المطلب الثالث المنسوبون إلى الأزمان (١)
١ - المتقدمون.
٢ - المتوسطون.
٣ - المتأخرون.
نسبة الأشخاص إلى الأزمان هذه عرفت بين كل أهل صنعة حسب طبقات وعصور أصحابها.
١ - المتقدمون وهم: من ٢٤١ هـ-إلى ٤٠٣ هـ:
تبدأ هذه الطبقة من تلامذة أحمد بن حنبل المتوفى سنة «٢٤١ هـ»
стр. 282
وتنتهي بوفاة شيخ المذهب في زمانه الحسن بن حامد المتوفى سنة «٤٠٣ هـ».
٢ - المتوسطون: من ٤٠٣ هـ-إلى ٨٨٤ هـ:
تبدأ طبقة المتوسطين من تلامذة الحسن بن حامد وعلى رأسهم القاضي أبو يعلى المتوفى سنة «٤٥٨ هـ» وتنتهي بوفاة مجتهد المذهب ابن مفلح سنة «٨٨٤ هـ».
٣ - والمتأخرون: هم من ٨٨٥ هـ-إلى الآخر:
تبدأ هذه الطبقة بإمام المذهب في زمانه أبو الحسن علاء الدين المرداوي المتوفى سنة «٨٨٥ هـ»، إلى آخر أعلام هذه الطبقة، ومنهم عثمان بن جامع النجدي صاحب كتاب أخصر المختصرات والمتوفى سنة «١٢٤٠ هـ»، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري له حاشية على الروض المربع والمتوفى سنة «١٣٧٣ هـ»، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العالمي النجدي، له أيضا حاشية على الروض المربع، توفي سنة «١٣٩٢ هـ».
...
стр. 283
المبحث الثاني
اصطلاحات خاصة بالكتب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات حرفية.
المطلب الثاني: اصطلاحات كلمية.
стр. 284
المطلب الأول
الاصطلاحات الحرفية
١ - مط.
٣ - م. ق ر.
٥ - م. خ.
٧ - م. ص أو ح منتهى.
٢ - ص، ش.
٤ - ح ش منتهى.
٦ - ع. ن.
٨ - ح. ق. ع.
стр. 285
المطلب الأول الاصطلاحات الحرفية
١ - مط (١): يشير بها عبد الرحمن المعلمي إلى المتن المطبوع لكتاب أخصر المختصرات وذلك في تحقيقه لكتاب كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات.
٢ - ص، ش (٢): هذان الحرفان من اصطلاح ابن البناء في كتابة المقنع في شرح الخرقي حيث جعل «ص» إشارة إلى المتن من المختصر، «ش» إشارة إلى شرحه وجرت عادة الفقهاء على استخدام هذين الحرفين لنفس الغرض الذي استعملهما له ابن البناء.
٣ - م. ق. ر (٣): وهذا من اصطلاح الشيخ العنقري النجدي حيث يشير بها إلى كتاب مجموع المنقور.
стр. 286
٤ - ح ش منتهى (١): يشير بها الشيخ العنقري إلى حاشية شرح المنتهى لأبي بطين أو يقول «خطه» أو «تقرير» ويشار إلى تقريراته على شرح الزاد بقولهم «خطه» أو «خط شيخنا» أو «تقرير».
٥ - م. خ (٢): ويشار بها إلى حاشية محمد الخلوتي.
٦ - ع ن (٣): ويقصد بها حاشية عثمان على المنتهى.
٧ - (م. ص) (٤) أو (ح منتهى): ويشار بهذه الحروف إلى حاشية منصور على المنتهى.
٨ - (ح. ق. ع) (٥): ويقصد بها حاشية منصور على الإقناع.
...
المطلب الثاني اصطلاحات كلمية:
١ - الشرح (١): يريد به المرداوي شرح المقنع المشهور بالشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة المقدسي.
٢ - الانتصار أو كتاب الخلاف الكبير (٢): اسمان لكتاب واحد لأبي الخطاب الكلوذاني.
٣ - رؤوس (٣) المسائل أو كتاب الخلاف الصغير: أيضا هذان اسمان لكتاب واحد لأبي الخطاب الكلوذاني.
٤ - الفتاوى (٤): يقصد به كتاب فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ويعرف أيضا ب «مجموع الفتاوى» أو «المجموع».
стр. 289
٥ - (الفصول) (١) أو (كفاية المفتي): اسمان لكتاب واحد لأبي الوفاء ابن عقيل.
٦ - الشافي (٢): ألفت عدة كتب عند الحنابلة بهذا الاسم، أولها كتاب الشافي لغلام الخلال، والشافي في شرح المقنع لعبد الرحمن بن قدامة المشهور بالشرح الكبير، والشافي للضرير، والشافي للنابلسي.
٧ - عوض (٣): ويقصد بها هامش على متن منتهى الإرادات لأحمد بن عوض المرداوي.
٨ - فيروز (٤): ويقصد بها حاشية ابن فيروز على شرح الزاد.
стр. 290
المبحث الثالث
اصطلاحات خاصة بالترجيحات
والآراء والنقل
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اصطلاحات الإمام أحمد الدالة على الأحكام التكليفية الخمسة.
المطلب الثاني: اصطلاحات أصحابه في نقل المذهب وحكايته وترجيحاتهم.
المطلب الثالث: اصطلاحات نقل الأصحاب بعضهم عن بعض.
стр. 291
المطلب الأول
اصطلاحات الإمام أحمد الدالة
على الأحكام التكليفية
وفيه عشر مسائل:
المسألة الأولى: الاصطلاحات الدالة على التحريم.
المسألة الثانية: الألفاظ المختلف فيها بين التحريم والكراهة أو دلت عليه القرائن.
المسألة الثالثة: الألفاظ المختلف فيها بين التحريم والوقف.
المسألة الرابعة: الاصطلاحات المختلف فيها بين الوجوب والندب.
المسألة الخامسة: الألفاظ الدالة على الإباحة.
المسألة السادسة: الألفاظ المختلف فيها بين الفرق والتسوية.
المسألة السابعة: الاصطلاحات المختلف فيها بين الجواز والكراهة.
المسألة الثامنة: الألفاظ الدالة على التوقف.
المسألة التاسعة: الألفاظ الدالة على الرد.
المسألة العاشرة: ما لا يلحق بمذهبه.
стр. 292
تمهيد
من المعلوم أنه لم يكن للإمام أحمد تأليفا مستقلا في الفقه بجميع أبوابه، وإنما هناك رسائل في المناسك والفرائض والصلاة، ولذا فإن مذهبه قد عرف من خلال فتاواه التي نقلها تلامذته، إلا أن هذه الفتاوى قد اشتملت على الكثير من الاصطلاحات، التي تدل على الأحكام التكليفية الخمسة، وسبب ورودها أن الإمام ﵀ قد بلغ درجة من الورع بحيث يتجنب إطلاق لفظ الحكم على المسألة صراحة وإنما يأتي بلفظ آخر يدل عليه، وألفاظه في فتاواه كثيرة منها:
-هذا حرام.
-لا يصلح.
-ينبغي، لا ينبغي.
-استقبحه، هو قبيح.
-ما أراه، أو لا أراه.
-يعجبني، أعجب إليّ، لا يعجبني.
-أحب إليّ، لا أحبه.
стр. 293
-هذا حسن، لا أستحسنه.
-أخشى، أخاف.
-أكرهه.
-لا بأس به، أرجو أن لا يكون به بأس.
-إن شاء فعل.
-لا يفعل.
-احتياطا. يفعل كذا احتياطا.
-أهون، ذاك أهون، هو أهون.
-أشنع، هذا أشنع، يشنع عند الناس.
-أجبن عنه.
-أتهيبه.
-لا أجترىء عليه.
-لأتوقاه.
-استوحش منه.
-إني أتفزعه، أو أنفزع منه.
-أخير منه.
-أحب السلامة.
-لا يفعل.
стр. 294
-لا يجزىء.
-أشد، هو أشد، ذاك أشد.
-أدون، أيسر.
-لا أقنع.
-أختار.
-ما هو عندنا.
-ما سمعت.
-دعه، دع هذه المسألة.
وقد اعتنى تلامذة أحمد بفسر هذه الاصطلاحات، وبيان دلالتها الحكمية، فمنهم من أفرد لذلك مؤلفا مستقلا، كإمام المذهب في زمانه الحسن بن حامد الحنبلي، في كتابه تهذيب الأجوبة، ومنهم من ذكرها في ثنايا مؤلفاته كابن حمدان، في كتابه صفة الفتوى، وابن تيمية في مسودة آل تيمية، وقد عقد لها المرداوي رسالة مستقلة في نهاية كتابه الإنصاف، استفاد ممن سبقه في بيان دلالة تلك الألفاظ، كما نجد بعض أعلام المذهب الأجلاء قد قاموا ببيانها في مقدمات كتبهم، كابن مفلح في الفروع وغير هؤلاء ممن لم يتيسر لي الوقوف على مؤلفاتهم في هذا الشأن، ولأهمية هذه الاصطلاحات في المذهب سوف أتعرض في هذا المطلب لفسرها حسب ما تمكنت من جمعه منها، وبيان دلالتها الحكمية، معتمدة على الله ثم على آراء أئمة المذهب ومقارنة بينها بما وفقني الله إليه من فهم.
...
стр. 295
المطلب الأول اصطلاحات الإمام أحمد الدالة على الأحكام التكليفية
المسألة الأولى: الألفاظ الدالة على التحريم:
لفظ هذا حرام، لا يصلح .
ذكر أصحاب أحمد أن هذين اللفظين يدلان على التحريم في أجوبة أحمد على سائليه، «فإن قال هذا حرام. . . فحرام» (١)، وإن قال: لا يصلح، قصد به التحريم، لأن النبي ﷺ قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التكبير والتسبيح وقراءة القرآن» (٢).
يقول ابن حامد: «كل سؤال كان في مقابلته منه الجواب بلا يصلح، فإنه أذن بالنهي والتحريم» (٣).
стр. 296
ومن أمثلة ما أجاب أحمد بهذا اللفظ الدال على التحريم:
قال مهنا (١): «قلت لأحمد أسلم في ثوب فعجز فقال: خذ مني بدراهمك غزلا، فقال: لا يصلح إلا أن يأخذ سلمه أو دراهمه، وقال مهنا:
قلت: إن شرط أن يأخذ منه سلمه ببغداد؟ قال: لا يصلح هذا الشرط إنما هو مثل الصوف» (٢).
المسألة الثانية: الألفاظ المختلف
فيها بين التحريم والكراهة أو دلت عليه القرائن:
١ - هذا حرام ثم قال أكرهه أو لا يعجبني.
٢ - لا ينبغي.
٣ - استقبحه.
٤ - هو قبيح.
٥ - ما أراه أو لا أراه.
٦ - لا يعجبني.
٧ - أكره كذا.
٨ - لا أحبه أو لا أستحسنه.
وردت هذه الألفاظ في أجوبة أحمد على سائليه تدل على التحريم، حين دلت على الكراهة في أجوبة أخرى، لهذا اختلف أصحابه في فسر
стр. 297
هذه الاصطلاحات وما تدل عليه، فبعضهم يرى أنها تدل على التحريم، ويرى آخرون أنها تدل على الكراهة، والبعض يرجع دلالتها بحسب القرائن، وفي هذه المسألة سوف أستعرض جميع هذه الآراء معززة بالأمثلة ما أمكن.
١ - قوله: هذا حرام ثم قال أكرهه أو لا يعجبني:
فإذا ورد في إجابته أن هذا حرام، ثم أتبعه بقول أكرهه، أو قال لا يعجبني فذلك يحتمل وجهين.
الأول: التحريم:
قال في الرعاية: وإن قال: «حرام» ثم قال: «أكرهه» أو «لا يعجبني» فحرام (١) وهذا القول الأول لابن حمدان.
الثاني: الكراهة:
وأما القول الثاني له فهو أن هذا اللفظ يدل على الكراهة، ولذلك قال: وقيل: بل مكروه (٢).
وسياق الكلام يدلنا على أن الراجح عنده هو القول الأول، لأنه ذكر الثاني بصيغة التمريض حيث عبر بلفظ: «قيل».
٢ - لا ينبغي:
يرى بعض أصحاب أحمد أن هذا اللفظ يدل على التحريم، ذهب إلى ذلك ابن حامد وابن حمدان في صفة (٣) الفتوى وآل تيمية (٤) في المسودة، بل إن ابن حامد يرى أنها لا تدل إلا على التحريم قطعا، واستدل على
стр. 298
ذلك من اللسان والسمع، ورد قول كل من يرى أن لها دلالة أخرى.
يقول: «فكلما جاء عنه بهذا الجواب-أي لا ينبغي-فإنه يقتضي الأخذ به، بمثابة الأمر به، والقطع شيئان، وأن لا يجيء عنه في المذهب غير ذلك» (١).
واستدل على صحة ما ذهب إليه من اللغة والشرع.
فمن اللغة قوله: «فأهل اللسان بذا لا يقولون إلا لما أمروا به: ينبغي لك أن تفعله، ويقولون لما ينهون عنه لا ينبغي لك أن تفعله، هذا مترادف في مخاطبة العرب في الأوامر والنواهي، وهو خطاب السادات للعبيد فإذا ثبت هذا في اللسان أذن ذلك بأنه إذا أجاب بقوله: ينبغي أو قال: لا ينبغي أنه علم للأمر ومؤذن بالنهي» (٢).
ومن الشرع قوله: «ثم أدل الأشياء أنا وجدنا الشرع بذلك ورد، ألا ترى إلى حديث النبي ﷺ : «أنه أهدي فروج (٣) حرير فلبسه ثم نزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له وقال: لا ينبغي هذا للمتقين» (٤).
وفي جوابه على من يرى أن لهذا اللفظ وجه آخر يقول: «فإن تأول متأول من أصحابه أن هذا الجواب عنه يكسب التوقف والاحتياط لا غير
стр. 299
ذلك إذ صفة اللفظ لا تؤذن بالقطع، فالجواب أن هذا بعيد عن الصواب إذ الأجوبة بالأمر لها حد في اللسان متقاربة سمعا واستعمالا» (١).
وممن وافق أصحاب أحمد من المعاصرين على أن لفظ لا ينبغي تفيد التحريم الدكتور علي سليمان المهنا (٢).
بينما يرى الدكتور سالم (٣) الثقفي أن هذا اللفظ يفيد التحريم: تنزيها ومما ورد عن أحمد باستعمال هذا اللفظ وإفادته التحريم: أنه لما سأله ابنه عبد الله إذا وطىء الحرم ثم أصاب صيدا عليه جزاؤه؟ فقال: «الإحرام على هذا قائم لأنه يؤمر أن يتم الحج فلا ينبغي له أن يصيد صيدا ولا يحلق رأسه» (٤).
ويرى فريق آخر أن لفظ لا ينبغي كما أنها تفيد التحريم، فإنها قد تفيد الكراهة أحيانا، وذكروا من الأمثلة ما يؤيد صحة ما ذهبوا إليه.
فالإمام ابن مفلح بعد أن ذكر أن لفظ لا ينبغي تفيد التحريم ساق أمثلة تدل على أن هذا اللفظ قد يأتي للكراهة أيضا فقال: «وقد ذكروا أنه يستحب فراق غير العفيفة واحتجوا بقول أحمد لا ينبغي أن يمسكها، وسأله أبو طالب، يصلي إلى القبر والحمام والحش قال: لا ينبغي أن يكون، لا يصلي إليه، قلت: فإن كان، قال: يجزئه، ونقل أبو طالب فيمن قرأ في الأربع كلها بالحمد وسورة: لا ينبغي أن يفعل.
وقال في رواية الحسين بن حسان في الإمام يقصر في الأولى ويطول في الأخيرة: لا ينبغي هذا، قال القاضي: كره ذلك لمخالفة السنة فدل على
стр. 300
خلاف (١).
والذي يظهر أن هذا الاصطلاح قد يأتي للكراهة كما أنه يفيد التحريم والقرينة الصارفة هي التي تحدد ذلك فقول ابن مفلح يستحب فراق غير العفيفة يقابله كراهية إمساكها، وإجابة أحمد على من صلى إلى القبر والحش والحمام بأنها تجزئة، تدل على أن لفظ لا ينبغي في هذا السؤال تحمل على الكراهة، وأكد ذلك أبو يعلى بقوله كره ذلك لمخالفة السنة، وهذا ما ذهب إليه المرداوي (٢) أيضا ومن المعاصرين الدكتور بكر أبو زيد (٣).
٣ - لا أراه، أستقبحه، وهو قبيح:
يرى عامة أصحاب أحمد أن هذه الألفاظ تدل على التحريم، يقول ابن حامد: والمذهب عندي أن كل ما ورد عنه جواب غير سؤال الرجال أو سؤال في الأحكام يقال له: أحلال أم حرام؟ فيقول ما أراه أو يقول ما هو عندنا كذا أو يقول لا نرى ذلك، فكل ذلك بمثابة جوابه نصا أن ذلك لا يجوز، بمثابة ما يقطع به إذ ذلك ما هو جائز (٤).
ويقول ابن تيمية: «وإن قال: أستقبحه أو هو قبيح أو قال لا أراه فهو حرام» (٥)، وهو الذي اختاره الخلال (٦) وابن مفلح (٧) والمرداوي (٨)، ومن المعاصرين: الدكتور علي سليمان المهنا (٩)، والدكتور بكر أبو زيد (١٠) في لفظ أستقبحه، أما ابن حمدان فإنه يرى أن «الأولى النظر إلى القرائن في
стр. 301
الكل، فإن دلت القرينة على وجوب أو ندب أو تحريم أو كراهة أو إباحة حمل قوله عليه، سواء تقدمت أو تأخرت أو توسطت» (١)، وهو الذي ذهب إليه الدكتور سالم الثقفي حيث قال: والتحقيق أن الألفاظ الثلاثة-يعني أستقبحه أو هو قبيح أو لا أراه مصروفة إذا استعملت إلى ما تدل عليه القرائن» (٢).
٤ - أكره كذا لا يعجبني لا أحبه لا أستحسنه:
هذه الألفاظ اختلف الحنابلة في دلالتها، فابن حامد يحملها على التحريم إذا وردت مطلقة، إلا أن تقاربها قرينة تبين المراد منها، ويستدل على رأيه من الشرع بالكتاب والسنة فالثابت في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ﴾ (٣).
ومن الأخبار ما ورد عن أبي سفيان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ينهاكم عن كل ذي ناب من السباع» (٤)، ثم يعلق بعد ذكر الآية والحديث بقوله: «فأبان عن التحريم بلفظ الكراهية» (٥)، ويؤكد رأيه في موضع آخر فيقول: «فأما الكلام في موجب جوابه بالكراهية أيوجب التحريم أم الاستحباب فالمذهب عندي أن ذلك يقتضي الإيجاب إلا أن يقاربه بيان يكشف به عن المراد، وما ورد مطلقا لا بيان فيه فإنه يقتضي التحريم لا غير» (٦).
стр. 302
وساق أمثلة من أجوبة أحمد حمل لفظ الكراهة فيها على التحريم ومن ذلك لما سئل عن النفخ في الصلاة قال: «يروى عن ابن عباس من نفخ فقد تكلم وأكره النفخ في الصلاة شديدا ولا أقول يقطع الصلاة» (١).
والمثال الآخر: لما سئل عن رد اليمين قال: «أكرهه» (٢) ثم ختم حديثه بعد الأمثلة بقوله: «كل ذلك عندي مؤذن بالتحريم» (٣)، وهذا أيضا ما اختاره الخلال وعبد العزيز غلام الخلال (٤)، ورأت طائفة أخرى أن دلالة هذه الألفاظ حسب ما ترشد إليه القرينة، ومن هؤلاء ابن حمدان والمرداوي وابن مفلح وابن تيمية، وينقل المرداوي عن ابن حمدان في الرعايتين والحاوي الكبير وآداب المفتي قوله: «الأولى النظر في القرائن في الكل» (٥)، ثم يعقب بقوله: «وهو الصواب وكلام أحمد يدل على ذلك» (٦).
إلا أن ابن حامد ذكر خلافا في المسألة ورد أدلة مخالفيه وناقشها، والذي أراه أن حجة ابن حامد ضعيفة وأدلته لا تقوى على مواجهة أدلة الخصم حيث إن الأمثلة التي ساقها وحملها على التحريم تدل على الكراهة؛ كقول أحمد: أكره النفخ في الصلاة شديدا ولا أقول يقطع الصلاة، فقوله:
لا يقطع الصلاة دليل على تفسير لفظ أكره الوارد في هذا المثال بالكراهية
стр. 303
وليس التحريم، والرجوع إلى القرائن أسلم في دلالة الألفاظ، وهو الذي اختاره الدكتور سالم الثقفي حيث قال: «وهو الذي أختاره بعد تقليب النظر في العديد من المسائل» (١).
ومن الأمثلة الدالة على التحريم في جوابات أحمد:
ما نقله عبد الله في مسائل لأبيه حيث قال: «سألت أبي عن الصلاة في جلود الثعالب: فكرهه» (٢).
سألت أبي عن الخمر يتخذ خلا قال: «لا يعجبني أكرهه، ولا بأس بما أذن الله في فساده» (٣).
ومن الاستعمالات الدالة على الكراهة:
قوله: «أكره النفخ في الطعام وإدمان اللحم والخبز الكبار» (٤).
يقول أبو هانىء سمعت أبا عبد الله يقول: «لا يعجبني نهاب الجوز أن يؤكل منه» (٥).
المسألة الثالثة: الألفاظ المختلف فيها بين التحريم والوقف
١ - أخشى.
٢ - أخاف.
هذان اللفظان يستعملان ويقصد بهما المنع والتحريم، وهو ما ذهب
стр. 304
إليه عامة أصحاب أحمد كابن حامد وابن حمدان وابن تيمية وابن مفلح (١) والمرداوي (٢)، قال الحسن بن حامد: «إن صدر الجواب عن إمامنا في مسألة يقول: لا تجزىء، أو إطلاق يقول: أخشى أن يقع، أو ما شابه ذلك، فكله علم للتحريم» (٣)، وذكر مثالا على ذلك قال: قال صالح: قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة (٤).
ورد ابن حامد رأي من يرى أنها للوقف أو الشك فقال: «إن هذا لا وجه لقائله» (٥)، ويؤيد صحة ما ذهب إليه ابن حامد، بقية أئمة المذهب، حيث إنهم يرجحون أن تكون دلالة اللفظ للتحريم، ويظهر ذلك من سياق الكلام يقول ابن تيمية: وأخشى أو أخاف أن يكون أو لا يكون ظاهر في المنع وقيل: للوقف» (٦)، فإن يعبر ب «قيل» للرأي الثاني فيه دلالة على ضعفه، وهذا ما يراه ابن حمدان أيضا حيث ذكر بعد قوله وقيل: هما للوقف والشك، قال: «وفيه بعد لأن هذه الألفاظ تستعمل عرفا غالبا في الامتناع عن فعل شيء خوف الضرر منه وحيث أمتنع من الفتوى إنما كان تخفيفا على الناس» (٧).
ومن استعمالات هذين اللفظين:
قال عبد الله: سألت أبي عن الصلاة خلف من يسكر؟ فقال: لا يعجبني، فقلت: ولم؟ قال: أخشى أن لا يتنزه من البول (٨).
وفي إجابته عن سؤال العتق قال مهنا قلت: قال لعبده: لا ملك لي عليك، قال: «أخاف أن يكون عتق» (٩).
стр. 305
قال عبد الله: سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني تتصدق منه؟ قال: أخشى أن يكون ذلك ذلا (١).
ولما سئل عن رجل بيده سكين فصاح به رجل فرمي بها فعقرت رجلا، هل على من صاح به شيء؟ قال: هذا أخشى عليه، قد صاح به (٢).
المسألة الرابعة:
الألفاظ المختلف فيها بين الوجوب والندب
١ - أحب إليّ.
٢ - أحب كذا.
٣ - أستحسنه، هو حسن، أحسن.
٤ - يعجبني أو أعجب إليّ.
٥ - يفعل السائل كذا احتياطا.
اختلف أصحاب أحمد في دلالة هذه الألفاظ بين الوجوب والندب، إلا أن عامتهم يرجحون أن الألفاظ الأربعة الأولى تدل على الندب، وأن دلالتها على الوجوب مرجوحة، يقول ابن تيمية وقوله: «أحب كذا أو استحبه أو استحسنه أو هو أحسن أو حسن أو يعجبني أو هو الأعجب للندب، وقيل: للوجوب» (٣).
ومن استعمالات هذه الألفاظ:
يقول ابن هاني: كنت أقرأ على أبي عبد الله الحديث وأنا أنظر في
стр. 306
كتابه وهو ينظر معي فقال لي: «هذا أحب إليّ من أن أقرأ أنا عليك» (١).
وسئل عن الرجل إن أدخل الماء فمه ولم يمضمض، قال: «أعجب إليّ أن يمضمض» (٢).
وسئل عن الرجل يجيء إلى الرجل فيقول: بعني متاعا إلى أجل، فيقول له: ليس عندي ولكن أشتري فيشتري له، قال أبو عبد الله:
إذا تواطآ على ربحه وعليه فلا أراه قيل له: فربحه قال: يعجبني أن يرد عليه ربحه (٣).
وسئل عن قراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة قال ابن هاني: «قلت لأبي عبد الله: تأمرني أن أقرأ كما قرأ أبو بكر الصديق ﵁، قال: نعم، افعل فهو حسن فأمرني به» (٤).
وعمن صلى المغرب أربعا وجلس في الثالثة قليلا أيسجد للسهو قال: «ذاك حسن» (٥).
تدل هذه الأمثلة على أن الألفاظ المستعملة فيها تحمل على الاستحباب.
أما ابن حامد فإنه يرجح الوجوب فيما تدل عليه هذه الألفاظ بل إنه أنكر على من قال إنها تدل على الاستحباب ورد أقوالهم؛ يقول: «إن أجوبته إذا وردت وسؤالات عن الجواب بالحدود والفروض وكانت واردة بلفظ الأحب إليّ فذلك علم للإيجاب» (٦).
وعن رأي مخالفيه قال: ذكر أبو عبد الله مواضع التثبت من بعض أصحابنا شبهة، حتى يجعلوا كل جواباته بالأحب مفصلا واستحبابا، وهذا كله فلا وجه (٧).
стр. 307
وعن جوابه بالاستحسان يقول: «إذا ثبت عنه الجواب ففيه وجهان أحدهما: أن ذلك لا يثبت إيجابا بل هو إباحة للفعل لا غير ذلك، والوجه الثاني أن ذلك إذن بالبيان عن الحكم في الشيء إيجابا وأمرا، وهذا الأشبه عندي بالمذهب، فمن ذهب من أصحابنا إلى نفي الإيجاب، والدليل أن ذلك نفس جوابه بأن هذا حسن ليس فيه أكثر من استحسان الشيء، وقد يحسن ما هو غير لازم فبطل أن ينسب إليه ذلك استحقاق جواب (١).
وعن دلالة لفظ أعجب إليّ أو لا يعجبني قال: «فكل ما ورد من هذا النحو فكله عندي مستحق به الواجب وعلم للتحريم، كأنه قال لا يفعل أو قال يفعل هذا، يرجح الاستحباب قال: «وقالت طائفة من أصحابنا يخالفون في ذلك ويجعلون ذلك علما، للاستحباب لا غير. . . هذا كله فلا تأثير له» (٢).
أما لفظ يفعل السائل كذا احتياطيا، هذا اللفظ أيضا مما اختلف في دلالته أهو للوجوب أم للندب، فابن حامد وابن تيمية يرجحان الوجوب، يقول ابن حامد: «ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد وأن جوابه إذا وجد بهذا القول فإنه علم للإيجاب حتم وهذا غالب مذهب أصحابنا» (٣).
بل إنه يقصر دلالته على الوجوب فقط، ويعارض رأي من يرى أنه يدل على الاستحباب فيقول: «فأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ الإيجاب الحتم والاحتياط علما للاستحباب فذلك لا يؤثر شيئا، إذ لا ينكر أن تكون علة الإيجاب الاحتياط» (٤).
أما ابن تيمية فإنه يرى أنه يدل على الوجوب، وهو الراجح عنده، وقد يدل على الندب، «فإن قال يفعل السائل كذا احتياطيا فهو واجب، وقيل: بل مندوب» (٥).
стр. 308
ويرى ابن حمدان وابن مفلح والمرداوي أن الأولى النظر في القرائن فيحمل اللفظ حسب ما ترشد إليه القرينة.
يقول ابن حمدان: «وإن قال يفعل السائل كذا وكذا احتياطيا فهو واجب في أحد الوجهين. . . والثاني أنه مندوب، والأولى النظر في الحكم، فإن كان الوجوب فيه أحوط أو اقتضاه دليل أو قرينة تعين وإلا فلا» (١).
أما الدكتور سالم الثقفي فإنه لا يراه إلا للندب فقط فبعد أن عدد ألفاظ الندب قال ومما يلحق بذلك قوله: ينبغي، أو يفعل السائل كذا احتياطيا (٢).
ووجود الاختلاف في دلالة هذا الاصطلاح يجعل الاسترشاد بالقرينة أحوط لمعرفة الحكم.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال عبد الله: سألت عن الرجل يعتق العبد، فقال أبي: أعجب إليّ أن يعتق عبدا عاملا بيده ويكتسب، أحب إليّ من أن يسأل الناس (٣).
سئل عن الرجل المجوسي يتعامل بالربا ثم أسلم يخرج ما كان أربى قال: «لا. . .، قلت لأبي: فإن أخرج هو، قال: فإن فعل فحسن» (٤).
стр. 309
المسألة الخامسة: الألفاظ الدالة على الإباحة:
١ - إن شاء فعل.
٢ - لا بأس، أرجو أن لا يكون به بأس.
هذه الألفاظ تفيد الإباحة بإجماع علماء المذهب، «فكل ما روي عنه جواب عن الأمر له ينفي البأس حتما، أو رجاء، فذلك توسعة وإذن» (١)، فإذا «قال الإمام أحمد: لا بأس بكذا وأرجو أن لا بأس به، للإباحة وفاقا» (٢).
ومن استعمالات الإمام للفظ لا بأس:
قيل لأحمد: فشعر الميتة ينتفع به؟ قال: «نعم. قلت: ريش الميتة؟ قال: هو أغلظ، وأرجو أن لا يكون به بأس» (٣).
وسئل عن رجل يصلي محتبيا أو متكئا تطوعا؟ قال: لا بأس به (٤).
وأيضا إجابته برده إلى مشيئة السائل تدل على التوسعة والإباحة.
«فإن فعله أو تركه لم يكن حرجا وهو الأشبه عندي بظاهر المذهب» (٥).
ومن صور ذلك قال صالح: «قلت لأبي: هل يرش على القبر الماء؟ قال: إن شاء، وفعلوه» (٦).
وذكر ابن حامد خلافا في المسألة حيث يرى البعض دلالته على الإيجاب، وإنه بمثابة أحب إليّ، وقيل: بأنه يدل على الاستحباب، إلا أن هذا الرأي ضعيف رده ابن حامد وقال: «هذا لا وجه له» (٧).
стр. 310
وحمل هذين اللفظين على الإباحة هو ما ذهب إليه الدكتور سالم الثقفي (١) والدكتور بكر أبو زيد وفي لفظ: إن شاء فعل ذكر الدكتور بكر أبو زيد (٢) بأنه يكون للندب والاستحباب.
ومن استعمالات هذا اللفظ:
حينما سئل عن الرجل يدفع الدراهم للسمسار فقال: إذا دفع الرجل إلى السمسار الدراهم، فليقل: اشتر متاعا ويصفه ويقول له: إذا اشتريت لي بألف فلك كذا وكذا، قال: أرجو أن لا يكون به بأس (٣).
قال ابن هانىء: سألته عن ركعتين قبل المغرب، قال: إن شئت فصلهما (٤).
وسئل عن النصراني يسلم بمكة فأراد أن يحج أهو بمنزلة من ولد بمكة قال: أرجو (٥).
المسألة السادسة:
الألفاظ المختلف فيها بين الفرق والتسوية:
١ - أهون أو أشد.
٢ - أشنع.
٣ - أبعد.
هذه الألفاظ اختلف في دلالتها من حيث استحقاق الفعل للحكم، فهل تأخذ الحادثة التي قال عنها أحمد بأنها أشد حكما غير حكم سابقتها؟
стр. 311
أو قال عنها أهون فتأخذ حكما أقل؟ كأن يخفف الحكم الحرام إلى الكراهة أو من الواجب إلى المندوب.
عامة أصحاب أحمد يرون أن ما قيل فيه أشد أو أهون أو أشنع فإنه يأخذ حكم سابقه، فهما سواء من حيث الحكم، وقوله: أشد أو أهون أو أشنع لا يعني ذلك اختلاف الحكم، فالواجبات بعضها آكد من بعض إلا أنها تتفق من حيث الحكم وهو الوجوب، يقول أبو بكر عبد العزيز:
«هما سواء عنده لأن الشيئين قد يستويان في الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة ويكون أحدهما آكد لأن بعض الواجبات عنده آكد من بعض» (١).
وابن حمدان يرى الأولى «النظر إلى القرائن في الكل، وما عرف من عادة أحمد في ذلك ونحوه وحسن الظن به وحمله على أصلح المحامل وأربحها وأرجحها وأنجحها» (٢).
أما ابن حامد والمرداوي فإنهما يرجحان القول بالفرق: فإذا قال: هو أهون وأيسر وأدون فكل ذلك يقتضي أنه في الأفعال مختلف وأنّه لا يجب ما قاله أنه أهون من غيره بما يجب (٣).
ومن الأمثلة على ذلك:
-في العتق إذا قال: لا ملك لي عليك، قال: إذا أخاف أن يكون عتق، قلت: فإذا قال: لا سبيل لي عليك، قال: هو أهون (٤).
-ولما سئل عن بيع التعاويذ قال: أكرهه، قلت لأبي: فإن باع لأهل الذمة التعاويذ، قال: ذاك أشد وأكرهه (٥).
стр. 312
قال عبد الله: سألت أبي عن اليهودي والنصراني ألهما شفعة؟ قال:
لا، قلت لأبي: والمجوسي؟ قال: ذاك أبعد (١).
ونقل الخرقي هذه الرواية عن عبد الله يلفظ: سألت أبي عن الذمي واليهودي والنصراني لهم شفعة؟ قال: لا، قلت: والمجوسي؟ قال:
ذاك أشد (٢).
وحينما سئل أيصلي خلف صاحب بدعة لا يخاصم فيها قال: «هو أهون» (٣).
المسألة السابعة:
الألفاظ المختلف فيها بين الجواز والكراهة:
١ - أجبن عنه.
٢ - أتهيبه.
٣ - لا أجترىء عليه.
٤ - أتوقاه.
٥ - استوحش.
٦ - أتفزّعه، أو أنفزع منه.
٧ - أخير منه.
هذه الألفاظ تتردد دلالتها بين الجواز والكراهية وبعضهم رجح الاسترشاد بالقرائن، فقوله أجبن عنه حمله ابن حمدان على الكراهية، في صفة الفتوى قال: «بل يكره» (٤)، ونقل المرداوي رأي ابن حمدان في
стр. 313
الرعايتين بأنه للجواز: «فقوله أجبن عنه للجواز قدمه في الرعايتين» (١)، وقال: «في الرعاية الكبرى الأولى النظر إلى القرائن» (٢).
أما ابن حامد فيرى: «أنه إذا قال: أجبن عنه فإنه إذن بأنه مذهب وأنه ضعيف لا يقوى القوة التي يقطع بها ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد» (٣).
وأشار إلى أنه كل جواب ذكر فيه أجبن عنه قد ورد البيان عنه في مواقع متفرقة من كتب المذهب.
أما لفظ أخير منه «فهو للجواز وقيل: للكراهية» (٤)، وكذلك بقية الألفاظ فإنها تتردد بين الكراهية والجواز.
ومن الأمثلة على ذلك:
-سئل عن الرجل يعتق من زكاته قال: «قد كنت أذهب إليه، ثم إني جبنت عنه» (٥).
-ولما سئل عن الوضوء من النوم قال: إني لأنفزع منه (٦).
-وسئل عن المرأة تسلم قبل زوجها أهو أحق بها ما دامت في العدة؟
قال: أتهيب الجواب فيها (٧).
-قال عبد الله: قلت لأبي: فإن كانا رجلين فصلى بهم الرجل؟ قال:
يتقدمها أحب إليّ فأما الغلام فلا أجترىء عليه (٨).
-ولما سئل عن أجر القسام الذي يقسم الدور قال: «أتوقاه» (٩).
-وسئل عن السواك للصائم قال: «لا بأس بالسواك والطيب إلى الظهر، ويتوقاه آخر النهار» (١٠).
стр. 314
-وسئل عن الصلاة خلف الإمام وهو جالس قال: إني أستوحش منه لم أر أحدا فعله (١).
-قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لا طلاق إلا بعد ملك والعتق فيما لا يملك، قال أبي: لا أجترىء عليه (٢).
المسألة الثامنة: الألفاظ الدالة على التوقف:
١ - لا أعرف.
٢ - ما سمعت.
٣ - لا أدري.
إذا أجاب أحمد بأحد هذه الألفاظ، فهذا يعني توقفه عن الحكم في تلك الحادثة، حتى يكون له مزيد بحث وتأمل في وقت آخر، فإن كل مسألة أجاب عنها بلا أدري أو لا أعرف أو ما سمعت، فإنه قد وجد لها إجابة في وقت لاحق، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ورع الإمام أحمد وتحريه للصواب وتثبته في الفتوى.
يقول ابن حامد: «إذا صدر الجواب من أبي عبد الله بما سمعت ولا أعرف فلذلك لا يكسب قطعا بتحريم ولا تحليل ولا إبطال بل مقتضى ذلك الوقف لا غير» (٣).
«والمذهب في جوابه بلا أدري تأمل المتأمل مذهبه وبحث عن سطوره وصل إلى ما قاله في ذلك وما ذكره من البيان فيها إذ كل مسألة عنه بما ذكرناه أو غيره حدها في غير هذه الروايات بينه» (٤).
ومن الأمثلة على ذلك:
-لما سئل عن صلاة التسبيح: «ما ثبت فيها يعني الحديث؟ قال: لا أدري» (٥).
стр. 315
-قال صالح: قلت: التفت في صلاته؟ قال: قد أساء، قلت: يعيد؟ قال: ما أعلم أني سمعت أنه يعيد» (١).
-ولما سئل عن صالح بن يحيى بن المقدام قال: لا أعرفه (٢).
-ولما سئل عن الرجل يشتري الشيء فيذوقه فقال: ما أدري (٣).
-قال عبد الله: قلت لأبي: هل يصلي على النبي ﷺ عند الذبيحة؟ قال: ما سمعت فيه بشيء (٤).
المسألة التاسعة: الألفاظ الدالة على الرد:
قوله: لا أقنع بهذا:
إذا ورد هذا اللفظ في أجوبة أحمد، فإنه يدل على الرد ويأتي هذا اللفظ إذا لم يقنع بإجابة السؤال من غيره، أو عورضت إجابته من أحد أصحابه، «فالمذهب في هذا النحو وما جانسه إذا رد عليه السؤال أو كان في جوابه من أحد أصحابه معارضة بسؤال فقال: لا أقنع بهذا فكل ذلك رد لما قد عورض» (٥).
المسألة العاشرة: ما لا يلحق بمذهبه:
قوله: زعم، أو زعموا:
ويأتي هذا اللفظ إذا أجاب بفتوى الغير، ولا يقوى على دفع الشبهة القائمة في ذهنه، فإنه يعبر بلفظ: زعموا أو زعم، فلا ينسب القول إليه ولا يعده من مذهبه، وربما يعود ذلك لعدم بيان الدليل عنده، وهذه الإجابة أيضا لا تدل على مخالفته للفتوى بل يترك الأمر للمفتي.
стр. 316
ومن ذلك قوله:
-لما سئل في من يصرع قال: يتوضأ إذا خاف إلا أن يحتلم، قيل له:
ما يدريه؟ قال: إذا وجد أثر الاحتلام، قال: وزعموا أنه ربما احتلم (١).
...
стр. 317
المطلب الثاني
اصطلاحات الأصحاب في نقل المذهب
وحكايته وترجيحاتهم
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاحات نقل المذهب لفظا.
المسألة الثانية: اصطلاحات نقل المذهب حكاية.
المسألة الثالثة: اصطلاحات نقل المذهب استنباطا.
المسألة الرابعة: اصطلاحات نقل الخلاف في المذهب.
المسألة الخامسة: اصطلاحات الترجيح والتضعيف.
стр. 318
تمهيد
اعتنى فقهاء الحنابلة بالمذهب عناية فائقة، وخدموه خدمة جليلة، وكما ذكرنا إنه لم يكن للإمام أحمد مؤلفا متكاملا في الأبواب الفقهية، إلا أن مذهبه قد وصل إلينا بفضل أعمال أصحابه المخلصين، وذلك بطريقين:
الأول: من خلال ما أثر عن الإمام من قول أو فعل أو سكوت وإقرار أو توقف.
والثاني: من خلال جهود أصحابه الفكرية استنباطا وتخريجا، ولسنا هنا بصدد الحديث عن طرق نقل المذهب فقد تتبعها الدكتور بكر أبو زيد في كتابه المدخل المفصل والدكتور سالم علي الثقفي في كتابه مفاتيح المذهب الحنبلي.
وقد تواضع أصحاب أحمد كغيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى على اصطلاحات أثناء استنباطهم للأحكام وتخريجاتهم، وقد استعرضت في المطلب الأول الاصطلاحات الخاصة بألفاظ أحمد، وفي هذا المطلب سوف أقوم بتفسير اصطلاحات أصحابه الواردة أثناء نقلهم لمذهب الإمام.
ولأصحاب أحمد أسلوبان في نقل المذهب:
الأول: معرفة مذهبه من خلال دلالة ألفاظه الصريحة، وهو ما نقل عنه بطريق الرواية لأقواله، ويعبرون عنه بقولهم: الروايات المطلقة، النص، المنصوص عليه، نصا، نص عليه، المنصوص عنه، رواه الجماعة.
стр. 319
والرواية تعني: «الحكم المروي عن الإمام أحمد في مسألة ما نصا عن الإمام أو إيماء، وقد تكون تخريجا من الأصحاب على نصوص أحمد فتكون رواية مخرجة» (١).
وأما قولهم رواه الجماعة (٢): فيراد به القول عن الإمام أحمد يرويه عنه الكبار من تلامذته وهم سبعة:
ولداه: عبد الله وصالح وحنبل ابن عم الإمام-إسحاق-وأبو بكر المروذي (٣) وإبراهيم الحربي (٤)، وأبو طالب (٥)، والميموني (٦).
الثاني: معرفة المذهب من خلال عبارات الإمام التي لا تدل دلالة صريحة ويعبرون عنها بالتنبيهات وألفاظهم في ذلك: أومأ إليه أحمد، أشار إليه، دل كلامه عليه، توقف فيه، سكت عنه.
أما نقلهم للمذهب بطريق الاستنباط ويقال: لازم المذهب من قول
стр. 320
الإمام أو التخريج في المذهب، فقد وردت ألفاظ كقولهم: قياس المذهب، الوجه، الاحتمال، التخريج، النقل، القول، الاتجاه أو التوجيه، وألفاظ لحكاية الخلاف كقولهم على روايتين، على وجهين، فيه أوجه وغيرها، وأخرى للتصحيح والتضعيف وهناك صيغ للخلاف وصيغ للتمريض، وفي هذا المطلب سأقوم بتفسير ما تيسر لي الوقوف عليه من هذه الاصطلاحات حسب ما تدل عليه عباراتهم مسترشدة بكتب أعلام المذهب.
...