← Книги сунны

Книги сунны · id 13223

الترغيب والترهيب - المنذري - ت عمارة

عبد العظيم المنذري

Полный текст (2 467 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وعليه بُرْدٌ (١) نجرانيٌ غليظُ الحاشية (٢)، فأدركهُ أعرابيٌ، فجذبهُ (٣) بردائهِ جَذْبَةً شديدةً، فنظرتُ إلى صَفْحَةِ عُنُقِ رسول الله ﷺ ، وقد أثَّرَ بها (٤) حاشيةُ الرداء من شدة جَذْبَتِهِ، ثم قال: يا محمدُ مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمَرَ له بِعَطَاء (٥) " رواه البخاري ومسلم. وجبت محبة الله على من أغضب فحلم ٢١ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: "كأني أنظرُ إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضَرَبَهُ قومهُ، فأدْمَوْهُ (٦)، وهو يمسحُ الدم عن وجههِ، ويقولُ: اللهم اغفر (٧) لقومي فإنهم لا يعلمون" رواه البخاري ومسلم. ٢٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَجَبَتْ محبةُ الله على من أُغْضِبَ (٨) فَحَلُمَ" رواه الأصبهاني، وفي سنده أحمد بن داود بن عبد الغفار المصري شيخ الحاكم، وقد وثقه الحاكم وحده. ٢٣ - وتقدم حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُنَبِّئُكُمْ بما يُشَرِّفُ الله به البُنيان، ويرفعُ به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تَحْلُمُ على من جَهِلَ (٩) عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتُعْطِي من حرمك، وتَصِلُ من قَطَعَكَ" رواه الطبراني والبزار. ٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1647

"ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسهُ عند الغضبِ (١) " رواه البخاري ومسلم. [قال الحافظ]: وسيأتي باب في الغضب ودفعه إن شاء الله تعالى.

стр. 1648

الترغيب في طلاقة الوجه، وطيب الكلام، وغير ذلك مما يذكر ١ - عن أبي ذرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ (١) " رواه مسلم. ٢ - وعن الحسن ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مِنَ الصدقة أن تُسَلِّمَ على الناس، وأنت طليقُ الوجهِ" رواه ابن أبي الدنيا، وهو مرسل. ٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ معروفٍ صدقةٌ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ، وأن تُفْرِغَ (٢) من دَلْوِكَ في إناء أخيك" رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصدرُه في الصحيحين من حديث حذيفة وجابر.

стр. 1649

تبسمك في وجه أخيك صدقة ٤ - وعن أبي ذرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقةٌ، وأمْرُكَ بالمعروف، ونَهيُكَ عن المنكر صدقةٌ، وإرشادك الرجل في أرض (١) الضلال لك صدقةٌ، وإماطتك الأذى (٢) والشَّوْكَ والْعَظْمَ عن الطريق لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أخيك لك صدقةٌ" رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، وزاد: "وبَصَرُكَ للرجلِ الرَّدِئ البَصَرِ لكَ صدقة". ٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ تبسمك في وجه أخيك يُكْتَبُ لك به صدقةٌ، وإماطتك الأذى عن الطريق يُكتبُ لك به صدقةٌ، وإنَّ أمْرَكَ بالمعروف صدقةٌ، وإرشادكَ الضال (٣) يُكْتَبُ لك به صدقةٌ" رواه البزار والطبراني من رواية يحيى بن أبي عطاء، وهو مجهول. ٦ - وعن أبي جُرِيٍّ الْهُجَيْمِي ﵁ قال: "أتيتُ رسول الله ﷺ : فقلتُ يا رسول الله: إنا قومٌ من أهل الباديةِ، فَعَلِّمْنَا شيئاً ينْفَعُنَا الله به؟ فقال: لا تَحْقِرَنَ من المعروف شيئاً، ولو أن تُفرغَ من دَلوكَ في إناء المُسْتَسْقِي (٤)، ولو أن تُكلمَ أخاك، ووجهكَ إليه مُنْبَسِطٌ، وإياك وإسبالَ (٥) الإزارِ فإنه من المخيلة (٦)، ولا يُحِبُّهَا اللهُ، وإن امرؤ شَتَمَكَ بما يعلمُ فيك فلا تشتمهُ بما تعلمُ فيه، فإن أجرهُ لك وَوَبَالَهُ (٧) على من قالهُ" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي مفرّقاً، وابن حبان في صحيحه واللفظ له. ٧ - وفي رواية النسائي: "فقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً أن تأتيهُ، ولو أن تَهَبَ صَلَةَ الْحَبْلِ، ولو أن تُفرغَ من دلوك في إناء المُستسقي، ولو أن تلقى أخاك المسلم ووجهك

стр. 1650

بَسطٌ إليه، ولو أن تُونِسَ (١) الوَحْشَانَ بنفسك، ولو أن تَهَبَ الشِّسْعَ (٢) ". الكلمة الطيبة صدقة ٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ" رواه البخاري ومسلم في حديث. ٩ - وعن عدي بن حاتمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار (٣)، ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمة طيبةٍ" رواه البخاري ومسلم. ١٠ - وعن المقدام بن شُريحٍ عن أبيه عن جده ﵃ قال: قُلْتُ يا رسول الله حَدِّثْنِي بشيء يُوجبُ لي الجنة، قال: مُوجبٌ الجنة (٤) إطعامُ الطعامِ، وإفشاء السلامِ (٥) وَحُسْنُ الكلامِ" رواه الطبراني بإسنادين رواة أحدهما ثقات، وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، والحاكم إلا أنهما قالا: "عليك بِحُسْنِ الكلام، وبَذْلِ الطعامِ" وقال الحاكم: صحيح ولا علة له، رواه البزار من حديث أنس، "قال: قال رجلٌ للنبي ﷺ : عَلِّمْنِي عملاً يُدْخِلُنِي الجنة؟ قال: أطعِمِ الطعامَ، وأفْشِ السلامَ، وأطِبِ الكلامَ، وَصَلِّ (٦) بالليل والناسُ نيامٌ تدخل الجنة بسلامٍ". ١١ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غُرْفَةً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالكٍ الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً

стр. 1651

والناسُ نيامٌ" رواه الطبراني والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وتقدمت جملة من أحاديث هذا النوع في قيام الليل، وإطعام الطعام. الترغيب في إفشاء السلام، وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له ١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال تُطعم الطعام (١)، وتقرأ السلام (٢) على من عرفت، ومن لم تعرف" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا (٣)، ولا تؤمنوا حتى تحابوا (٤)، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. ٣ - وعن ابن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1652

"دَبَّ (١) إليكم داءُ الأمم قبلكم: البغضاء والحسدُ، والبغضاءُ هي الحالقة (٢) ليس حالقةَ الشعر، ولكن حالقةُ الدِّين، والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة تحتى تؤمنوا (٣)، ولا تؤمنوا حتى تحابوا (٤) ألا أُنبئكم بما يُثبتُ لكم ذلك؟ أفشوا (٥) السلام بينكم" رواه البزار بإسناد جيد. ٤ - ورويَ عن شيبةَ الحُجَبِيِّ عن عمه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ يُصْفِينَ (٦) لك وُدَّ أخيكَ: تُسَلِّمُ عليه إذا لقيتهُ، وتُوسعُ له في المجلس، وتدعوهُ بأحبِّ (٧) أسمائه إليه" رواه الطبراني في الأوسط. ٥ - وعن البراء ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أفشوا السلام تَسْلَمُوا" رواه ابن حبان في صحيحه. ٦ - وعن أبي يوسف عبد الله بن سلامٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وَصَلُّوا بالليل (٨) والناس نيامٌ تدخلوا الجنة بسلامٍ (٩) " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ٧ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اعبدوا الرحمن (١٠)، وأفشوا السلام وأطعموا الطعام تدخلوا الجنان (١١) " رواه الترمذي وصححه، وابن حبان في صحيحه، واللفظ له. [قال الحافظ]: وتقدم غيرُ ما حديث من هذا النوع في إطعام الطعام وغيره. ٨ - وعن أبي شُريحٍ ﵁ أنه قال: "يا رسول الله أخبرني بشيء يُوجبُ

стр. 1653

لي الجنة؟ قال: طِيبُ الكلام (١)، وبذلُ السلامِ، وإطعامُ الطعام" رواه الطبراني، وابن حبان في صحيحه في حديث، والحاكم وصححه. ٩ - وتقدم في رواية جيدة للطبراني قال: "قُلتُ يا رسول الله: دُلَّني على عمل يُدخلُني الجنة؟ قال: إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحُسنَ الكلام". ١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "حقُّ المسلمِ على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ (٢) المريض، واتباعُ (٣) الجنائز، وإجابةُ الدعوة (٤) وتشميتُ (٥) العاطس" رواه البخاري ومسلم وأبو داود. ولمسلم: "حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ (٦) قيل: وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتهُ، فَسَلِّمْ عليه (٧)، وإذا دعاك فأجِبْهُ (٨)، وإذا استنصحك (٩)، فانصحْ له، وإذا عطس، فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وإذا مرض فَعُدْهُ (١٠)، وإذا مات فاتْبَعْهُ (١١) " ورواه الترمذي، والنسائي بنحو هذه. ١١ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفشوا السلام كي تَعْلُوا (١٢) " رواه الطبراني بإسناد حسن.

стр. 1654

إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ١٢ - وعن الأغَرِّ أغَرِّ مُزَيْنَةَ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أمَرَ لي بِجَريبٍ (١) من تَمْرٍ عند رجلٍ من الأنصار، فَمَطَلني (٢) به. فَكَلَّمْتُ فيه رسول الله ﷺ ، فقال: اغْدُ (٣) يا أبا بكرٍ، فَخُذْ لهُ تمرهُ، فوعدني أبو بكرٍ المسجدَ إذا صلينا الصُّبْحَ فوجدتهُ حيث وعدني، فانطلقنا، فكلما رأى (٤) أبا بكرٍ رجلٌ من بعيدٍ سَلَّمَ عليه، فقال أبو بكرٍ ﵁: أما ترى ما يُصيبُ (٥) القومَ عليك من الفضلِ (٦)؟ لا يسبقك إلى السلام أحدٌ، فَكُنَّا إذا طلع الرجلُ من بعيدٍ بادرناه (٧) بالسلام قبل أن يُسَلِّمَ علينا" رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رواته محتج بهم في الصحيح. ١٣ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أوْلَى (٨) الناس بالله من بدأهم بالسلام" رواره أبو داود والترمذي وحسنه، ولفظه: "قيل يا رسول الله: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: أوْلاَهُمَا بالله تعالى". ١٤ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ، فهو أفضل (٩) " رواه البزار وابن حبان في صحيحه. ١٥ - وعن عبد الله، يعني ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "السلام (١٠) اسمٌ من أسماء الله تعالى وضعهُ في الأرضِ فأفشوه بينكم فإن الرجل

стр. 1655

المسلم إذا مَرَّ بقومٍ فَسَلَّمَ عليهم، فَرَدُّوا عليه كان له عليهم فضلُ درجةٍ بتذكيره إياهمُ السلام، فإن لم يردوا عليه ردَّ عليه من هو خيرٌ منهم" رواه البزار والطبراني، وأحد إسنادي البزار جيد قوي. ما جاء في بدء السلام ورده ١٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ فَتُفَرِّقُ بيننا شجرةٌ فإذا التقينا يُسَلِّمُ بعضنا على بعضٍ" رواه الطبراني بإسناد حسن. ١٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليستِ الأولى بأحقَّ من الآخرةِ" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي. وزاد رزين: "ومن سَلَّمَ على قومٍ حين يقومُ عنهم كان شريكهم فيما خاضوا من الخير بعده". ١٨ - وروي أحمد من طريق ابن لهيعة عن زبان فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: " حقٌّ على من قام على جماعةٍ أن يُسَلِّمَ عليهم وحقٌّ على من قام من مجلسٍ أن يُسَلِّمَ، فقام رجلٌ ورسول الله ﷺ يتكلمُ فلم يُسَلِّمْ، فقال رسول الله ﷺ : ما أسرعَ ما نسيَ". ١٩ - وعن معاوية بن قُرَّةَ عن أبيه ﵁ قال: "يا بُنَيَّ إذا كنت في مجلسٍ ترجو خيرهُ، فَعَجِلَتْ بك حاجةٌ، فقل: السلام عليكم، فإنك شريكهم فيما يُصيبون في ذلك المجلس" رواه الطبراني موقوفاً هكذا، ومرفوعاً، والموقوف أصح. ٢٠ - وعن عمران بن الحصين ﵁ قال: "جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: السلام عليكم، فَرَدَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : عَشْرٌ (١) ثم جاء آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فَرَدَّ فجلس، فقال عشرون، ثم جاء آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فَرَدَّ فجلسَ،

стр. 1656

فقال: ثلاثون" رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي وحسنه أيضاً، ورواه أبو داود أيضاً من طريق أبي مرحوم، واسمه عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعاً بنحوه. وزاد: "ثم أتى آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرتهُ، فقال: أربعون، قال: هكذا تكون الفضائلُ". فضائل السلام وأنواع من البر ٢١ - ورويَ عن سهل بن حُنيفٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: السلام عليكم، كُتبتْ له عشر حسناتٍ، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله كُتبتْ له عشرون حسنةً، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كُتبتْ له ثلاثون حسنةً" رواه الطبراني. ٢٢ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً مَرَّ على رسول الله ﷺ ، وهو في مجلسٍ، فقال: سلامٌ عليكم، فقال: عشر حسناتٍ، ثم مَرَّ آخرُ فقال: سلامٌ عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنةً، ثم مَرَّ آخرُ فقال: سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنةً، فقام رجلٌ من المجلسِ، ولم يُسَلِّمْ، فقال النبي ﷺ : ما أوشكَ ما نَسِيَ صاحبكم. إذا جاء أحدكم إلى المجلس، فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة" رواه ابن حبان في صحيحه. [ما أوشك]: أي ما أسرع. ٢٣ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أربعون خصلةً أعلاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ (١) ما من عاملٍ يعملُ بخصلةٍ منها رجاء ثوابها، وتصديقَ موعودها إلا أدخلهُ الله بها الجنة. قال حسانُ: فعددنا ما دون مَنِيَحةِ العَنْزِ من رَدِّ

стр. 1657

السلام، وتشميت العاطسِ، وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن تبلغ خمس عشرةَ" رواه البخاري وغيره. أعجز الناس من عجز في الدعاء ٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعجزُ الناسِ من عجز (١) في الدعاء، وأبخلُ الناس من بَخِلَ (٢) بالسلام" رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يُروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. [قال الحافظ]: وهو إسناد جيد قوي. ٢٥ - وعن عبد الله بن مُغْفَلٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسْرَقُ الناس الذي يسرقُ صلاتهُ، قيل: يا رسول الله، وكيف يسرقُ صلاتهُ؟ قال: لا يُتمُّ رُكوعها، ولا سجودها، وأبخلُ الناس من بخل بالسلام" رواه الطبراني بإسناد جيد. ٢٦ - وعن جابرٍ ﵁: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلانٍ في حائطي عَذْقاً (٣)، وإنه قد آذاني، وشَقَّ عليَّ مكان عَذْقِهِ، فأرْسَلَ إليهِ رسول الله ﷺ فقال: بِعْني عَذْقَكَ الذي في حائط فلانٍ، قال: لا. قال: فَهَبْهُ لي. قال: لا. قال: فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ في الجنة. قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : ما رأيتُ الذي هو أبخلُ منك إلا الذي يَبْخَلُ بالسلام" رواه أحمد والبزار، وإسناد أحمد لا بأس به. [قال الحافظ]: وتقدم فيما يقول إذا دخل بيته أحاديث من السلام، فأغنى عن إعادتها هنا.

стр. 1658

من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ٢٧ - وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحَبَّ أن يتمثل (١) له الرجالُ قياماً، فليتبوأ (٢) مقعدهُ من النار" رواه أبو داود بإسناد صحيح والترمذي، وقال: حديث حسن. ٢٨ - وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئاً على عصاً، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقومُ الأعاجمُ (٣) يُعَظِّمُ بعضها بعضاً" رواه أبو داود وابن ماجة، وإسناده حسن. فيه أبو غالب، واسمه حزور ويقال نافع، ويقال: سعيد بن الحزور، فيه كلام طويل ذكرته في مختصر السنن وغيره، والغالب عليه التوثيق، وقد صحح له الترمذي وغيره، والله أعلم. الترغيب في المصافحة، والترهيب من الإشارة في السلام وما جاء في السلام على الكفار ١ - عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من

стр. 1659

مُسْلِمَيْنِ يلتقيانِ فيتصافحان (١) إلا غُفِرَ (٢) لهما قبل أن يتفرقا" رواه أبو داود والترمذي كلاهما من رواية الأجلح عن أبي إسحاق عن أبي البراء، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. ٢ - وفي رواية لأبي داود: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمانِ فتصافحا وحمدا الله (٣) واستغفراهُ غُفِرَ لهما". [قال الحافظ]: وفي هذه الرواية أبو بلج، بفتح الباء وسكون اللام بعدها جيم، واسمه يحيى بن سليم، ويقال: يحيى بن أبي الأسود، ويأتي الكلام عليه، وعلى الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله أبو حجبة الكندي، وإسناد هذا الحديث فيه اضطراب. ٣ - وروى الطبراني عن أبي داود الأعمى، وهو متروكٌ قال: "لقيني البراء بن عازبٍ، فأخذ بيدي وصافحني، وضحك في وجهي، ثم قال أتدري: لِمَ أخذتُ بيدك؟ قلتُ: لا. إلا أنني ظننتُ أنك لم تفعلهُ إلا لخيرٍ، فقال: إن النبي ﷺ لقيني، ففعل بي ذلك، ثم قال: تدري لِمَ فعلت بك ذلك؟ قلت: لا. قال: قال النبي ﷺ : إن المُسْلِمَيْنِ إذا التقيا وتصافحا، وضحكَ (٤) كلٌّ منهما في وجهِ صاحبهِ، لا يفعلان ذلك إلا لله، لم يتفرقا حتى يُغفرَ لهما". ٤ - وعن أنسٍ ﵁ عن نبي الله ﷺ قال: "ما من مُسْلِمَيْنِ التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقاً على الله أن يَحْضُرَ (٥) دُعاءهُما ولا يُفَرِّقُ بين أيديهما حتى يغفر لهما" رواه أحمد، واللفظ له والبزار وأبو يعلى، ورواة أحمد كلهم ثقات إلا ميمون المرادي، وهذا الحديث مما أنكر عليه.

стр. 1660

٥ - وعنه ﵁ قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا" رواه الطبراني، ورواته محتج بهم في الصحيح. ٦ - وعن حُذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا لقيَ المؤمن، فَسَلَّمَ عليه، وأخذ بيده، فصافحهُ تناثرتْ (١) خطاياهما كما يتناثرُ ورقُ الشجر" رواه الطبراني في الأوسط، ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً. ٧ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ لقيَ حذيفة فأراد أن يُصافحهُ، فتنحى حُذيفةُ، فقال إني كنتُ جُنُباً، فقال: إن المسلم إذا صافح أخاه تحاتَّتْ (٢) خطاياهما كما يتحاتُّ ورقُ الشجر" رواه البزار من رواية مصعب بن ثابت. ٨ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المُسْلِمَيْنِ إذا التقيا فتصافحا وتساءلا (٣) أنزل الله بينهما مائة رحمةٍ: تسعةً وتسعينَ لأبَشِّهِمَا وأطلقَهِمِا وأبَرِّهِمَا وأحسنهما مساءلةً بأخيه (٤) " رواه الطبراني بإسناد فيه نظر. [لأبشهما]: أي لأكثرهما بشاشة، وهي طلاقة الوجه مع الفرح والتبسم وحسن الإقبال واللطف في المسألة. [وأطلقهما]: أي أكثرهما وأبلغهما طلاقة، وهي بمعنى البشاشة. ٩ - ورويَ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى الرجلان المسلمان، فَسَلَّمَ أحدهما على صاحبه، فإن أحَبَّهُمَا إلى اللهِ أحسنُهُمَا بِشْراً لصاحبه، فإذا تصافحا نزلت عليهما مائةُ رحمةٍ، وللبادي منهما تسعون، وللمُصافَحِ عشرةٌ" رواه البزار. ١٠ - وعن سلمان بن الفارسيِّ ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن المسلمَ إذا لقيَ أخاهُ، فأخذ بيده تحاتَّتْ عنهما ذنوبهما كما يتحاتُّ الورقُ عن الشجرةِ

стр. 1661

اليابسة في يوم ريحٍ عاصفٍ (١)، وإلا غُفِرَ لهما، ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر" رواه الطبراني بإسناد حسن. ١١ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من تمام التحية الأخذُ باليد" رواه الترمذي عن رجل لم يسمه عنه، وقال: حديث غريب. ١٢ - وعن قتادة قال: "قلتُ لأنس بن مالكٍ ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" رواه البخاري والترمذي. ١٣ - وعن أيوبَ بن بشيرٍ العدويِّ عن رُجلٍ من عَنْزَةَ قال: "قلتُ لأبي ذرٍ حيث سِيرَ إلى الشام: إني أريدُ أن أسألك عن حديثٍ من حديث رسول الله ﷺ ؟ قال: إذَنْ أُخْبِرَكَ به إلا أن يكون شراً، قلتُ: إنه ليس بشرٍ: هل كان رسول الله ﷺ يُصافحكم إذا لقيتموهُ؟ قال: ما لقيتهُ قَطُّ إلا صافحني وبعثَ إليَّ ذاتَ يومٍ، ولم أكن في أهلي، فجئتُ فأُخْبِرْتُ أنه أرسل إليَّ، فأتيتهُ وهو على سريرهِ فَالْتَزَمَنِي، فكانت تلك أجودَ وأجودَ (٢) " رواه أبو داود، والرجل المبهم اسمه عبد الله مجهول. ١٤ - وعن عطاءٍ الخراساني أن رسول الله ﷺ قال: "تصافحوا يذهب عنكم الغِلُّ (٣)، وتهادوا تحابوا وتذهبَ الشحناء (٤) " رواه مالك هكذا معضلاً وقد أسند من طرق فيها مقال. ١٥ - ورويَ عن عمرو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جده ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا (٥) من تشبه بغيرنا لا تَشَبَّهُوا (٦) باليهود

стр. 1662

ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهودِ الإشارةُ بالأصابعِ (١)، وإن تسليم النصارى بالأكُفِّ" رواه الترمذي والطبراني، وزاد: "ولا تَقُصُّوا النَّوَاصيَ (٢)، وأحْفُوا الشارب (٣)، وأعفوا اللحا (٤)، ولا تمشوا في المساجد والأسواق، وعليكمُ القُمُصُ (٥) إلا وتحتها الأزُرُ (٦) ". ١٦ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسليمُ الرجل بأصْبُعٍ واحدةٍ يشيرُ بها فِعْلُ اليهود" رواه أبو يعلى، ورواته رواة الصحيح، والطبراني واللفظ له. ١٧ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ، فاضطروهم إلى أضيقه" رواه مسلم، واللفظ له، وأبو داود والترمذي. ١٨ - وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سَلَّمَ عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم (٧) " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، ومن نوع هذين الحديثين كثير ليس من شرط كتابنا فتركناها. الترهيب أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اطلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حَلَّ لهم أن يفقئوا (٨) عينهُ" رواه البخاري ومسلم وأبو داود إلا أنه قال:

стр. 1663

ففقئوا عَيْنَهُ فقد هُدِرَتْ (١) ". ٢ - وفي رواية للنسائي أن النبي ﷺ قال: "من اطلعَ في بيتِ قومٍ بغير إذنهم، ففقئوا عينهُ، فلا دِيَةَ لهُ (٢) ولا قصاص (٣) ". ٣ - وعن أبي ذرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجلٍ كشف ستراً (٤)، فأدخل بصرهُ قبل أن يؤذن له، فقد أتى حداً (٥) لا يحلُّ له أن يأتيهُ، ولو أن رجلاً فقأ عينهُ لَهُدِرَتْ، ولو أن رجلاً مَرَّ على بابٍ لا سِتْرَ لهُ، فرأى عورةَ أهلهِ، فلا خطيئة عليه إنما الخطيئةُ على أهل المنزلِ (٦) " رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح إلا ابن لهيعة، ورواه الترمذي، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. ٤ - وعن عُبادةَ، يعني ابن الصامت ﵁: "أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن الاستئذان (٧) في البيوت؟ فقال: من دخلت عَيْنُهُ قبل أن يستأذن، وَيُسَلِّمَ، فلا إذن، وقد عصى ربهُ (٨) " رواه الطبراني من حديث إسحاق بن يحيى عن عُبادة، ولم يسمع منه، ورواته ثقات. ٥ - وعن أنسٍ ﵁: "أن رجلاً اطلع من بعض حُجَرِ النبي ﷺ ، فقام إليه النبيُّ ﷺ بِمِشقَصٍ أو بِمَشَاقِصَ، فكأني أنْظُرُ إليه يختلُ الرجلَ ليطعنهُ" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، ولفظه: "أن أعرابياً أتى باب النبي ﷺ فألقَمَ عَيْنَهُ خصاصةَ البابِ، فبَصُرَ بهِ النبي ﷺ ، فَتَوَخَّاهُ بحديدةٍ أو عُودٍ ليفقأ عَيْنَهُ، فلما أن أبصرهُ انقمعَ،

стр. 1664

فقال له النبي ﷺ : أما إنك لو ثَبَتَ عليكَ لفقأت عينك" [المشقص] بكسر الميم بعدها شين معجمة ساكنة، وقاف مفتوحة: هو سهم له نصل عريض، وقيل: طويل. وقيل: هو النصل العريض نفسه، وقيل: الطويل. [يختله] بكسر التاء المثناة فوق: أي يخدعه ويراوغه. [وخصاصة الباب] بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين: هي الثقب فيه والشقوق، ومعناه أنه جعل الشق الذي في الباب محاذياً عينه. [توخاه] بتشديد الخاء المعجمة: أي قصده. إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ٦ - وعن سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁: "أن رجلاً اطلعَ على رسول الله ﷺ من حُجْرٍ (١) في حُجْرَةِ النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مِدْرَاةٌ (٢) يَحُكُّ بها رأسهُ، فقال النبي ﷺ : لو علمتُ أنك تنظرُ لطعنتُ بها في عينكَ (٣) إنما جُعِلَ الاستئذانُ (٤) من أجل البَصَرِ" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ٧ - وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يفعلهنَّ: لا يَؤمُّ (٥) رجلٌ فَيَخُصَّ نفسهُ بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم (٦)، ولا ينظرُ في قَعْرِ (٧) بيتٍ قبل أن يستأذنَ، فإن فعلَ فقد دخل (٨)، ولا يُصَلِّي وهو حَقِنٌ (٩) حتى يتخفف (١٠) " رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي وحسنه وابن ماجة مختصراً، ورواه أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة.

стр. 1665

٨ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تأتوا البيوتَ من أبوابها، ولكنِ ائتوها من جوانبها (١) فاستأذنوا، فإن أُذِنَ لكم فادخلوا، وإلا فارجعوا" رواه الطبراني في الكبير من طرق أحدها جيد. الترهيب أن يتسمع حديث قوم يكرهون أن يسمعه ١ - عن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من تَحَلَّمَ بِحُلْم (٢) لم يَرَهُ كُلِّفَ (٣) أن يَعْقِدَ بين شَعِيرَتَيْنِ ولن يفعل (٤)، ومن استمعَ إلى حديث قومٍ، وهم له كارهون (٥) صُبَّ في أذنيه الآنكُ يوم القيامة، ومن صَوَّرَ صُورَةً عذِّبَ، أو كُلِّفَ أن ينفخَ فيها الروح: وليس بنافخٍ (٦) " رواه البخاري وغيره.

стр. 1666

[الآنك] بمد الهمزة وضم النون: هو الرصاص المذاب. الترغيب في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط ١ - عن عامر بن سعدٍ قال: "كان سعد بن أبي وقاص في بيته، فجاءهُ ابنهُ عمر فلما رآهُ سعدٌ قال: أعوذُ بالله من شرِّ هذا الراكبِ، فنزل فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغنمكَ، وتركتَ الناس يتنازعون المُلْكَ بينهم، فضرب سعدٌ في صدرهِ، وقال اسكتْ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يُحِبُّ العبدَ التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ" رواه مسلم. [الغني]: أي الغني النفس القنوع. ٢ - وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: "قال رجلٌ أيُّ الناس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: مؤمنٌ يُجاهدُ بنفسهِ ومالهِ في سبيل الله. قال: ثم مَنْ؟ قال: ثم رجلٌ مُعْتَزِلٌ (١) في شِعْبٍ (٢) من الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ". ٣ - وفي رواية: "يتقي الله وَيَدَعُ الناسَ من شَرِّهِ" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ورواه الحاكم بإسناد على شرطهما إلا أنه قال: "عن النبي ﷺ أنه سُئل: أيُّ المؤمنين أكملُ إيماناً؟ قال: الذي يُجاهد بنفسه ومالهِ، ورجلٌ يعبدُ ربهُ في شِعْبٍ من الشعاب، وقد كَفَى الناس شَرَّهُ". ٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُوشكُ أن يكون خير مال المسلم غَنَمٌ يَتَّبِعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدينه من الفتن" رواه مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [شعف الجبال] بالشين المعجمة والعين المهملة مفتوحتين: هو أعلاها ورءوسها. ٥ - وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أنه قال مِنْ خَيْرِ

стр. 1667

مَعَايِشِ الناس لهم رجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سبيل الله يطيرُ على مَتْنِهِ (١) كُلما سمع هَيْعَةً (٢) أو فَزْعَةً (٣) طار عليه يبتغي (٤) القتلَ أو الموت مَظَانَّهُ، ورجلٌ في غُنَيْمَةٍ في رأس شَعَفَةٍ من هذه الشُّعَفِ، أو بطن وادٍ من هذه الأوديةِ يُقيمُ الصلاة، ويؤتي الزكاةَ، ويعبدُ ربهُ حتى يأتيهُ اليقينُ (٥) ليس من الناس إلا خيرٍ" رواه مسلم، وتقدم بشرح غريبه في الجهاد. ٦ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الناس: رجلٌ مُمسك بعنان (٦) فرسهِ في سبيل الله. ألا أخبركم بالذي يتلوهُ: رجلٌ مُعتزلٌ في غُنيمةٍ له يؤدي حق الله فيها. ألا أخبركم بِشَرِّ الناس؟ رجلٌ يُسْألُ بالله ولا يُعْطي" رواه النسائي والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن غريب، وابن حبان في صحيحه، ولفظه: "أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم جلوسٌ في مجلسٍ لهم فقال: ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: رجلٌ أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموتَ أو يُقتلَ. ألا أخبركم بالذي يليه؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: امرؤ معتزلٌ في شعبٍ يُقيمُ الصلاة، ويؤتي الزكاةَ، ويعتزل (٧) شُرورَ الناس. ألا أخبركم بشرِّ الناس؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يُسأل بالله، ولا يُعطي" ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب العزلة من حديثه، ورواه أيضاً هو والطبراني من حديث أم مبشر الأنصارية أطول منه. ٧ - وعن معاذ بن جبلٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جاهد في سبيل الله كان ضامناً على الله، ومن عاد مريضاً كان ضامناً على الله، ومن

стр. 1668

دخل على إمامهِ يُعَزِّرُهُ (١) كان ضامناً (٢) على الله، ومن جلس في بيتهِ لم يغتبْ (٣) إنساناً كان ضامناً على الله" رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان، واللفظ له، وعند الطبراني: "أو قعد في بيته فَسَلِمَ الناسُ منهُ، وَسَلِمَ من الناس" وهو عند أبي داود بنحوه، وتقدم لفظه، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة، ولفظه: "قال: خصالٌ ستٌّ ما من مُسلمٍ يموتُ في واحدةٍ منهنَّ إلا كان ضامناً على الله أن يدخُلَ الجنة، فذكر منها: ورجلٌ في بيته لا يغتاب المسلمين ولا يَجُرُّ إليهم سُخْطاً ولا نِقْمَةً". ٨ - ورويَ عن سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أعجبَ الناس إليَّ رجلٌ يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويُعَمِّرُ ماله (٤)، ويحفظ دينه، ويعتزلُ الناس" رواه ابن أبي الدنيا في العزلة. ٩ - وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طُوبى (٥) لمن مَلَكَ لسانهُ، وَوَسِعَهُ بَيْته، وبكى على خطيئته (٦) " رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وحسن إسناده. ١٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: "قلتُ يا رسول الله: ما النجاةُ (٧) قال: أمْسِكْ (٨) عليك لسانكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ (٩)، وَابْكِ على خطيئتك (١٠) " رواه

стр. 1669

الترمذي وابن أبي الدنيا والبيهقي، كلهم من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وقال الترمذي: حديث حسن. ١١ - وعن مكحولٍ ﵁ قال: "قال رجلٌ: متى قيام الساعة (١) يا رسول الله؟ قال: ما المسئول عنها بأعلمَ من السائلِ (٢)، ولكن لها أشراطٌ (٣) وتقاربُ أسواقٍ. قالوا: يا رسول الله وما تقاربُ أسواقها؟ قال: كسادها (٤) وَمَطَرٌ (٥) ولا نباتَ، وأن تَفْشُوَ (٦) الغيبةُ وتَكْثُرَ أولادُ البغيةِ (٧)، وأن يَعُظَّمَ ربُّ المالِ (٨)، وأن تعلوَ أصواتُ الفَسَقَةِ (٩) في المساجد، وأن يظهر (١٠) أهلُ المنكرِ على أهل الحقِّ. قال رجلٌ: فما تأمرني (١١)؟ قال: فِرَّ بدينكَ (١٢) وَكُنْ حِلْساً من أحْلاَسِ بيتكَ" رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلاً. ١٢ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين أيديكم فتناً (١٣) كَقِطَعِ الليلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرجلُ فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً،

стр. 1670

ويمسي مؤمناً، ويصبحُ كافراً، القاعد (١) فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحْلاسَ بُيُوتكم" رواه أبو داود، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها. [الحلس]: هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، يعني الزموا بيوتكم في الفتن كلزوم الحلس لظهر الدابة. إن السعيد لمن جنب الفتن ١٣ - وعن المقداد بن الأسود قال: "أيْمُ الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيدَ لمن جُنِّبَ الفتنَ، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فصبر فَوَاهاً" رواه أبو داود. [واهاً]: كلمة معناها التلهف، وقد توضع للإعجاب بالشيء. ١٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس قد مَرَجَتْ عُهُودُهُم، وَخَفَّتْ أماناتُهُمْ وكانوا هكذا، وَشَبَّكَ بين أصابعهِ. قال: فقمتُ إليه فقلتُ: كيف أفعلُ عند ذلك جعلني الله ﵎ فداك؟ قال: الزم بيتكَ، وَابْكِ على نفسكَ وَدَعْ عنك أمْرَ العامة" رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن. [مرجت]: أي فسدت، والظاهر أن معنى قوله: خفت أماناتهم، أي قلّت، من قولهم: خَفَّ القوم: أي قلّوا، والله أعلم. ١٥ - وعن ابن عمر ﵄: "أن عمر خرج إلى المسجد، فوجد مُعاذاً عند قبر رسول الله ﷺ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: حديثٌ سمعتهُ من رسول الله ﷺ قال: اليسيرُ من الرِّيَاء شِرْكٌ (٢)، ومن

стр. 1671

عَادَى (١) أولياء (٢) الله، فقد بارزَ (٣) الله بالمحاربة. إن الله يُحِبُّ الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يُفْتَقَدُوا (٤)، وإن حضروا لم يُعْرَفُوا، قلوبهم مصابيحُ الهدى يخرجون من كُلِّ غَبراء مظلمة (٥) " رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي في الزهد، وقال الحاكم: صحيح، ولا علة له. من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ١٦ - ورويَ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمانٌ لا يَسْلَمُ لذي دينٍ دِينُهُ إلا من هَرَب (٦) بدينهِ من شاهقٍ إلى شاهقٍ، ومن جُحْرٍ إلى جُحْرٍ، فإن كان ذلك كذلك لم تُنَلِ المعيشةُ إلا بسخط الله (٧)، فإذا كان ذلك كذلك كان هلاكُ الرجل على يديْ زوجتهِ وولده، فإن لم يكن له زوجةٌ ولا ولدٌ كان هلاكهُ على يديْ أبويه، فإن لم يكن له أبوانِ كان هلاكهُ على يديْ قرابته أو الجيران. قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يُعَيِّرُونَهُ بضيق المعيشةِ، فعند ذلك يُوردُ نفسهُ المواردَ التي يُهْلِكُ فيها نفسهُ" رواه البيهقي في كتاب الزهد. ١٧ - وعن عمران بن حُصينٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من انقطعَ إلى الله (٨) كَفَاهُ (٩) الله كُلَّ مؤنةٍ، ورزقهُ من حيث لا يحتسبُ

стр. 1672

ومن انقطع إلى الدنيا (١) وَكَلَهُ الله إليه (٢) " رواه الطبراني وأبو الشيخ ابن حبان في الثواب، وإسناد الطبراني مقارب، وأملينا لهذا الحديث نظائر في الاقتصاد والحرص، ويأتي له نظائر في الزهد إن شاء الله تعالى. الترهيب من الغضب، والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب ١ - عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تغضب (٣)، فردد مراراً، قال: لا تغضب" رواه البخاري. ٢ - وعن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: "قال رجلٌ: يا رسول الله أوصني. قال: لا تغضب. قال: ففكرتُ حين قال رسول الله ﷺ ما قال، فإذا الغضبُ يَجْمَعُ الشرَّ كُلَّهُ" رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح. ٣ - وعن ابن عمر ﵄: "أنه سأل رسول الله ﷺ ما يُباعدني من غضب الله ؟ قال: لا تغضب" رواه أحمد وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال: ما يمنعني؟ ٤ - وعن جارية بن قُدامةَ" أن رجلاً قال يا رسول الله: قُل لي قولاً وأقْلِلْ لعلي

стр. 1673

أعِيهِ (١) قال: لا تغضب، فأعاد عليه مراراً، كُلُّ ذلك يقولُ: لا تغضب" رواه أحمد واللفظ له، ورواته رواة الصحيح، وابن حبان في صحيحه، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال: "عن الأحنف بن قيس عن عمه، وعمُّه جارية بن قدامة أنه قال يا رسول الله: قل لي قولاً ينفعني الله به فَذَكَرَهُ"، وأبو يعلى إلا أنه قال: "عن جارية بن قدامة أخبرني عم أبي أنه قال للنبي ﷺ فذكر نحوه" ورواته أيضاً رواة الصحيح. ٥ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "قال رجلٌ لرسول الله ﷺ : دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة؟ قال رسول الله ﷺ : لا تغضب ولك الجنة" رواه الطبراني بإسنادين أحدهما صحيح. ٦ - وعن ابن المسيب ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ جالسٌ، ومعه أصحابهُ وقعَ رجلٌ (٢) بأبي بكرٍ ﵁ فآذاهُ، فَصَمَتَ عنهُ أبو بكرٍ، ثم آذاهُ الثانية، فَصَمَتَ عنه أبو بكرٍ، ثم آذاهُ الثالثة فانتصرَ أبو بكر فقام رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكرٍ ﵁: أوَجَدْتَ (٣) عليَّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : نزل مَلَكٌ من السماء يُكذِّبُهُ بما قال لك، فلما انتصرتَ ذهب المَلَكُ، وقَعَدَ الشيطانُ، فلم أكن لأجلس (٤) إذن مع الشيطان" رواه أبو داود هكذا مرسلاً ومتصلاً من طريق محمد ابن غيلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه، وذكر البخاري في تاريخه أن المرسل أصح.

стр. 1674

٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس الشديد بالصُّرَعَةِ (١) إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسهُ عند الغضب (٢) " رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ٨ - ورواه ابن حبان في صحيحه مختصراً: ليس الشديد من غَلَبَ الناس، إنما الشديدُ من غلب نفسه". ٩ - ورواه أحمد في حديث طويل: "عن رجلٍ شهدَ رسول الله ﷺ يخطبُ ولم يُسَمِّهِ، وقال فيه: ثم قال النبي ﷺ : ما الصرعةُ؟ قال: قالوا الصَّريعُ. قال: فقال رسول الله ﷺ : الصُّرعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ، الصُّرعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ، الصُّرعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ: الرجل الذي يغضبُ، فيشتدُّ غضبهُ، ويَحْمَرُّ وجههُ، ويقشعرُ جلدهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ". [قال الحافظ]: الصرعة بضم الصاد وفتح الراء: هو الذي يصرع الناس كثيراً بقوته، وأما الصرعة بسكون الراء، فهو الضعيف الذي يصرعه الناس حتى لا يكاد يثبت مع أحد، وكل من يكثر عنه الشيء يقال فيه: فُعَلَة بضم الفاء وفتح العين مثل حُفظة وخُدَعة وضُحَكة وما أشبه ذلك، فإذا سكنت ثانيه فعلى العكس: أي الذي يفعل به ذلك كثيراً. ١٠ - وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ

стр. 1675

يوماً صلاة العصر، ثم قام خطيباً، فلم يَدَعْ (١) شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حَفِظَهُ من حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وكان فيما قال: إن الدنيا خَضِرَةٌ (٢) حُلْوَةٌ وإن الله مُسْتَخلِفُكُمْ فيها فناظرٌ كيف تعملون (٣)، ألا فاتقوا الدنيا (٤)، واتقوا النساء (٥)، وكان فيما قال: ألا لا يمنعنَّ رجلاً هَيْبَةُ الناس أن يقول بحقٍ إذا عَلِمَهُ (٦). قال: فبكى أبو سعيدٍ، وقال: وقد والله رأينا أشياء فَهِبْنَا، وكان فيما قال: الا إنه يُنْصَبُ لكل غادرٍ (٧) لواء يوم القيامة بقدر غَدْرَتِهِ، ولا غَدْرَةَ أعظمُ من غَدْرَةِ (٨) إمام عامةٍ يَرْكُزُ لواءهُ عند اسْتِهِ (٩)، وكان فيما حفظناهُ يومئذٍ: ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقاتٍ، ألا وإن منهمُ البطئ الغضبِ السريع الفيء (١٠)، ومنهم سريعُ الغضبِ سريعُ الفيء، فتلك بِتلكَ، ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريعُ الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وإن الغضبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم، أما رأتيم إلى حُمرةِ عينيهِ، وانتفاخ أوداجه (١١) فمن أحسَّ بشيء من ذلك فليلصقْ بالأرض (١٢) " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ١١ - وعن ابن عباس ﵄: " في قوله تعالى: (ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ)

стр. 1676

قال: الصبرُ عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عَصَمَهُمُ اللهُ، وخضعَ لهم (١) عَدُوهم" ذكره البخاري تعليقاً. ١٢ - وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من كُنَّ فيه آواهُ الله (٢) في كَنَفِهِ، وسَتَرَ عليهِ برحمتهِ، وأدخلهُ في محبته: من إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا قَدَرَ غَفَرَ، وإذا غضب فَتَرَ (٣) " رواه الحاكم من رواية عمر بن راشد، وقال: صحيح الإسناد. ١٣ - ورويَ عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دفع غضبهُ (٤) دفعَ الله عنه عذابهُ، ومن حفظ لسانهُ (٥) سَتَر الله عورتهُ (٦) " رواه الطبراني في الأوسط. ١٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من جُرعةٍ (٧) أعظمَ عند الله من جُرعةِ غيظٍ كظمها (٨) عَبْدٌ ابتغاء وجه الله" رواه ابن ماجة، ورواته محتج بهم في الصحيح. ١٥ - وعن معاذ بن أنسٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كظم غيظاً وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَهُ (٩) دعاهُ الله سبحانه على رءوس الخلائقِ حتى يُخَيِّرَهُ (١٠) من الحور العين ما يشاء" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة كلهم

стр. 1677

من طريق أبي مرحوم، واسمه عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ عنه، ويأتي الكلام على سهل وأبي مرحوم إن شاء الله تعالى. ١٦ - وعن أبي ذرٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهب عنه الغضبُ، وإلا فليضطجع" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، كلاهما من رواية أبي حرب بن الأسود عن أبي ذر، وقد قيل: إن أبا حرب إنما يروي عن عمه عن أبي ذر، ولا يحفظ له سماع من أبي ذر، وقد رواه أبو داود أيضاً عن داود، وهو ابن هند عن بكر أن النبي ﷺ بعث أبا ذر بهذا الحديث، ثم قال أبو داود: وهو أصح الحديثين، يعني أن هذا المرسل أصح من الأول، والله أعلم. ١٧ - وعن سليمان بن صُرَدٍ ﵁ قال: "اسْتَبَّ (١) رجلان عند النبي ﷺ ، فجعل أحَدُهُما يغضبُ، ويَحْمَرُّ وجههُ، وتنتفخُ أوداجهُ، فنظرَ إليه النبي ﷺ فقال: إني لأعلمُ كلمةً لو قالها لذهب عنه ذا: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، فقام إلى الرجل رجلٌ ممن سمعَ النبي ﷺ فقال: هل تدري ما قال رسول الله ﷺ آنفاً (٢)؟ قال: لا. قال: إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها لذهب عنه ذا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال له الرجل: أمَجْنُوناً تُرَاني؟ " رواه البخاري ومسلم. ١٨ - وعن معاذ بن جبلٍ ﵁ قال: "استبَّ رجلان عند النبي ﷺ

стр. 1678

فغضب أحدهما غضباً شديداً حتى خُيِّلَ (١) إليَّ أن أنفهُ يتمرغُ (٢) من شدة غضبهِ، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجدُ (٣) من الغضب، فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال تقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم. قال: فجعل مُعاذٌ يأمرُهُ، فأبى وضحكَ، وجعل يزدادُ غضباً" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، كلهم من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، وقال الترمذي: هذا حديث مرسل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل. مات معاذ في خلافة عمر بن الخطاب، وقتل عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين، والذي قاله الترمذي واضح، فإن البخاري ذكر ما يدل على أن مولد عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة سبع عشرة، وذكر غير واحد أن معاذ بن جبل توفي في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، وقيل: سنة سبع عشرة، وقد روى النسائي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أُبَّي بن كعب، وهذا متصل، والله أعلم. ١٩ - وعن أبي وائلٍ القاصِ قال: "دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجلٌ فأغضبهُ، فقام فتوضأ فقال: حَدَّثَنِي أبي عن جدي عطية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الغضب من الشيطان (٤)، وإن الشيطان خُلق

стр. 1679

من النار وإنما تُطفأ النارُ بالماء، فإذا غضبَ أحدكم فليتوضأ" رواه أبو داود.

стр. 1680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1681

الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر ١ - عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقَاطَعُوا ولا تَدَابَرُوا (١)،

стр. 1682

ولا تباغضوا (١)، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاهُ فوق ثلاثٍ (٢) " رواه مالك والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، ورواه مسلم أخصر منه، والطبراني، وزاد فيه: "يلتقيان فَيُعْرِضُ هذا، ويُعْرِضُ هذا، وخَيْرُهُمُ الذي يبدأ بالسلام، والذي يبدأ بالسلام يسبقُ إلى الجنة". قال مالك: ولا أحسبُ التدابر إلا الإعراض عن المسلم يُدْبِرُ عنه بوجهه. ٢ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوق ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان، فَيُعْرِضُ هذا، وَيُعْرِضُ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوق ثلاثٍ، فمن هَجَرَ فوقَ ثلاثٍ فمات دخل النار" رواه أبو داود والنسائي بإسنادٍ على شرط البخاري ومسلم. ٤ - وفي رواية لأبي داود، قال النبي ﷺ : "لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يهجرَ

стр. 1683

مؤمناً فوق ثلاثٍ، فإن مَرَّتْ به ثلاثٌ فَلْيَلْقَهُ (١) فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإن رد ﵇، فقد اشتركا (٢) في الأجر، وإن لم يَرُدَّ عليه، فقد باء (٣) بالإثم، وخرج المسلمُ من الهجرةِ (٤) ". ٥ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: لا يكونُ لمسلمٍ أن يهجرَ مُسلماً فوق ثلاثةِ أيامٍ، فإذا لَقِيَهُ سَلَّمَ عليه ثلاثَ مراتٍ، كُلُّ ذلك لا يَرُدُّ عليه، فقد باء بإثمه" رواه أبو داود. ٦ - وعن هشام بن عامرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ مُسلماً فوق ثلاثِ ليالٍ، فإنهما ناكبان (٥) عن الحق ماداما على صِرَامِهِمَا (٦) وأولهما فَيْء (٧) يكونُ سَبْقُهُ بالفيء كفارة له (٨)، وإن سَلَّمَ فلم يقبل ورَدَّ عليه سلامهُ ردتْ عليه الملائكة (٩)، وردَّ على الآخرِ الشيطانُ، فإن ماتا على صِرَامِهِمَا لم يَدْخُلا الجنة جميعاً أبداً" رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح، وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال: "لم يدخُلا الجنة، ولم يجتمعا في الجنة" ورواه أبو بكر بن أبي شيبة إلا أنه قال: "قال رسول الله ﷺ : لا يحلُّ أن يَصْطَرِمَا (١٠) فوق ثلاثٍ، فإن اصطرما فوق ثلاثٍ لم يجتمعا في الجنة أبداً، وأيهما (١١) بدأ صاحبهُ كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ، وإن هو سَلَّمَ فلم يَرُدَّ عليه، ولم يقبل سلامهُ رَدَّ عليه المَلَكُ، وردَّ على ذلك الشيطان". ٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1684

"لا تَحِلُّ الهجرة فوق ثلاثةِ أيامٍ، فإن التقيا، فَسَلَّمَ أحدهما، فَرَدَّ الآخرُ اشتركا في الأجر، وإن لم يَرُدَّ بَرِئ (١) هذا من الإثم، وباء به الآخرُ، وأحسبهُ قال: وإن ماتا وهما مُتهاجران لا يجتمعان في الجنة" رواه الطبراني في الأوسط والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد. من هجر أخاه فهو كسفك دمه ٨ - وعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدابروا ولا تَقَاطَعُوا، وكونوا عباد الله إخواناً (٢) هَجْرُ المؤمنين ثلاثاً (٣)، فإن تكلما وإلا أعْرَضَ (٤) الله عنهما حتى يتكلما" رواه الطبراني، ورواته ثقات إلا عبد الله بن عبد العزيز الليثي. ٩ - وعن فضالة بن عُبيدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من هجر أخاهُ فوق ثلاثٍ، فهو في النار إلا أن يتداركهُ (٥) الله برحمته" رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح. ١٠ - وعن أبي حِرَاشٍ حَدْرَدِ بن أبي حدردٍ الأسلميِّ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من هجر أخاهُ سنةً، فهو كَسَفْكِ دَمِهِ" رواه أبو داود والبيهقي. ١١ - وعن جابرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشيطان قد يئس أن يعبدهُ المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التَّحْرِيشِ بينهم" رواه مسلم. [التحريش]: هو الإغراء، وتغيير القلوب والتقاطع. ١٢ - وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "لا يتهاجرُ الرجلان قد دَخَلاَ

стр. 1685

في الإسلام إلا خرج (١) أحدهما منه حتى يرجعَ إلى ما خرج منه، ورجوعه (٢) أن يأتيهُ فَيُسَلِّمَ عليه" رواه الطبراني موقوفاً بإسناد جيد. ١٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رجلين دخلا في الإسلام فاهْتَجَرَا لكان أحدهما خارجاً عن الإسلام حتى يرجعَ، يعني الظالم (٣) منهما" رواه البزار، ورواته رواة الصحيح. ١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعْرَضُ الأعمال في كل اثنين وخميسٍ، فيغفرُ الله في ذلك اليوم لكلِّ امرئٍ لا يُشركُ بالله شيئاً إلا امرؤٌ كانت بينه وبين أخيه شحناء (٤)، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا" رواه مالك ومسلم، واللفظ له، وأبو داود والترمذي وابن ماجة بنحوه. ١٥ - وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "تُفتحُ أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فَيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ بالله شيئاً إلا رجلٌ كان بينه وبين أخيه شحناء فيقالُ: أنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا، أنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا، أنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا". ١٦ - ورواه الطبراني، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "تُنسخُ دواوينُ أهل الأرضِ في دواوينِ أهل السماء في كل اثنينٍ وخميسٍ، فَيُغْفَرُ لكلِّ مُسْلمٍ لا يُشركُ بالله شيئاً إلا رجلٌ بينهُ وبين أخيه شحناء. قال أبو داود: إذا كانت الهجرةُ لله (٥) فليس من هذا بشيءٍ، فإن النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوماً، وابن عمر هجر ابناً له إلى أن مات" انتهى. ١٧ - وعن جابرٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "تُعْرَض الأعمالُ يوم الاثنين والخميس، فَمِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَيُغْفَرُ له، ومن تائبٍ فَيُتَابُ عليه،
следующие страницы →