← Тараджим

Тараджим · id 13226

الروض النضر في ترجمة أدباء العصر

عصام الدين العمري

Полный текст (1 258 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

في محاسن أدباء وعلماء نواحي الموصل من أربيل وماوران وعلماء وصلحاء كردستان. منهم: عبد الله الأصم الاربلي أصم عن الأدب والمعارف، وقناص لشوارد المهاة من ظباء الكمالات والعوارف، باب حصن القريض الواسع الفناء، ومفتاح مقفلات صناديق النشيد الجامع الضياء. بطل النظم وواحده ورجل الأدب وقائده. بطل إذا لمعت شباة سنانه ... في ساحة الآداب أضحى عنترا سجدت له أرض القريض بأرضهم ... فلذا السوى بالشعر طرا منكرا تفرد في حرفة نظام فرائد البيان، وتوحد في تشحيذ التقاط زوائد الألباب والأذهان، حتى طلع في أعلى برج من حصون الكمال، واشرق كما تشرق الأقمار في ظلام الليال. فلم نقف بعد الوزير الطغرائي صاحب لأمية العجم على بدر بدر من ذلك المطلع، ولم يكن من حين اندرج ذلك الفاضل إلى مثل هذا الفاضل ظهور يتوقع. أحيا دارس أطلال تلك المدينة، وأعاد إليها ما خلعته من أردية الوقار والسكينة. فجملها بأدبه كمال الإجمال، وزين نحرها العاطل بفرائد الجواهر واللآل. عمر

стр. 1017

ربعها بخيام معارفه وحلاها، وأنبت عقيم ريض انسه بلطائفها وجلاها. فكل ناد من تلك المدينة بأدبه معمور، وكل روض من تلك الناحية بسيب أدبه مغمور. سيب الفصاحة والنباهة والتقى ... وغمامة الأفضال والآداب بحر البراعة شمس كل براعة ... غيث النوادر مزنة الألباب له من النظم ما لو أبصره الدهر لاتخذه لنحره عقودا، أو نظره البدر لجعله لصدور أقماره نهودا. وقد أثبت منه ما هو لنحور الغيد الحسان، قلائد الياقوت والمرجان. فمن ذلك قوله في وقعة الخارجي (١) وهي: ألخلة سكن الابارق عيرهم ... أرقى وفي طي القلوب مسيرهم أم فوح ناسمة تهب عليهم ... فسرى ألي شذاهم وعبيرهم أو برق هامعة أضاء بلعلع ... فطلولهم منها بدت ودؤورهم دمن عفت من بعد ما انسوا بها ... دخلت عليهم شهرهم ودهورهم فغدوت أسأل عن معاهد أهلها ... صما خوالد كيف كان أمورهم رحلوا وقد عهدوا تلافي حبهم ... وأنا على تلك العهود أسيرهم فأجابني قفر المنازل والربي ... لا يلقينك في الضلالة زورهم هيهات ان صبابتي لسجية ... لم يمحها لعهودهم تغييرهم حاشاي أن أسلو فإني أكتفي ... من وصلهم بالطيف حين أزورهم

стр. 1018

لا بل أرقت تحننا لشكيتي ... عن ظلم قوم كان فيه سعيرهم بشوارع الحدباء كنت مسائلا ... من في الأنام لدفع ذاك جديرهم فأجابني الدهر الخبير بأنه ... المولى الحسين كريمهم وظهيرهم وضع العدالة في موازن حكمه ... فلديه قد حاذى الصغير كبيرهم عمت موائد جوده كالجود إذ ... منه استمد سريهم وفقيرهم يلوي إليه فواضل وأفاضل ... ويحوم حول جنابه نحريرهم أيخاف قوم قد أقاموا موصلا ... ريب المنون وأنت فيه مجيرهم أم تعتري قطع الظلام بأهله ... وضياء وجهك بالدجنة نورهم تتنور الحدباء حين سموتها ... فهي السماء لهم وأنت بدورهم واذا بنو الغبراء حط رحالهم ... بصعيدها فندى يديك يميرهم كم من فروخ صغائر في وكرها ... تركت أراملها، وأنت تطيرهم وإذا حواك مع النجوم سماؤها ... فالشمس مثلك والنجوم نظيرهم لله دره إذ أتته كتيبة ... شرقية للشر كان نفيرهم من أهل هند والبلوج فحتفهم ... قد عد من أعدادها وثبورهم فيقودها ملك الاران ونادر السل ... طان شدد أسرهم تسخيرهم قدموا إلى الحدباء نارا لم يكن ... يجديهم نفعا بها توفيرهم ولأخذها بذلوا الجهود فما بقي ... من حيلة ومكيدة تقصيرهم هجموا وقد طرحوا على أرجائها ... جزر السباع يشنهم ونسورهم نكصوا على أعقابهم من بعد ما ... جنحوا لسلم والبواتر بورهم ولأهل حدباكم أقول مؤرخا ... هل خاب جندو الحسين أميرهم ١١٥٦ هـ

стр. 1019

وله في إطلاق عذار وتهنئة بولاية: صبيحة كم بالصد هذا الفتى تجفو ... فقولوا لها مهلا فقد رفع السجف أما ترحمين الصب صب دموعه ... جفون دوام عن دوام لها وكف أريتني حسنا مرة ففتنتنى (كذا) ... أمالك بالمفتون في حسنك اللطف فحيرني ذا الحسن فيها كأنها ... جلية عمياء على ربعها وقف صباحا أرى فيها تستر بالدجى ... اذا ما سجى جثمانها الشعر الوحف فلو رجلته بالنقا فوق لعلع ... لأملأ كل الكون من طيبها العرف فيرقص مثل الراقصات تشوقا ... جبال إذا ما اهتز فخرا لها العطف تصدت بجيد غير عطل كأنها ... جداية بر البرير لها قطف وأكسبني سقما سقام عيونها ... فأي بلاء فيه أوقعني الطرف وعيني منها إذ جنت نظره جنت ... على نفسها عقبى جنايتها الحتف ولكنه ما ضاع ثأري علي إذ ... أمين الأنام ابن الحسين لي الكهف له همة تسمو السماك فترتقى ... لها بيت مجد للعلى ما له سقف ومنذ بساط العز قد نشروا له ... بسائط عز الغير قاطبة لفوا فصيح إذا ما جادر القرن لم يزل ... يغار على حرف بألسنه حرف وفي يده لما رأيت أياديا ... تيقنت أن البحر يحصره الظرف ولم نر قبل ابن الحسين سحائبا ... إذا ما هرقنا الماء تخجلها الكف هذا البيت مأخوذ من قول المتنبي لفظا ومعنى، وهو: فلم نر قبل ابن الحسين أصابعا ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف

стр. 1020

ولا ساعيا في قلة المجد مدركا ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف ولم نر شيئا يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف وقريب منهما قول ابن هاني الأندلسي (١). وهو: فلو أنني شبهته البحر زاخرا ... خشيت يكون المدح في مثله قذفا وما تعدل الأنواء صغرى بناته ... وكيف بشيء يعدل الزند والكفا فتى تسحب الدنيا به خيلاءها ... وقد طمحت طرفا وقد شمخت أنفا عطف إلى القصيدة المترجمة: ضبارم لو أبدى نزاله في الوغى ... ليبدى بلا يسم نواجذه الرغف (٢) أتتني غداة الكر هربا عنانه ... مقارعة الأبطال والفيلق الرجف مجيب الندى شاكي السلاح إذا التقى ... نباتهم كالوبل في نحره الطرف حليف الظبا لم يغترب حيث حله ... فما حل إلا والحسام له حلف بقائمة لو لم تبل يمينه ... لحن إليه كيف وهو له ألف أخو ثقة من يعتلى فوقه به ... تضجر لكن الزهوق له أف أتوحش حدباء وأنت لأهلها ... أنيس وإذ فارقتها كم لها لهف رأوا بك نارت ثم طابت فأرخوا ... محياك بدر حدقه العنبر العرف ***

стр. 1021

جرجيس الاربلي (١) شيخنا جرجيس، الأديب الفاضل الأنيس صاحب يد في الكمال وزند، وحلاوة شهد في القريض وقند. فهو درة الأجياد والنحور التي منها تكتسب الرونق فرائد البحور. أفصح من استعمل

стр. 1022

المحابر والأقلام، وأنجح من توغل في تصفية الأذهان والافهام ناصر رايات الكمالات والحكم، وهاصر عناقيد البلاغة للأمم سراج زوايا المساجد الورع المتهجر، ونفائس خبايا المعابد الخشع المتنجد. حاز قصب السبق نظما ونثرا، وأوسع أهل خطته لكمالاته جبرا وقسرا. اقتفى أثر ابن نباتة في خطبه، وتم له ما عطف عنانه اليه على وفق مطلبه:

стр. 1023

أديب تسلق هام السماك ... فحاز الفخار بنيل العلى وأجرى العنان بذاك الفضاء ... فكان هلالا لكل الملا وها هو للناس ذاك الهلال ... لكل الكمالات قد حصلا نكتة الزمان وسره، ونسيجة الإذعان بأسره. بضعة جسد المعارف وفلذة كبد اللطائف. واحد الأزمنة والاعصار، وهلال المدائن والأمصار. فشرفه لا يدانيه شرف، ولا يتصور في كمال توصيفه سرف. فهو من عطية الزمن وحسناته، ومن موانح الدهر وعطياته يسحر ببيانه الألباب والعقول، ويبهر في كل ما ينشي ويقول. فهو في العلوم علامة الدهر. والوحيد الذي لم يكن له ثاني في ذلك العصر. مقتدى السادة الصوفية، وامام تلك الزمرة الصفية. له نثر كالمرجان، وشعر بكل لسان. وهو الآن مدرس بلدنا القاعد على بساط الإفادة، وأديب ديارنا الصاعد إلى أسنمة الفضل والسيادة. وقد اثبت قطعة من نظمه تغني عن العود والمزامير عند إنشادها ونبذة من نفثاته تستهزئ بالغمائم عند إبراقها وإرعادها، وهي كالنسيم في جنة النعيم. فمن ذلك قول مصدرا ومعجزا لهذين البيتين، وقد جرى ذكرهما وصعوبة تفكيكهما: ورب حمامة في الدرج باتت ... بأشجان وحزن مستكن على أيام وصل حيث فاتت ... تعيد النوح فنا بعد فن

стр. 1024

أقاسمها الهموم إذا اجتمعنا ... وتروي قصة الأشواق عني فأشكوها وتشكو لي زمانا ... فمنها النوح والعبرات مني وقلت أنا كذلك: ورب حمامة بالدوح باتت ... بهم زائد ومزيد حزن على بعد الديار وفقد ألف ... تعيد النوح فنا بعد فن أقاسمها الهموم إذا اجتمعنا ... فتأخذ أكثر الأشواق عني فأشكوها وتشكو لي زمانا ... فمنها النوح والعبرات مني (١) ***

стр. 1025

(صحح تجارب الطبع الخطاط وليد الأعظمي الموظف في المجمع العلمي العراقي) رقم الايداع في المكتبة الوطنية ببغداد ٦٩٨ لسنة ١٩٧٥

стр. 1026

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المقدمة] هذا هو الجزء الثالث من كتاب (الروض النضر في ترجمة أدباء العصر) تأليف عصام الدين عثمان بن علي بن مراد العمري المتوفى سنة ١١٨٤ هـ. ويتضمن هذا الجزء بقية التراجم والنماذج، كما يتضمن فهارس الاعلام والقوافي الواردة في الاجزاء الثلاثة منه. والله نسأل ان ينفع به وهو ولي التوفيق الدكتور سليم النعيمي

стр. 1027

بيت السادة الحيدرية أما هذا البيت فهو سماء فضل من الفضائل أعماده، وخيام علم قد دقت على سطح المجرة أوتاده، وكرسي كمال نصب على عرش الأعجاز والفصاحة، وسند معال وضع على نقش الإعزاز والرجاحة. فمنه انتشرت أصناف الأدب والفضائل، وعنه أخذت أنواع الفرائد من المسائل. رضيعهم نتيجة مقدمة الفضل والعرفان، وفطيمهم زهرة سماء الفهم والإذعان. وكل منهم علامة زمانه، وفهامة وقته وأوانه. يود البدر ان يرمق ثراهم وتطلب الشمس أن تكون في ضيافتهم وقراهم. ملئوا الأقطار في تصنيفاتهم وتعليقاتهم، والأمصار في تحقيقاتهم وتدقيقاتهم. فكل مفرد منهم من أفراد العلم الكبار، وكل شخص منهم حسنة من حسنات الآثار والأخبار. فاقتحموا على العذراء رواقها، وقصموا على الجوزاء نطاقها: نجوم سماء الأرض أن يدج ليلها ... يدر بهم أبراجها فلك السعد ذعروا الأرض بجياد أقوالهم، وغمروها بطراد سلسالهم.

стр. 1028

حيدر الصفوي (١) أما جدهم الأعلى حيدر، فهو صاحب المقام الأزهر، والفضل المريع الأبهر، والتحرير القند المذاقي المكرر. لم تجلل سرية كماله عجاجة، ولم تخلل قطرات ماء افضاله مجاجة. أما الفضل فقد لاذ بكناسه، ورد متجره إلى أصدافه وأكياسه فاحتجبت شمس الفصاحة بغمامه، وأزهرت نجوم الفضائل بابتسامه. ظهرت فيه للجلال خلال ... وعلى الندب للسناء أماره والأشبال تدل على الآساد، والأغوار على الهول والأنجاد. ***

стр. 1029

نجله أحمد (١) ونجله أحمد، ذلك الحبر الممجد: من لا توازيه الجبال إذا رسا ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى رجل افتخرت به الأكابر والأشراف، وجبل دونه طور سيناء وقاف. كلف بالعلم وفنونه، وتصرف في سهوله وحزونه. وصرف وجهته تجاه العلم والكمال. وحصل من الفضل ما هو بمنزلة الأقمار في الليال. فارتقى بفضله إلى الأنجم الزاهرات، وفتح بكماله على أهل زمانه أبواب المعجزات. وصنف كتابه المشهور في المحاكمات، فغدا طود أدب علا مناره، وسماء علم أزهرت في الفضائل أقماره. هصرت يدي غصن العلا من كفه ... وغدا به روض العلوم منورا ففضله آية الليل والنهار، ومعاليه شمس المعارف في جميع الأمصار.

стр. 1030

حيدر الكبير (١) نجله حيدر الثاني: هذا الثاني، صاحب المثالث والمثاني. نافجة مسك عبق مجدا، وضاع طفلا ومهداً. فعطر الكون برياه العاطر، وحاز بطيب مكارم فضائله المعالي والمفاخر. فاح الثرى متعطراً بثيابه ... حتى حسبنا كل ترب عنبرا درر أصداف الفضائل وعقود كمالها، وقلائد نحور الأماثل ونثار آمالها. سلك مجداً وطولاً، وملك عقداً وقولا، فهو واحد الفضل وابن واحده، وماجد العلم وابن ماجده. نشأ في معالم العلم وربي في حجره، فاتخذه الكمال صدراً إلى صدره، وقلادة إلى نحره. أتعب نفسه في تحصيل العلم وصنوفه، واطلع على مئات الفضل وألوفه. حتى ارتوى من صافي الكمال وشرابه، وفاق بمعارفه على أبناء جنسه وأترابه.

стр. 1031

يسود في آخر الأعصار آخرهم ... وساد أولهم في الأعصر الأول فكان ﵀ كعبة الآمال، وقبلة الأعمال. ذا المراتب المكينة، والوقار والسكينة. أقام بفضله وأقعد. وحل بكماله منازل السها والفرقد، حتى بلغت معاليه السماء، وجلت شموس فضائله الظلماء. نشر ألوية التدريس في قرية ماوران، فقصدته رجال التحصيل من كل مكان. فالتفت إلى الإفادة عرضا، فازدحمت الفضائل بعضها بعضاً. فقصدوه من سائر البلدان، ومن خلخال وخراسان والعجم وداغستان. فصنف وأفاد، وملأ بتأليفه الأقطار والبلاد. فحاز المعالي، واستخدم الأحرار والموالي. وتفرد في فنونه، حتى نزل من جسد الفضل منزلة عيونه. فقبره تحت قلعة اربيل يزار، إذ كان عليه الحول في المكارم والمدار. ***

стр. 1032

أحمد الحيدري (١) نجله الأوحد احمد: قطب ذلك البيت وعالمه، وصدره الذي به أينعت معالمه. قام مقام أبيه بالفضل بعده، فصدق فيه الدهر قوله ووعده. فهو حلية الدهر العاطل، وسحاب الكمال الهاطل. جملة جمال الأدب وتكملة كمال العجم والعرب قمر وجه الأرض البسيطة، وكف راحة الأرض المبسوطة، سباق غايات الحكم، وحامل رايات الكرم. فلا فضل إلا وإليه انتسابه، ولا علم إلا وإليه انسيابه. من جمعت فيه العلى ... وتوفرت فيه الدواعي سبقت أنامله الأنام ... فأحرزت قصب اليراع شيخ العلم وفتاه، ومبدأ الكمال ومنتهاه. الذي أشرق للعلم بدرا، وغدا للإفادة بحرا. فهو غمام الفضائل. وسحاب الأنامل. فتى البيان، وواحد الأعيان، المطاول لقس وسحبان. من أنارت به نجوم المعالي وأقمارها، ودانت له رجال الفضائل وأخيارها وارث الفضائل من أربابها، وداخل بيوت المعارف من ابوابها

стр. 1033

فهو ولد الكمال ووارثه، وعنتر ميدان المجد وحارثه (١). راكب كتائب الكتابة، وصاعد مقانب (٢) الإصابة. من مثلهم والفضل حقا لهم ... سمادع غر كرام فحول اقتدى بأبيه، فحلت الفضائل بناديه. اشتهر بالفضل والحكم ومن يشابه أبه فما ظلم. أدركته وأنا صغير. فقيل لي هذا العديم النظير. فرسمت تعريفه في صحيفة الخاطر، وحاشيته على الاستعارة، تنبيك بأنه فريدة الأوائل والأواخر. ***

стр. 1034

عبد الله الحيدري (١) عبد الله بن حيدر فخر الخلائق درة التاج الذي ... بسواه هام ذوي العلى لم يفخر روض فضائل فسيحة الرحاب. وحديقة فواضل مخضرة الهضاب. تفتحت شقائق كمالاته وآدابه، وتوردت خلائق خلائقه بدخوله إلى الفضل وانسيابه. تبسم وجه الزمان الحالك من بشره، وتنسم زهر الأدب الضاحك من بسطه ونشره. جرى في حلبة العلم وتصنيفه فملأ العنان، وحاز السبق في ترصيعه وترصيفه فحاز مجامع البيان. فحاكت تصانيفه عقود الثريا، وشاكهت تآليفه جريان العبير إضاعة وريا. انفرد بكل فن من العلوم عقلا ونقلا، ورسا بكل بحر من الفهوم رزانة وثقلا. فهو غواص بحر الكمال، الذي ما له في في استخراج لآلئ المعارف مثال.

стр. 1035

قل للمحاول شأوه ... قصّر خطا هذي المساعي فانظر لمرآة الزمان ... وقد غدت ذات اتساع لا غير صورة مجده ... فيها تراه ذا انطباع إمام أئمة البراعة، وهمام أسنمة اليراعة. الذي أصبح لعين الكمال انسانا، ولأكف المعالي إصبعا وبنانا. التقط من مصنفات أهل العلم كل درة جبراً لخاطرهم، وتصرف فيها بأنواع التصرفات مع أن بحره مستقى من جواهرهم. فلم يبق في العلم درج ولا كتاب، إلا ونقشه بحواشي خطه الذي هو الذهب المذاب. فتصانيفه لا تعد، وتآليفه لا تحد، متداولة بالأيدي والأنامل، ومتطاولة على الأكارم والأفاضل، غنية عن التعريف والبيان، لامعة كلمع السنان في البنان. وقد مات وهو شاب، بعد أن ملأ من العلم الرحاب، ودفن معه علم لو قسم على أهل الأرض لكفاهم، وعلى أهل العصر لأشبعهم ووفاهم. وقد صحبت نجله حسن، فرأيته حسنا يفتخر بحسنه على أبناء الزمن. قد صرف أوقاته إلى الزهد والطاعة، وجعلها دون التدريس من نفائس البضاعة. لا زالت سحب الرحمة تحفهم، وشآبيب الغفران تلفهم.

стр. 1036

إبراهيم الحيدري إبراهيم بن حيدر (١) هذا الذي وعد الدهر الخئون به ... وفي وأنجز بعد العقم والكبر بدر بدا من بروج الفضل مطلعه ... فيا له قمر يسمو على قمر ولقد آتاه الله رشده، حتى أحيا ذكر الفضائل وحده. نظر إلى قمر الأدب لما رآه بازغاً على معالم الفصاحة. فمد يد فضائله إلى عنقود الثريا فعصر خمر الأعجاز من تلك الحديقة فأحدق بكروم النجابة والسماحة. فلم تثنه عن اكتساب الفضائل أمثال هذه الفروج والمضائق. ولم تأخذ عليه في اعتصار أمثال هذه الخمور من الكمالات أصناف الموانع والعوائق. تسلق الى سماء المعارف وجاس في خلاله، ودخل إلى حدائق اللطف وقال في ظلاله. وأسس قواعد بيت العلم بأنواع الفضل

стр. 1037

والتحقيق، فانثنت الناس إلى طوفه واستلامه وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. فهو كعبة الفضل الذي شيدت المكارم جداره، وحرم الفضل الذي أسدلت الفضائل أستاره، وهو سحاب الكمال الذي سال سيله، ورجل المعالي الذي سحب على المجرة ذيله. الحج يقصد كل عام مرة ... وجنابه في كل حين يقصد أشهر هذا البيت خيراً. وأيمنهم قدماً وطيراً. أحد معاقل الكمالات الممتنعة، وواحد مدن العلم الشاهقة المرتفعة. خفقت على رأسه ألوية المجد والسيادة، وأشرقت بمعارفه أندية الفضل والافادة. فهو واحد الفضل فعلا وقولا، ومرجع الكمال فضلا وطولا. حسر عن ساعد التحصيل زندا، وجرد لاقتناص بنات الأفكار سيفا وافرندا. لا يدرك الشرف الفتى ... إلا بعسال وباتر علت في المكارم شيمه، وهطلت في الافضال ديمه، حتى غدا عظيم ملك العرفان، ونظيم سلك الحسن والإحسان، وواحد الفضل الذي لم يكن له في عصرنا ثان. فالفضل يتسعر في لحاظه، والأدب يتصور بين ألفاظه. إذ هو علامة العصر، الهاصر لأثمار البلاغة أتم الهصر. صرف نقد عمره بتصنيف الكتب وتنميقها، وبذل وقته

стр. 1038

بترصيف الكمالات وتحقيقها. صنف بكل فن من الفنون، وألف كما يألف النوم العيون. فقد أخذت منه، ورويت عنه. فكم نفحة منه نسمت إلينا. وكم فضيلة له ارتسمت لدينا. قد قلبت أوراق كماله، وطالعت صحائف حسنه وجماله، واستأذنته بتحرير تصنيفه الملهمات، وشرح بانت سعاد، وقد ملأ بشروحه وتعليقاته الهضاب والوهاد. فعليه الرحمة والرضوان ما تعاقب الملوان. ***

стр. 1039

إسماعيل الحيدري (١) إسماعيل بن إبراهيم بن حيدر: واسطة عقد هؤلاء الرجال، وغصن روضة تلك المعالم والأطلال. قد انفتحت بالفضائل بصيرته، وصدقت على الفواضل سريرته. تاج رأس الكمال، والأدب الذي يتوقد في الليال. فعلمه بسلسبيل الإفادة يتدفق، وطبعه عن زهر رياض الفصاحة يتفتق. ذو المنطق الذي يسحر العقول، والتقرير الذي يبهر الفحول، ، والفكر الذي يصدأ عنده الفرند المصقول تشابه الغصن وروضه وقد ... يظهر للوالد سر في الولد حكاه في عفته وفضله ... والشبل في المخبر مثل الأسد أما العلم فهو بابه، وأما الكمال فإليه انتسابه، وأما الإعجاز فمنه انسيابه مع تقرير كالبحر، وتأليف كالزهر، يجدي المستفيد كمالا، ويجني المتطلب منه مكارما وافضالا. يفضح بنثار آثاره اللآل، ويسدي بسوانح أفكاره المعال فاحت أرج الفضائل من رياضه، وهبت نسمات الافضال من

стр. 1040

حدائق غياضه. فحلى في الورد مذاقه، وحسن في الأدب مساقه. وانه الذي يتصرف في المعارف ويذهبها، ويتعطر بنوافج اللطائف ويطيبها. قد أحاط بأنواع الفنون، فلا تحوم حول فضله الأوهام والظنون. فهو إنسان، كله فضل وإحسان، وكل عضو من أعضاء الدهر في مدحه لسان. ميمون المنظر، غريب المخبر مأمون المغيب والمحضر، حليم الطبع، عجيب الوضع، متمسكاً من التواضع بحبل وثيق، ومن الحلم ما يتعطر به المسك الفتيق. فهو البحر الذي لا يدرك قراره، والرئيس الفاضل الذي علت على المجرة أنواره. استدارت منطقة المجد حول مركز كماله، واستنارت أنجم الفضائل الزهرات من سناء فضله وأفضاله. ربيع كمال بالنجابة يانع ... لذلك روض الأنس في روضه بدرا (١) سباسب أفضال وبحر معارف ... إذا غصت فيه حزت درا ولا فخرا أما تصانيفه فمشهورة، وأما تعاليقه ففي صحف الكمالات مسطورة. له نظم بالفارسي معجز، ونثر لأنواع الفصاحة محرز. فمن جملة آثاره، الزاهرة بنثاره، قوله من رسالة له منظومة بالفارسية وقد سماها «بنان وخرما» وقد باهت الجوزاء سمكا

стр. 1041

والثريا نظما. وقد وشحها ببعض الأبيات العربية، ورشحها ببعض الأراجيز الرائعة المضية. فمنها يقول: أيها المهجور من وصل الحبيب ... أيها المحروم من ذاك النصيب صرت محفوفا بأنواع المحن ... داخلا في سجن لذات البدن قم وخلص قبل أوان الفراق ... إن هذا العيش مما لا يطاق استمع قول المغني في الطرب ... حين ما يشدو بأشعار العرب ليس غير العشق شيء يستطاب ... كل حال ما سواه قد يعاب ومنها يقول: قد قسا قلبي وطالت حيرتي ... ما تلطفتم بنا يا جيرتي مالكم لا تبذلوا أموالكم ... ان صدقتم في هوانا مالكم لا تكن للرزق مجروح الفؤاد ... تأتك الأرزاق من رب العباد ربنا الله الكريم المستعان ... يرسل الأرزاق من كل مكان من سعى في الرزق يا أهل العقول ... عابث في سعيه عند الفحول ويقول منها: أعطني كأساً من الراح الأجاج ... في زجاج نير يحكى السراج كي يزول الحزن منى والكدر ... فأنا سكران لم أدر الضرر ومنها: أحدث الأشياء من محض الكرم ... بعد ما كانت جميعاً في العدم

стр. 1042

يا نديمي انتظر في كل حال ... قبل أن يأتي الصدا للارتحال بعد ما بلغت حد الأربعين ... أرفض الأهوال حينا بعد حين فكان ﵀ أحد الفحول الذي لا يدرك فضله العقول صحبته والدهر ذاهل عن انفراده، والزمان غافل عن لياقته واستعداده فلما أحس بفضله الزمان، اختطفته يد الملوان. وها هو وديعة الله في أعلى غرف الجنان. ***

стр. 1043

العلامة صبغة الله بن إبراهيم (١) أما هذا العلامة. فهو في طلعة الأيام غرة، وفي خد الكمال شامة. له جامعية علوم تربو عن الحصر، وأنواع فضائل لا يقدر على إنكارها فضلاء العصر. فجمل فضائله مما تقصر عن تفضيله العبارات، ومجامع فضله مما وقعت عليها من ارباب الفضل اشارات.

стр. 1044

أقبل أهل العلم إلى طواف أركان فضله واستلامها، وتوجه أرباب الفهم إلى تقبيل حجر مجده الذي وضع من مدينة العلم عند باب سلامها، فأذعن أرباب الطلب لديه، وسلموا زمام انقيادهم اليه: امام المعالي والفضائل والتقى ... وراثة جد عن نمي إلى جد إمام همام في الأنام وسيد ... مناقبه جلت عن الحد والعد أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في نظام محاسنها واتساقها ملأ بعلومه الأقطار، وظهر ظهور الشمس في ضحوة النهار. أقر لفضله ثغر الزمان وابتسم، وارتسم به نقش الفضائل واتسم. فصيته الشائع دليل على قدره، دلالة أشعة الهلال ليلة بدره، إذ هو مطلع الأضواء والكمال، ومغارب الإفتاء والمعال. قد سقت بروج الكمالات كمالاته، وانسدلت على بدور الأذهان هالاته. تساقط على أوراق أغصان الفضل، تساقط الطل،

стр. 1045

وكلل أزهار المجد بحباب لطف هو كاللؤلؤ المنحل. إليه انتهت الرغائب، ولفضله قطعت الأودية والسباسب. فهو قبلة الأنام، وكعبة الخواص والعوام، والبدر المنير في حالك الظلام، الذي ما عليه في إشراقه كلام. لو مد راحته لثغر مقبل ... أنف الثريا أن تكون له فما أو تنطق الدنيا بمدحة فاضل ... نطق الزمان بمدحه وتكلما فالآن هو مشرع الحكم، ومطلع الهمم. قد لاحت من مجلسه شموس، وارتاحت لفضائله نفوس. ركب صعب الكمالات فذللها، وطلب مخرجاً للثريا فانتعلها، فناديه مصب مزن الفضل، وسقيط ندى المعارف المخضل. وموقف الفصاحة والبيان، ومقذف أرباب المعارف والعرفان. له ثبت الإحسان وارتسم، وعن فضله افتر الكمال وبسم له فضل لو تصور شخصاً، لكان بالنفوس مختصا، وللانفراد آية ونصا. تفرد بكل فضيلة وحوى لكل مكرمة وجميلة، لم يأت الزمان له بمثال، إذ هو علامة الزمان على كل حال. فأكفه توشي أرض المعارف، وتجر على حافاتها الزخارف. وهو منبع البيان، الذي سحب ذيله على سحبان. قد جلا خطب الليالي عزمه ... مثل ما يجلو دجى الليل النهار لم يكن للبحر أدنى بره ... لم يلح للعين براً وقفار لقد جر إلى نحو المجرة باعا، ووطد على هام فرق الفرقدين

стр. 1046

ذراعا. وتقلد حسام فضل لا ينبو مضربه، ولا يخبو في قدح المكارم أربه. فأي مقال يفصح عن مجمل كماله، وأي ارقال يعرب عن حميد خصاله. إذ هو بحر الكمال العجاج، المتلاطم الغبة والأمواج. يقذف الدر والجوهر، ومع انه بحر يعيب مذاقه السكر المكرر. هو رئيس هؤلاء الرجال، وجميع فضلاء هذا الكتاب عليه عيال. فلا نهاية لكماله، ولا غاية لفضله وافضاله. فغاية ما أقول فيه، انه فريد العصر، والواحد الذي ما نتج به الدهر. وهو فوق ما أقول، صان الله هلال كماله عن الأفول. قرأت عليه، وجثوت بين يديه، فلم أر الفضل الا منه واليه. سود صحائف أعماله بالتدريس، وبذل من العلم كل غال ونفيس. فلا زال غصن حياته وريقا، ومرج أدبه بنماء الفضائل مباكراً أنيقاً. وفي أثناء ملازمتي لناديه، واجتناء ثمر المعارف من أياديه، توفيت والدته رحمها الله تعالى، فكتبت لحضرته أبياتا. وهي: أرى حدثان الدهر ناء عن الحد ... فبالهزل يولينا المرار وبالجد أأبصرته إذ هد شامخ ثلة ... من الجود والإحسان والفخر والمجد لك الله من دنيا لقد عشنا في هنا ... فلم ندر ما نحس الزمان من السعد رمتنا بأرزاء علتنا مصائب ... مصائب لا تردي الجيوش كما تردي

стр. 1047

تحملت أعباء الزمان على المدى ... فأرزاؤه تربو عن الحد والعد ولكن كهذا النعي لم أك حاملا ... ولم ير قلبى مثل هذا ولا بعدي فان ابنة الافضال والدة العلى ... سليلة أمجاد أسود من الأسد توارت بترب بعد مسك وعنبر ... فأورثت الدنيا النكال من الفقد وسيان عندي مرها ولذيذها ... فلا المر مر لا ولا الحلو بالشهد كذا القرب بل والبعد عندي تساويا ... فلا بعدها مجدي ولا قربها مهدي ولست أيا ابن الأكرمين بأول ... من الناس قد صادفت رزء بلا حد فكم جندلت من سيد في الورى وكم ... أناخت لسرح كان كالعلم الفرد وان لم يكن مثلا لما قد فقدته ... فلم تحمنا منه السيوف من الهند ولم يحمنا حزن ولم يحم سهلها ... ولم يحتمى منه بغور ولا نجد تسلت عن الوجه الحميد فقد سمت ... برشد وافضال على كل ذي رشد صلاة من الرحمن تنزل رحمة ... على ذلك الوجه المجمل بالحمد فكم أسدت الإحسان والفضل للورى ... فسادت به فخراً على كل من يسدي

стр. 1048

سمت وتسامت فهي محض مكارم ... حوت كرماً حازت به جنة الخلد سقى الله قبراً حله مثله سناً ... هوامع لطف هاميات على اللحد كريمة طبع بنت جود عفيفة ... سليلة سادات كرام من المهد فريدة ذات في المكارم نخبة ... توفت فوافت بالنقاوة والزهد مكارمها فيها خصصن جبلة ... تجل وتسمو أن تحاول بالجهد فصبراً وصبراً أيها الواحد الذي ... علا في الورى بالفضل والأب والجد تعلمنا الصبر الذي يدفع الأسى ... فنحن عن التفهيم في غاية البعد أجلك يا مولاي عن ذا وغيره ... فانك فرد الوقت في كل ما تهدي فلا زلت في حفظ الإله مبجلا ... كريما نجيباً مفرداً كامل السعد فاستحسن خزفي وعده لآل، لا زال في حفظ الكريم المتعال. ***

стр. 1049

فضل الله ابن إبراهيم الحيدري له في النوادي فضل علم وحكمة ... ذوي عزة قعساء جم المكارم نجوم هدى من يقتد بهم يفز ... بما يروم اهتداء في ليال فواحم هذا الذي يتصرف في العلم كيف شاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء حميد الخصال، سديد الفعال. أديب الزمان، عمان العرفان. صاحب الكمال واليقين، فضل الله على الناس أجمعين. صباح العلم وفجره، وأصيل الكمال وظهره. كعبة الفضل الشامخ الأركان، وقبلة العلم المقصود من كل مكان. نتيجة أشكال الكمال، ومطاف خواص الرجال. لا يجاري في فهم وإذعان، ولا يبارى في حرفة ويد ولسان. نشأ في أحضان المعارف، متفيئاً ظل كمال المجد الوارف. المتردي بحلل الفضائل وبرودها، والرافل في طيلسان المعارف في نجد المكارم وزرودها. شريف العلى والذات في الوصف منتم ... إلى خير أصل طاب في قنسه ربطا

стр. 1050

طويل البنا رحب الفنا منهل الغنى ... مزيل العنا مولى المنى للهنا سفطا فهو كتاب الفضل الذي لا تشرحه الأوهام، وسجل العلم الذي لا توضحه الأفهام. سراج ذلك الدار، المنير في الأقطار وهو سهام الكمال في القضا، وحسام المجد الباسم المنتضى. الذي تحلت الأيام بسناه، واستحلت الأنام بجناه. قد رفع الله قدره، وشرح للفضل صدره، فأحكم أصول الفضل وفروعه، وشيد معالم الافضال وربوعه. وبرز في الكمال بروز الرجل المفضال، فغدت حمائم هديه تهتف، وعيون فضائله تذرف. قد بل هامة مجده القطر، واكتنف عقود تقريره الجيد والنحر. قد توشحت بمآثره الكتب والدفاتر وترشحت بنوادره الشهب والمفاخر. أمد الله في عمره، وجعل مشكاة العلم في قلبه وصدره. ***

стр. 1051

فتح الله بن إبراهيم الحيدري يضاهي فضله صوب الغوادي ... ويحكى مجده هام السماء وتحسده البدور على سناه ... ويكفيه الوقار عن الضياء أبرع من سبك الألفاظ في قوالبها، وأبدع من ركب أسنة المجد في ثعالبها، وارق من نسيم هب على مروج الكمال، وأدق من ضياء أشرق في ظلام الليال. خطة العلم والحجا، وحلة الآمال والرجا. الصاعد إلى هضاب البلاغة، والراكب صهوة المجد البالغ منه الفضل ما لم يبلغ أحد بلاغه. مطلع شمس الإعجاز وقمره، ومدام كأس الإفصاح وسمره. ذو الفضل الذي شهد له الزمان بالتفضيل، والمجمل في الكلام الذي لم يكن لكماله تفضيل شيخ الأدب وشابه، ونجد الكمال وهضابه، غرة طلعة الزمان، وتوقيع كتاب الأمن والأمان. سقى روض الفضل بماء بشره، وملك أزمة عنان الكمال بعشره، فهو نتيجة الآداب الذي كل كلمة منه بكتاب. فيه تفخر الرجال وتصعد إلى هام الفلك، ومنه تكتسب الآمال ويتميز بين الضياء والحلك. وهو الذي بلغ هام السماك بجده، واستهزأ بشبا الحسام وحده. شهدت له بسباق الكمال ميادينه، وبنظام اللآل معانيه ومضامينه. السيد العلم الذي ... للفضل والافضال خاطف

стр. 1052

الماجد القرم الهزبر ... سنا المعارف واللطائف المستجد إلى العلى ... عين الفضائل والعوارف الفاتح الفتح المبين ... الليث في كل المواقف فهو السيد الذي يضيئ زنده قبل القدح، والحمام الذي يهيم بصبا ألحانه قبل الصدح. وهو صاحب الكمال المطلق، والضوع الذي هو من نوافج المسك أعبق. ملأ بمزامير فضله مسامع الآفاق، ووقع توقيع القبول على حجة كماله بالاتفاق. فهو للعلم إمامه وللأدب أنواعه وأقسامه. وللفصاحة مقتداها، وللبلاغة مبتداها، كم ربع من البلاغة به تعمر، وكم لفظ من الفصاحة به تأمر. فهو شيخي الذي أخذت عنه، وزندي الذي قدحت منه. درجني إلى حلبة الأدب، فمن أدبه رضاعي، وحثني في أوان الطلب، فبفضله تعمرت رباعي. فحقه علي لا ينكر. وفضله في ربيع الافادة أخضر. مات وماء الشباب يقطر من محياه، ودفن وعقود الفضل مخزونة في ثناياه، ولم يف معه عمره، ولم يوف معه زمانه وعصره. ودفن ذلك العلم وفات. وهو على كل حال مرجع الفضل في الحياة والممات. أسبغ الله عليه أبراد رحمته، وأسكنه بحبوحة جنته. فمن جملة منشآته، ونفثات بابلياته، ما أرسله تعزية إلي في وفاة أحد أولادي. وهو: يا بارئ الثقلين، ويا خالق الكونين،

стр. 1053

على الوجود بين العدمين. أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، منك الحياة واليك الرجوع في الممات. أنت المغير للقلوب. وأنت المنزه عن الشكوك والريوب. دلت بوحدانيتك سلسلة الموجودات. ونطقت بعظمتك جملة الكائنات. أنت الشاهد في السرائر، ولا يشاهدك أولو البصائر. وأصلى وأسلم على من شرفت به بقعة الإمكان والإيجاد، وصار علة غائمة العالم الكون والفساد. وعلى آله وصحبه أجمعين، ما خلق الإنسان من ماء وطين. وبعد فنخص بالأدعية المستجابة، والأثنية المستطابة، والتحيات الزاخرة، والتسليمات الفاخرة. حضرة النجيب اللبيب الأفخم، وجناب الحسيب النسيب الأكرم، أمثل الأماثل، وأفضل الأفاضل، سلالة الشرف محيى ذكر السلف، بكري الإخاء، عمري الوفاء، عثماني الحياء، علي المضاء. بضعة الأدب، فلذة الشرف والحسب، طود الوقار. علم المجد والفخار الأخ الأمجد الأكرم، والأديب الأسعد المكرم، العمري النسيب المحترم. أثر ذا فالمعروض إلى الجناب الشريف، والمنهي إلى النادي المبارك المنيف، إنه من حين برهة من الزمان، وأويقات من أعصر وأوان، انقطعت بيننا المراسلات والكتب، بعد أن كانت تنهمل انهمال السحب. فصرنا نتفحص عن أحوالكم من كل وارد ونازل. ونستخبر عن أخباركم من كل راحل وواصل

стр. 1054

إذ سمعنا بحادثة ملأت بأكدارها السهول والحزون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وذلك أن مخدومكم النجيب، وولدكم الحسيب، قد ارتحل من عالم الناسوت والأشباح، إلى عالم الملكوت والأرواح. وذلك لأنه كان معصوماً من الأفعال الردية. امتثل أمره تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فانقبض القلب بهذه الداهية العظمى، وكاد أن ينفضح لهذه المصيبة الكبرى. فما الحيلة يا ابن أمي والآيات لنزول مثل هذه المصائب مؤكدة، والأحاديث لوجودها موطدة، ويدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فنشكر الله على جميع الأحوال. إذ هو المقدر للأعمار والآجال. فالأحسن والأولى، والأليق والأحرى. أن تتأسوا بمن قبلكم، ولا تأسفوا على ما فاتكم. وعلكم تدفعوا الكدر والآلام، فان كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وهذه عادة الدنيا وشيمتها ... فيمن مضى وبقي من سائر الأمم فلا تقابل هذه المصيبة إلا بالشكر، ولا دواء لهذه البلية إلا بالصبر. فنسأل الله أن يديمكم مع سائر مخاديمكم الكرام، ويجعل سلسلة أولادكم وأحفادكم غير منقطعة بين الأنام. فكتبت إليه في الجواب أرجوزة منظومة. وهي: نهدي سلاماً عطر الأنفاس ... ممسكاً مطيبا كالآس

стр. 1055

كذا دعاء وثناء عطرا ... مستوجب القبول من غير مرا للواحد القرم الهزبر الأصيد ... الماجد الافضال وابن الأمجد السيد الصمصام مناح الأدب ... المنجد القمقام مفتاح الطرب المفرد السميدع الجليل ... الأوحد الغشمشم النبيل فلذة أهل الفضل والكمال ... بضعة أهل المجد والمعالي سلالة الأطياب أرباب الحجا ... مقاصد الآمال أبواب الرجا أعني به الفرد بلا اشتباه ... أكمل أهل العصر فتح الله خلاصة الكمال والمعالي ... نتيجة الأيام والليالي مزنة سحب الفضل والإعجاز ... سحابة الإطناب والإيجاز كعبة أهل العلم والفصاحة ... سدة أهل المجد والسماحة وحيد أهل العصر والسامي الرتب ... فريد أهل الدهر والعالي النسب عين الكمال والجلال والجدا ... مطاف أهل العلم قبلة الهدى رقى إلى المجد فحاز العالي ... واقتنص الأفضال والمعالي سما السماكين بفضل وأدب ... فافتخر الأعجام فيه والعرب شابه في العلم أباه والحكم ... (ومن يشابه أبه فما ظلم) قد نشر العلم فلا يباري ... وملأ الآفاق والأقطارا فانه في الفضل كهف الجاري ... بحر من العلم بلا قرار ليس له في الناس من نظير ... علامة الزمان يا سميري قد أفعم القطر بقطر الفضل ... وفاض في افضاله كالسيل وكيف لا هو ملاذ الأمة ... مرجعها في كل مد لهمة بالفضل والكمال بحر طامي ... ملاذ أهل العلم في الأنام
следующие страницы →