ... ما طبت نفساً ساعةٌ بجفائي
وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ورعيت لي عهدي وصدق وفائي
خلّفتني قلق المضاجع ساهراً ... أرعى الدّجى وكواكب الجوزاء
ما كان ظنّي أن تحاول هجرتي ... أو أن يكون البعد منك جزائي
قال: فكتبت إليه:
إن غبت عنك فإنّ ودّي حاضرٌ ... رهنٌ بمحض مودّتي وولائي
ما غبت عنك بهجرةٍ تعتدّها ... ذنبا عليّ ولا لضعف ولائي
لكنّني لما رأيت يد النّوى ... ترمي الجميع بفرقةٍ وتنائي
أشفقت من نظر الحسود لوصلنا ... فحجبته عن أعين الرقباء
انتهى كلام الشيخ أثير الدين.
قلت: وتوفي المذكور رحمه الله تعالى في أوائل المحرم سنة عشرين وسبع مئة ببغداد، ودفن بمشهد موسى الجواد.
стр. 941
ومولده في شهر ربيع الأول سنة خمسين وست مئة.
وكان الملك الأشرف خليل بن قلاوون قد جهز لأخيه فخر الدين توقيعاً وعلماً وخاتماً، وتقرر بينهما إذا دخل السلطان أرض الحجاز يقدم عليه بجيشه، فإنه كان نائب سلطنة هناك، ولما ورد أخوه قوام الدين في أيار سلار والجاشنكير حضر معه الخاتم والتوقيع والعلم، فلذلك قرر له على المصالح بدمشق ثلاث مئة درهم في كل شهر.
حسن بن محمد بن علي
الشريف نور الدين بن الشريف محيي الدين بن فخر الدين بن زهرة، الحسيني الحلبي، ابن عم الشريف بدر الدين نقيب الأشراف بحلب.
كان فيه نهضة، وله همة ومعرفة، ولي نظر البيمارستان وغيره بحلب، فعزل من ذلك وحوقق، وأخذ منه مال على سبيل المصالحة، وحصل له إخراق وإهانة، وكأنه قد خيف من عائلته، فترك إلى أن خرج إلى قرية من قرى سرمين ليقسم مغلها، ونزل عليه الرجال وقتلوه، ومعه ثلاثة أنفس، وقطعت يد آخر من رفاقه من مرفقه، ولم يتعرضوا إلى ما معهم من المال ولا القماش، وذلك في ليلة الثلاثاء خامس شهر الله المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
стр. 942
حسن بن محمد بن قلاوون
السلطان الملك الناصر ناصر الدين ابن السلطان الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور.
ملك قهر الجبارين أخيرا، وصبحهم في مأمنهم مغيرا، وجعلهم في السجون وحدانا وكانوا أكثر نفيرا، وملأ القلوب سطوه، ولم يدع أحداً ينقل في غير الطاعة خطوه، واحتجن الأموال، وأرى الناس الغير والأهوال، وبنى المدرسة العظمى، وأنفق البلغاء فيها حواصل أفكارهم نثراً ونظما، ووقف عليها الوقوف التي تجري سيولها، وتسري في البر خيولها. إلا أن الدهر ما أمهله لتتكمل بدورها وتتأمل العيون ما تتطاول إليه قصورها، ولو تمت لخذلت مستنصرية ببغداد عندها، واعترفت لها بالتعظيم عن نية طاهرة لا عن دها:
تعنو الكواكب إجلالاً لعزتها ... وتستكين لها الأفلاك من عظم
كأنّها إرمٌ ذات العماد وإن ... زادت بمالكها فخراً على إرم
ولم يزل في عز سلطانه وجبروته، ومروره في بيد طيشه ومروته إلى أن خلع من الملك، وأنزل من درجات النعيم إلى درجات الهلك، حالة ألفها الناس من أم ذفر، وغاية لا بد منها لكل سفر، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
стр. 943
وكان قد جلس على تخت الملك أولا بعد خلع أخيه الملك المظفر حاجي في بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحضر إلى دمشق الأمير سيف الدين أسنبعا المحمودي السلاح دار وحلف له العساكر بدمشق، فاستقر بيبغاروس في نيابة مصر، والأمير منجك في الوزارة والاستاذدارية والأمير سيف الدين شيخو يقرأ القصص عليه بحضور السلطان، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن كان يوم السبت رابع عشري شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فقال السلطان يوماً بحضور القضاة، وأمراء الدولة حضور: أنا ما أنا رشيد؟ قالوا: الله الله، فقال: أنا ما أنا أهل للسلطنة؟ فقالوا: الله الله. فقال: إن كان الأمر هكذا فأمسكوا إلي هذا. وأشار إلى الوزير منجك، وكان النائب أخوه قد توجه إلى الحجاز هو والأمير سيف الدين طاز، ودبر هذا الأمر له الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور، فأمسك الوزير، وكتب إلى الأمير طاز فأمسك بيبغاروس في طريق الحجاز على ما تقدم في ترجمة بيبغاروس، وزاد مغلطاي في إمساك الأمراء والنواب، على ما تقدم، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن خلع الناصر حسن في ثامن عشري شهر جمادى الآخر نهار الاثنين سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة وأجلسوا أخاه الملك الصالح صلاح الدين صالح، على ما سيأتي في ترجمته.
ولم يزل الملك الناصر حسن بالقلعة داخل الدور السلطانية في مكان يلازمه لا يجتمع بأحد إلى أن أحس الأمير سيف الدين شيخو بأن الأمير سيف الدين جردمر أخا الأمير طاز قد قصد فتنة يثيرها، فحينئذ خلع الملك الصالح وأعاد الناصر حسن
стр. 944
إلى الملك وأجلسه على تخت السلطنة بكرة الاثنين ثاني العيد من شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وحضر الأمير عز الدين أيدمر الشمسي إلى دمشق وحلف له العساكر، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائباً، ونقل أرغون الكاملي من نيابة حلب إلى مصر، فأقام قليلاً واعتقله بالإسكندرية، واستقل بالتدبير الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين صرغتمس، وكان الأمير سيف الدين طشتمر القاسمي أمير حاجب، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن جرح الأمير شيخو على ما سيأتي في ترجمته، وأقام قليلاً ومات رحمه الله تعالى.
وأمسك الأمير طاز وأخوته، وانفرد صرغتمش بالتدبير بعد موت شيخو إلى أن أمسكه الملك الناصر حسن على ما سيأتي في ترجمته وأمسك معه جماعة، وذلك في عشري شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فصفت له الدولة ولم يشاركه أحد في التدبير، وشرع في عمارة المدرسة العظمى التي ظاهر القاهرة، ولو كملت لكانت غاية في العظم وعلو البناء واتساعه، ويقال إنه كان قد أرصد لعمارتها في كل يوم عشرين ألف درهم، وأقامت على ذلك، والعمارة لا تعطل منها يوماً واحداً ثلاث سنين وأكثر، وخلع وما نجزت عمارتها، وعلى الجملة فهي أمر عجيب.
وزاد في احتجان الأموال مصادرة الأمراء والكتاب وأصحاب الأموال، وزاد أيضاً في أخذ القرى الكبار الأمهات الأعيان من سائر المملكة الإسلامية بالشام جميعها ومصر واصطفائها لنفسه، ولم يمت أمير إلا وأخذ من إقطاعه خياره، ووفر بعض التقادم التي هي في العساكر لأمراء المئين، ولم يدع أحداً آمناً على نفسه من النواب ومن دونهم فلا يقيم النائب إلا دون السنة، وكذلك الأمراء لا يقيمون إلا أقل من سنة حتى
стр. 945
ينقلوا من إقطاعهم ومن مكانهم، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن خلعه الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبع مئة كما تقدم، وأجلس السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر حاجي، وورد إلى دمشق الأمير سيف الدين بزدار السلاح دار وحلف العساكر الشامية.
وكان بعض الأصحاب قد قصد مني نظم قصيدة أذكر فيها أمر السلطان وقهره وعمارته المدرسة المذكورة، وأن تكون واضحة بحيث يفهمها، فقلت:
إنّي بنظم مدائح السّلطان ... فتق البيان من البديع لساني
النّاصر ابن الناصر الملك الذي ... ملك القلوب بطاعة الرحمن
من بيت أملاك أبوه وجدّه ... مع إخوةٍ صالوا على الحدثان
وأبو المحاسن بينهم حسن كما ... سمّي حليف الحسن والإحسان
فتراه ما بين الملوك كأنّه ... دين النّبيّ علا على الأديان
وتراه مثل البدر والأمراء مث ... ل الزّهر في فلك من الإيوان
لا بل هو الشمس المنيرة في الضّحى ... في رونقٍ وسناً ورفعة شان
أمست ملوك الأرض خاضعة له ... في سائر الأقطار والبلدان
من عدله المشهور قد ملأ الملا ... وكأنّه كسرى أنوشروان
لوعاينته ملوك عصرٍ قد مضى ... لتقمّصوا بالذّلّ والإذعان
تتلو الحمائم في مناقب فضله ... خطباً تهزّ منابر الأغصان
стр. 946
فترقّص الأعطاف من فرحس به ... وتميل من طربٍ غصون البان
أيامه من يمنها وأمانها ... مشكورةٌ فينا بكلّ لسان
قهر الأعادي بأسه فأذلّهم ... ورماهم بالخزي والخسران
من خانه في ملكه فقد اغتدى ... متبرّياً من ربقة الإيمان
والله سلّطه على أعدائه ... ورمى الجميع بذلّة وهوان
الله أيّده ومكّن سيفه ... من عنق كلّ منافق خوّان
وترى دما أعدائه بسيوفه ... كشقائق نثرت على ريحان
لكنّه من رحمةٍ حقن الدّما ... لم يمض فيها حدّ كلّ يمان
شكراً لخالقه الذي من لطفه ... قد بات منصوراً على الأقران
وبنى بقاهرة المعزّ مدارساً ... للفقه والتحديث والقرآن
أرسى قواعدها وشيّد صرحها ... فعلت على العيّوق والدّبران
تتحيّر الأفهام في تكوينها ... فنباؤها من أعظم البنيان
ليست على وجه البسيطة مثلها ... من أرض توريز إلى أسوان
لو عاين المنصور رونقها غدا ... من دهشةٍ لحقته كالحيران
هاتيك مدرسةٌ وأمّا هذه ... فمدينةٌ في غاية الإتقان
للشافعيّ ومالكٍ وأبي حني ... فةٍ الإمام وأحمد الشيباني
هو فارس الخيل الذي تجري به ... كالبرق يوم السّبق في الميدان
فتطير أُكرته كرأس عدوّه ... لما طغى من ضربة الجوكان
وكذاك يوم الحرب إن هزّت به ... أيدي الكماة عوالي المرّان
يلقى الكفاح بوجهه وبنحره ... ويكون ليث وغىً على الفرسان
نصر الضعيف على القويّ بباسه ... فالظّلم في خزي وفي خذلان
стр. 947
والشّرع قد أعلى الإله مناره ... فتراه وهو مشيّد الأركان
فلأجل ذا تمتدّ مدّة ملكه ... محروسةً في السّرّ والإعلان
الحسن بن مظفر
بن عبد المطلب بن عبد الوهاب بن مناقب بن أحمد
الشريف العدل شمس الدين أبو محمد الحسيني المنقذي الدمشقي.
روى عن الفخر الإربلي وأبي نصر بن الشيرازي وعبد العزيز بن الدجاجية، وإبراهيم الخشوعي، وناب في الحبسة مديدة، وكان في جملة الشهود.
وسمع منه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان قد ابتلي ببلغم، فكان إذا مشى تعدو بغير اختياره، ثم يسقط ويستريح ويقوم.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
الحسن بن منصور بن محمد بن المبارك
جلال الدين بن شواق، بالشين المعجمة والواو المشددة وبعد الألف قاف، الإسنائي.
كان جواداً كريما، عاقلاً حليما، فاضلاً أديبا، كاملاً لبيبا، نبيه القدر، واسع الصدر، يشعر فيأتي بالرياض اليانعه، ويهز بالطرب سامعه، أبي النفس لا يرى الضيم، ولا تدخل غادة شمسه تحت ستر غيم.
لم يزل في نفاسته ومعارج رياسته إلى أن هبط من أوج قدره إلى حضيض قبره.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة.
стр. 948
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
كان بنو السديد بإسنا يحسدونه ويعملون عليه، فعلموا عليه بعض العوام، فرماه بالتشيع. ولما حضر بعض الكاشفين إلى إسنا حضر إليه شخص يسمى عيسى بن إسحاق وأظهر التوبة من الرفض، وأتى بالشهادتين، وقال: إن شيخنا ومدرسنا حضر إليه في هذا جلال الدين بن شواق، فصادره الكاشف؛ أخذ ماله، فجاء إلى القاهرة، وعرض عليه أن يكون في ديوان الإنشاء فلم يفعل، وقال: لا، تركت أولادي يقال لهم من بعدي: أبوكم خدم وعرض عليه أن يكون شاهد ديوان حسام الدين لاجين قبل السلطنة فلم يفعل.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: أخبرني الفقيه العدل حاتم بن النفيس الإسنائي أنه تحدث معه في شيء من مذهب الشيعة فحلف أن يحب الصحابة ويعظمهم ويعترف بفضلهم، قال: إلا أني أقدم عليهم علياً.
ومن شعره:
رأيت كرماً ذاوياً ذابلاً ... وربعه من بعد خصب محيل
فقلت إذ عاينته ميّتاً ... لا غرو أن شقّت عليه النّخيل
ومن شعره يمدح سيدنا رسول الله ﷺ :
هوا طيبة أهواه من حيث أرّجا ... فعوجا بنا نحو العقيق وعرّجا
وسيروا بنا سيراً حثيثاً ملازماً ... ولا تنيا فالعيس لم تعرف الوجى
стр. 949
ومن شعره:
كيف لا يحلو غرامي وافتضاحي ... وأنا بين غبوقٍ واصطباح
مع رشيقٍ القدّ معسول اللمى ... أسمرٍ فاق على سمر الرّماح
جوهريّ الثّغر ينحو عجباً ... رفّع المرضى لتعليل الصّحاح
نصب الهجر على تمييزه ... وابتدا بالصّدّ جدّاً في مزاح
فلهذا صار أمري خبراً ... شاع في الآفاق بالقول الصّراح
يا أُهيل الحيّ من نجدٍ عسى ... تجبروا قلب أسيرٍ من جراح
لو خفضتم حال صبٍّ جازم ... ماله نحو حماكم من براح
ليس يصغي قول واشٍ سمعه ... فعلى ماذا سمعتم قول لاح
ومحوتم اسمه من وصلكم ... وهو في رسم هواكم غير ماح
وصحا كلّ محبٍّ ثملٍ ... وهو من خمر هواكم غير صاح
ولئن أفرطتم في هجره ... ورأيتم بعده عين الصلاح
فهو لاج لأُولي آل العبا ... معدن الإحسان طرّا والسّماح
قلّدوا أمراً عظيماً شانه ... فهو في أعناقهم مثل الوشاح
أمناء الله في السّرّ الذي ... عجزت عن حلمه أهل الصّلاح
هم مصابيح الدّجى عند السّرى ... وهم أُسد الشّرى عند الكفاح
قلت: شعر ابن شواق يشوق، ويحلي الأجياد ويطوق.
стр. 950
حسن بن نصر
الصدر نبيه الدين الإسعدي.
كان محتسب القاهرة، ولما تولى الصاحب ضياء الدين النشائي الوزارة تولى هو نظر الدواوين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة، ودفن برا باب النصر بالقاهرة، وصلى عليه الشيخ نصر المنبجي.
الحسن بن هارون بن حسن
الفقيه الصالح نجم الدين الهذباني الشافعي أحد أصحاب الشيخ محيي الدين النووي.
كان ديناً خيراً ورعاً.
سمع من ابن عبد الدائم.
ولم يحدث لأنه توفي - رحمه الله تعالى - كهلاً سنة تسع وتسعين وست مئة في تاسع شعبان.
الحسن بن هبة الله بن عبد السيد
شمس الدين الأدفوي
следующие страницы →