٧ - وعن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه دخل على النبي فقال: يا رسول الله رأيتُ فلاناً يشكرُ يذكرُ أنك أعطيتهُ دينارين، فقال رسول الله: لكن فلاناً قد أعطيتهُ ما بين العشرةِ إلى المائةِ فما شُكْرُهُ وما يقولهُ؟ إن أحدكم لَيَخْرُجُ من عندي بحاجته مُتأبِّطَهَا، وما هي إلا النار. قال: قلتُ: يا رسول الله لِمَ تُعْطِهمْ؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله ليَ البُخلَ" رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد، وتقدم.
[متأبطها]: أي جاعلها تحت إبطه.
ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبوله
سيما إن كان محتاجاً، والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله يُعطيني
стр. 597
العطاء (١)، فأقولُ أعْطِهِ من هو إليه أفقرُ مني. قال فقال: خُذْهُ إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غيرُ مُشْرِفٍ (٢) ولا سائلٍ، فخذهُ فَتَمَوَّلْهُ، فإن شئت كلهُ، وإن شئت تصدق به، وَمَا لا (٣) فلا تتبعهُ نفسك. قال سالم بن عبد الله فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يَرُدُّ شيئاً أعطيه" رواه البخاري ومسلم والنسائي.
٢ - وعن عطاء بن يسارٍ ﵁: "أن رسول الله أرسل إلى عمر بن الخطاب ﵁ بعطاءٍ فَرَدَّهُ عمر، فقال له رسول الله: لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فقال: يا رسول الله أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ من أحدٍ شيئاً، فقال رسول الله: إنما ذلك عن المسألة (٤)، فأما ما كان عن غير مسألةٍ، فإنما هو رزقٌ يرزقكه الله، فقال عمر ﵁: أما والذي نفسي بيده لا أسألُ أحداً شيئاً، ولا يأتيني شيءٌ من غير مسألةٍ إلا أخذتهُ (٥) " رواه مالك هكذا مرسلاً. ورواه البيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: فذكر بنحوه.
٣ - وعن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَبٍ: "أن عبد الله بن عامرٍ بعث إلى عائشة ﵄ بنفقةٍ وكسوةٍ، فقالت للرسول: أي بُني لا أقبلُ من أحدٍ شيئاً، فلما خرج الرسول، قالت: رُدُّوهُ عليَّ، فردوه قالت: إني ذكرتُ شيئاً، قال لي رسول الله: يا عائشة من أعطاك عطاءً من غير (٦) مسألةٍ فاقبليهِ فإنما هو
стр. 598
رزقٌ عَرَّضَهُ الله إليك" رواه أحمد والبيهقي، ورواة أحمد ثقات لكن قد قال الترمذي قال محمد: يعني البخاري لا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعاً من أحد من أصحاب النبي إلا قوله حدثني من شهد خطبة النبي، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعاً من أحد من أصحاب النبي.
[قال المملى] ﵁: قد روي عن أبي هريرة، وأما عائشة، فقال أبو حاتم: المطلب لم يدرك عائشة، وقال أبو زرعة: ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة، فإن كان المطلب سمع عائشة فالإسناد متصل، وإلا فالرسول إليها لم يسمّ، والله أعلم.
وما أتاك الله من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله
٤ - وعن واصل بن الحطاب ﵁ قال: " قلتُ: يا رسول الله قد قلت لي إن خيراً لك أن لا تسأل أحداً من الناس شيئاً. قال: إنما ذاك أن تسأل. وما آتاك الله من غير مسألةٍ، فإنما هو رزقٌ رزقكهُ (١) الله" رواه الطبراني وأبو يعلى بإسناد لا بأس به.
٥ - وعن خالد بن علي الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: "من بلغهُ عن أخيه معروفٌ (٢) من غير مسألةٍ، ولا إشرافِ (٣) نفسٍ فليقبلهُ ولا يَرُدَّهُ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليه" رواه أحمد بإسناد صحيح، وأبو يعلى والطبراني، وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: "من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله، فإنما هو رزقٌ ساقهُ الله إليه" ورواته محتج بهم في الصحيح.
٧ - وعن عابد بن عمروٍ ﵁ عن النبي قال: "من عُرِضَ له من هذا الرزق شيءٌ من غير مسألةٍ (٤)، ولا إشرافِ نفسٍ (٥) فليتوسع به في رزقهِ، فإن كان غنياً فليوجهه إلى من هو أحوجُ إليه منه (٦) " رواه أحمد والطبراني والبيهقي، وإسناد أحمد جيد قوي. قال عبد الله بن أحمد حنبل ﵀: سألت
стр. 599
أبي ما الاستشراف؟ قال: تقول في نفسك سيبعث إليَّ فلان سيصلني فلان.
٨ - ورويَ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله: "ما المُعْطِي من سعةٍ بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجاً (١) " رواه الطبراني في الكبير.
٩ - ورويَ عن أنسٍ ﵁ قال: قال النبي: "ما الذي يُعطي بسعةٍ بأعظمَ أجراً من الذي يقبلُ إذا كان محتاجاً" رواه الطبراني في الأوسط، وابن حبان في الضعفاء.
стр. 600
ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنة
وترهيب المسئول بوجه الله أن يمنع
١ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه سمع رسول الله يقول: "ملعونٌ (١) من سأل (٢) بوجه الله، وملعونٌ من سُئل بوجه الله، ثم منع سائلهُ ما لم يسأل هُجْراً" رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وهو ثقة، وفيه كلام.
[هجراً] بضم الهاء، وسكون الجيم: أي ما لم يسأل أمراً قبيحاً لا يليق. ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالاً قبيحاً بكلام قبيح.
٢ - وعن ابن عمر (٣) ﵄ قال: قال رسول الله: "من استعاذ (٤) بالله فأعيذُوهُ (٥)، ومن سأل بالله (٦) فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه (٧)، ومن صنع إليكم معروفاً (٨) فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين.
стр. 601
ملعون من سُئل بوجه الله فمنع سائله
٣ - ورويَ عن أبي عبيدة مولى رفاعة عن رافعٍ ﵁ أن رسول الله قال: "ملعونٌ من سأل بوجه الله، وملعونٌ من سُئِلَ بوجه الله فمنع سائله" رواه الطبراني.
٤ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله قال: "ألا أخبركم بشرِّ الناس (١) رجلٌ يُسألُ بالله (٢)، ولا يُعطي" رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب والنسائي وابن حبان في صحيحه في آخر حديث يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى.
٥ - ورويَ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "ألا أخبركم بشرِّ البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يُسألُ بالله ولا يُعطي" رواه أحمد.
٦ - ورويَ عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله قال: "ألا أحدثكم عن الْخَضِرِ (٣) قالوا بلى يا رسول الله. قال: بينما هو ذات يومٍ يمشي في سوق بني إسرائيل أبصرهُ رجلٌ مُكاتبٌ (٤)، فقال تصدق (٥) عليَّ بارك الله فيك فقال الخضرُ: آمنتُ بالله ما شاء الله من أمرٍ يكونُ (٦) ما عندي شيءٌ أُعطيكهُ، فقال المسكين: أسألكَ بوجه الله لما تصدقت عليَّ، فإني نظرتُ السماحة في وجهك ورجوتُ البركة عندك، فقال الخضرُ: آمنتُ بالله ما عندي شيءٌ أُعطيكهُ إلا أن تأخذني فتبيعني، فقال المسكين: وهل يستقيمُ هذا؟ قال نعم، أقولُ لقد سألتني بأمرٍ عظيمٍ
стр. 602
أما إني لا أخَيِّبُكَ بوجه ربي بِعْني (١).
قال: فَقَدَّمَهُ إلى السوق فباعهُ بأربعمائة درهمٍ فمكثَ عند المشتري زمانا لا يستعملهُ في شيء، فقال: إنما اشتريتني التماس خيرٍ عندي فأوصني بعملٍ. قال: أكرهُ أن أشُقَّ عليك إنك شيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ (٢) قال ليس يشُقُّ عليَّ. قال: قُم فانقُلْ هذه الحجارةَ (٣)، وكان لا ينقلها دون ستة نفرٍ في يومٍ فخرج الرجلُ لبعض حاجتهِ، ثم انصرف وقد نَقَلَ الحجارةَ في ساعةٍ: قال أحسنتَ وأجملتَ وأطقتَ ما لَمْ ارك تُطيقهُ. قال: ثم عَرَضَ للرجل سفرٌ فقال إني أحسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافةً حسنةً. قال: وأوصني بعملٍ. قال: إني أكرهُ أن أشُق عليك قال: ليس يَشُقُّ عليَّ. قال فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقْدُمَ عليك. قال فَمَرَّ الرجلُ لسفرهِ قال فرجع الرجلُ وقد شيد بناءهُ (٤) قال: أسألك بوجه الله ما سَبَبُكَ وما أمْرُكَ؟ قال: سألتني بوجه (٥)
الله ووجهُ الله أوقعني في هذه العبودية، فقال الخضرُ: سأخبركَ من أنا، أنا الخضرُ الذي سمعتَ به سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي شيءٌ أعطيه فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأُخبرُكَ أنه من سُئلَ بوجه الله فَرَدَّ سائلهُ وهو يقدرُ وقف يوم القيامة جِلدةً (٦)، ولا لحمَ له يتقعقعُ (٧)، فقال الرجلُ آمنتُ بالله، شققتُ عليك يا نبي الله ولم أعلم. قال: لا بأس أحسنتَ وأتقنتَ، فقال الرجل: بأبي أنتَ وأمي يا نبي الله احكمْ في أهلي ومالي بما شئت، أو اخترْ فَأُخَلِّيَ سبيلك (٨). قال أحِبُّ
стр. 603
أن تُخَلِّيَ سبيلي فأعبد ربي فَخَلَّى سبيلهُ، فقال الخضرُ: الحمد لله الذي أوثقني (١)
стр. 604
في العبودية، ثم نجَّاني منها" رواه الطبراني في الكبير وغير الطبراني، وحسَّن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد، والله أعلم.
تم الجزء الأول من الترغيب والترهيب، ويليه الجزء الثاني، وأوله: الترغيب في الصدقة والحث عليها.
стр. 605
الترغيب والترهيب من الحديث الشريف
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، رحمه الله تعالى آمين
ضبط أحاديثه وعلق عليه
مصطفى محمد عمارة
خريج دار العلوم ومن كبار مدرسي وزارة المعارف المصرية
[الجزء الثاني]
стр. 606
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الترغيب في الصدقة والحث عليها وما جاء في جهد المقل
ومن تصدق بما لا يجب
١ - عنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : منْ تصدَّق بعدْلِ (١) تَمرةٍ منْ كَسْبٍ طيِّبٍ (٢)، ولا يَقْبل الله إلا الطَّيِّبَ، فإنَّ الله يَقْبَلُها (٣) بيمينهِ (٤)،
ثمَّ يربِّيها لصاحبها كما يُربِّى أحدُكُمْ فلُوَّهُ (٥) حتى تكون مثل الجبلِ. رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه.
٢ - وفي روايةٍ لابنِ خُزيمة: إنَّ العبد إذا تصدَّق منْ طيِّبٍ تقبَّلها الله منْهُ، وأخذها بيمينهِ فرَبَّاها كما يُربِّى أحدكمْ مهْرهُ أوْ فصيلهُ (٦)، وإنَّ الرَّجل ليتصدق بالقمةِ فتْربو في يد الله، أوْ قال في كفَّ الله حتى تكون مثْلَ الجبلِ فتصدَّقوا.
٣ - وفي روايةٍ صحيحةٍ للتَّرمذي قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله يقْبلُ الصَّدقة، ويأخذها بيمينه فيُربِّيها لأحدكمْ كما يربِّى أحدكم مُهْرهُ حتى إنَّ اللقمة لتصير مثل أحدٍ، وتصْديق ذلك في كتاب الله: ألمْ يعْلَموا أنَّ الله هو يقبل التَّوبةَ عن عبادهِ،
стр. 607
ويَاخذ الصَّدقاتِ (١)،
ويمْحَقُ الله الرِّبا ويُرْبي (٢) الصدقات. ورواه مالك بنحو رواية الترمذي هذه عن سعيد بن يسار مرسلا، لم يذكر أبا هريرة.
(إن العبد ليتصدق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد)
٤ - وعنْ عائشة ﵂ عنْ رسولِ الله ﷺ قال: إنَّ الله ليُربِّي لأحدكمُ التَّمرة والَّقمة (٣) كما يربِّي أحدكم فلوَّه، أوْ فصِيلهُ حتى تكون مثل أحدٍ. رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه، واللفظ له.
(الفلوّ) بفتح الفاء، وضم اللام، وتشديد الواو: هو المهر أول ما يولد.
(والفصيل): ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه.
٥ - وروي عنْ أبي برْزَةَ الأسْلميِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ العبد ليتصدَّق بالكسرةِ (٤) تربو عند الله حتى تكون مثل أحدٍ. رواه الطبراني في الكبير.
(٦) وروى عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : إن الله ليُدْخل بالُّلقمة (٥) الخُبْزِ، وقبْصَةِ والتَّمْرِ، ومثلهِ مما ينتفع بهِ
стр. 608
المسكين ثلاثة: الجنَّة ربَّ البيتِ الآمر به، والزَّوجة تُصلحهُ، والخادم الذي يناولُ المسكين، فقال رسول الله ﷺ : الحمْد لله الذي لمْ ينس خدمنا. رواه الحاكم والطبراني في الأوسط، واللفظ له في حديث يأتي بتمامه إن شاء الله.
(القبصة) بفتح القاف وضمها، وإسكان الباء، وبالصاد المهملة: هو ما يتناوله الآخذ برءوس أنامله الثلاث.
(ما نقصت صدقة من مال)
٧ - وعنْ أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ما نقصتْ صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبْدا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله . رواه مسلم والترمذي، ورواه مالك مرسلا.
٨ - وروى عن ابن عبَّاس ﵄ يرفعه قال: ما نقصتْ صدقة منْ مالٍ، وما مدَّ عبْد يدهُ بصدقةٍ إلا ألْقيت في يد (١) الله قبْلَ أن تقع في يد السَّائل، ولا فتح عبدٌ باب مسْئلةٍ (٢) له عنها غني إلا فتح الله له باب فقرٍ (٣). رواه الطبراني.
٩ - وروي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيُّها النَّاس توبا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصَّالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربِّكمْ بكثرة ذكركمْ له (٤)، وكثرة الصَّدقة في السِّرِّ والعلانية ترْزقوا وتنصروا وتجبروا (٥). رواه ابن ماجه في حديث تقدم في الجمعة.
стр. 609
١٠ - ورُوى عنْ عائشة ﵂ أنَّهم ذبحوا شاةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : ما بقي منها؟ قالتْ: ما بقي منها إلا كتفها. قال: بقي كله كلُّها غير كتفها (١).
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ومعناه: أنهم تصدقوا بها إلا كتفها.
١١ - وعنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول العبدُ مالي مالي (٢)، وإنَّما له منْ مالهِ ثلاثةٌ: ما أكل فأفني (٣)، أوْ لبسَ فأبْلى (٤) أوْ أعطي فاقتني (٥)
ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس رواه مسلم.
стр. 610
١٢ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أيُّكُمْ مالُ وارثهِ أحبُّ منْ مالهِ؟ قالوا يا رسول الله: ما منَّا أحد إلا ماله أحبُّ إليه قال: فإنَّ ماله ما قدَّم ومال وارثهِ ما أخَّر. رواه البخاري والنسائي.
١٣ - وعنْ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : بينا رجُل فلا فلاةٍ من الأرض فسمع صوتاً في سحابةٍ: أسقِ حديقة فلانٍ، فتنحَّى ذلك السَّحاب فأفرغ ماءه في حرَّة، فإذا شرجة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماء كلَّه فتتبَّع الماء، فإذا رجل قائم في حديقةٍ يحوِّل الماء بمساحته، فقال له عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع في السَّحابة، فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي. قال: سَمِعْتُ في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسْقِ حديثة فلانٍ لاسمكَ فما تصْنع فيها: قال أما إذا قلْتَ هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثهِ وآكل أنا وعيالي ثلثهُ، وأردُّ ثلثه (١).
رواه مسلم.
стр. 611
(الحديقة): البستان إذا كان عليه حائط.
стр. 612
(الحرة) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء،: الأرض التي بها حجارة سود.
стр. 613
(والشرجة) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الراء بعدها جيم، وتاه تأنيث: مسيل الماء إلى الأرض السهلة. (والمسحاة) بالسين والحاء المهملتين: هي المجرفة من الحديد.
١٤ - وعنْ عدِّي بن حاتم ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ما منْكُمْ من أحدٍ إلا سيُكلِّمهُ الله ليْس بينه وبينهُ ترْجمان (١) فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر بين يديهِ فلا يرى إلا النَّار تلقاء وجههِ، فاتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ (٢).
وفي رواية: من استطاع منكم أن يستتر من النَّار ولوْ بشقِّ تمرةٍ فليفعل. رواه البخاري ومسلم.
١٥ - وعنْ عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليقِ أحدكم وجههُ النَّار (٣) ولوْ بشقِّ تمرةٍ (٤). رواه أحمد بإسناد صحيح.
١٦ - وعنْ عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : يا عائشة اشتري من النَّار، ولو بشقِّ تمرةٍ فإنَّها تسدُّ من الجائع مسدَّها من الشَّبعان. رواه أحمد بإسناد حسن.
стр. 614
١٧ - ورُوي عنْ أبي بكرٍ الصديق ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ على أعوادِ المنبر يقول: اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ فإنَّها تقيم (١) العِوَجَ، وتدْفعُ ميتة السُّوء وتقع من الجائع (٢) موقعها من الشَّبْعان. رواه أبو يعلى والبزار، وقد روي هذا الحديث عن أنس وأبي هريرة، وأبي أمامة، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة ﵃.
١٨ - وعنْ جابرٍ ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: لكعْبِ بن عُجْرَة: يا كعْب بن عجْرة: الصَّلاة قُرْبانٌ (٣)، والصِّيام جُنَّة (٤)، والصَّدقة تُطفي الخطيئة (٥) كما يُطفي الماء النَّار، يا كعْب بن عجرة: الناس غاديان (٦) فبائع نفسه فموثق رقبته، ومُبْتاع نفسه في عتق رقبتهِ رواه أبو يعلى بإسناد صحيح.
١٩ - وعنْ كعْب بن عُجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يا كعْب بنَ عُجْرة إنَّه لا يدخل الجنَّة لحم ودم نبتا على سُحتٍ النَّار أولى به (٧).
يا كعب بن عجرة: النَّاس غاديان فغادٍ (٨) في فكاكِ نفسه فمعتقها، وغادٍ فموثِقها يا كعبُ يا كعب ابن عجرة: الصَّلاة قربانٌ، والصوم جنَّة، والصدقة تُطفي الخطيئة كما يذهب الجليد على الصَّفا. رواه ابن حبان في صحيحه.
٢٠ - وعنْ معاذ بن جبل قال: كنْتُ مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ فذكر الحديث إلى أن قال فيه: ثم قال: يعني النَّبي ﷺ : ألا أدُلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى (٩) يا رسول الله. قال: الصَّوم جُنَّة، والصَّدقة تُطفي الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ويأتي تمامه في الصمت وهو عند ابن حبان من حديث جابر في حديث يأتي في كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.
стр. 615
٢١ - وعنْ أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الصدقة لتطفئ غضب الرَّبِّ وتدفع ميتة السُّوء (١).
رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وروى ابن المبارك في كتاب البر شطره.
الأخير، ولفظه:
(إنَّ الله ليدْرأبالصَّدقة سبعين باباً (٢) منْ ميْتة السُّوء).
(ما نقص مال عبد من صدقة)
(يدرأ) بالدال المهملة: أي يدفع، وزنه ومعناه.
стр. 616
٢٢ - وعنْ أبي كبْشة الأنماريِّ ﵁ أنَّه سمع رسول الله صلعليه وسلم يقول: ثلاث (١) أقسم عليْهنَّ، وأحدِّثكمْ حديثاً فاحفظوه قال: ما نقص (٢) مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظلم عبد مظلمةً صبر عليها إلا زاده الله عزَّا، ولا فتح عبد باب مسْألةٍ (٣) إلا فتح الله عليه باب فقرٍ (٤)، أوْ كلمةً نحوها، وأحدِّثكمْ حديثاً فاحْفظوه. قال إنَّما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتَّقي فيه ربَّه (٥)، ويصل فيه رحمه (٦)، ويعْلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النِّيَّة يقول: لوْ أنَّ لي مالاً لعملت بعمل فلانٍ فهو بنيَّتهِ فأجْرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير علمٍ (٧)، ولا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبثِ (٨) المنازل، وعبد لمْ يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لوْ أنَّ لي مالاً لعملت فيه بعمل فلانٍ فهو بنيَّتهِ، فوزرهما (٩)
سواء. رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٢٣ - وعنْ أبي هريرة ﵁ قال: ضرب رسول الله (ما نقص مال عبد من صدقة)
(يدرأ) بالدال المهملة: أي يدفع، وزنه ومعناه. مثل البخيل والمتصدِّق: كمثل رجلين عليهما جُنَّتان (١٠) من حديدٍ قد
стр. 617
اضْطُرَّتْ أيديهما (١) إلى ثديِّهما وتراقيهما (٢)، فجعلَ المتصدِّق كلَّما تصدَّق بصدقةٍ انبسطت (٣) عنْه حتى تغشى (٤) أنامله، وتعفوا أثره (٥)، وجعل البخيل كُلَّما همَّ بصدقةٍ قلصت (٦)، وأخذتْ كلُّ حلقةٍ بمكانها (٧).
قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول: بأصبعيه هكذا في جيبه يُوسِّعها ولا تتوسَّع (٨).
رواه البخاري ومسلم، والنسائي، ولفظه:
مثل المنفق المتصدق والبخيل: كمثل رجلينِ عليهما جبَّتان، أوْ جبَّتان من حديدٍ من لدنْ ثديِّهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق اتَّسعت عليه الدِّرعُ، أو مرَّتْ حتى تجنَّ بنانه، وتعفو أثره، فإذا أراد البخيل أن ينفق قلصتْ ولزمتْ كلُّ حلقةٍ موْضعها حتى (٩) أخذت بترقوتهِ، أو برقبتهِ، يقول أبو هريرة ﵁: أشْهد أنَّه رأى رسول الله ﷺ يوسعها (١٠) ولا تتَّسع.
(الجنة) بضم الجيم، وتشديد النون: كل ما وقي الإنسان ويضاف إلى ما يكون منه.
(التراقي) جمع ترقوة بفتح التاء، وضمها لحن: وهو العظم الذي يكون بين ثغرة نحر الإنسان وعانقه.
(وقلصت) بفتح القاف واللام: أي انجمعت وتشمرت، وهو ضد: استرخت وانبسطت.
стр. 618
(والجيب) هو: الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في الثوب ونحوه.
٢٤ - وعنْ مالكٍ ﵀ أنَّه بلغه عن عائشة ﵂ أنَّ مسكيناً سألها وهي صائمة، وليْس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاةٍ (١) لها: أعطيها إيَّاه، فقالتْ ليس لك ما تُفْطرين عليه، فقالت: أعْطيها إيَّاه. قالتْ: ففعلتْ، فلما أمْسينا أهدى لها أهل بيتٍ، أوْ إنسان ما كان يُهدى لها شاةً وكفنها فدعتها عائشة، فقالت كلي من هذا خير من قرصكِ.
٢٥ - قال مالك: وبلغني أنَّ مسكيناً استطعم (٢) عائشة أمَّ المؤمنين ﵂ وبين يديها عنبٌ، فقالتْ لإنسان خذْ حبَّةً فأعْطهِ إيَّاها فجعل ينظر إليها ويعجب (٣) فقالت عائشة ﵂: أتعجب كم ترى في هذه الحبَّة من مْثقال ذرةٍ (٤)؟ ذكره في الموطأ هكذا بلاغاً بغير سند. (قوله) وكفنها. أي ما يسترها من طعام وغيره.
٢٦ - وعنْ أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ وقال: قال رجلٌ: لأتصدَّقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثون تصدِّق الليلة على سارقٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمد على سارق لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانيةٍ فأصبحوا يتحدَّثون تصدِّق الليلة على زانيةٍ. قال: اللهمَّ لك الحمد على زانيةٍ لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدَّثون تصدَّق الليلة على غنيٍ. قال: اللهمَّ لك الحمد على سارقٍ وزانية وغنيٍ فأتى
стр. 619
فقيل له: أمَّا صدقتك على سارقٍ: فعلَّهُ أن يسْتفَّ عن سرقتهِ، وأمَّا الزَّانية (١): فلعلَّها أن تستعفَّ عن زناها، وأمَّا الغنيُّ: فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم والنسائي، وقالا فيه:
فأتى، فقيل له: أمَّا صدقتك فقد تُقُبِّلت، ثمَّ ذكر الحديث:
٢٧ - وعنْ عُقبة بن عامر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتى يقضي بين الناس. قال يزيد: فكان أبو الخيْرِ مرْثد: لا يخطئه يوم إلا تصدَّق فيه بشيءٍ، ولوْ بكعكةٍ (٢) أوْ بصلةٍ. رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
٢٨ - وفي رواية لابن خزيمة أيضاً عنْ يزد بن أبي حبيبٍ عنْ مرثد بن أبي عيد الله اليزبيِّ: أنَّه كان أوَّل أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلاً المسجد قطُّ إلا وفي كمِّه صدقة: إما فلوس، وإما خبزٌ، وإما قمح. قال: حتى ربما رأيت البصل يحمله: قال: فأقول يا أبا الخير إنَّ هذا ينتنُ ثيابك، قال فيلوق: يا أبن أبي حبيب أما إني لم أجد في البيت شيئاً أتصدق به غيره، إنه حدَّثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ظلُّ المؤمن يوم القيامة صدقته.
٢٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الصدَّقة لتطفئ عن أهلها حرَّ القبور (٣)، وإنما يستظلُّ المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته. رواه الطبراني في الكبير والبيهقي، وفيه ابن لهيعة.
٣٠ - وعن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : فيما
стр. 620
يروى عن ربِّه أنه يقول: يا ابن آدم. افزع (١) من كنزك عندي، ولا حرق، ولا غرق، ولا سرق أو فيكه أحْوج (٢) ما تكون إليه. رواه الطبراني والبيهقي، قال هذا مرسل، وقد روينا عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
(إنَّ الله إذا استودع شيئاً حفظه).
٣١ - وروي عن ميمونة بنت سعد أنَّها قالت: يا رسول الله: أفتنا عن الصَّدقة؟ فقال: إنها حجاب (٣) من النَّار لمنْ احتسبها (٤) يبتغي بها وجه الله . رواه الطبراني.
٣٢ - وعنْ بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يخْرج رجلٌ شيئاً من الصَّدقة حتى يفك عنها لحيى (٥) سبعين شيطاناً. رواه أحمد والبزار والطبراني وابن خزيمة في صحيحه، وتردد في سماع الأمشق من بريدة، والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، ورواه البيهقي أيضاً عن أبي ذر موقوفا عليه قال:
ما خرجتْ صدقة حتى يفك عنها لحيا سبعين شيطاناً كلُّهم ينهى عنها.
٣٣ - وعنْ أنسٍ ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً منْ نخلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّبٍ. قال أنس: فلمَّا نزلت هذه الآية: لنْ تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبُّون. قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إن الله ﵎ يقول: لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبُّون، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاءُ، وإنَّها صدقة أرجو برَّها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال فقال رسول الله ﷺ : بخٍ، ذلك مال رابحٌ، ذلك مال رابح. رواه البخاري ومسلم والترمذي ومسلم والترمذي والنسائي مختصراً.
(بيرحاء) بكسر الباء وفتحها ممدوداً: اسم لحديقة نخل كانت لأبي طلحة ﵁
стр. 621
وقال بعض مشايخنا: صوابه بيْرحي: بفتح الباء الموحدة، والراء مقصوراً، وإنما صحفه الناس.
وقوله (رابح) روى بالباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت.
٣٤ - وعن أبي ذرٍ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله: ما تقول في الصَّلاة؟ قال: تمام العمل (١). قلتُ: يا رسول الله: تركتُ أفضل عملٍ في نفسي أوْ خيره؟ قال: ما هو؟ قلتُ: الصَّوم؟ قال: خير وليس هناك. قُلت يا رسول الله: أي الصَّدقة وذكر كلمة. قلت: فإن لم أقدر؟ قال: بفضل (٢) طعامك. قلت: فإن (٣) أفعل؟ قال: بشقِّ (٤) تمرةٍ. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: بكلمة طيبةٍ (٥). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: دع الناس (٦) من الشِّرِّ، فإنَّها صدقة تصَّدق بها على نفسك. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تريد أن لا تدع (٧) فيك من الخير شيئاً. رواه البزار، واللفظ له وابن حبان في صحيحه أطول منه بنحوه، والحاكم، ويأتي لفظه إن شاء الله.
٣٥ - وروى البيهقي، ولفظه في إحدى رواياته قال: سألت رسول الله ﷺ : ماذا يُنْجِي العبد من النَّار؟ قال: الإيمان بالله - التصديق بوجوده ، والثقة به (٨). قُلت يا نبي الله: مع الإيمان عمل؟ قال: أن ترضخ (٩) مما خوَّلك (١٠) الله، وترضخ مما رزقك الله. قُلْتُ يا نبيَّ الله، فإنْ كان فقيراً لا يجد ما يرضخ؟ قال: يأمر بالمعروف (١١) وينهى (١٢) عن
стр. 622
المنكر. قُلْتُ: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر؟ قال: فليعنِ الأخرق. قلت: يا رسول الله: أرأيت إن كان يحسنُ أن يصنع؟ قال: فليعنْ مظلوماً (١). قُلتُ: يا نبي الله! أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً؟ قال: ما تريد أن تترك لصاحبك (٢) من خير ليمسك (٣) أذاه عن الناس. قلتُ يا رسول الله: أرأيت إن فعل هذا يدخله الجنَّة؟ قال: من منْ عبدٍ مؤمن يُصيب خصْلةً من هذه الخصال إلا أخذت بيده (٤) حتى تدخله الجنَّة.
٣٦ - ورؤى عن رافع بن خديجٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الصَّدقة (٥) تسدٌّ سبعين باباً من السوء. رواه الطبراني في الكبير.
٣٧ - وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : باكروا (٦)
بالصَّدقة، فإنَّ البلاء لا يتخطَّى الصَّدقة. رواه البيهقي مرفوعا وموقوفا
стр. 623
على أنس، ولعله أشبه.
٣٨ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تصدَّقوا، فإنَّ الصدقة فكاككم من النار. رواه البيهقي من طريق الحارث بن عمير عن حميد عنه.
٣٩ - وروى عنْ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : باكروا (١) بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطَّاها (٢) رواه الطبراني، وذكره رزين في جامعة وليس في شيء من الأصول.
стр. 624
٤٠ - وعن الحارث الأشعريِّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ الله أوْحى إلى يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام بخمس كلماتٍ أنْ يعمل بهنَّ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ، فذكر الحديث إلى أن قال فيه: وآمركمْ بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره (١) العدوُّ، فأوْثقوا يده إلى عنقهِ، وقرَّبوه ليضربوا عنقه فجعل يقول: هل لكم أن أفدى نفسي (٢) منكم، وجعل يُعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه. الحديث رواه الترمذي وصححه، وابن خزيمة، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، وتقدم بتمامه في الالتفات في الصلاة.
٤١ - وعنْ رافع بن مكيثٍ، وكان ممَّنْ شهد الحديبية ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: حُسنُ الملكة (٣) نماء وسوء (٤) الخلق، شؤم (٥) والبرُّ (٦) زيادة في العمر، والصَّدقة تطفيُّ (٧) الخطيئة، وتقي (٨) ميتة السُّوء. رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم، وروى أبو داود بعضه.
٤٢ - وعنْ عمر بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ صدقة المسلم تزيد في العمر، وتمنعُ ميتة السُّوء، ويذهب الله بها الكبْر والفخر. رواه الطبراني من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عمرو بن عوف، وقد حسنها الترمذي، وصححها ابن خزيمة لغير هذا المتن.
٤٣ - وعن عمر ﵁ قال: ذُكرَ لي أنَّ الأعمال تباهي (٩) فتقول:
стр. 625
الصَّدقة أنا أفضلكم. رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
٤٤ - وعنْ عوف بن مالكٍ ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وبيده عصاً، وقدْ علَّق رجل قنْو (١) حشفٍ (٢)، فجعل يطعن (٣) في ذلك القنو، فقال: لو شاء رب هذه الصَّدقة تصدَّق بأطيب من هذا، إنَّ ربَّ هذه الصَّدقة يأكل حشفاً يوم القيامة. رواه النسائي واللفظ له، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما في حديث.
٤٥ - وعنْ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : منْ جمع مالاً حراماً، ثمَّ تصدق به لمْ يكن له فيه أجْر، وكان إصْره (٤) عليه. رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم، كلهم من رواية دراج عن ابن حجيرة عنه.
٤٦ - وعنْ أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: خير الصَّدقة ما أبقيت (٥) غني، واليد العليا (٦) خير من اليد السُّفلى (٧)، وابدأ بمن تعول (٨) تقول امرأتك: أنفق عليَّ، أو طلقني، ويقول مملوكك: أنفق عليَّ، أوْ بعني، ويقول ولدك إلى من تكلنا؟ رواه ابن خزيمة في صحيحه، ولعلّ قوله: تقول امرأتك. إلى آخره من كلام أبي هريرة مدرج.
٤٧ - وعنه ﵁ أنَّه قال يا رسول الله: أي الصَّدقة أفضل؟ قال:
стр. 626
جهدُ (١) المقلِّ بمنْ تعول. رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
٤٨ - وعنْ أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : سبق درْهم مائة ألف درهمٍ، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال رجل له مال كثيرٌ أخذ منْ عرضهِ مائة ألف درهم تصدَّق بها، ورجل ليْس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدَّق به (٢). رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه، واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
(قوله) من عرضه بضم العين المهملة، وبالضاد المعجمة: أي من جانبه.
٤٩ - وعنْ أمِّ بجيد ﵂ أنَّها قالتْ: يا رسول الله إنَّ المسكين ليقوم على بأبي فما أجد له شيئاً أعطيه إيَّاه، فقال لها رسول الله ﷺ : إنْ لمْ تجدي إلا ظلفاً محرقاً فادْفعيه إليه في يده (٣). رواه الترمذي وابن خزيمة.
وزاد في رواية: لا تردِّي سائلك ولوْ بظلفٍ محرقٍ. وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (الظلف) بكسر الظاء المعجمة للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس.
٥٠ - وعنْ أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تعبَّد عابد من بني إسرائيل، فعبد الله في صومعةٍ (٤) ستين عاماً، فأمطرت الأرض فاخضرَّتْ، فأشرف (٥) الرَّاهب منْ صومعته، فقال: لوْ نزلت فذكرتُ الله، فازددتُ خيرا، فنزل ومعه رغيف، أوْ رغيفان فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلِّمها حتى غشيها (٦)،
ثمَّ أغمي عليهِ، فنزل العدير يسْتحمُّ،
стр. 627
فجاء سائل، فأوْمأ إليه أنْ يأخذ الرَّغيفين، ثمَّ مات فوزنتْ عبادة ستين سنةً بتلك الزَّنْية فرجحت الزَّنية بحسناته ثمَّ وضع الرَّغيف أو الرغيفان مع حسناته، فرجحتْ حسناته فغفر له. رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي عن ابن مسعود موقوفاً عليه، ولفظه:
إنَّ راهباً عبد الله في صوْمعتهِ ستِّين سنةً، فجاءت امرأة فنزلت إلى جنبه، فنزل إليها فواقعها ست ليالٍ، ثمَّ سقط (١)
في يده فهرب فأتى مسجداً فأوى فيه ثلاثا يطْعمُ
стр. 628
شيئاً فأتى برغيفٍ فكسره فأعْطى رجلاً عن يمينهِ نصفه، وأعطى آخر عنْ يسارهِ نصفهُ
стр. 629
فبعث الله إليه ملك الموت فقبض روحهُ فوضعت السِّتون في كفَّةٍ، ووضعت السِّتَّة في كفةٍ
стр. 630
فرجحتْ، يعني السِّتة، ثمَّ وضع الرَّغيف، فرجح، يعْني رجح الرَّغيف السِّتَّة.
стр. 631
٥١ - وعن المغيرة بن عبد الله الجعفيِّ قال: جلسنا إلى رجلٍ من أصحاب النبيِّ.
стр. 632
صلى الله عليه وسلم يقال له خَصْفَةُ بن خصفة: فجعل ينظر إلى سمينٍ، فقلتُ له: ما تنظر إليه؟ فقال: ذكرتُ حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ سمعتهُ يقول: هلْ تدرون ما الشَّديد؟ قلنا: الرَّجل يصرع الرَّجل. قال: إنَّ الشديد كلَّ الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، تدرون ما الرَّقوبُ؟ قلنا: الرَّجل الذي لا يولد له. قال: إنَّ الرَّقوب الرَّجل الذي له الولد، لمْ (١) يقدِّم منهمْ شيئاً، ثمَّ قال: تدْرون ما الصُّعْلوك؟ قال قلنا: الرَّجل الذي لا مال له؟ قال: إن الصُّعلوك كلَّ الصُّعلوك الذي له المال لم يقدم منه شيئاً. رواه البيهقي، وينظر سنده.
(قال الحافظ): ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الملبس: باب في الصدقة على الفقير بما يلبسه.
الترغيب في صدقة السر
١ - عنْ أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ
стр. 633
يقول: سبعة يظلهم الله في ظلَّه يوم لا ظلَّ إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه مُعلق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجْتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ، قال: إني أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعْلم (١) شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة هكذا، ورويناه أيضا، ومالك والترمذي عن أبي هريرة، أو أبي سعيد على الشك.
٢ - ورؤى عنْ أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفَّأ فأرْساها بالجبال فاستقرَّت فعجبت الملائكة من شدَّة الجبال، فقالتْ: يا ربنا! هلْ خلقْتَ خلقاً أشدَّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد.
قالوا: فهل خلقتَ خلقاً أشدَّ من الحديد؟ قال: النار. قالوا: فهلْ خلقتَ خلقاً أشدَّ من النار؟ قال: الماء. قالوا: فهل خلقتَ خلقاً أشدَّ من الماء؟ قال: الريح قالوا: فهلْ خلقتَ خلقاً أشدَّ من الريح؟ قال: ابن آدم إذا تصدَّق بصدقةٍ بيمنهِ فأخفاها عن شمالهِ.
٣ - وعنْ معاوية بن حيدة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: إنَّ صدقة السِّرِّ تُطْفيُّ غضب الرَّبِّ ﵎. رواه الطبراني في الكبير، وفيه: صدقة ابن عبد الله السمين، ولا بأس به في الشواهد.
٤ - وعنْ أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : صنائع المعروفِ: تقي مصارع السُّوء، وصدقة السِّرِّ: تطفئ غضب الرَّب، وصلة الرَّحم (٢) تزيد في العمر (٣).
رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.
стр. 634
٥ - وروي عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
стр. 635
صنائع المعروف: تقي مصارع السوء، والصَّدقة خفيا (١): تُطفئ (٢) غضب الرَّبِّ، وصلة الرَّجم: تزيد في العمر، وكلُّ معروفٍ (٣) صدقة، وأهل المعروف في الدنيا همْ أهلُ المعروف (٤) في الآخرة، وأهلُ المنكرِ (٥) في الدنيا همْ أهل المنكر (٦) في الآخرة، وأوَّل منْ يدخل الجنَّة أهل المعروف. رواه الطبراني في الأوسط.
٦ - وعنْ أبي أمامة ﵁ أنَّ أبا ذرٍّ قال: يا رسول الله: ما الصَّدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة، وعند الله المزيد، ثمَّ قرأ: منْ ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً. قيل: يا رسول الله أي الصَّدقة أفضل؟ قال: سر إلى فقيرٍ أوْ جهد منْ مُقلٍّ، ثم قرأ: إن تبدو الصَّدقات (٧) فنعمَّا هي الآية. رواه أحمد مطولا والطبراني واللفظ له، وفي إسنادها عليّ بن يزيد.
٧ - وعنْ أبي ذرٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ثلاثة يحبُّهمُ الله، وثلاثة يبْغضُهُمُ الله، فأمَّا الذين يحبُّهمْ: فرجل أتي قوماً فسألهمْ بالله، ولمْ يسْألهُمْ بقرابةٍ بينهمْ وبينه فمنعوه فتخلَّف رجلٌ (٨) بأعقابهم فأعطاه سرًّا لا يعْلمُ بعطيتهِ إلا الله والذي أعْطاه، وقوم ساروا ليْلتهمْ حتى إذا كان النَّومُ أحب إليهم مما