٣ - المحمدون (١):
يعني المالكية بقولهم المحمدون أربعة من علمائهم:
اثنان قرويان هما: ابن عبدوس وابن سحنون.
واثنان مصريان هما: ابن عبد الحكم وابن المواز.
...
стр. 142
المبحث الثاني
اصطلاحات خاصة بالكتب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات حرفية.
المطلب الثاني: اصطلاحات كلمية.
стр. 143
المطلب الأول
اصطلاحات حرفية
(حش، مج، المص، ضيح، ك)
الاصطلاحات الحرفية:
ومن اصطلاحات المالكية المتعلقة بالكتب التي استطعت الوقوف عليها:
١ - المص (١):
وهذا الرمز يقصد به مختصر الإمام خليل.
٢ - حش (٢):
ويراد به حاشية الشيخ العدوي على شرح الخرشي، ويقول الأمير الحاشية أحيانا، وكذلك صاحب بلغة السالك.
٣ - ضيح (٣):
ويقصد به التوضيح لخليل.
стр. 144
٤ - ك (١):
ويقصد به شرح الخرشي الكبير.
٥ - مج (٢):
والمراد بهذا الاصطلاح مجموع الأمير.
...
стр. 145
المطلب الثاني
اصطلاحات كلمية
١ - الكتاب أو الأم .
٢ - الأمهات .
٣ - الدواوين.
ومن الاصطلاحات الكلمية المتعلقة بالكتب:
١ - الكتاب أو الأم (١):
ويقصدون بهذين الاصطلاحين: «المدونة» لصيرورته عندهم علما بالغلبة، وأشار إليها خليل في مختصره ب «فيها» (٢).
٢ - الأمهات (٣):
يطلق المالكية هذا الاصطلاح على أربعة كتب تحتل الصدارة على بقية الكتب وهي:
стр. 146
١ - المدونة: وهي رواية سحنون عن الإمام ابن القاسم عن مالك.
٢ - الموازية: لمحمد بن المواز.
٣ - العتبية (١): للعتبي.
٥ - الواضحة: لابن حبيب (٢).
٣ - الدواوين (٣):
يطلق هذا الاصطلاح على سبعة كتب تعد أجل كتب المذهب وهي:
الأمهات الأربع السابقة يضاف إليها:
١ - المختلطة، لابن القاسم.
٢ - المبسوط، للقاضي إسماعيل.
٣ - المجموعة، لابن عبدوس.
...
стр. 147
المبحث الثالث
اصطلاحات خاصة بالمذاهب والآراء
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات حرفية.
المطلب الثاني: اصطلاحات كلمية.
стр. 148
المطلب الأول
اصطلاحات حرفية
الاصطلاحات الحرفية:
١ - ولو:
ويشير خليل في مختصره بهذا الاصطلاح «ولو» إلى ثلاثة أمور:
الأول: رد خلاف قوي في المذهب وهذا غالبا.
ومثال ذلك: ما جاء في كتاب الطهارة قوله: «وحرم استعمال ذكر محلّي ولو منطقة وآلة حرب، إلا مصحف، والسيف والأنف وربط سن مطلقا وخاتم الفضة لا ما بعضه ذهب ولو قل» (١).
الثاني: وقد يشير بها إلى دفع الإبهام والمبالغة.
ومثاله: ما جاء في كتاب التفليس قوله: «والصانع أحق ولو بموت ما بيده وإلا فلا» (٢).
الثالث: وقد يشير بها إلى رد قول خارج المذهب، وغالبا ما ترد للغرض الأول أما الثاني والثالث فنادرا.
стр. 149
يقول خليل: «وب «لو» إلى خلاف مذهبي» (١).
ويشير السيد الرجراجي (٢) إلى استعمالات خليل لاصطلاح «لو» بقوله:
«ويقصد بلو الشرطية المفيدة للغاية المقرونة بواو الكناية والإغاظة، المكتفي عن جوابها بما قبلها، رد خلاف قوي في مذهب الإمام مالك، وقد يقصد بها دفع الإيهام والمبالغة. . . وقد يشير بها لرد قول خارج عن المذهب، وهذان فيه من أندر الندر، فإن صرح بجوابها فلا تفيد ذلك وهذا هو الغالب» (٣).
٢ - وإن (٤):
ويشير خليل بهذا اللفظ عند وجود خلاف خارج المذهب غالبا، ونادرا ما يشير بها إلى وجود خلاف في المذهب، أو قد تأتي للمبالغة.
يقول السيد الرجراجي: «يقصد بإن الشرطية المقرونة بالواو، المكتفي عن جوابها بما قبلها أيضا، رد خلاف خارج المذهب في الغالب، وقد يشير بها للمبالغة، وقد يشير بها للخلاف في المذهب» (٥).
مثال: جاء في باب آداب قضاء الحاجة قوله: «وجاز بمنزل: وطء، وبول، مستقبل قبلة ومستدبرا وإن لم يلجأ» (٦)، يعني وإن لم يضطر إلى ذلك.
...
стр. 150
المطلب الثاني
الاصطلاحات الكلمية
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاحات تتعلق بأقوال أئمة المذهب.
المسألة الثانية: اصطلاحات خليل في مختصره.
المسألة الثالثة: اصطلاحات قياسية.
المسألة الرابعة: المراد بقول مالك بلغني كذا.
المسألة الخامسة: المراد بقولهم الطريقة أو الطرق.
стр. 151
المطلب الثاني الاصطلاحات الكلمية
المسألة الأولى: اصطلاحات تتعلق بأقوال الأئمة:
١ - الروايات:
المراد بالروايات أقوال مالك التي رويت عنه.
٢ - الأقوال أو قولان:
يريدون بهذا الاصطلاح أقوال أصحاب مالك، ومن بعدهم من المتأخرين كابن رشد.
وقد يرد هذا الاصطلاح ويقصد به قول مالك أحيانا.
يقول محمد الحطاب: «غالبا أن المراد بالروايات أقوال مالك، وأن المراد بالأقوال أقوال أصحابه ومن بعدهم من المتأخرين؛ كابن رشد والمازري ونحوهم، وقد يقع بخلاف ذلك» (١).
أما خليل فإنه يأتي به حين لا يظهر له أرجحية دليل على آخر يقول:
«وحيث ذكرت قولين أو أقوالا فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية
стр. 152
منصوصة» (١). فإذا كان هناك قولان أو أكثر في حكم مسألة معينة ولم يجد ترجيحا لأحد هذه الأقوال بأي لفظ من ألفاظ التشهير ممن سبقوه من فقهاء المذهب، فإنه ينقل هذه الأقوال دون ترجيح بينها تورعا منه.
٣ - المنصوص:
المنصوص في اللغة:
النص: رفعك الشيء وكل ما أظهر فقد نص، والمنصة: ما تظهر عليه العروس لترى. . . ومنه قول الفقهاء: نص القرآن، ونص السنة، أي: ما دل ظاهر لفظهما عليه من الأحكام (٢).
المنصوص في الاصطلاح:
ويطلق هذا اللفظ على أقوال مالك أو أصحابه المتقدمين، وأحيانا يطلق على أقوال المتأخرين.
يقول ابن فرحون نقلا عن الباجي: «ويحتمل أن يكون من نص الشيء إذا رفعه، فكأنه مرفوع إلى الإمام أو إلى أحد من أصحابه» (٣).
ويقول أيضا ومن قاعدته-أي ابن الحاجب-أن يطلق المنصوص على ما هو منصوص للمتقدمين. . .، وقد يطلق على ما ليس فيه نص للمتقدمين، بل يكون من قول المتأخرين» (٤).
مثال: «قول مب: لاتفاقهم على وجوب النية هنا واختلافهم فيها هناك أراد باتفاقهم والله أعلم باعتبار المنصوص (٥).
المسألة الثانية: اصطلاحات خليل في مختصره
وردت للشيخ خليل بن إسحاق اصطلاحات في مختصره، قد بين
стр. 153
مراده منها في خطبة الكتاب، وقد تناولها شراح المختصر بالتوضيح والبيان، ولا بد من ذكرها بشيء من التفصيل، وذكر الأمثلة لتكتمل مصطلحات المذهب قدر الإمكان ولأن عدم ذكرها فيه إخلال بالبحث، سوف أذكر هذه الاصطلاحات مرتبة حسب ورودها في الكتاب، إلا ما سبق الحديث عنه في ثنايا هذا البحث حسب موقعه.
١ - أوّل:
أولا-المعنى في اللغة:
أول الكلام وتأوّله: دبره وقدره، وأوّله وتأوّله: فسّره. . . وهو من آل الشيء يؤول إلى كذا، أي رجع، والمراد بالتأويل؛ نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل» (١).
ثانيا-مراد خليل من هذا اللفظ:
يأتي خليل بلفظ «تأويلان، أو تأويلات، بعد حكم مسألة معينة، ذلك لاختلاف الشراح في فهم تلك المسألة من المدونة، ويعود سبب الاختلاف إلى:
١ - وجود قولين أو أكثر، فيكون فهم أحد الشراح وفق أحد القولين، والآخر وفق القول الثاني.
٢ - وقد يكون الاختلاف حسب ما يقتضيه محمل اللفظ، فلكل فهمه، وبذلك «تصير مفهوماتهم منها أقوالا في المذهب، يعمل ويفتي ويقضي بأيها إن استوت وإلا فبالراجح أو الأرجح» (٢).
يقول خليل: «وبأول إلى اختلاف شارحيها في فهمها» (٣).
أول أي بمادة «أول» ليندرج نحو تأولات وتأويلات، وهذا النوع من
стр. 154
الاختلاف إنما هو في جهات محمل لفظ الكتاب، وليس في أداء في الحمل على حكم من الأحكام، فتعد أقوالا. . .، وقد تكون التأويلات أقوالا في المسألة، واختلف شراح المدونة في فهمها على تلك الأقوال، فكل فهمها على قول» (١).
مثال: جاء في باب الذكاة قوله: «أو أرسل ثانيا بعد مسك أول، وقتل أو اضطرب فأرسل ولم ير إلا أن ينوي المضطرب وغيره فتأويلان» (٢).
وجاء أيضا في فصل النذر قوله: «وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل، وإن كان كثوب بيع وكره بعثه وأهدى به وهل إذا اختلف هل يقومه أو لا ندبا أو التقويم كان بيمين، تأويلات» (٣).
٢ - الاختيار:
يأتي خليل بهذا اللفظ لاختيار اللخمي لحكم مسألة، فإذا كان بصيغة الفعل؛ نحو: اختار واختير، فذلك يعني أن اللخمي اختار هذا الحكم «باجتهاده واستنباطه من قواعد المذهب، لا من أقوال سابقة» (٤). وإن كان بصيغة الاسم نحو المختار والاختيار، فهذا يدل على أنه اختار الحكم من بين أقوال فيها خلاف لأصحاب المذهب المتقدمين عليه.
يقول خليل: «وبالاختيار للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل؛ فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره من الخلاف» (٥).
يقول الرجراجي: «يقصد بذلك اختيار اللخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل الماضي؛ كاختار واختير؛ فإنه يريد به أن اللخمي أنشأ ذلك القول من
стр. 155
عند نفسه ولم يسبقه به غيره، وإن كان بصيغة الاسم، سواء كان اسم فاعل وخصه المختار أو اسم مفعول نحو كمتبع تأول وجوبه على المختار فإنه يريد به أن اللخمي اختار قولا مقولا قبله من القولين أو الأقوال التي في المسألة على مقابله سواء وقع ترجيحه له بلفظ الاختيار أو بلفظ التصحيح أو التحسين أو غير ذلك» (١).
مثال: جاء في كتاب الصلاة-فصل الأذان والإقامة، قوله: «لا جماعة لم تطلب غيرها على المختار» (٢).
وجاء في كتاب الصلاة-فصل استقبال القبلة: قوله: «ولا يقلد مجتهد غيره، ولا محرابا إلا لمصر وإن أعمى وسأل عن الأدلة وقلد غيره مكلفا عارفا أو محرابا فإن لم يجد أو تحير مجتهد تخير ولو صلى أربعا لحسن واختير» (٣).
وبدأ باللخمي لأنه أجرأ الشيوخ الذين سيذكرهم في الاجتهاد، ولذلك خصه بالاختيار (٤).
٣ - الترجيح:
أولا-المعنى في اللغة:
رجح: الراجح: الوازن. ورجح الشيء بيده: وزنه ونظر ما ثقله وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال (٥).
ثانيا-مراد خليل من هذا اللفظ:
يشير خليل بالترجيح لابن يونس؛ أي أنه أكثر المجتهدين ترجيحا لأقوال من قبله، فإن كان بصيغة الاسم نحو؛ الأرجح والمرجح فلاختياره
стр. 156
للحكم من عدة أقوال بينها خلاف ممن تقدمه، وإن كان بصيغة الفعل نحو رجح، فذلك لاختياره من نفسه؛ أي ما دله عليه اجتهاده واستنباطه وفق أصول المذهب وقواعده وهو قليل حيث الغالب ترجيحه لأقوال من سبقه.
يقول: خليل بن إسحاق: «وبالترجيح لابن يونس» (١).
فهو يشير بمادة الترجيح لابن يونس، وإن كان بصيغة الاسم نحو الأرجح والمرجح فلاختياره من خلاف من تقدمه، وإن كان بصيغة الفعل نحو رجح مبنيا للفاعل والمفعول فذلك اختياره هو من نفسه وهو قليل» (٢).
مثال: جاء في كتاب الصلاة-فصل في واجبات الصلاة قوله: «ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلى عليه: كالصحيح على الأرجح» (٣).
٤ - الظهور:
أولا-المعنى في اللغة:
الظاهر خلاف الباطن، والظواهر أشراف الأرض، يقال: هاجت ظهور الأرض وذلك ما ارتفع منها وظاهر كل شيء أعلاه (٤).
ثانيا-مراد خليل بهذا اللفظ:
يشير خليل بمادة الظهور لابن رشد؛ لأنه كثيرا ما يعتمد على ظاهر الروايات «فإن كان بصيغة الفعل الماضي كظهر؛ فذلك لاستظهاره من نفسه، وإن كان بصيغة الاسم كالأظهر؛ فذلك لاستظهاره من أقوال من سبقه من
стр. 157
أهل المذهب غالبا، وقد يشير به للخلاف خارج المذهب؛ كقوله والأظهر والأصح» (١).
يقول خليل: «وبالظهور لابن رشد» (٢).
٥ - قال أو القول:
ويشير خليل «بمادة القول للمازري، فبالاسم نحو القول لاختياره من خلاف سابق وهو قليل، وبالفعل نحو قال وقيل لاختياره في نفسه وهو كثير» (٣)؛ أي أنه إذا ذكر حكما وذكر قبله لفظ «قال» فإن ما بعده هو قول المازري غير مسبوق به، أما إذا جاء بلفظ «القول» أو «المقول» نحو لم يلزمه على المقول فذلك لما اختاره من قول قيل قبله» (٤).
يقول خليل: «وبالقول للمازري» (٥).
مثال: جاء في كتاب البيوع-فصل في الخيار قوله: «وزواله إلا محتمل العود وفي زواله بموت الزوجة وطلاقها وهو المتأول والأحسن أو بالموت فقط وهو الأظهر أو لا أقوال» (٦).
وعن سبب جعل الفعل لاختيار الشيوخ في أنفسهم، والوصف لاختيارهم من أقوال أصحاب المذهب يقول ابن غازي: «لأن الفعل يدل على الحدوث والوصف يدل على الثبوت، وخصهم بالتعيين لكثرة تصرفهم في الاختيار» (٧).
فدلالة الفعل على الحدوث؛ ناسب أن يجعله للقول الذي قالوه
стр. 158
وأحدثوه من عند أنفسهم حسب قواعد وأصول المذهب، ودلالة الاسم على الثبوت؛ ناسب أن يجعله لاختيارهم لأقوال ثابتة لمن سبقهم من أعلام المذهب، وأما عن سبب اختصاص كل واحد من هؤلاء العلماء بما خصه به من المادة.
يقول الرجراجي: «خص اللخمي بالاختيار لأكثرية اختياراته بالنسبة إلى سائرهم كما تقدم، وخص ابن يونس بالترجيح لأن أكثر اجتهاده في ترجيح أقوال غيره، وأما ما يقوله من عند نفسه فقليل، وخص ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيرا على ظاهر الرواية ولظهوره واشتهاره، وتقدمه على أهل زمانه، وخص المازري بالقول لأنه قويت ملكته في المعقول والمنقول، وبرز على غيره من الفحول (١). ولما قويت عارضته في العلوم، وتصرف فيها تصرف المجتهدين؛ كان صاحب قول يعتمد عليه (٢).
وإنما خص هؤلاء الأربعة بالتعيين لكثرة تصرفهم في الاختيار؛ كثرة لم توجد لغيرهم (٣).
٦ - خلاف:
يذكر خليل هذا اللفظ ليدل على وجوه أكثر من قول في المسألة؛ واختلف الشيوخ في تشهير هذه الأقوال؛ شريطة تساوي المشهرين في الرتبة، فإنه يذكر الأقوال ويذكر بعدها خلاف.
يقول الحطاب: إن الشيوخ إذا اختلفوا في تشهير الأقوال يريدوا تساوي المشهرون في الرتبة فإنه يذكر القولين المشهورين أو الأقوال المشهورة؛ ويأتي بعدها بلفظة خلاف؛ إشارة إلى ذلك، وسواء اختلافهم في الترجيح بلفظ التشهير؛ أو بما يدل عليه، كقولهم المذهب كذا أو الظاهر كذا أو الراجح، أو المفتى به الخ» (٤).
стр. 159
ويضيف السيد أحمد الرجراجي دلالة أخرى لاستعمال لفظ خلاف، وهي: «أنه قد يريد به الاختلاف في نفس الحكم» (١).
والضابط للتفريق بين الدلالتين: «أن لفظ خلاف إذا كان مع خبره كلاما تاما مقصودا به إفادة حكم المسألة فهو للاختلاف في التشهير، وإذا لم يكن ذلك؛ فهو للاختلاف في الحكم» (٢).
٧ - صحح أو استحسن:
ويذكر خليل هذين اللفظين عندما يصحح أو يستظهر أحد المشايخ غير الذين قدمهم؛ قولا من أقوال المتقدمين في أي مسألة، يقول: «أشير ب صحح أو استحسن إلى أن شيخا غير الذين قدمتهم صحح هذا أو استظهره» (٣).
أي: غير الأربعة السابقين كابن راشد، وابن عبد السلام، وابن عطاء الله وابن الحاجب، والمؤلف نفسه قد صحح قولا من القولين أو الأقوال التي في المسألة أو استظهره من عند نفسه؛ فاللفظان شاملان لما صححه الشيخ من نفسه، ولما صححه من كلام العلماء على الصحيح» (٤).
مثال: جاء في كتاب الصلاة-فصل في شرائط الجمعة قوله: «شرط الجمعة: وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر للغروب، وهل إن أدرك ركعة من العصر؟ وصحح. أو لا: رويت عليها باستيطان بلد» (٥).
وجاء أيضا في كتاب السلم قوله: «إلا أن تختلف المنفعة كفارة الحمر في الأعرابية وسابق الخيل، لا هملاج إلا كبر ذون وجمل: كثير الحمل
стр. 160
وصحح، وبسبقه، وبقوة البقرة ولو أنثى وكثرة لبن الشاة وظاهرها عموم الضأن وصحح خلافه» (١).
وجاء في كتاب التفليس قوله: «ولا يمنع مسلما أو خادما بخلاف زوجته، وأخرج لحد أو ذهاب عقله لعوده واستحسن بكفيل بوجهه لمرض أبويه وولده وأخيه وقريب جدا ليسلم» (٢).
وجاء في كتاب الصلاة-فصل في حكم صلاة الخوف قوله: «وإن صلى في ثلاثية أو رباعية بكل ركعة: بطلت الأولى والثالثة في الرباعية:
كغيرها على الأرجح وصحح خلافه» (٣).
٨ - التردد:
أولا-المعنى في اللغة:
التردد من «ردد، والرد: صرف الشيء ورجعه. . . وردّده ترديدا وترددا فتردد. ورجل مردّد: أي حائر» (٤).
ثانيا-مراد خليل بهذا اللفظ (٥):
وقد استعمل خليل هذا اللفظ بمعنى الاختلاف والتحير على عدة أوجه:
стр. 161
الوجه الأول: تردد المتأخرين في النقل عن المتقدمين ولذلك ثلاث صور:
الأولى: أن ينقل أحد المتأخرين أو بعضهم حكما لواقعة معينة في باب، وينقل آخرون حكما آخر لنفس الواقعة في باب آخر.
الثانية: أن ينقل بعضهم اتفاق المتقدمين على حكم نازلة معينة، وينقل آخرون اختلافهم في حكم هذه النازلة؛ ويعود ذلك لأمرين:
١ - إما أن يكون للإمام في المسألة قولان.
٢ - أو اختلافهم في فهم كلام الإمام، فينسب إليه ما فهمه من كلامه.
الثالثة: أن ينقل بعضهم حكما وينقل الآخر خلافه.
والوجه الاول هو الغالب.
الوجه الثاني: تردد المتأخرين في استنباط الحكم نفسه، وذلك لعدم نص المتقدمين على هذا الحكم.
الوجه الثالث: يستعمل لفظ التردد بشأن الشخص نفسه كأن يستنبط حكما؛ ويكون متحيرا فيه؛ وذلك مثل ما جاء في مصارف الزكاة قوله:
«وفي غارم يستغني تردد» (١)، يقول الشيخ عليش: «للخمي وحده ونصه:
وفي الغارم يأخذ ما يقضي به دينه ثم يستغني قبل أدائه إشكال، ولو قيل تنزع منه لكان وجها فالأولى واختار نزعها من غارم استغنى» (٢).
الوجه الرابع: استعمله إذا كثر الخلاف بين المتأخرين وتشعبت الطرق.
ومثال ذلك قوله: «ففي الاكتفاء بالتزكية الأولى تردد» (٣). قال الشيخ عليش: «(تردد) للمتأخرين في النقل عن المتقدمين بطرق كثيرة» (٤). وقد
стр. 162
يأتي بلفظ غير التردد في موضع التردد كالنظر «وتأتي أيضا لأغراض أخرى فإن اقترن لفظ النظر بفي؛ فيكون بمعنى الفكر، وبإلى فيكون بمعنى الرؤية، وباللام فيكون بمعنى الرحمة، وبعلى فيكون بمعنى القضب، وببين فيكون بمعنى الحكم» (١).
أمثلة:
١ - جاء في كتاب البيوع قوله: «وهل معين ما غش كذلك يجوز فيه البدل؟ تردد» (٢).
٢ - جاء في باب الشركة قوله: «وهل يلغي اليومان كالصحيحة تردد» (٣).
٣ - جاء في كتاب الحج قوله: «وفي كإحرام زيد: تردد» (٤).
٤ - قوله في كتاب الحج: «وفي شرط كونها عن واحد تردد» (٥).
المسألة الثالثة: اصطلاحات قياسية:
لا شك أن الفقهاء حين لا يجدون حكما منصوصا عليه في حكم مسألة؛ فإنهم يلجأون إلى الاجتهاد والقياس؛ أحد الأصول الاجتهادية؛ حيث يؤخذ حكم هذه المسألة من مسألة أخرى منصوص على حكمها؛ على أن تشترك المسألتان في العلة، وللمالكية طرق في استنباط الأحكام للوقائع غير المنصوص على حكمها من قبل أئمة المذهب ومن هذه الطرق التخريج والإجراء والاستقراء.
وسأبين في هذه المسألة المراد بهذه الاصطلاحات:
١ - التخريج أو القول المخرج:
أولا-التخريج في اللغة:
الخروج نقيض الدخول. . .، وخارج كل شيء ظاهره. . .، وخرجت
стр. 163
خوارج فلان إذا ظهرت نجابته. . .، والخارجي الذي يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم.
قال طفيل:
«أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال» (١)
ثانيا-التخريج في الاصطلاح:
يقول ابن فرحون: «هو عبارة عما تدل أصول المذهب على وجوده، ولم ينصوا عليه فتارة يخرج من المشهور؛ وتارة من الشاذ» (٢).
فحين لا يجد العلماء حكما منصوصا عليه لأي مسألة؛ فإنهم يقيسون على مسألة أخرى منصوص على حكمها؛ ليستخرجوا لها حكما، ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ بل إنهم قد يخرجون حكما يخالف الحكم المنصوص عليه، وقد يكون للمسألة حكم منصوص وحكم مخرج، وعلى هذا فالتخريج عند المالكية ثلاثة أنواع (٣):
النوع الأول: استخراج حكم واقعة ليس فيها حكم منصوص من مسألة منصوصة.
مثاله: يقول ابن الجلاب: «ومن نذر اعتكاف يوم بعينه فمرضه فإنها تتخرج على روايتين:
أحدهما: أن عليه القضاء، والأخرى أنه ليس عليه القضاء وهذه مخرجة على الصيام فإنه إذا نذر صوم يوم بعينه فمرضه أو خافت المرأة قال ابن عبد الحكم: «لا قضاء عليه إلا أن يكون نوى القضاء، وقال ابن القاسم:
عليه القضاء إلا أن يكون نوى ألا قضاء عليه» (٤).
стр. 164
النوع الثاني: أن يكون في المسألة حكم منصوص فيخرج فيها من مسألة أخرى قول بخلافه.
مثاله: قوله: «وفيها لا يغسل أنثييه من المذي إلا أن يخشى إصابتها» (١).
وقوله: «والجسد في النضح كالثوب على الأصح» (٢).
فالقول الأول أنه يغسل جسده إذا شك في إصابته النجاسة، وهذا مخرج من قول منصوص في المدونة وهو أنه: «ليس على الرجل غسل أنثييه من المذي عند وضوئه منه إلا أن يخشى أن يكون قد أصاب أنثييه منه شيء» (٣). أما القول الثاني: «فإنه لا يغسل جسده بل ينضحه».
النوع الثالث: أن يكون للمسألة حكم منصوص وحكم مخرج. وذلك بأن يوجد للمسألة حكم منصوص، ويوجد نص في مثلها على حد ذلك الحكم وليس بينهما فارق، فيخرجون حكما على أحد النصين للمسألة الأخرى.
مثاله: فالمشهور لابن القاسم بالحرير، وأصبغ بالنجس فخرج في الجميع قولان (٤).
٢ - الاستقراء:
أولا-الاستقراء في اللغة:
من قرأ: قرأت الشيء قرآنا: أي جمعته وضممت بعضه إلى بعض، ومنه سمي كتاب الله قرآنا لأنه يجمع السور فيضمها (٥).
стр. 165
ثانيا-الاستقراء في الاصطلاح:
يقول ابن فرحون: «وأما الاستقراء فهو بمعنى التخريج» (١).
ويقول القرافي: «الاستقراء هو: تتبع الحكم في جزيئاته على حالة يغلب الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة، كاستقراء الفرض في جزئياته بأنه لا يؤدي على الراحلة فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضا لما أدي على الراحلة» (٢).
والمثال الذي ساقه ابن فرحون يدل على أن الاستقراء هنا بهذا المعنى، يقول ابن فرحون: «واستقرأ الباجي الظهر والعصر من الموطأ: أرى ذلك في المطر» يعني أن الباجي وابن الكاتب أخذا من قول مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، من غير خوف ولا سفر، قال مالك: «أراه كان في المطر أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر لأجل المطر» (٣).
فالذي فعله الباجي هنا أنه أخذ حكم مسألة من أخرى بعد أن تتبع جزئيات المسألة المنصوصة، فاستخرج للأخرى حكما بطريق الاستقراء.
стр. 166
٣ - الإجراء:
أولا-المعنى في اللغة:
الإجراء من جرى جريانا وأجرى من جرت السفينة ورست، وجريا هو الوكيل وسمي الوكيل جريا لأنه يجري مجرى موكله، وتقول العرب أيضا:
أنت تجري عندي مجرى فلان وهذا جار مجرى هذا (١).
ثانيا-التعريف في الاصطلاح:
يقول ابن فرحون: «وأما الإجراء فهو من باب القياس»، ويقول أيضا:
«ومعنى الإجراء أن القواعد تقتضي أن يجري في المسألة الخلاف المذكور في مسألة أخرى» (٢)، وذلك بعد أن ساق مثالا على معنى الإجراء وكيفية استنباط الأحكام بهذا الطريق يقول: «ومن ذلك قوله في البئر القليلة الماء:
وأجريت على الأقوال في ماء قليل تحله نجاسة» (٣).
وأيضا ما جاء في جامع الأمهات قوله: «في زكاة النعم: فأجراه على الخلاف المتقدم» (٤).
وقال ابن فرحون أيضا في موضع آخر ناقلا عن صاحب التوضيح قوله:
«مقابل الأصح ليس منصوصا عليه وإنما هو الجاري على القواعد أنه يجبر على الذبح، قال المازري: وهذا هو التحقيق وهذا النوع يعبرون عنه بالإجراء على قواعد المذهب» (٥).
مما قدمنا نستطيع أن نستخلص أن الإجراء هو: إعطاء حكم لنازلة غير منصوصة وفق قواعد المذهب وأصوله من مسألة أخرى منصوصة.
стр. 167
المسألة الرابعة: المراد بقول مالك بلغني كذا:
يذكر مالك هذه العبارة حين لا يكون للحديث سند، فيقول: بلغني من كلام رسول الله ﷺ كذا، ومن المعلوم أن بلاغات مالك إسنادها قوي فهو لا يحيل فيها إلا على ثقة، وإذا تفقدت وجدت صحاحا.
يقول اللكنوي: «إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي» (١)، وهذا ما يؤكده ابن عبد البر بقوله: «ومالك لا يروي إلا عن ثقة وبلاغاته إذا تفقدت لم توجد إلا صحاحا» (٢).
أمثلة على بلاغات مالك:
١ - قوله: «بلغني أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة» (٣).
٢ - قوله: «وفي المسح على العمامة والخمار يقول محمد بن الحسن:
أخبرنا مالك قال: «بلغني عن جابر بن عبد الله أنه سئل عن العمامة فقال: لا حتى يمس الشعر الماء» (٤).
٣ - مالك عن يحيى بن سعد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا أقض عني الدين وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك» (٥).
стр. 168
المسألة الخامسة: المراد بقولهم الطريقة أو الطرق:
الطريقة: هي كيفية نقل المذهب وحكايته من قبل أصحاب مالك وشيوخ المذهب، ولا شك أن المذهب وصل إلينا بنقل الأصحاب والشيوخ، وسلسلة النقل هذه تسمى طريق أو طريقة النقل، ثم إن أصحاب مالك وشيوخ المذهب الموثوق بهم كثرة، وقد تفرقوا في الأمصار، ومن هنا تعددت طرق نقل المذهب.
والطرق جمع طريقة وهي: «اختلاف الشيوخ في حكاية المذهب» (١).
قال في التوضيح: «الطريق عبارة عن شيخ أو شيوخ يرون المذهب كله على ما نقلوه فهي عبارة عن اختلاف الشيوخ في كيفية نقل المذهب هل هو على قول واحد أو على قولين أو أكثر والأولى الجمع بين الطرق ما أمكن، والطريق التي فيها زيادة راجحة على غيرها، لأن الجميع ثقات» (٢).
...
стр. 169
المبحث الرابع
اصطلاحات خاصة بالترجيحات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات وردت على لسان مالك.
المطلب الثاني: علامات التشهير.
стр. 170
المطلب الأول
اصطلاحات وردت على لسان مالك
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: الأمر المجتمع عليه عندنا.
المسألة الثانية: المراد بقوله: الأمر عندنا.
المسألة الثالثة: عليه أدركت الناس.
المسألة الرابعة: ليس عليه العمل.
стр. 171
المطلب الأول اصطلاحات وردت على لسان مالك
المسألة الأولى:
المراد بقوله الأمر المجتمع عليه عندنا:
يقول الإمام مالك مبينا مراده من هذا الاصطلاح: «وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه قول أهل الفقه والعلم، لم يختلفوا فيه» (١).
ويقول الدكتور أحمد نور سيف: «ويستعمل هذا المصطلح حين يعلم أن أهل المدينة مجمعون على ذلك، أو حين لا يعلم لأهل المدينة قولا يخالف ذلك» (٢).
فهو يشير بذلك إلى إجماع أهل المدينة في حكم مسألة ما، أو حين
стр. 172
لا يرى لهم رأيا يخالفه، ولا يعني ذلك إجماع المجتهدين في المدينة وغيرها.
ولهذا الاصطلاح ألفاظ أخرى مرادفة منها:
- «الأمر المجتمع عليه عندنا. . . وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
-الأمر المجتمع عليه عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم.
-الأمر المجتمع عليه عندنا والذي لا اختلاف فيه، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
-وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
-وهو الأمر المجتمع عليه عندنا.
-وعلى ذلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
-السنة التي لا شك فيها ولا اختلاف.
-ذلك من سنة المسلمين التي لا اختلاف فيها» (١).
أمثلة من استعمالات الإمام مالك لتلك الاصطلاحات:
١ - «يحيى عن مالك أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله ﷺ إلى اليوم، قال مالك: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا» (٢).
٢ - قال مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا عينا كما تجب في مائتي درهم (٣).
стр. 173
٣ - قال مالك: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين، أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه» (١).
٤ - عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حنان أنه قال: أخبرني رجل من أشجع أن محمد بن مسلمة الأنصاري كان يأتيهم مصدقا فيقول لرب المال أخرج إليّ صدقة مالك فلا يقود إليه شاة فيها وفاء من حقه إلا قبلها، قال مالك: السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم» (٢).
٥ - وقال: «فيما جاء في اللعان: أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدا، وإن أكذب نفسه جلد الحد، وألحق به الولد، ولم ترجع إليه أبدا، وعلى هذا السنة عندنا التي لا شك فيها ولا اختلاف» (٣).
المسألة الثانية: المراد بقوله الأمر عندنا:
يقول الإمام مالك موضحا قصده من استعمال هذا اللفظ: «وما قلت الأمر عندنا؛ فهو ما عمل الناس به عندنا، وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل والعالم، وكذلك ما قلت فيه ببلدنا» (٤).
وهذا يعني الرأي الفقهي المعمول به، والذي جرت عليه الأحكام، وربما تكون هناك آراء أخرى لكنها لا يعمل بها، فإذا قال الأمر عندنا؛ فهذا يدل على الرأي الفقهي الذي اختاره الإمام مالك من بين عدة آراء للصحابة
стр. 174
والتابعين، وأيضا لا يدل قوله السابق على إجماع أهل المدينة، لأنه أن تجري الأحكام برأي فقهي؛ وأن يعرف هذا الأمر الجاهل والعالم؛ لا يعني عدم وجود رأي آخر مخالف ولا يدل على الإجماع.
يقول الدكتور أحمد محمد نور: «الموضوعات التي وردت كلها تحت هذا المصطلح» الأمر عندنا «تشير إلى أنه لا يعني إجماعا لأهل المدينة، أو عملا لهم، إنما يعبر به عن رأيه الذي يستحسنه من مسائل الخلاف من أقوال الصحابة والتابعين» (١).
ويأتي هذا الاصطلاح على لسان مالك بعدة ألفاظ منها:
-كذا الأمر عندنا.
-وهو الأمر عندنا.
-وذلك الذي عليها الأمر عندنا (٢).
ومن أمثلة استعمالاته لهذا الاصطلاح:
١ - ما جاء في ترك البسملة في الصلاة: «عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم لم يكن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا» (٣).
٢ - ما جاء في الرجل يورث الأرض نفرا من ولده، ثم يولد لأحد النفر، ثم يهلك الأب فيبيع أحد ولد الميت حقه في تلك الأرض، فإن أخا البائع أحق بشفعته من عمومته شركاء أبيه، قال مالك:
«وهذا الأمر عندنا» (٤).
стр. 175
٣ - ومما جاء في بيع الذهب بالفضة تبرا وعينا قال: فإن كان قيمة ذلك الثلثين وقيمة ما فيه من الورق الثلث فذلك جائز ولا بأس به إذا كان ذلك يدا بيد ولم يزل ذلك من أمر الناس عندنا» (١).
المسألة الثالثة: المراد بقوله: عليه أدركت الناس:
يستعمل هذا الاصطلاح عندما لا يكون في المسألة إجماع كلي لأهل المدينة، إنما هو رأي الأغلبية، وهناك قلة مخالفة ولها رأي آخر؛ فهو يقل في رتبته عن رتبة الإجماع الكلي الذي لا يعلم له مخالف (٢).
ومن أمثلته:
١ - قال مالك: «لا يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم في المكتوبة لا سرا في نفسه ولا جهرا، قال: وهي السنة وعليها أدركت الناس» (٣).
٢ - قال: حدثني عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون: من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعمرة فليس له ذلك، قال مالك: «وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا» (٤).
٣ - حدثني عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب كان يلبي بالحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية قال مالك: «وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا» (٥).
ولهذا الاصطلاح مرادفات كثيرة نذكر بعضها:
١ - وهو الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا.
٢ - وعلى هذا رأيت الناس.
стр. 176
٣ - وهذا أمر قد مضى وجاز عليه الناس.
٤ - إن من أمر الجائز بينهم.
٥ - ما أدركت الناس إلا على هذا.
٦ - الذي أدركت عليه الناس وأهل العلم ببلدنا.
٧ - وهو الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.
٨ - وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم.
المسألة الرابعة:
المراد بقوله: ليس عليه العمل:
يستعمل الإمام مالك هذا الاصطلاح لنفي العمل عن المسألة أو الحديث الذي ذكره؛ رغم أن هناك طائفة من الصحابة والتابعين يرون العمل به؛ إلا أن جمهورهم لا يرى ذلك.
مثال: التحريم بخمس رضعات:
وردت أحاديث عدة تثبت أنه يحرم من الرضاع بخمس رضعات ومنها حديث عائشة ﵂: «روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن-ثم نسخن بخمس معلومات -فتوفي رسول الله ﷺ وهو فيما يقرأ من القرآن» (١).
إلا أن جمهور الصحابة والتابعين لم يعملوا به ولهذا قال مالك: بعد حديث عائشة ﵂: ليس على هذا العمل (٢).
стр. 177
ولهذا الاصطلاح مرادفات عدة نذكر منها:
-ليس لهذا حد معروف.
-ليس ذلك بمعمول به ببلدنا.
ويضيف رأيه أحيانا فيقول:
-ليس عليه العمل ولا أرى أن يعمل به.
-ليس عليه العمل، وأحب إلينا كذا.
-ليس العمل عندي (١).
ومن استعمالات مالك لتلك الاصطلاحات:
١ - قال مالك: ليس العمل عندي أن يقرأ الرجل في الركعة الآخرة من المغرب بعد أم القرآن بهذه الآية: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ (٢).
٢ - قال مالك: ليس العمل على قول عمر حين ترك القراءة؛ فقالوا:
إنك لم تقرأ، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ فقال: حسن، قال: فلا بأس إذن» (٣).
٣ - وفي القراءة على الميت قال مالك: «ليس ذلك بمعمول به إنما هو الدعاء، أدركت أهل بلادنا على ذلك» (٤).
٤ - وفيما جاء في الدعاء للميت أثناء الصلاة عليه قال بعد أن ساق الدعاء هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنازة وليس فيه حد معلوم (٥).
стр. 178
٥ - وفي الصلاة على الجنازة إذا صلوا عليها، ثم جاء قوم بعد ما صلوا عليها قال: لا تعاد الصلاة، ولا يصلي عليها بعد ذلك أحد جاء بعد، قال: فقلنا له: فالحديث الذي جاء أن النبي ﷺ صلى عليها وهي في قبرها قال: قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل (١).
٦ - وفيما جاء في بيع الخيار، حدث يحيى عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن الرسول ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار».
قال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه (٢).
...
стр. 179
المطلب الثاني
علامات التشهير
وفيه اثنتا عشرة مسألة:
المسألة الأولى: المتفق عليه، والإجماع.
المسألة الثانية: المشهور.
المسألة الثالثة: الراجح.
المسألة الرابعة: الأصح، والصحيح.
المسألة الخامسة: الظاهر.
المسألة السادسة: المذهب.
المسألة السابعة: المراد بقولهم المعتمد.
المسألة الثامنة: المعروف.
المسألة التاسعة: المفتى به أو ما به الفتوى.
المسألة العاشرة: الذي جرى عليه العمل.
المسألة الحادية عشر: المراد بقولهم: الأحسن، الأولى، والأشبه، والمختار، والصواب، والحق، والاستحسان.
المسألة الثانية عشرة: قواعد الترجيح بين الأقوال.
стр. 180
المطلب الثاني علامات التشهير اعتمد فقهاء المالكية علامات تدل على القول الذي يعتمد عليه ويؤخذ به، وسبب ذلك تعدد الأقوال والروايات عن الإمام مالك وعن أصحابه رضوان الله عليهم، وتعدد الروايات يعود إلى أن يكون أحد هذه الأقوال متقدما على الآخر، فيكون الإمام قد رجع عن القول الأول إلى القول الثاني، أو يعود إلى الاختلاف في فهم كلام الإمام، فكل «ينسب إليه ما فهم منه لذلك انبرى المجتهدون في المذهب لتبيين القول الذي يفتى به، بناء على ملازمتهم للإمام أو أصحابه، ومعرفتهم المتقدم من المتأخر وعلمهم بأصول المذهب وقواعده، ومراعاة العرف والعادة، وما هو أرفق بالناس، فذيلوا الفتاوى والأحكام بإحدى علامات التشهير؛ للدلالة على صحة الفتوى بها ومناسبتها.
المسألة الأولى: المتفق عليه والإجماع:
الاتفاق في اصطلاح المالكية يعني: اتفاق علماء المذهب المعتد بهم دون غيرهم (١).