ومن ذلك قوله:
-لما سئل في من يصرع قال: يتوضأ إذا خاف إلا أن يحتلم، قيل له:
ما يدريه؟ قال: إذا وجد أثر الاحتلام، قال: وزعموا أنه ربما احتلم (١).
...
стр. 317
المطلب الثاني
اصطلاحات الأصحاب في نقل المذهب
وحكايته وترجيحاتهم
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: اصطلاحات نقل المذهب لفظا.
المسألة الثانية: اصطلاحات نقل المذهب حكاية.
المسألة الثالثة: اصطلاحات نقل المذهب استنباطا.
المسألة الرابعة: اصطلاحات نقل الخلاف في المذهب.
المسألة الخامسة: اصطلاحات الترجيح والتضعيف.
стр. 318
تمهيد
اعتنى فقهاء الحنابلة بالمذهب عناية فائقة، وخدموه خدمة جليلة، وكما ذكرنا إنه لم يكن للإمام أحمد مؤلفا متكاملا في الأبواب الفقهية، إلا أن مذهبه قد وصل إلينا بفضل أعمال أصحابه المخلصين، وذلك بطريقين:
الأول: من خلال ما أثر عن الإمام من قول أو فعل أو سكوت وإقرار أو توقف.
والثاني: من خلال جهود أصحابه الفكرية استنباطا وتخريجا، ولسنا هنا بصدد الحديث عن طرق نقل المذهب فقد تتبعها الدكتور بكر أبو زيد في كتابه المدخل المفصل والدكتور سالم علي الثقفي في كتابه مفاتيح المذهب الحنبلي.
وقد تواضع أصحاب أحمد كغيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى على اصطلاحات أثناء استنباطهم للأحكام وتخريجاتهم، وقد استعرضت في المطلب الأول الاصطلاحات الخاصة بألفاظ أحمد، وفي هذا المطلب سوف أقوم بتفسير اصطلاحات أصحابه الواردة أثناء نقلهم لمذهب الإمام.
ولأصحاب أحمد أسلوبان في نقل المذهب:
الأول: معرفة مذهبه من خلال دلالة ألفاظه الصريحة، وهو ما نقل عنه بطريق الرواية لأقواله، ويعبرون عنه بقولهم: الروايات المطلقة، النص، المنصوص عليه، نصا، نص عليه، المنصوص عنه، رواه الجماعة.
стр. 319
والرواية تعني: «الحكم المروي عن الإمام أحمد في مسألة ما نصا عن الإمام أو إيماء، وقد تكون تخريجا من الأصحاب على نصوص أحمد فتكون رواية مخرجة» (١).
وأما قولهم رواه الجماعة (٢): فيراد به القول عن الإمام أحمد يرويه عنه الكبار من تلامذته وهم سبعة:
ولداه: عبد الله وصالح وحنبل ابن عم الإمام-إسحاق-وأبو بكر المروذي (٣) وإبراهيم الحربي (٤)، وأبو طالب (٥)، والميموني (٦).
الثاني: معرفة المذهب من خلال عبارات الإمام التي لا تدل دلالة صريحة ويعبرون عنها بالتنبيهات وألفاظهم في ذلك: أومأ إليه أحمد، أشار إليه، دل كلامه عليه، توقف فيه، سكت عنه.
أما نقلهم للمذهب بطريق الاستنباط ويقال: لازم المذهب من قول
стр. 320
الإمام أو التخريج في المذهب، فقد وردت ألفاظ كقولهم: قياس المذهب، الوجه، الاحتمال، التخريج، النقل، القول، الاتجاه أو التوجيه، وألفاظ لحكاية الخلاف كقولهم على روايتين، على وجهين، فيه أوجه وغيرها، وأخرى للتصحيح والتضعيف وهناك صيغ للخلاف وصيغ للتمريض، وفي هذا المطلب سأقوم بتفسير ما تيسر لي الوقوف عليه من هذه الاصطلاحات حسب ما تدل عليه عباراتهم مسترشدة بكتب أعلام المذهب.
...
стр. 321
المطلب الثاني اصطلاحات الأصحاب في نقل المذهب وحكايته وترجيحاتهم
المسألة الأولى:
اصطلاحات نقل المذهب لفظا:
١ - نصا أو النص.
٢ - نص عليه.
٣ - المنصوص عليه.
٤ - المنصوص عليه.
٥ - وعنه.
هذه الألفاظ يستعملها الأصحاب في نقل المذهب بطريق الرواية عن الإمام، فهي تدل دلالة صريحة على أن الحكم المروي عن الإمام هو نص له، فإذا ذيل الحكم بلفظ نص عليه أو هو المنصوص فإن المعنى ينصرف مباشرة إلى النقل الصريح عن الإمام وأن هذا القول هو قوله، ويدخل في هذا القسم ألفاظ أحمد التي تدل على الأحكام التكليفية الخمسة والتي لم يختلف الأصحاب في دلالتها كقوله: هذا حرام، لا يصلح، يجوز، لا بأس به وغيرها، مما سبق الحديث عنه في المطلب السابق.
стр. 322
وإذا قيل نصا، أي نسبة إلى الإمام أحمد ﵀ (١).
وإذا قيل: «نص عليه أو هو المذهب المنصوص، يعنون به ما نقل عن الإمام بعبارة صريحة في المعنى المذكور لا تحتمل تأويلا، وكذا قولهم صرح به الإمام ونحوه مما لا يتطرق إليه احتمال» (٢).
فالنص هو القول الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره (٣).
وإذا قيل وعنه: يعني عن الإمام أحمد ﵀ (٤).
ومن أمثلة ما ورد عن الأصحاب باستعمال تلك الألفاظ:
-وأما رد السلام: فيكره بلا خلاف في المذهب، نص عليه الإمام (٥).
-يقول ابن مفلح في سلب القتلى: «وعنه: هي لهم بعد الخمس» (٦).
-لا يملك الكفار ذميا كالحر المسلم، ويلزم فداؤه، ويرجع المشتري في المنصوص بثمنه بنية الرجوع (٧).
-وعن لبس المخيط للرجل في الحج قال ابن مفلح: «وإن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية مطلقا نص عليه» (٨).
стр. 323
المسألة الثانية: اصطلاحات نقل المذهب حكاية:
١ - أومأ إليه.
٢ - أشار إليه.
٣ - ظاهر كلام الإمام.
٤ - دل كلامه عليه.
٥ - توقف فيه.
٦ - سكت عنه.
هذه الألفاظ تعني نقل المذهب عن الإمام بطريق الرواية، لكن دلالتها على الحكم ليست صريحة، وإنما فهمها الأصحاب واستنبطوها بطريق الإشارة والتنبيه من أقوال الإمام، ويدخل في هذا القسم ألفاظ أحمد التي تدل على الأحكام الخمسة، إلا أن الأصحاب اختلفوا في إفادتها لأحد الأحكام، فكان اللفظ مترددا بين حكمين كقوله: يعجبني، أخشى، أخاف، لا ينبغي، وغيرها مما تقدم بيانه في المطلب السابق.
والإيماء هو: «الإتيان بعبارة ليست صريحة في الحكم لكنه يفهم منها بطريق اللزوم» (١).
والإشارة هي: «الإتيان بكلام يفهم منه حكم غير الحكم المصرح به فيه عن طريق اللزوم» (٢).
ومن الأمثلة على تلك الألفاظ:
-عن الوصال في الصوم: «قال أحمد: لا يعجبني، وأومأ أحمد أيضا إلى إباحته لمن يطيقه» (٣).
стр. 324
قال الشيخ منصور بن إدريس في باب الإيمان: «وإن قال: لا أكلمه ونحوه إلى الحول فحول كامل من حين اليمين لا تتمته إن حلف في أثناء حول قال في الفروع أومأ إليه أحمد» (١).
قال ابن مفلح في شرح المقنع في تغليظ دية القتل بالرحم قال:
«وظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ بالرحم» (٢).
المسألة الثالثة: اصطلاحات نقل المذهب استنباطا:
١ - قياس المذهب .
٢ - الوجه.
٣ - الاحتمال.
٤ - التخريج.
٥ - النقل.
٦ - القول.
٧ - الاتجاه.
هذه الألفاظ اصطلاحات استعملها أصحاب أحمد تبين كيفية نقل المذهب بطريق الاستنباط، وسوف أبين في هذه المسألة معنى كل واحد من هذه الألفاظ.
١ - قياس المذهب (٣):
يرد هذا اللفظ لدى أصحاب أحمد عند استخراج حكم لمسألة جديدة من مسألة نص على حكمها.
стр. 325
وفي هذا يقول ابن حمدان: «وما قيس على كلامه فهو مذهبه، إن نص الإمام على علته أو أومأ إليها» (١).
ومثال ذلك ما قاله المجد بن تيمية: «قياس المذهب عندي: أن الترتيب لا يجب في الوضوء» (٢).
وحاصله: «أن قياس المذهب: هو تخريج فرع غير منصوص عن الإمام على فرع منصوص لعلة جامعة» (٣).
ومن استعمالاته أيضا قول ابن مفلح: «وإن سلم ولده إلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه في الأصح قال القاضي: هو قياس المذهب» (٤).
٢ - الوجه:
وهذا اللفظ أحد طرق استنباط المذهب حيث يستخرج للمسألة حكما من مسألة مشابهة وفق قواعد الإمام وأصوله.
يقول المرداوي: «فأما الوجه فهو قول بعض الأصحاب وتخريجه، إن كان مأخوذا من قواعد الإمام أحمد ﵁ أو إيمانه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته» (٥).
ومثال ذلك ما ورد في التيمم لجميع الأحداث قال المرداوي: «وعنه لا يجوز التيمم لها، قال في الفائق: وفيه وجه لا يجب التيمم لنجاسة البدن مطلقا» (٦).
стр. 326
٣ - الاحتمال:
وهذا اللفظ يعني استخراج حكم جديد غير الحكم السابق لنفس المسألة، وذلك لدليل مرجوح أو فساد لدليل الحكم السابق.
يقول ابن عثيمين: الاحتمال: هو قابلية المسألة لأن يقال فيها بحكم غير الحكم الذي قيل فيها لدليل مرجوح بالنسبة إلى دليل الحكم الأول أو مساو له (١).
ومن استعمالات هذا الاصطلاح:
نقل المرداوي عن ابن مفلح قال: ويتوجه احتمال في رده السلام عليه أفضل الصلاة والسلام لئلا يفوت المقصود وهو رده على الفور (٢).
«والاحتمال بمعنى الوجه إلا أن الوجه مجزوم بالفتيا به» (٣).
٤ - التخريج:
وهذا اللفظ يعني: «نقل الحكم من مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه، ولا يكون ذلك إلا إذا فهم المعنى» (٤).
стр. 327
فإذا عرضت مسألة مشابهة لمسألة سابقة سرى على الثانية حكم الأولى وسوي بينهما في الحكم، وهذا يتوقف على فهم المعنى، فالحكم هنا مستخرج من أصول الإمام الكلية وقد يكون مخرجا من نصوصه أيضا.
ومن استعمالات هذا اللفظ:
يقول المرداوي عند شرحه لعبارة: «ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه» قال:. . . وقيل: لا تصح فيه مطلقا بل يصلي عريانا وهو تخريج للمجد في شرحه. . . وعند قوله عبارة: «وأعاد على المنصوص»، قال:
ويتخرج أن لا يعيد» (١).
٥ - النقل:
والمقصود بهذا الاصطلاح استخراج حكم لمسألة جديدة من نصوص الإمام في مسألة مشابهة يقول ابن عثيمين: «النقل هو نصوص الإمام والتخريج عليها وبعبارة أخرى هو نقل الحكم من مسألة منصوص على الحكم فيها إلى مسألة تشبهها لم ينص فيها على الحكم» (٢).
والفرق بين التخريج والنقل أن الحكم في النقل مستخرج من نصوص الإمام، أما التخريج فهو مستخرج من القواعد الكلية أو من نصوصه، فالتخريج أعم من النقل.
٦ - القول:
هو الحكم المنسوب إلى الإمام أحمد، ويشمل الوجه والاحتمال والتخريج، وقد يشمل الرواية (٣).
стр. 328
وهذا الاصطلاح أعم الاصطلاحات السابقة حيث إنها فروع منه وهو يشملها جميعا.
٧ - الاتجاه والتوجيه:
هذان اللفظان استعملهما ابن مفلح في الفروع ويعني بهما استنباطه هو لحكم مسألة من مسألة أخرى مشابهة لها بناء على القواعد الكلية للمذهب، أو من نصوص الإمام، وهما من قبيل تخريج الفروع على الفروع.
يقول مصحح الفروع: «أنه يخرج أو يوجه من عنده روايتين أو وجهين أو احتمالين وهذا أيضا مما ليس للأصحاب فيه كلام واختلف ترجيحهم فيه، ويمكن أن يجاب بأن يقال: إنما خرج المصنف الروايتين أو الاحتمالين لجامع بين المسألة التي خرجها وبين المسألة المخرج منها، والمسألة المخرج منها فيها خلاف مطلق أو مرجح، فأطلق الخلاف إحالة على ذلك وهو قوي» (١).
المسألة الرابعة: اصطلاحات نقل الخلاف وصيغه:
أولا-اصطلاحات نقل الخلاف:
١ - على روايتين.
٢ - فيه روايات.
٣ - على وجهين.
٤ - فيه أوجه.
٥ - احتمالات.
٦ - قيل وقيل.
٧ - قال فلان كذا، وقال فلان كذا.
أولا-اصطلاحات نقل الخلاف في المذهب:
١ - على روايتين.
٢ - فيه روايات.
٣ - على وجهين.
٤ - فيه أوجه.
٥ - احتمالات.
٦ - قيل وقيل.
٧ - قال فلان كذا، وقال فلان كذا.
٨ - وقيل كذا.
٩ - الحكم كذا.
١٠ - الترجيح مختلف.
١١ - فيه أقوال.
هذه الألفاظ يستعملها الأصحاب عند وجود أكثر من رأي في المسألة الواحدة، وبلا شك فإن هذه الآراء مستنبطة من نصوص الإمام أو تنبيهه أو قواعد المذهب الكلية، وجرت عادة الفقهاء أن يذكروا الأحكام الواردة في المسألة الواحدة، سواء كانت روايات أو أوجه أو احتمالات أو أقوال، وذلك ليس من أجل إظهار قوة الخلاف وإنما قصد منها أمور منها:
١ - حكاية الخلاف من حيث الجملة (١):
يقول المرداوي معلقا على الألفاظ التي استعملها ابن مفلح في الفروع: «أو يقول: وفيه وجهان للأصحاب كما ذكره في باب الأطعمة
стр. 331
فتحتمل عبارته في هذه المسائل أن يكون الخلاف مطلقا ويحتمل أن يكون ذكره على سبيل الحكاية» (١).
٢ - إطلاق الخلاف لعدم ظهور الراجح:
يقول ابن مفلح: «وأقدم غالبا الراجح في المذهب فإن اختلف الترجيح أطلقت الخلاف» (٢).
ويقول الحجاوي: «وربما أطلقت الخلاف لعدم مصحح» (٣).
ومن أمثلة استعمالات تلك الألفاظ:
١ - يقول ابن قدامة: «وإن حلف ليقضينه حقه فأبرأه، فهل يحنث على وجهين» (٤).
٢ - وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة أو ليرحلن عن هذه الدار، فهل له العود إليها؟ على روايتين (٥).
٣ - يقول ابن مفلح: «فإن فات، أي الذبح، في السابع ففي أربعة عشر فإن فات ففي إحدى وعشرين نقله صالح وهو قول إسحاق روى عن عائشة، والظاهر أنها لا تقوله إلا عن توقيف فلو ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأ لحصول المقصود، ولكن ذكره هو السنة فإن تجاوز إحدى وعشرين فوجهان» (٦).
٤ - قال ابن مفلح في باب النكاح فيما إذا كان المهر خمرا قبل إسلامهما ثم انقلب خلا فطلق يقول؛ «ولو تلف الخل ثم طلق ففي رجوعه بنصف مثله احتمالان» (٧).
стр. 332
٥ - وأيضا ما جاء في الفروع في كتاب الوصايا يقول ابن مفلح: «وهل يقبل التوبة ما لم يعاين الملك أو ما دام مكلفا أو ما لم يغرغر؟ فيه أقوال» (١).
ومن أساليب إطلاق الخلاف «طي الخلاف في حكاية نهايته» (٢).
أي أنه يذكر الخلاف لكنه بأسلوب مختصر جدا، لا يتعرف عليه إلا المتمرس في الفقه الذي سبر أساليب الفقهاء وعباراتهم واصطلاحاتهم في التعبير.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره المرداوي في تصحيحه على الفروع فذكر من اصطلاحات ابن مفلح في إطلاق الخلاف قوله: «وهل يفعل ثالثها الفرق» يقول: «هذه العبارة غاية في الاختصار» (٣).
ففي هذه العبارة طوى قولين دل عليهما الثالث، وأمثلة ذلك ما ورد في باب الهبة من كتاب الفروع يقول ابن مفلح: ولو قال هي طالق ثلاثا إن لم تبرئني فأبرأته صح، وهل ترجع ثالثها ترجع إن طلقها (٤).
وهذه العبارة موجزة جدا وأصل المسألة: أنه لو قال لزوجته هي طالق إن لم تبرئني فأبرأته هل ترجع في إبرائها؟ الجواب فيه ثلاثة أقوال:
١ - أنها ترجع مطلقا.
٢ - أنها لا ترجع مطلقا.
٣ - ترجع إن طلقها، أي لها أن ترجع إن طلقها لأنها أبرأته لكي لا يطلقها فأخلف والمطوي هما القولان الأول والثاني (٥).
стр. 333
ومن أمثلة طي الخلاف أيضا أن يقول: في كذا روايات-ثالثها كذا (١). ومن أساليب حكاية الخلاف عزو القول إلى قائله.
يقول البهوتي: «وربما عزوت أي نسبت حكما إلى قائله من العلماء خروجا من تبعته» (٢).
ثانيا-صيغ الخلاف:
١ - أو .
٤ - خلافا له؛ خلافا لهما.
٧ - و.
١٠ - ق.
١٣ - هـ.
١٥ - (إن)، (لو)، (حتى).
٢ - التصحيح.
٥ - ش.
٨ - ح، ن.
١١ - ت.
١٦ - ر.
٣ - خ.
٦ - ع.
٩ - م.
١٢ - الهمزة، (ش).
١٤ - ي.
هذه الرموز يستعملها الأصحاب لتدل على وجود خلاف في المسألة، ولكل رمز معناه الخاص وفي هذه المسألة سوف أفسر المراد بتلك الرموز.
١ - أو:
هذا الرمز استعمله يوسف المرداوي في المواضع التي يذكر فيها الخلاف، فحيث يأتي بهذا الرمز فإنه يدل على وجود خلاف في المسألة، ذكر ذلك ابن عبد الهادي في كتابه الجوهر المنضد عند ترجمته ليوسف المرداوي قال: «صنف كتابا في الفقه وحكى فيه خلافا. . . ويذكر في بعض المواضع الخلاف بصيغة أو» (٣).
стр. 334
٢ - التصحيح:
استعمل المرداوي هذا اللفظ لتصحيح الخلاف الذي في المقنع، فهذا اللفظ بلا شك يدل على وجود خلاف.
يقول المرداوي: «وبالتصحيح، لتصحيح الخلاف المطلق الذي في المقنع» (١).
٣ - (خ):
وهذا الرمز من اصطلاح ابن مفلح مشيرا به إلى خلاف الأئمة الثلاثة فيما بينهم أو خالفوا رأي أحمد يقول: «وخلافهم خ» (٢).
٤ - خلافا له، خلافا لهما:
هذان اللفظان استعملهما الشيخ مرعي في كتابه غاية المنتهى، فيذكر لفظ خلافا له عند وجود خلاف في الإقناع، وإن وجد بين قولي الإقناع تناقض قال خلافا له هنا، فيشير بهذا اللفظ إلى موضع الخلاف.
أما خلافا لهما فإنه يشير به لخلاف الإقناع والمنتهي.
يقول الشيخ مرعي: «مشيرا لخلاف الإقناع ب: خلافا له فإن تناقض زدت هنا ولهما «الإقناع والمنتهى» ب خلافا لهما» (٣).
٥ - ش:
وحرف الشين يجعله ابن مفلح علامة لخلاف الشافعي فيقول:
وللشافعي «ش» (٤).
٦ - ع:
ويجعل حرف العين علامة على الإجماع، يقول: وأشير إلى ذكر الوفاق والخلاف، فعلامة ما أجمع عليه «ع» (٥).
стр. 335
أما ابن عبد الهادي فيجعله علامة على المسألة المجمع عليها فيقول:
«وأشير إلى المسألة المجمع عليها بأن أجعل حكمها «اسم فاعل» «ع» أو «مفعول» «ع» (١).
٧ - و:
هذا الحرف أيضا من رموز ابن مفلح، فهو يشير به إلى موافقة الأئمة الثلاثة لمذهب أحمد، أو كان الأصح في مذهبهم هذا إذا كتب «و» بعد الحكم، أما إذا كانت قبل الحكم فهو دلالة على موافقة أحد الأئمة الثلاثة لمذهب أحمد.
يقول: «وما وافقنا عليه الأئمة الثلاثة وكان الأصح في مذهبهم «و». . . وعلامة وفاق أحدهم ذلك وقبله «و» (٢).
يقول ابن مفلح في الفروع في كتاب الوصايا: «وتصح مطلقة ومقيدة من مكلف، قال في الكافي: لم يعاين الموت «وش» قال: لأنه لا قول له، والوصية قول ولنا خلاف» (٣).
٨ - ح، ن:
وهذان الرمزان من اصطلاح ابن عبد الهادي إشارة إلى وفاق أبي حنيفة يقول: «وأبي حنيفة فقط ب «النون» وأيضا ب «الحاء» (٤).
٩ - (م) (٥):
هذا الحرف يشير به ابن مفلح إلى خلاف مالك لمذهب أحمد يقول:
стр. 336
«ومالك «م» أما ابن عبيدان فإنه يشير بها إلى ما انفرد به صاحب المحرر عن صاحب الكافي، وتكتب «م» وآخرها نقطة».
١٠ - (ق) (١):
هذا الحرف جعله ابن مفلح علامة على وجود قولين للشافعي في المسألة الواحدة يقول ولقوليه-أي الشافعي-ب «ق».
في حين يجعلها ابن عبيدان رمزا لما اتفق عليه صاحب المحرر مع صاحب المقنع من المسائل وتكتب «ق» حمراء وآخرها نقطة حمراء.
١١ - (ت):
هذا الحرف وضعه ابن عبد الهادي علامة على وجود خلاف في المذهب، يقول: «وإن كان فيها خلاف عندنا فب «التاء» (٢).
١٢ - الهمزة، (وش):
هذان الحرفان من اصطلاح ابن عبد الهادي أيضا، حيث جعلهما علامة على وفاق الشافعي، يقول: ووفاق الشافعي فقط: بالهمزة وأيضا:
«وش» (٣).
١٣ - هـ:
هذا الحرف جعله ابن مفلح علامة على خلاف أبي حنيفة، يقول:
«وعلامة خلاف أبي حنيفة «هـ» (٤).
стр. 337
١٤ - ي:
وحرف الياء رمز به ابن عبد الهادي لعدم وجود خلاف في المذهب، يقول: «فإن كان لا خلاف عندنا في المسألة فب «الياء»» (١).
١٥ - وإن، حتى، ولو:
هذه الرموز تدل على وجود خلاف في المذهب، يقول ابن بدران:
«متى قال فقهاؤنا: ولو كان كذا ونحوه كان إشارة إلى الخلاف، وذلك كقول صاحب الإقناع وغيره في باب الآذان: ويكرهان يعني الآذان والإقامة للنساء، ولو بلا رفع صوت فإنهم أشاروا بلو إلى الخلاف في المسألة» (٢).
وأشار الدكتور بكر أبو زيد إلى أن بعض المتأخرين يرون أن «ولو» يشار بها إلى الخلاف القوي، «وحتى» يشار بها إلى الخلاف المتوسط، و «إن» يشار بها إلى الخلاف الضعيف، لكنه لم يرجح هذا الرأي بل إنه يراه «لا يطرد وإنما هي: «حروف للخلاف في المذهب فقط» (٣).
١٦ - ر:
هذا الحرف يستعمله ابن مفلح للدلالة على وجود روايتين لمالك أو للشافعي، يقول: «فإن كان لأحدهما روايتان فبعد علامته «ر»» (٤).
المسألة الخامسة: اصطلاحات الترجيح والتضعيف
أولا-ألفاظ الترجيح:
١ - الأصح.
٢ - الظاهر.
٣ - المشهور.
стр. 338
٤ - المذهب.
٥ - الأولى، الأقوى، الأقيس.
٦ - ويتوجه، متجه، في وجه.
٧ - نصبها أو نصها.
٨ - الاتفاق.
٩ - الإجماع.
ثانيا-ألفاظ التضعيف:
١ - وجيه، قويل، غريب.
٢ - مشكوك فيه، يحتمل كذا.
٣ - لا عمل عليه، هو بعيد، هذا قول قديم رجع عنه، المقدم خلافه.
٤ - في الجملة.
المسألة الخامسة: اصطلاحات الترجيح والتضعيف:
لما حصل الخلاف في المذهب، سواء كان ذلك الاختلاف بين روايات الإمام، أو بين روايته وتخريج أصحابه، أو بين تخريجات الأصحاب، أو الاختلاف في تفسير الرواية الواردة عن الإمام، احتاج الفقهاء في المذهب إلى الترجيح بينها، ومرجعهم في ذلك الدليل، فما وافق الدليل فهو المذهب، وإن خالف نص الإمام، وكذلك مراعاة قواعد المذهب وأصوله في تخريجاتهم، وقد تواضع فقهاء الحنابلة على ألفاظ تدل على الترجيح أو التضعيف ومن ذلك قولهم:
«رواية واحدة، أو وجها واحدا، المنصوص عليه، نصا أو النص، نص عليه، المنصوص عنه، وعنه، أو المنصوص كذا، هذا هو المذهب المنصوص، وهذه سبق بيان المراد منها في اصطلاحات نقل المذهب في المسائل المتقدمة.
стр. 339
ومن ألفاظ الترجيح أيضا قولهم: بلا خلاف، بلا نزاع، الصحيح، والأصح، المشهور، والأشهر، والظاهر، الأظهر، المذهب، الأقيس، الأولى، الأقوى.
تلك الألفاظ وما يراد منها ما سيأتي تفصيله عند الحديث عن كل لفظ في هذه المسألة، وكذلك قولهم الأول أحسن وعندي كذا، متجه، نصبها فلان، الاتفاق، الإجماع، في وجه، في قول، على قول.
وأما ألفاظ التضعيف فقولهم: لا عمل عليه، هو بعيد، هذا قول قديم رجع عنه، غريب، وجيه، قويل، المقدم خلافه، مشكوك فيه يحتمل كذا.
ولبعض من تلك الألفاظ مرادفات سأقف عليها فيما سيأتي تفصيله.
ذلك مما استطعت الوقوف عليه من ألفاظ الترجيح والتضعيف والذي جمعته من مقدمات كتب الفقه التي بينت المراد منه كالإنصاف في مقدمته وخاتمته، والفروع وتصحيحه، وكشاف القناع، وشرح الزركشي لمختصر الخرقي، والمطلع على أبواب المقنع، وبعض كتب الأصول، كشرح منتهى الإرادات للفتوحي والبهوتي، وشرح الكوكب المنير للفتوحي، وغاية المطلب في معرفة المذهب، وكتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لابن حمدان.
والآن إلى بيان المراد من تلك الألفاظ:
أولا-ألفاظ الترجيح:
١ - الأصح:
إذا قال الحنابلة الأصح فإنهم يعنون به أن هذا الحكم قد صحت نسبته إلى الإمام أو إلى بعض أصحابه، سواء اشتهرت نسبته إليهم وظهرت أو صح طريق النقل عنهم، أو كان الأصح دليلا من الأقوال، أو صح هذا الحكم عند القائل فقط حسب ما دله عليه اجتهاده، فيطلق الأصح على جميع تلك المعاني والقرينة تدل على أي منها يراد به.
يقول ابن حمدان: «ثم الأصح عن الإمام أو الأصحاب قد يكون
стр. 340
شهرة وقد يكون نقلا وقد يكون نقلا وقد يكون دليلا أو عند القائل وكذا القول في الأشهر والأظهر والأولى والأقيس ونحو ذلك (١).
ولهذا اللفظ مرادفات كثيرة منها قولهم: في الأصح، على الأصح، في أصح القولين أو الأقوال، في أصح الوجهين أو الأوجه، هي الأصح، الأول أصح.
وبين تلك الألفاظ فوارق طفيفة أحيانا وذلك حسب مراد قائلها.
فأبو بكر الجراعي مثلا إذا قال:
على الأصح: فإنه يدل على وجود روايتين أصحهما ما أشار إليه، أما أصحها بصيغة الجمع فدلالة على وجود روايات أما في الأصح، فيدل على وجود وجهين أصحهما الذي اختاره بهذا اللفظ، أما إذا قال: في أصحها، فذلك يدل على وجود أوجه صحح أحدها بقوله في أصحها.
وقد وضح ذلك بقوله: «وحيث أقول: على الأظهر فروايتان وعلى أظهرها: فروايات، وفي الأظهر: فوجهان، وفي أظهرها: فأوجه، والمنصوص، والأصح، والأضعف كالأظهر فيما تقدم» (٢).
وقد التزم ابن مفلح هذه التفرقة أيضا بقوله:
«وعلى الأصح أي أصح الروايتين، وفي الأصح أي أصح الوجهين» (٣).
أما ابن قدامة فلا يفرق بين «في» أو «على» عند اقترانهما بأي من ألفاظ الترجيح فيقول في أصح الروايتين أو في أصح الوجهين.
يقول المرداوي: «وتارة يقول: في أصح الروايتين أو الوجهين، أو على أظهر الروايتين أو الوجهين، ولا تكاد تجد لك إلا المذهب وقد يكون
стр. 341
المذهب خلافه ويكون الأصح والأظهر عند المصنف ومن تابعه» (١).
وبعد أن يحكي الخلاف في المسألة فإنه يذيلها بقوله: «والأول أصح أو هي أصح» (٢)، للدلالة على الاتفاق على صحتها، أو قد يكون ما صح عنده دون غيره كما ذكره ذلك المرداوي بقوله: «ويكون في الغالب كما قال وقد يكون اختياره» (٣).
ويقابل الأصح الصحيح وهو دونه في الأصحية عند تقابلهما ويأتي الصحيح بعدة صيغ كقولهم: الصحيح كذا، في الصحيح من المذهب، في الصحيح عنه، هذا صحيح عندي الصحيح من المذهب، والمراد بتلك الألفاظ كما يدل عليه سياق كلامهم أن قولهم: الصحيح كذا هو ما صحت نسبته إلى الإمام أو إلى بعض أصحابه، أو قوي دليله، هذا كما أشار إليه ابن حمدان فيما مر معنا، وأيضا ما دل عليه كلام المرداوي بقوله: «وتارة يقدم شيئا ثم يقول والصحيح كذا. . . ويكون كما قال، وربما كان ذلك اختياره» (٤).
أي أنه إذا جاء التصحيح بهذه الصيغة فيدل ذلك على تصحيح واختيار فقهاء المذهب وذلك عند قول المرداوي: «فيكون كما قال»، أي هو الصحيح على إطلاقه عند عامة الفقهاء وابن مفلح أيضا، وربما كان ذلك اختياره هو، وذلك عند قول المرداوي: وربما كان ذلك اختياره-فهذه تدل على أن ابن مفلح يخالف الإطلاق العام لهذا اللفظ فيكون الصحيح عنده وليس لدى غالب فقهاء المذهب.
- في الصحيح من المذهب أو الصحيح من المذهب:
إذا استعمل ابن قدامة هذا اللفظ فإنه يدل على تصحيحه هو واختياره دون غيره، وذلك حينما يكون في المسألة خلاف.
يقول المرداوي: «والصحيح من المذهب عنده دون غيره، كما ذكره في باب السجود وغيره» (٥)، ويقول أيضا: «ولا يقول ذلك إلا وثم خلاف» (٦).
стр. 342
- في الصحيح عنه:
والظاهر أن المقصود بها ما صح نسبته إلى الإمام، وهذا من ألفاظ ابن قدامة في المقنع.
- هذا صحيح عندي:
وفي هذا دلالة صريحة على اختيار المتحدث وتصحيحه.
٢ - الظاهر:
الظاهر من الكلام هو: «اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدهما أرجح أو ما يتبادر منه عند إطلاقه معنى مع تجويز غيره» (١).
فالدليل أو الرواية أو الوجه الذي يحتمل معنيين يكون أحدهما أكثر وضوحا ويتبادر إلى ذهن المجتهد أو لا يسمى هذا المعنى أو الحكم هو الظاهر.
والظاهر يقابل الأظهر الذي هو أكثر ظهورا من مقابله، وقد يكون الأظهر شهرة أو نقلا أو دليلا سواء كان عن الإمام أو بعض أصحابه وللأظهر مرادفات منها: على الأظهر، على أظهرها، في الأظهر، في أظهرها، في أظهر الوجهين أو الأوجه، ظاهر كلام الإمام.
وبعض الفقهاء يفرق بين تلك الألفاظ في الاستعمال فيجعل لكل منها دلالة خاصة.
فعلى الأظهر للروايتين، وعلى أظهرها للروايات، وفي الأظهر للوجهين، وفي أظهرها للأوجه، وذلك عند الجراعي، أما إذا قال الأظهر فإن ذلك يعني ما صححه وقدمه صاحب الفروع، يقول: «ولما صححه أو قدمه: الأظهر» (٢).
стр. 343
أما ظاهر كلام الإمام (١): فهو المتبادر إلى الذهن من كلامه بناء على المعنى العام للظاهر.
٣ - المشهور:
ويراد بالمشهور ما اشتهرت نسبته إلى الإمام أو إلى بعض أصحابه، سواء كانت هذه الشهرة بكثرة القائلين بنسبته إلى الإمام، أو تعددت طرق نقلهم عنه، أو اشتهر دليله وظهر، أو كان مشهورا عند القائل به فقط، ويعبر عن المشهور بصيغ أخرى كقولهم: في المشهور عنه، المشهور من المذهب.
فالمشهور عنه: دلالته واضحة على أنه يراد به اشتهار نسبته إلى الإمام ﵀.
أما أبو بكر الجراعي فإن المشهور عنده هو ما اختاره ابن حمدان يقول: «ولابن حمدان: المشهور» (٢).
والمشهور يقابل الأشهر وللأخير استعمالات دقيقة حسب اقترانه بحروف الجر، فإذا أطلق «الأشهر» فعند الجراعي هو ما كثر مرجحوه والعبرة عنده بالكثرة.
يقول: «فجعلت لما رجحه الأكثر أو جماعة: أشهر» (٣).
أما على الأشهر يدل على الرواية التي اختارها أبو العباس، وفي الأشهر تدل على الوجه الذي اختاره أبو العباس أيضا.
ويجعل لاختياره هو في نفسه لفظ في أشهر.
يقول: «وعلى الأشهر فالعكس، رواية اختارها أبو العباس وفي الأشهر فالعكس وجه اختاره، وفي أشهر فالعكس اختاره فقط» (٤).
стр. 344
٤ - المذهب:
مذهب الإنسان ما قاله أو جرى مجراه من تنبيه أو غيره (١).
أما إذا قصدنا معرفة مذهب أحمد فإنه: «قد يكون بنص الإمام أو بإيمائه أو بتخريجهم ذلك، واستنباطهم من قوله أو تعليله» (٢).
فإذا قال فقهاء الحنابلة بعد ذكر مسألة: هذا هو المذهب أو المذهب كذا، فذلك يدل على أن هذا الحكم هو الذي يقتضيه مذهب أحمد، سواء كان بنص من الإمام أو بتنبيهه وإيمائه أو كان وجها للأصحاب أو استنباطا من أقواله.
وعما يعتبر مذهبا للإمام بلفظ أو قياسا عليه، أو بما أخبر أصحابه عنه جميع ذلك نطقا أو استنباطا، ناقشه ابن حامد في كتابه تهذيب الأجوبة واستدل عليه باللغة والعقل والأثر وقول الأصحاب وكل من تكلم في هذا الموضوع فهم عيال عليه فيما اطلعت عليه.
ويأتي هذا الاصطلاح بقولهم: المذهب الأول، أو ظاهر المذهب.
فظاهر المذهب: يعنون به المتبادر من كلام، الإمام أو ما يدل عليه النقل عنه أو إشارته أو قواعده (٣).
٥ - الأولى، الأقوى، الأقيس:
والترجيح بأحد هذه الألفاظ قد يكون بنص الإمام، أو بعض أصحابه سواء كان شهرة أو نقلا أو دليلا أو عند القائل.
والذي يبدو لي أن لفظ الأولى يقدم على غيره، وإن كانت
стр. 345
الأقوال الأخرى أقوى وأصح منه دليلا، ربما ذلك لمناسبة لظروف الزمان والمكان، وتخصيص الجراعي لفظ الأولى لقول الإمام أحمد يؤيد صحة ما ذهبت إليه.
يقول: «وما قاله الإمام أحمد من الوجهين أو كان ظاهر كلامه أو أومأ إليه أو نص عليه من الروايتين الأولى» (١).
أيضا قد يكون الحكم الذي ذيل بلفظ الأولى أرفق بالناس روعي فيه عرفهم ويأتي هذا الاصطلاح بصيغ مختلفة كقولهم: «هو أولى، الأولى، أولاهما كذا» (٢).
أما اصطلاح الأقوى فإنه يأتي بقولهم: الأقوى كذا، الأقوى عندي كذا، ويقوى (٣). وهذه الأخيرة من اصطلاحات ابن مفلح حيث يدل ذلك على ما قوي عنده، أما الأقيس فتأتي بألفاظ متعددة كقولهم: الأول أقيس وأصح، القياس كذا، في قياس المذهب، وقد سبق الحديث عن هذا اللفظ في المسألة الثالثة من هذا المطلب.
٦ - ويتوجه، متجه، وفي وجه:
اللفظان «الأول، والثاني» من اصطلاحات ابن مفلح في الفروع، ويستعملهما إذا كان التخريج أو الوجه من عنده ولم يكن لمن قبله فيه كلام، أو اختلف ترجيحهم، يقول: «إذا قلت ويتوجه أو يقوى أو عن قول أو رواية: وهو، أو هي أظهر أو أشهر أو متجه، أو غريب أو بعد حكم مسألة فدل، أو هذا يدل أو ظاهره أو يؤيده أو المراد كذا فهو من عندي» (٤).
ويقول مصحح الفروع: «أنه يخرج أو يوجه من عنده روايتين أو
стр. 346
وجهين أو احتمالين ويطلقهما وهذا أيضا مما ليس للأصحاب فيه كلام واختلف ترجيحهم فيه» (١).
أما اللفظ الثالث «وفي وجه»: فيستعمل للدلالة على أنه خلاف المشهور، فابن قدامة يأتي بهذا اللفظ للدلالة على أن القول الآخر مقدم عليه وهو دونه، يقول المرداوي مصحح المقنع: «أو يقول في وجه كما ذكره في أركان النكاح ففي هذا يكون اختياره في الغالب خلاف ذلك، وفيه إشعار بترجيح المسكوت عنه مع احتمال الإطلاق» (٢).
ويقول أيضا نقلا عن الرعاية الكبرى: «وإن كان الخادم لها فنفقته على الزوج، وكذا نفقة المؤجر والمعار في وجه» (٣)، قال ابن مفلح معلقا:
«وقوله في وجه يدل على أن الأشهر خلافه» (٤).
وهذا ما أيده الفتوحي بقوله: «ومتى قلت في هذا المختصر بعد حكم مسألة أو قبله هو هكذا في وجه فالمقدم أي المعتمد غيره» (٥).
٧ - نصبها أو نصها:
المراد بقولهم نصبها أو نصها تقديم هذه على غيرها والبدء بها أو الاقتصار عليها أحيانا، للدلالة على أرجحيتها في جميع الحالات.
يقول عبد الله الجبرين: «يتكرر قولهم في بعض المسائل: ونصبها القاضي في كذا أو أبو الخطاب في الهداية ونحوه، أي بدأ بهذه الرواية وقدمها، أو اقتصر عليها مما يفيد أرجحيتها عنده وقد يقولون أحيانا ونصها أي صرح بها» (٦).
стр. 347
٨ - الاتفاق:
ويعنون بقولهم الاتفاق: هو اتفاق الأئمة الأربعة على مسألة معينة ولو مع خلاف غيرهم أو مع رواية شاذة عن بعضهم (١).
٩ - الإجماع:
وإذا قالوا الإجماع فإنهم يريدون به: «اتفاق علماء العصر المجتهدين على أمر من أمور الدين» (٢).
وهذا يتفق مع تعريف الإجماع عند الأصوليين.
والفرق بين الاتفاق والإجماع أن «الإجماع أعم حيث يعتبر فيه موافقة جميع علماء الأمة» (٣).
ثانيا-ألفاظ التضعيف:
١ - وجيه، قويل، غريب:
لفظ وجيه وقويل هما من اصطلاح الزركشي وهي تصغير لقول أو وجه، ويأتي به على هذه الصيغة للدلالة على ضعف الرأي وتركه.
وهذان اللفظان يأتيان بصيغ أخرى كقولهم: ولنا وجيه في وجيه، ولنا قويل آخر، هو قويل، ويعبر غيره من الفقهاء بألفاظ أخرى للدلالة على ضعف الرأي وخفائه، كقولهم قول غريب، غريب.
يقول ابن جبرين: «يتكرر للشارح تصغير القول أو الوجه كقوله: وهو قويل أو: لنا وجيه آخر ونحوه، والمفهوم أن ذلك لتضعيف ذلك القول أو خفائه أو قلة الذاهبين إليه، وأكثر الفقهاء يقولون وهو وجه ضعيف أو قول غريب» (٤).
стр. 348
٢ - مشكوك فيه، يحتمل كذا (١):
هذان اللفظان أيضا يدلان على ضعف الرأي وقلة الذاهبين إليه لشكهم في صحته، واحتمال الضعف، فحينما يقولون مشكوك فيه فهو إلى الضعف أقرب منه للقوة.
وأما قولهم يحتمل كذا فاحتمال الضعف فيه يترجح على القوة.
٣ - لا عمل عليه، هو بعيد، هذا قول قديم رجع عنه، المقدم خلافه:
هذه اصطلاحات تدل على التضعيف وترك هذا الحكم وعدم القول به وتذييل، أحد الفقهاء للحكم بأي منها يعبر أحيانا عن رأيه الشخصي، أو قد يعبر عن رأي الأغلبية، وفي تتبع المرداوي لكتاب الفروع يظهر ذلك جليا.
يقول: «وتارة يحكي لبعض الأقوال، ثم يقول: «ولا عمل عليه». . .
وربما قواه بعض الأصحاب واختاره فيكون قوله ولا عمل عليه عنده وعند من تابعه، وتارة يقول هو أو غيره بعد حكاية الخلاف هذا قول قديم، رجع عنه كما ذكره في الغصب والهبة وغيرها، وقد يكون اختاره بعض الأصحاب، وتارة يحكي بعض الروايات أو الأقوال ثم يقول: وهو بعيد كما في باب حد الزنا، والقذف، وغيرها وقد يكون اختاره بعض الأصحاب» (٢).
٤ - في الجملة:
هذه صيغة تدل على التمريض، وهي من اصطلاح ابن مفلح،
стр. 349
فيأتي بها بعد ذكر حكم مسألة ما ويطلق روايتين فيها للدلالة على ضعف الرأي.
يقول المرداوي: «وتارة يذكر حكم المسألة مفصلا فيها ثم يطلق روايتين فيها ويقول: «في الجملة» بصيغة التمريض» (١).
مثال:
جاء في باب الغصب قوله: «وإن ربط دابة في طريق أو اقتنى كلبا عقورا أو خرق ثوبا ضمن، إلا أن يكون دخل منزله بغير إذنه، وقيل: في الكلب روايتان في الجملة» (٢).
...
стр. 350
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على أشرف خلقه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن دراسة مصطلحات المذاهب الفقهية أوقفتني على كثير من الفوائد والنتائج التي سأذكر أهمها في هذه الخاتمة:
أولا: أن الفروق التي وجدت في اصطلاحات الحكم الشرعي بين الجمهور والحنفية أو بين الفقهاء والمتكلمين هي فروق في الألفاظ والمسميات لا يترتب عليها شيء في الفروع الفقهية ويبدو واضحا ميل الحنفية إلى كثرة التقسيم وتخصيص كل حالة باصطلاح معين، وأيضا نظرة الأصوليين إلى وصف الفعل قبل أدائه أما الفقهاء فإنهم ينظرون إلى واقع الفعل.
ثانيا: جميع المذاهب اعتمدت الرمز عند العزو للعالم أو الكتاب لكن بتفاوت بين مقل ومكثر، ففي المذهب الحنفي نلاحظ غلبة النزعة العلمية التي قد تصل إلى درجة المبالغة أحيانا على اصطلاحاتهم، وعدم ميلهم للاختصار أو الرمز الحرفي الذي درجت عليه المذاهب الأخرى حيث يكتفون بحرف أو حرفين للإشارة إلى القائل أو الكتاب حتى وصلت درجة المبالغة في الرمز بالحروف إلى ظهور ما يسمى بالفقه المرموز، وربما كان ذلك تأثرا بعصور الضعف العلمي الذي اقتصرت جهود العلماء فيه على
стр. 351
تأليف المتون والمختصرات بلغ بها حد الألغاز، حتى احتاجت إلى الشروح والحواشي والتعليقات، فكتاب مغنى ذوي الأفهام، شرحه مصنفه في مائة وعشرين مجلدا، ولو كمل لبلغ ثلاثمائة مجلد.
ثالثا: تتجلى الأمانة العلمية في أعلى صورها، وتحري الصواب في أرقى مراتبه، ذلك عند التصدر للإفتاء، حيث تنتقى أدق ألفاظ الترجيح، لتوسم بها الفتوى، وفي هذا دلالة واضحة على نزاهة وورع سلفنا الصالح، الذين بهم ارتفع صرح الحضارة الإسلامية.
رابعا: تختلف ألفاظ التشهير أو علامات الإفتاء من مذهب إلى آخر سواء كان من حيث استعمال اللفظ أو من حيث معناه، فلفظ الصحيح يأتي في المذهب الشافعي للترجيح بين أوجه الأصحاب، بينما يقصد به في المذاهب الأخرى ما قوي دليله، ولفظ الظاهر يعني ما تبادر إلى ذهن المجتهد من الدليل في المذاهب الثلاثة، بينما في المذهب الشافعي هو ما قوي دليله، كذلك جميع المذاهب تعتمد القياس في الفتوى، فيقولون الأشبه كذا بينما يعبر الحنابلة عن ذلك بالأقيس.
ولفظ المشهور هو ما كثر قائلوه عند الحنابلة والمالكية، أما عند عامة الشافعية فيستعمل للترجيح بين أقوال الشافعي فقط.
خامسا: أن الشافعية يفرقون في الترجيح بين أقوال الإمام الشافعي وأوجه الأصحاب وطرق نقل المذهب فلكل منها ألفاظ خاصة، فيستعملون للترجيح بين أقوال الإمام الشافعي: الأظهر، والمشهور، وللترجيح بين أوجه الأصحاب: الأصح، والمختار، والصحيح، والصواب، أما لطرق نقل المذهب والترجيح بينها فيستعملون لفظ المذهب.
سادسا: بعد عصر الأئمة المجتهدين، وبعد الزمن بينهم وبين عصر المتأخرين، وبسبب تعدد الروايات عنهم، واختلاف طرق النقل، وتصدر للإفتاء من ليس أهلا له، كثرت الفتاوى واختلط الصحيح بالضعيف، ظهرت الحاجة إلى تنقيح المذهب وتصحيحه وبيان الراجح من الخلاف وضبط الفتاوى بأصول المذهب، وقوة الدليل إلا ما ساغ عليه العمل مراعاة لظروف
стр. 352
الناس وأعرافهم، كما أن رغبة بعض أمراء المسلمين لمعرفة الصحيح من السقيم ليحفظوا للناس دينهم، هب من كل مذهب مخلصوه فعمدوا إلى الفتاوى، وبينوا الصحيح من المذهب والمشهور وما عليه أكثر الأصحاب، فكانت علامات الإفتاء والتشهير للدلالة على درجة الفتوى من حيث القبول أو الرد.
سابعا: ارتبطت نشأة كل مذهب بظروف خاصة أثرت على لغة المذهب واصطلاحات الفقهاء، فوجود الإمام مالك في المدينة وموقفه من عمل أهلها كانت له اصطلاحاته الخاصة، وانتقال الإمام الشافعي من العراق إلى مصر له أثره على ألفاظ فقهاء المذهب، وعدم وجود مؤلف مستقل للإمام أحمد في الفقه وتوجه الأصحاب لنقل فتاواه وأقواله وكذلك زهد الإمام وورعه كل ذلك أثر في المذهب باصطلاحات ميزته عن بقية المذاهب.
...
فهرس الأحاديث والآثار
م الحديث الصفحة
١ - أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه ٣٥١
٢ - اللهم إني أسألك موجبات رحمتك ٢٥
٣ - أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن ١٩٧
٤ - إن الله ينهاكم عن كل ذي ناب من السباع ٣٢٦
٥ - إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ٣٢٠
٦ - أهدي إلى رسول الله فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف ٣٢٣
٧ - تجزئك ولا تجزىء أحدا من بعدك ٧٣
٨ - خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ٢٠٧
٩ - كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ١٩٦
١٠ - لا تبع ما ليس عندك ٨٤
١١ - لا تقبل صلاة من غير طهور ولا صدقة من غلول ٧٤
١٢ - لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزىء عنها أن تحج عنها ٧٠
١٣ - ليس من البر الصيام في السفر ٥٨
١٤ - المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ١٩٨
١٥ - من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ٥٦
١٦ - من أتي عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة ٧٤
١٧ - من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ٨٤