المطلب الثالث
اصطلاح العزيمة والرخصة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بالعزيمة وسبب اختلاف الأصوليين فيها.
المسألة الثانية: اصطلاح الرخصة وأقسامها.
стр. 72
المطلب الثالث اصطلاح العزيمة والرخصة
المسألة الأولى: المراد بالعزيمة
وسبب اختلاف الأصوليين فيها:
أولا-المراد بالعزيمة:
١ - تعريف العزيمة في اللغة:
العزم: الجد، عزم على الأمر يعزم عزما ومعزما وعزما وعزيما وعزيمة وعزمه واعتزمه واعتزم عليه: أراد فعله.
قال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله (١).
٢ - تعريف العزيمة في الاصطلاح:
التعريف الأول:
العزيمة: الحكم الثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح (٢).
فالعزيمة إذن كما يدل عليها التعريف: الحكم الشرعي الذي ثبت بدليل لا يعارضه دليل آخر أرجح منه.
стр. 73
التعريف الثاني:
العزيمة: عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى (١).
فالعزيمة هنا الحكم الشرعي الذي ألزم الله تعالى به عباده، وهي بذلك تشمل الواجبات الشرعية فقط دون غيرها.
ثانيا-سبب اختلاف الأصوليين في المراد بالعزيمة:
كما لاحظنا من التعريفين السابقين في المسألة الأولى أن الأصوليين اختلفوا في المراد بالعزيمة ويعود سبب اختلافهم إلى نظرتهم لما تدل عليه العزيمة.
فمن نظر إلى أنها تدل على الأمر القاطع من حيث اللغة وهي بذلك تقتصر على الواجب والحرام من الأحكام الشرعية عرفها بأنها: ما لزم العباد بإلزام الله تعالى، ومن هؤلاء الآمدي والغزالي وابن الحاجب والقاضي العضد حيث يعرفها بأنها: «ما ألزم من الأحكام» (٢).
أما من نظر إلى أنها أصول مشروعة من الله تعالى وهي بذلك تشمل الأحكام الخمسة عرفها بأنها: الحكم الثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح ومن هؤلاء: ابن قدامة (٣) والفتوحي (٤) والبزدوي (٥).
المسألة الثانية: اصطلاح الرخصة وأقسامها:
أولا-المراد بالرخصة:
١ - تعريف الرخصة في اللغة:
الرخص ضد الغلاء، ورخص له في الأمر: أذن له فيه بعد النهي
стр. 74
عنه، والاسم الرخصة، والرخصة في الأمر: خلاف التشديد (١).
٢ - تعريف الرخصة في الاصطلاح:
الرخصة: ما شرح من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم (٢).
والرخصة كما هو واضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي ما يسره الله علينا وخفف به عنا من التكاليف لعذر، وذلك من أجل دفع المشقة والعنت، وذلك لا يكون إلا بدليل من الشارع.
ثانيا-أقسام الرخصة:
قسم الحنفية الرخصة إلى أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز وجعلوا نوعي الحقيقة أحدهما أحق من الآخر، أما نوعي المجاز فأحدهما أتم من الآخر، وسأذكر هذه الأنواع الأربعة بشيء من التفصيل.
أولا-الرخصة الحقيقية، وهي نوعان:
النوع الأول: وهو أحق نوعي الرخصة ما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه جميعا، وهذا النوع هو أكمل أنواع الرخص، لأن الحد منطبق عليه فالحرمة قائمة وسببها موجود إلا أن الشارع قد أسقط المؤاخذة عند استباحة المحرم لعذر، كإجراء كلمة الكفر عند الإكراه، فالحكم هنا قائم وهو حرمة الكفر بالله تعالى، وسببها أيضا قائم وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى فهذا كمال العزيمة، إلا أنه شرع له النطق بالكفر لعذر الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وفي ذلك كمال الرخصة، فهذا النوع هو أحق في تسميته بالرخصة لأنه «لما كانت العزيمة حقيقة كاملة ثابتة من كل وجه كانت الرخصة في مقابلتها كذلك أيضا» (٣).
стр. 75
يقول النسفي في هذا الشأن: «أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه» (١).
النوع الثاني: ما استبيح مع قيام الموجب للحكم إلا أن الحكم متراخ عن السبب وهذا النوع أدنى من حيث كمال الرخصة، ذلك أن السبب الموجب للحكم قائم إلا أن الحكم متراخ عنه، ومثال ذلك الإفطار بالنسبة للمسافر، فالسبب الموجب للصوم وهو شهود الشهر قائم لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢).
إلا أن الحكم وهو حرمة الإفطار تراخى بسبب عذر السفر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
ولما تراخى الحكم إلى عدة من أيام أخر، كانت العزيمة أدنى حالا من الحالة الأولى وهو الإيمان بالله تعالى ووحدانيته، لذلك كانت الرخصة هنا أيضا أدنى لأن كمال العزيمة من كمال الرخصة.
يقول شمس الأئمة السرخسي: «والنوع الثاني ما استبيح مع قيام السبب المحرم موجبا لحكمه إلا أن الحكم متراخ عن السبب وكان هذا النوع دون الأول فإن كمال الرخصة يبتنى على كمال العزيمة» (٤).
ثانيا-الرخصة المجازية، وهي نوعان أيضا:
النوع الأول: وهو أتم نوعي المجاز، ما وضع عنا من الإصر والأغلال.
وهذا النوع أتم من الثاني لأنه من حيث إنه سقط عنا كان حقيقة إذ أننا لم نكلف به، أما من حيث مقابلة أنفسنا بالآخرين كان توسعة فسمى رخصة مجازا لا حقيقة، وهذا يتمثل فيما وضعه الله عنا من التكاليف الشاقة التي كلف بها الأقوام السابقة فهي حمل ثقيل وأعمال مغلظة، ومن رحمة
стр. 76
الله بأمة محمد أن حطّ عنا تلك الإصر والأغلال التي كلف بها من قبلنا من الأمم والأقوام، وقد أطلق عليها العلماء الرخصة المجازية لأنها لا ينطبق عليها حدّ الرخصة ولم نكلف بها في الأصل قال تعالى:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ (٢).
يقول النسفي: «واعلم أن الرخصة حقيقة الاستباحة مع قيام السبب المحرم، فإذا لم يكن السبب موجودا في حقنا أصلا لم يكن رخصة ولكن لما كان النسخ للتخفيف علينا والتيسير تسمى رخصة مجازا» (٣).
النوع الثاني: الحكم الثابت على خلاف العموم، وهو دون الأول من حيث إنه ساقط عنا كان مجازا، أما من حيث مشروعيته في الجملة كان شبيها بالرخصة الحقيقية، فإذا جاء الحكم شاملا جميع أفراده ثم استثنى أحد هذه الأفراد بحكم خاص مخالف للحكم العام سمى ذلك رخصة مجازا، ومثال ذلك البيع فإن الرسول ﷺ قد نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان وهذا النهي عام يشمل جميع أنواع البيع، قال ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٤)، إلا أنه ﷺ رخص في السلم لقوله ﷺ : «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (٥).
стр. 77
وهذا استثناء لهذا النوع من البيع وإخراج له من الحكم العام حيث جعل له حكما خاصا لذلك سماه العلماء رخصة مجازا.
يقول النسفي: «النوع الرابع ما سقط عن العباد مع كونه مشروعا في الجملة كقصر الصلاة في السفر» (١).
أما الجمهور فإن لهم تقسيما آخر للرخصة وهي إما أن تكون وجوبا أو ندبا أو إباحة أو خلاف الأولى، وذكر الفتوحي الأقسام الثلاثة الأولى حيث قال: «ومنها، أي من الرخصة، واجب كأكل الميتة للمضطر. . .
ومنها مندوب كقصر المسافر للصلاة إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع، ومنها مباح كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة» (٢).
والرابع: هو خلاف الأولى (٣) كالإفطار في رمضان للمسافر.
وذكر الأسنوي قسما خامسا: وهو الرخصة المكروهة كالقصر في أقل من ثلاث مراحل (٤).
...
стр. 78
الفصل الثاني
اصطلاحات المذهب الحنفي
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اصطلاحات خاصة بالأئمة.
المبحث الثاني: اصطلاحات خاصة بالكتب.
المبحث الثالث: اصطلاحات خاصة بعلامات الإفتاء والترجيحات.
стр. 79
توطئة
للمذهب الحنفي اصطلاحاته الخاصة، التي ميّزته عن بقية المذاهب الأخرى، فكانت سمة بارزة يلمسها كل من يتصفح كتب المذهب، وقد شملت هذه الاصطلاحات الأعلام والكتب وعلامات الإفتاء.
ففي مجال الأعلام، لا يختصرون اسم العلم أو يرمزون له بحرف كبقية المذاهب، بل يطلقون ألقابا تدل على التعظيم والإكبار، وتبرز المكانة العلمية، أو التجانس الفكري، أو التقارب في درجة الإفتاء، كقولهم:
«الإمام الأعظم، الشيخان، الطرفان، الصاحبان، شيخ الإسلام».
وأحيانا يبالغون في منح الألقاب لمشايخهم، كقولهم: «فخر الإسلام، شمس الأئمة، علاء الدين، تاج الشريعة» وهذا في تقديري إن دل على شيء، فإنما يدل على توقير العلماء وإنزالهم منازل تليق بمكانتهم العلمية، وأيضا يظهر حبهم لهذا الدين العظيم.
أما اصطلاحاتهم الخاصة بالكتب، فإنها جاءت من تصنيف هذه الكتب حسب صحة روايتها، وربما كان ذلك تأثرا بعلم مصطلح الحديث فيما يتعلق بالتثبت من الرواية، ومن هذه الاصطلاحات: «كتب ظاهر الرواية، النوادر، الواقعات أو الفتاوى».
ولهم في الإفتاء اصطلاحاتهم الخاصة أيضا، حيث إنهم لا يعتمدون الفتوى إلا إذا وسمت بإحدى علامات الإفتاء التي تدل على مرتبتها من حيث الصحة أو الضعف، وبيان سبب اختيارهم لهذا القول دون غيره،
стр. 80
حيث إن لكل اصطلاح دلالته التي يعرفها أهل المذهب، ومن علامات الإفتاء قولهم: «عليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، عليه عمل الأمة، عليه عمل اليوم، وهو الصحيح أو الأصح، المختار في زماننا، به جرى العرف».
ونظرا لما لتلك الألفاظ من أهمية للتمكن من مطالعة كتب المذهب، ومعرفة دلالة تلك الألفاظ، فقد عقدت هذا الفصل لتناولها بالشرح والبيان معززة بالأمثلة ما استطعت، معتمدة على كتب المذهب، كالفوائد البهية للكنوي، ورسائل ابن عابدين، وحواشي الدر المختار، والأشباه والنظائر لابن نجيم، وكتب الفتاوى كالهندية والبزازية وقاضيخان وغيرها.
...
стр. 81
المبحث الأول
اصطلاحات خاصة بالأئمة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات تدل على أئمة المذهب.
المطلب الثاني: اصطلاحات تدل على أعلام المذهب.
стр. 82
المطلب الأول
اصطلاحات تدل على أئمة المذهب
١ - الإمام الأعظم.
٢ - الشيخان.
٣ - الطرفان.
٤ - الصاحبان.
٥ - أئمتنا الثلاثة.
٦ - شيخ الإسلام.
٧ - العامة.
стр. 83
المطلب الأول اصطلاحات تدل على أئمة المذهب
١ - الإمام الأعظم (١): يطلق الأحناف هذا اللقب على مؤسس المذهب الحنفي الإمام أبي حنيفة النعمان.
٢ - الشيخان (٢): اصطلاح الشيخين، يطلق على إمام المذهب؛ أبي حنيفة وصاحبه أبو يوسف.
стр. 84
٣ - الطرفان: ويقصد بهذا الاصطلاح؛ الإمام أبو حنيفة، والإمام محمد ابن حسن.
٤ - الصاحبان: ويقصد بهما: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن (١).
٥ - أئمتنا الثلاثة: ويراد بهم: الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
٦ - شيخ الإسلام (٢): اصطلاح شيخ الإسلام يطلق على كل من تصدر للإفتاء، وحل مشاكل الناس، والإجابة عن تساؤلاتهم، وقد اشتهر به مجموعة من علماء المائة الخامسة والسادسة.
٧ - المراد بقولهم العامة (٣): إذا قال الحنفية في كتبهم قال العامة: فإنهم يقصدون بذلك عامة مشايخهم، وقيل: إنهم يقصدون بهم فقهاء العراق (٤) والكوفة.
قال محمد: وبهذا نأخذ لا يمسح على الخمار ولا العمامة، بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا (٥).
...
стр. 85
المطلب الثاني
اصطلاحات تدل على أعلام المذهب
١ - الأستاذ (١): ويعنون به عبد الله السبذموني.
٢ - الحاكم الشهيد (٢): ويعنون به محمد المروزي البلخي.
٣ - الشاشي (٣): هو أبو علي أحمد الشاشي.
стр. 86
٤ - فخر الإسلام (١): ويشيرون به إلى علي البزدوي.
٥ - شمس الأئمة (٢): هذا الاصطلاح لقب به جماعة من العلماء وعند إطلاقه فإنهم يعنون به السرخسي أما غيره فيذكر مقيدا مع الاسم أو النسبة كشمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة الكردي، وشمس الأئمة الزرنجري وشمس الأئمة محمود الأوزجندي.
٦ - برهان الدين الكبير وبرهان الأئمة (٣): ويعنون به عبد العزيز بن عمر.
стр. 87
٧ - الصدر الشهيد أو الحسام الشهيد (١): هو عمر بن عبد العزيز بن مازه.
٨ - الصدر السعيد (٢): هو تاج الدين أحمد بن عبد العزيز.
٩ - مفتي الثقلين (٣): هو عمر بن محمد النسفي.
١٠ - علاء الدين السمرقندي (٤): هو محمد بن أحمد السمرقندي.
١١ - برهان الإسلام (٥): محمد السرخسي.
стр. 88
١٢ - صدر الإسلام (١): طاهر بن برهان الدين.
١٣ - علاء الدين الكاساني (٢): هو أبو بكر بن مسعود.
١٤ - برهان الدين صاحب المحيط (٣): هو محمد بن الصدر السعيد.
١٥ - جمال الدين المحبوبي (٤): هو عبيد بن إبراهيم.
стр. 89
١٦ - الحاكم الأخسيكثي (١): هو محمد بن محمد.
١٧ - تاج الشريعة (٢): هو محمود بن أحمد المحبوبي.
١٨ - ابن الساعاتي (٣): أحمد بن علي البغدادي.
١٩ - حافظ الدين النسفي (٤): هو عبد الله أبو البركات.
٢٠ - صدر الشريعة (٥): هو عبد الله المحبوبي.
стр. 90
٢١ - جمال الدين الزيلعي (١): هو عبد الله الزيلعي.
٢٢ - ابن ملك (٢): هو عبد اللطيف بن عبد العزيز.
٢٣ - حافظ الدين البزازي (٣): هو محمد الكردي.
٢٤ - ابن الهمام (٤): هو محمد بن عبد الواحد.
стр. 91
٢٥ - المولى خسرو أو منلا خسرو (١): هو محمد بن فرافور.
٢٦ - ابن كمال باشا (٢): هو أحمد بن سليمان.
٢٧ - إمام الحرمين (٣): وهو القاضي يوسف الجرجاني.
...
стр. 92
المبحث الثاني
اصطلاحات خاصة بالكتب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: كتب ظاهر الرواية.
المطلب الثاني: كتب النوادر.
المطلب الثالث: كتب الفتاوى والواقعات.
стр. 93
المطلب الأول
كتب ظاهر الرواية
تعارف الحنفية على اصطلاح ظاهر الرواية، وتسمى أيضا: مسائل الأصول؛ وهي الكتب التي تجمع مسائل مروية عن أئمة المذهب وهم:
أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد وزفر، والحسن بن زياد؛ إلا أن الغالب في كتب ظاهر الرواية هي أقوال الأئمة الثلاثة؛ والتي تضمنتها كتب محمد الستة، وهي: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير.
يقول ابن عابدين: «مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية أيضا، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ويلحق بهم: زفر والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية؛ أن يكون قول الثلاثة وكتب ظاهر الرواية كتب محمد الستة» (١).
...
стр. 94
المطلب الثاني
كتب النوادر
وهذا الاصطلاح، يطلق على الكتب التي حوت مسائل رويت عن الأئمة الثلاثة؛ كالكيسانيات، والرقيات، والجرجانيات، والهارونيات، وجميعها لمحمد بن الحسن، وكتب أخرى كالمجرد للحسن بن زياد، وكتب الأمالي، وهي أن يقيد الشيخ فيملي على تلامذته بما فتح الله عليه، ثم يجمعون ما أملاه عليهم في كتب، ومنها كتب الروايات كروايات ابن سماعة، وهذه تعد من النوادر، كنوادر ابن سماعة، ونوادر ابن هشام ونوادر ابن رستم، وهذه غير كتب ظاهر الرواية، بل إنها أقل منها مرتبة من حيث صحة الرواية.
يقول ابن عابدين: «مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل إما في كتب غير محمد:
كالمجرد للحسن وغيره، ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف: إما برواية مفردة؛ كرواية ابن سماعة، والعلي بن منصور وغيرها في مسائل معينة» (١).
...
стр. 95
المطلب الثالث
كتب الواقعات
الواقعات وتسمى كتب الفتاوى؛ وهي الكتب التي اشتملت على المسائل التي استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد، وأصحاب أصحابه؛ وذلك إجابة منهم عن الحوادث التي وقعت في عصرهم؛ ولم يجدوا لها رواية عن الأئمة الثلاثة فهي من اجتهادهم، وهذه الكتب هي:
-النوازل لأبي الليث السمرقندي.
-مجموع النوازل والواقعات للناطفي والصدر الشهيد.
-فتاوى قاضيخان.
-محيط رضي الدين السرخسي.
يقول ابن عابدين: الواقعات؛ وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف، ومحمد وأصحاب أصحابها وهلمّ جرا وهم كثيرون (١).
...
стр. 96
المبحث الثالث
اصطلاحات خاصة بعلامات الإفتاء
والترجيحات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اصطلاحات تتعلق بعلامات الإفتاء.
المطلب الثاني: قواعد الترجيح بين علامات الإفتاء.
стр. 97
المطلب الأول
اصطلاحات تتعلق بعلامات الإفتاء
وفيه تسع مسائل:
المسألة الأولى: المراد بقولهم: وعليه الفتوى، وبه يفتى.
المسألة الثانية: وبه نأخذ وبه أخذ علماؤنا وعليه الاعتماد.
المسألة الثالثة: المراد بقولهم: وعليه عمل الأمة.
المسألة الرابعة: المراد بقولهم: وعليه عمل اليوم.
المسألة الخامسة: المراد بقولهم: هو الصحيح أو الأصح.
المسألة السادسة: المراد بقولهم: هو الأظهر والأوجه.
المسألة السابعة: المراد بقولهم: هو المختار في زماننا.
المسألة الثامنة: المراد بقولهم: هو الأشبه.
المسألة التاسعة: المراد بقولهم: به جرى العرف أو هو المتعارف.
стр. 98
المطلب الأول اصطلاحات تتعلق بعلامات الإفتاء
المسألة الأولى: المراد بقولهم:
عليه الفتوى، وبه يفتى:
أولا-المعنى اللغوي:
الفتى: هو الشاب، والفعل فتو، فتاء، وأفتاه في الأمر: أبانه له.
وأفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فيها فأفتاني، فتى وفتوى: اسمان يوضعان موضع الإفتاء (١).
ثانيا-المعنى في الاصطلاح:
هذان الاصطلاحان يستعملان عند تعدد الآراء، أو الأقوال، في حكم مسألة معينة، فإن المجتهد يأخذ بأحد هذه الآراء؛ لقوة الدليل عنده، وعادة بعض الفقهاء؛ أنهم يذكرون جميع الآراء في المسألة الواحدة، ثم يرجحون أحدها بقولهم: وعليه الفتوى، أو به يفتى.
وهناك فرق دقيق بين الاصطلاحين، حيث إن لفظ وبه يفتى يفيد
стр. 99
الحصر، فلا تكون الفتوى إلا به؛ ولذا فهو آكد من لفظ وعليه الفتوى والذي يفيد معنى الصحة.
وفي هذا المعنى يقول ابن عابدين: «مما فيه لفظ الفتوى يتضمن شيئين: أحدهما: الإذن بالفتوى به، والآخر: صحته؛ لأن الإفتاء به تصحيح له» (١).
ويقول الرملي: «ولفظ: وبه يفتى آكد من لفظ: الفتوى عليه» (٢).
ويقول ابن الهمام مبينا سبب تأكد الأولى على الثانية: «والفرق بينهما أن الأول يفيد الحصر، والمعنى: أن الفتوى لا تكون إلا بذلك، والثاني يفيد الأصحية» (٣).
مثال على استخدامهم لهذين اللفظين:
قال الرملي: حينما سئل في المرأة إذا ماتت هل كفنها فيما تركت أم على زوجها كفنها وتجهيزها أجاب: «كفنها وتجهيزها على الزوج على ما عليه الفتوى» (٤).
مثال استخدامهم للفظ وبه يفتى:
قال الرملي في معرض إجابته عن تكفين المرأة ناقلا قولا آخر لعلماء المذهب: «روى خلف عن أبي يوسف أنه يجب عليه تكفينها وبه يفتى» (٥).
وجاء في كتاب الدعوى قوله: «ولا يقضى بشاهد ويمين، ولا يحلف
стр. 100
في نكاح ورجعة وفي إيلاء، واستيلاء، ورق، ونسب، وولاء، وعندهما يحلف وبه يفتى» (١).
المسألة الثانية: وبه نأخذ، وبه أخذ علماؤنا، وعليه الاعتماد:
هذه الألفاظ؛ من علامات الإفتاء التي توسم الفتوى بها؛ للدلالة على اختيارها على غيرها لاعتبارات؛ كصحة الدليل، وقوته على غيره، أو لكون الفتوى أرفق بأهل الزمان وأصلح لهم، أو لكونها أحوط.
وقد جاء في التعليق الممجد على موطأ محمد لعبد الحي اللكنوي، الفائدة الثالثة عشرة قوله: «ومنها أنه يذكر بعد ذكر الحديث أو الأحاديث؛ مشيرا إلى ما أفادته: وبهذا نأخذ أو به نأخذ، ويذكر بعده تفصيلا ما، وقد يكتفي على أحدهما، ومثل هذا دال على اختياره والإفتاء به» (٢).
فإذا كان في المسألة عدة أقوال، وكان أحدها: «أوفق لأهل الزمان، فإن ما كان أوفق لعرفهم، أو أسهل عليهم، فهو أولى بالاعتماد عليه» (٣).
المسألة الثالثة: المراد بقولهم: عليه عمل الأمة:
والمراد بهذا الاصطلاح؛ أن علماء المذهب المتأخرين؛ قد أجمعوا على الأخذ بفتوى معينة في حكم مسألة ما عند تعدد الأقوال فيها، ونظرا لإجماعهم؛ فإن الفتوى التي تذيل بلفظ: «عليه عمل الأمة» تتقدم على غيرها، وهذا اللفظ يرجح على بقية علامات الإفتاء، وهذا الذي يراه ابن عابدين بقوله: «بل أولى لفظ عليه عمل الأمة لأنه يفيد الإجماع» (٤).
стр. 101
المسألة الرابعة: المراد بقولهم: وعليه عمل اليوم:
وهذا الاصطلاح يفيد أن علماء المذهب في فترة زمنية معينة؛ قد أخذوا بقول أحد أئمتهم دون بقية الأقوال؛ ربما لمراعاة أحوال الناس، أو لمناسبته للعرف، فكانت الفتوى والعمل به، يقول ابن عابدين: «والمراد باليوم مطلق الزمان، وأل فيه للحضور والإضافة على معنى في. . . أي عليه عمل الناس في هذا الزمان الحاضر» (١).
المسألة الخامسة: المراد بقولهم: هو الصحيح وهو الأصح:
هذان اللفظان يستعملان للترجيح بين الأقوال، فقد يذكر للمسألة الواحدة عدة أقوال، ويذيل أحدها بقولهم: «وهو الصحيح» (٢) وتذييل العبارة بهذا اللفظ، يدلنا على أن بقية الأقوال ضعيفة؛ لأن مقابل الصحيح هو الفاسد، فيتعين العمل بالصحيح وتترك بقية الأقوال.
أما إذا ذيلت عبارة بالأصح؛ فإنه يشعر أن بقية الأقوال صحيحة، وقائل الأصح متفق مع الآخرين بأن الأقوال الأخرى صحيحة؛ لذا يرى البعض الأخذ بالأصح ويرى آخرون العمل بما قيل عنه أنه صحيح لأنه اتفق على أنه صحيح، ثم إن قائل الصحيح يرى بقية الأقوال فاسدة، فلم يحصل للأصح من الاتفاق ما حصل للصحيح «خاصة أنه وجد مقابل الأصح الرواية الشاذة، وإذا تعارض إمامان معتبران عبر أحدهما بالصحيح والآخر بالأصح، فالأخذ بالصحيح أولى؛ لأنهما اتفقا على أنه صحيح، الأخذ بالمتفق أوفق» (٣).
«إلا أن المشهور عند الجمهور أن الأصح آكد من الصحيح» (٤).
стр. 102
الخلاف في تقديم الأصح على الصحيح قائم بين أئمة المذهب، وهذا لا يتعلق بلفظي الصحيح والأصح فقط، وإنما «يقال ذلك في كل ما عبر فيه بأفعل التفضيل» (١).
إلا أن الطحطاوي جمع بين هذه الآراء ولم ير بينها تنافيا «لأن الآكدية لا تعين الإفتاء» (٢)، وهي لا تعني تقديم ما جاء بلفظ أفعل التفضيل على غيره، يقول معلقا على كلام ابن عابدين فيما نقله من رسالة آداب المفتي.
يقول الطحطاوي: «هذه العبارة لا تتنافى التخيير المستفاد من عبارة البحر ولا الآكدية المستفادة من عبارة الرملي ولا الأولوية المستفادة من عبارة المنية فمآل العبارات متفق» (٣).
وهذا الخلاف إذا ورد اللفظان في كتابين مختلفين، «أما لو كانا في كتاب واحد من إمام واحد فلا يتأتى الخلاف في تقديم الأصح على الصحيح، لأن إشعار الصحيح بأن مقابله فاسد لا يتأتى فيه بعد التصريح بأن مقابلة أصح، إلا إذا كان في المسألة قول ثالث يكون هو الفاسد» (٤).
مثال على اصطلاح الصحيح:
قال الرملي لما سئل عن رجل مات وعليه دين لآخر، فصرفت ورثته جميع تركته في كفنه، وكفن مثله يتأتى؛ بسدسها، أو ربعها، أو أقل، أو أكثر، شيئا قليلا، هل يضمن الورثة الزائد على كفن المثل أم لا؟ (أجاب):
نعم؛ يضمن الورثة والحالة هذه، قال في ضوء السراج: وإن كان عليه دين وأراد الورثة أن يكفنوه كفن المثل، قال الفقيه أبو جعفر: ليس لهم ذلك،
стр. 103
بل يكفن بكفن الكفاية، ويقضي بالباقي الدين، وكفن الكفاية للرجل؛ ثوبان جديدين كانا، أو غسيلين، قال: وهو الصحيح» (١).
مثال استعمالهم لفظ الأصح:
قال الرملي عندما سئل عمن قتل نفسه خطأ، هل يغسل ويصلى عليه أم لا؟ (أجاب): من قتل نفسه خطأ؛ بأن أراد ضرب العدو فأصاب نفسه، يغسل ويصلى عليه، وأما إذا قتل نفسه عمدا، قال بعضهم: لا يصلى عليه، وقال الحلواني: الأصح عندي، أنه يغسل، ويصلى عليه، وقال الإمام أبو علي السغدي: الأصح، أنه لا يصلى عليه؛ لأنه باغ على نفسه، والباغي لا يصلى عليه» (٢).
المسألة السادسة: المراد بقولهم: هو الأظهر والأوجه:
أولا-المعنى في اللغة:
أ-الظاهر: الظاهر خلاف الباطن. قال ابن الأثير: هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه، وقيل: عرف بطريق الاستدلال العقلي بما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه، وقيل: أراد بالظاهر ما ظهر تأويله وعرف معناه (٣).
ب-الأوجه: وجه كل شيء مستقبله، واتجه له رأي أي سنح.
ويقال: خرج القوم فوجهوا للناس الطريق توجيها؛ إذا وطئوه، وسلكوه، حتى استبان أثر الطريق لمن يسلكه، واجهت لك السبيل أي استبانت (٤).
ثانيا-المعنى في الاصطلاح:
الأظهر والأوجه لفظان مترادفان من حيث المعنى الاصطلاحي،
стр. 104
فالأوجه «أي الأظهر وجها من حيث إن دلالة الدليل عليه متجهة ظاهرة أكثر من غيره» (١).
فالقول الذي استبان للمفتي دليله بعد النظر والتأمل، هو القول الأظهر والأوجه، حيث إن المفتي «ينظر في الدليل، فيفتي بما يظهر له، ولا يتعين عليه قول الإمام» (٢).
ومن أمثلة استعمالهم للفظي الأظهر والأوجه:
يقول الأوزجندي الفرغاني عند ذكره لسنن الوضوء: «ومنها مسح الرأس مرة كذا في المتون، والأظهر أنه يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه، ويمدهما إلى قفاه على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بأصبعيه، ولا يكون الماء مستعملا بهذا، وهكذا في التبيين» (٣).
وعند ذكره لما لا يجوز به الوضوء قال: «ولا بما يسيل من الكرم، كذا في الكافي والمحيط، وفتاوى قاضيخان، وهو الأوجه، هكذا في البحر الرائق، والنهر الفائق» (٤).
المسألة السابعة: المراد بقولهم:
هو المختار في زماننا:
وتوسم الفتوى بهذا الاصطلاح في حكم مسألة معينة، للدلالة على اختيارهم لهذه الفتوى دون غيرها من بقية الفتاوى؛ لا لقوة الدليل؛ وإنما للضرورة أحيانا أو لعموم البلوى، أو لتغير الزمان وفساده.
стр. 105
«وقول محمد بسقوط الشفعة، إذا أخر طلب التملك شهرا، دفعا للضرورة عن المشتري، ورواية الحسن بأن الحرة العاقلة البالغة، لو زوجت نفسها من غير كفء لا يصح، وإفتاؤهم بالعفو عن طين الشارع للضرورة. . . فهذه كلها قد تغيرت أحكامها لتغير الزمان؛ إما للضرورة، وإما للعرف، وإما لقرائن الأحوال، وكل ذلك غير خارج عن المذهب؛ لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها، ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها، وهذا جرأ المجتهدين في المذهب، وأهل النظر الصحيح من المتأخرين، على مخالفة المنصوص عليه من صاحب المذهب» (١).
ومن أمثلة استعمالهم لفظ: «هو المختار في زماننا»:
قال الرملي لما سئل في بالغة عاقلة خطبها أخوها وزوّجها لغير كفء، هل لأبيها الاعتراض وفسخ النكاح بعدم الكفاءة أم لا؟.
أجاب: نعم؛ إذا طلب الأب ذلك فرق القاضي بينها وبين الزوج في ظاهر الرواية، سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل ما لم تلد أو يظهر حبلها، ولا مهر لها قبل الدخول.
وروى الحسن عن الإمام، أنه لا ينفذ النكاح من أصله، قال في الخانية: وهو المختار في زماننا؛ إذ ليس كل قاض يعدل، ولا كل ولي يحسن المرافعة، وفي الجثو بين يدي القاضي مذلة، فسد الباب بالقول بعدم الانعقاد أصلا (٢).
وجاء في كتاب الطهارة قوله: «والماء المستعمل طاهر غير مطهر وهو المختار» (٣).
стр. 106
المسألة الثامنة: المراد بقولهم الأشبه:
أولا-المعنى في اللغة:
شبه: الشّبه الشبه والشبيه: المثل والجمع أشباه، وأشبه الشيء بالشيء ماثله (١).
ثانيا-المعنى في الاصطلاح:
الأشبه: ومعناه الأشبه بالمنصوص «رواية، والراجح دراية، فيكون عليه الفتوى» (٢).
ويستعمل هذا اللفظ عند تعدد الأقوال في حكم مسألة معينة؛ حيث يرجح أحد الأقوال على غيرها، وتذيل العبارة بقولهم، وهو الأشبه؛ أي الأقرب في معناه إلى النص المروي عن الإمام أو صاحبيه من جهة، ومن جهة أخرى فهو الراجح على بقية الأقوال؛ لمعرفة دليله؛ بعد النظر والتأمل من قبل المفتي المجتهد، وهذا معنى قولهم: الراجح دراية.
مثال على استعمال لفظ الأشبه:
قال العلامة نظام عند ذكره لفرائض الوضوء: «وإذا كان على بعض أعضاء وضوئه قرحة؛ نحو الدمل وشبهه، وعليه جلدة رقيقة؛ فتوضأ وأمر الماء على الجلدة، ثم نزع الجلدة، هل يلزمه غسل ما تحت الجلدة؟ قال:
إن نزع الجلدة بعدما برأ بحيث لم يتألم بذلك؛ فعليه أن يغسل ذلك الموضع وإن نزع قبل البرء بحيث يتألم بذلك إن خرج منها شيء وسال نقض الوضوء وإن لم يخرج، لا يلزمه غسل ذلك الموضع، والأشبه أن لا يلزمه الغسل من الوجهين جميعا» (٣).
стр. 107
المسألة التاسعة: المراد بقولهم:
به جرى العرف أو هو المتعارف:
أولا-المعنى في اللغة:
المعروف ضد المنكر، والعرف ضد النكر، قال الزجاج في معنى قوله تعالى: ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ (١).
أن المعروف هنا ما يستحسن من الأفعال، والعرف والعارفة والمعروف واحد: ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبسأ به وتطمئن إليه (٢).
ثانيا-المعنى في الاصطلاح:
العرف عند الأصوليين: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٣) وهو قولي وفعلي.
وللعرف اعتبار عند الفقهاء في كثير من المسائل حتى صار أصلا مؤثرا في الأحكام، ويستعمل لفظ: به جرى العرف، أو هو المتعارف، عند ترجيح أحد الأقوال في حكم مسألة، بناء على ما تعارف عليه أهل ذلك العصر، فصار الحكم أو القول الذي ألفوه وعملوا به وتعارفوا عليه.
ونظرا لما للعرف من أثر في ترجيح الأقوال على بعضها، كان «لا بد للمفتي والقاضي بل والمجتهد من معرفة أحوال الناس، وقد قالوا من جهل بأهل زمانه فهو جاهل» (٤).
стр. 108
«فكثير من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الأزمان» (١).
وقد ساق ابن عابدين أمثلة كثيرة نذكر منها؛ «وكذا قالوا في قوله:
كل حل عليّ حرام يقع به الطلاق للعرف، قال مشايخ بلخ. وقول محمد:
لا يقع إلا بالنية، أجاب به على عرف ديارهم، أما عرف بلادنا فيريدون به تحريم المنكوحة، فيحمل عليه، نقله العلامة قاسم (٢)، ونقل مختارات النوازل، أن عليه الفتوى لغلبة الاستعمال بالعرف، ثم قال: وقلت، ومن الألفاظ المستعملة في مصرنا الطلاق يلزمني والحرام يلزمني، وعليّ الطلاق وعليّ حرام» (٣).
...
стр. 109
المطلب الثاني
قواعد الترجيح بين علامات الإفتاء
سأتناول في هذا المطلب مراتب علامات الإفتاء، وقواعد الترجيح بين الأقوال الموسومة بها، وأيها يقدم على الآخر، خاصة أن غالب كتب الفتاوى تذيل الأقوال بهذه الاصطلاحات التي سبق وأن بينت المراد منها.
وضع ابن عابدين عشر قواعد للترجيح بين الأقوال؛ في رسالته رسم المفتي، وسوف أذكرها بشيء من التفصيل والتوضيح.
الأول: ما إذا كان تصحيح أحدهما بلفظ الصحيح والآخر بلفظ الأصح وأن المشهور ترجيح الأصح على الصحيح.
الثاني: ما إذا كان أحدهما بلفظ الفتوى، والآخر بغيره؛ فإنه يقدم الذي بلفظ الفتوى؛ لأنه لا يفتى إلا بما هو صحيح.
الثالث: ما إذا كان أحد القولين المصححين في المتون والآخر في غيرها، لأنه عند عدم التصحيح لأحد الأقوال، يقدم ما في المتون، لأنها الموضوعة لنقل المذهب، وكتب المتون هي كتب ظاهر الرواية، حيث التزم أصحابها إيراد الصحيح من الأقوال وما عليه الفتوى؛ لذا فهي مقدمة على كتب الشروح والفتاوى.
الرابع: ما إذا كان أحدها قول الإمام الأعظم والآخر قول بعض أصحابه؛ لأنه عند عدم الترجيح لأحدهما، يقدم قول الإمام، أما إذا خالفه
стр. 110
أصحابه، فإنه ينظر إلى قوة الدليل، فيقدم الذي دليله أقوى وأظهر، وهذا بالنسبة للمفتي المجتهد، وأما غيره فإنه يقدم أولا قول الإمام أبي حنيفة، ثم أبي يوسف ثم قول محمد.
الخامس: ما إذا كان أحدهما ظاهر الرواية، فيقدم على الآخر، فإذا تعددت الأقوال واختلفت؛ فإنه يرجح القول الذي هو ظاهر الرواية، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره من الروايات الشاذة؛ لأنه الموضوع للفتوى.
السادس: ما إذا كان أحد القولين المصححين قال به جل المشايخ العظام، وفي هذه المرتبة القول الراجح هو ما تختاره الأكثرية من المشايخ، وهذا يعتبر شبه إجماع بالنسبة لهم، لذا فإنه يقدم على غيره الذي اختارته الأقلية.
السابع: إذا كان دليل أحدهما الاستحسان والآخر القياس؛ فإنه يقدم القول المبني على الاستحسان على القول الذي أساسه القياس، إلا في بعض المسائل.
الثامن: ما إذا كان أحدهما أنفع للوقف، لما صرحوا به في الحاوي القدسي وغيره من أنه يفتى بما هو أنفع للوقف فيما اختلف فيه العلماء.
التاسع: ما إذا كان أحدهما أوفق لأهل الزمان؛ فإن كان أوفق لعرفهم، أو أسهل عليهم، فهو أولى بالاعتماد عليه؛ ولذا أفتوا بقول الإمامين في مسألة تزكية الشهود، وعدم القضاء بظاهر العدالة لتغير أحوال الزمان، فإن الإمام كان في القرن الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية، بخلاف عصرهما؛ فإنه قد فشي فيه الكذب؛ فلا بد من التزكية، وكذا عدلوا عن قول أئمتنا الثلاثة في عدم جواز الاستئجار على التعليم ونحوه، لتغير الزمان، ووجود الضرورة إلى القول بجوازه.
العاشر: ما إذا كان أحدهما دليله أوضح وأظهر، فإنه يترجح أحد