فتح الله بن إبراهيم الحيدري
يضاهي فضله صوب الغوادي ... ويحكى مجده هام السماء
وتحسده البدور على سناه ... ويكفيه الوقار عن الضياء
أبرع من سبك الألفاظ في قوالبها، وأبدع من ركب أسنة المجد في ثعالبها، وارق من نسيم هب على مروج الكمال، وأدق من ضياء أشرق في ظلام الليال. خطة العلم والحجا، وحلة الآمال والرجا. الصاعد إلى هضاب البلاغة، والراكب صهوة المجد البالغ منه الفضل ما لم يبلغ أحد بلاغه. مطلع شمس الإعجاز وقمره، ومدام كأس الإفصاح وسمره. ذو الفضل الذي شهد له الزمان بالتفضيل، والمجمل في الكلام الذي لم يكن لكماله تفضيل
شيخ الأدب وشابه، ونجد الكمال وهضابه، غرة طلعة الزمان، وتوقيع كتاب الأمن والأمان. سقى روض الفضل بماء بشره، وملك أزمة عنان الكمال بعشره، فهو نتيجة الآداب الذي كل كلمة منه بكتاب. فيه تفخر الرجال وتصعد إلى هام الفلك، ومنه تكتسب الآمال ويتميز بين الضياء والحلك. وهو الذي بلغ هام السماك بجده، واستهزأ بشبا الحسام وحده.
شهدت له بسباق الكمال ميادينه، وبنظام اللآل معانيه ومضامينه.
السيد العلم الذي ... للفضل والافضال خاطف
стр. 1052
الماجد القرم الهزبر ... سنا المعارف واللطائف
المستجد إلى العلى ... عين الفضائل والعوارف
الفاتح الفتح المبين ... الليث في كل المواقف
فهو السيد الذي يضيئ زنده قبل القدح، والحمام الذي يهيم بصبا ألحانه قبل الصدح. وهو صاحب الكمال المطلق، والضوع الذي هو من نوافج المسك أعبق.
ملأ بمزامير فضله مسامع الآفاق، ووقع توقيع القبول على حجة كماله بالاتفاق. فهو للعلم إمامه وللأدب أنواعه وأقسامه. وللفصاحة مقتداها، وللبلاغة مبتداها، كم ربع من البلاغة به تعمر، وكم لفظ من الفصاحة به تأمر. فهو شيخي الذي أخذت عنه، وزندي الذي قدحت منه. درجني إلى حلبة الأدب، فمن أدبه رضاعي، وحثني في أوان الطلب، فبفضله تعمرت رباعي. فحقه علي لا ينكر. وفضله في ربيع الافادة أخضر.
مات وماء الشباب يقطر من محياه، ودفن وعقود الفضل مخزونة في ثناياه، ولم يف معه عمره، ولم يوف معه زمانه وعصره.
ودفن ذلك العلم وفات. وهو على كل حال مرجع الفضل في الحياة والممات.
أسبغ الله عليه أبراد رحمته، وأسكنه بحبوحة جنته.
فمن جملة منشآته، ونفثات بابلياته، ما أرسله تعزية إلي في وفاة أحد أولادي. وهو: يا بارئ الثقلين، ويا خالق الكونين،
стр. 1053
على الوجود بين العدمين. أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، منك الحياة واليك الرجوع في الممات. أنت المغير للقلوب. وأنت المنزه عن الشكوك والريوب. دلت بوحدانيتك سلسلة الموجودات.
ونطقت بعظمتك جملة الكائنات. أنت الشاهد في السرائر، ولا يشاهدك أولو البصائر.
وأصلى وأسلم على من شرفت به بقعة الإمكان والإيجاد، وصار علة غائمة العالم الكون والفساد. وعلى آله وصحبه أجمعين، ما خلق الإنسان من ماء وطين.
وبعد فنخص بالأدعية المستجابة، والأثنية المستطابة، والتحيات الزاخرة، والتسليمات الفاخرة. حضرة النجيب اللبيب الأفخم، وجناب الحسيب النسيب الأكرم، أمثل الأماثل، وأفضل الأفاضل، سلالة الشرف محيى ذكر السلف، بكري الإخاء، عمري الوفاء، عثماني الحياء، علي المضاء. بضعة الأدب، فلذة الشرف والحسب، طود الوقار. علم المجد والفخار الأخ الأمجد الأكرم، والأديب الأسعد المكرم، العمري النسيب المحترم.
أثر ذا فالمعروض إلى الجناب الشريف، والمنهي إلى النادي المبارك المنيف، إنه من حين برهة من الزمان، وأويقات من أعصر وأوان، انقطعت بيننا المراسلات والكتب، بعد أن كانت تنهمل انهمال السحب. فصرنا نتفحص عن أحوالكم من كل وارد ونازل. ونستخبر عن أخباركم من كل راحل وواصل
стр. 1054
إذ سمعنا بحادثة ملأت بأكدارها السهول والحزون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وذلك أن مخدومكم النجيب، وولدكم الحسيب، قد ارتحل من عالم الناسوت والأشباح، إلى عالم الملكوت والأرواح. وذلك لأنه كان معصوماً من الأفعال الردية. امتثل أمره تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فانقبض القلب بهذه الداهية العظمى، وكاد أن ينفضح لهذه المصيبة الكبرى. فما الحيلة يا ابن أمي والآيات لنزول مثل هذه المصائب مؤكدة، والأحاديث لوجودها موطدة، ويدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فنشكر الله على جميع الأحوال. إذ هو المقدر للأعمار والآجال. فالأحسن والأولى، والأليق والأحرى. أن تتأسوا بمن قبلكم، ولا تأسفوا على ما فاتكم. وعلكم تدفعوا الكدر والآلام، فان كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
وهذه عادة الدنيا وشيمتها ... فيمن مضى وبقي من سائر الأمم
فلا تقابل هذه المصيبة إلا بالشكر، ولا دواء لهذه البلية إلا بالصبر. فنسأل الله أن يديمكم مع سائر مخاديمكم الكرام، ويجعل سلسلة أولادكم وأحفادكم غير منقطعة بين الأنام.
فكتبت إليه في الجواب أرجوزة منظومة. وهي:
نهدي سلاماً عطر الأنفاس ... ممسكاً مطيبا كالآس
стр. 1055
كذا دعاء وثناء عطرا ... مستوجب القبول من غير مرا
للواحد القرم الهزبر الأصيد ... الماجد الافضال وابن الأمجد
السيد الصمصام مناح الأدب ... المنجد القمقام مفتاح الطرب
المفرد السميدع الجليل ... الأوحد الغشمشم النبيل
فلذة أهل الفضل والكمال ... بضعة أهل المجد والمعالي
سلالة الأطياب أرباب الحجا ... مقاصد الآمال أبواب الرجا
أعني به الفرد بلا اشتباه ... أكمل أهل العصر فتح الله
خلاصة الكمال والمعالي ... نتيجة الأيام والليالي
مزنة سحب الفضل والإعجاز ... سحابة الإطناب والإيجاز
كعبة أهل العلم والفصاحة ... سدة أهل المجد والسماحة
وحيد أهل العصر والسامي الرتب ... فريد أهل الدهر والعالي النسب
عين الكمال والجلال والجدا ... مطاف أهل العلم قبلة الهدى
رقى إلى المجد فحاز العالي ... واقتنص الأفضال والمعالي
سما السماكين بفضل وأدب ... فافتخر الأعجام فيه والعرب
شابه في العلم أباه والحكم ... (ومن يشابه أبه فما ظلم)
قد نشر العلم فلا يباري ... وملأ الآفاق والأقطارا
فانه في الفضل كهف الجاري ... بحر من العلم بلا قرار
ليس له في الناس من نظير ... علامة الزمان يا سميري
قد أفعم القطر بقطر الفضل ... وفاض في افضاله كالسيل
وكيف لا هو ملاذ الأمة ... مرجعها في كل مد لهمة
بالفضل والكمال بحر طامي ... ملاذ أهل العلم في الأنام
стр. 1056
لا زال كالطود بفضل وأدب ... ما علت الأكؤس في الشرب حبب
وبعد يا واحد أهل العلم ... يا أوحد الناس بحسن الفهم
قد وردت من نحوكم رسالة ... تزري ببدر التم والغزالة
نفيسة أنيسة جليلة ... رئيسة مؤنسة فضيلة
منظومة محمودة فريدة ... منثورة مفردة حميدة
مقبولة عند ذوي الطباع ... فائقة تطرب في السماع
ما فيها من عيب سوى الظرافة ... رائقة كاملة اللطافة
بديعة الألفاظ والمعاني ... معجزة البديع والبيان
في بابها عديمة المثال ... تغني عن العقود واللآلي
تنبئ عن تعزية خليلي ... جلت عن النظير والمثيل
عزت فاغنتني عن التهاني ... وسلت النفس عن المغاني
لكنها وافت بغير وقت ... والدهر ذو تكدر ومقت
قد لازمت وجودي الأعراض ... وأوهنت مفاصلي الأمراض
فحمة الغب أضرت الجلد ... وأورثتنى كمداً على كمد
لازمت الجسم بلا انفصال ... فصرت للأنام كالهلال
خفيت تحت اللحف والأوساد ... من سقم ظلت به عوادي
لو ألقي الجسم على رأس القلم ... ما غير الخط لضعف وسقم
في هذه الحال من المصاب ... رسولكم أسرع في الذهاب
فأوجز المخلص في الجواب ... ولم يكن في نهج الصواب
стр. 1057
فالمرجو منك العفو والإقالة ... مما أتى في هذه الرسالة
ودم وحيد الذات في الأنام ... ما سجعت حمائم الأقلام
وما وشت بنقشها الأقلام ... محبر الأوراق والسلام
وبعد فالمرجو من الجناب ... أن تعرضوا شوقي إلى الأحباب
فأولا للسيد الإمام ... والفاضل المبجل الهمام
علامة الوقت وحيد العصر ... العلم المفرد في ذا الدهر
سيدنا وشيخنا إسماعيل ... ومقتدانا الواحد الجليل
ثم لفضل الله ذي الكمال ... الواحد المفضال في المعالي
وعاصم مطاف أهل العلم ... فائق أرباب النهى في الحلم
وصالح ثم لسعد الله ... مخدومكم رب العلى والجاه
أدامهم ربي بفضل وأدب ... ما ركب الحجيج ظهراً وقتب
من خالص الوداد في الأنام ... عثمان ذي الاكدار والآلام
***
стр. 1058
عاصم بن إبراهيم الحيدري
كلهم سيد فمن تلق منهم ... قلت هذا أولى بمجد وفضل
صدر الجهابذة الأعاظم، ووجاه أكاسرة العلوم الأكارم المفرد المفضال في عصره والبدر المتلألئ في مصره. هلال تلك الرجال الأخيار. قمر تلك الأطلال والأمصار. وشمس ذلك الصبح والنهار. الذي أربى قدره على أهل العصر، وتميز بأنواع فضائله التي لا تحصر. فأصبحت فضائله راحة النفوس، ومآثره كالأعلام لا تخفى إلا على أكمه لا يعرف الشموس. فهو سنام الفضل وكاهله، وموارد العلم ومناهله.
قد أبصرنا أن العلم في واحد. وأنه روح الفضل الذي حل من الكمال منزلة اليد والساعد. قد تمكن من المعارف حتى صار لشموسها مطالع. وانتهت المطالب عن إدراك كماله وانقطعت عن الوصول إليه المطامع. فأهرعت إليه أبناء الأدب من وجوه ناسها، وعرفهم بكمال فضائله أنواع الكمالات وأجناسها.
هم نجوم الأرض أقمار الورى ... فارو عنهم واطو ذكر الغير طي
لم تزل أفضالهم تغمرنا ... مطلقاً بالفيض من نشر وطي
أنا منهم لم أزل مكتسبا ... كل ما ينسب في الخير الي
стр. 1059
هذا رونق ذلك الفناء، وبهجة ذلك السناء. صاحب الكلام الحر، والنثر المزري بالدر. جمال دياره، ويوسف أمصاره، الخصيب الرحاب، والفضل الذي يربو على أنواء السحاب.
قد ألهمه الله العلم والفراسة، واركبه صهوة المجد والكياسة. فهو على كل حال نادرة الزمان، وقطب ذلك الفهم والإذعان.
لا زالت حباب الكمالات تأخذ من كأسه، وزهرة الأدب تقطف من رياض آسه.
***
стр. 1060
صالح بن إسماعيل بن حيدر (١)
هذا الهمام أجل من ... تسعى لسدته الركائب
شهم أحاط بكل من ... قبة بها تسمو المناقب
متناسق الأخلاق بادي ال ... يشر فياض المواهب
أكرم من أخذ بيده القلم، وأعظم من نطق بالأدب والحكم وأسخى من أجرى اليراع، وأنمى من زخرف لآلي الفضل إلى مخازن الأسماع. شائع المعارف والكمال، وذائع اللطائف والأفضال. أعجوبة الدهر والزمان، نادرة الوقت والأوان، فهو الباذخ علمه، والشامخ فهمه. رونق المجد ووقاره. وزورق السعد الذي على أعلى المجرة مناره. العالم الذي لا يدرك، والواحد الذي لا يشرك. مظهر الكمال والنوال، ومصدر السيادة والإجلال
نجم الفضل والأدب، وبدر الحسب والنسب، شريف الذات والوجود، عالي المكارم والسعود. قمر الإعجاز وهلاله، ومقصد البيان وآماله. مورد الأدب ومشرعه. ومنبع الأرب ومطلعه. زيت زيتونة الحجا والمآرب، ومشكاة محافل النهى والمواهب.
стр. 1061
هذا الذي فضله في العصر مشتهر ... كالشمس في شفق والصبح في غلس
مخاتل السحر تبدو من دقائقه ... وشمسه للورى تغني عن القبس
فهو في العلم صاحب التصرف المرضي. وفي الفهم ذو الحكم الناقد الممضي. ركب بمواكب من الفضل فحلت الفصاحة في كتائبه، وجند جنود المعارف فاسر خرد بنات الفكر بقواطع قواضبه. بوجه كلمع البرق في ضيائه، وقلب كصدر العضب في مضائه. فهو على كل حالة. سام في مطالع الجلالة.
بيني وبينه من الخلوص والوداد، ما هو بمنزلة سواد الناظر وسويداء الفؤاد. لا زال قبلة علم وحجا، ما وقب واقب، وغسق غاسق، ودجا دجى.
***
стр. 1062
عبد الغفور بن أحمد بن حيدر
أما هذا السيد فهو حصن كمال لا يرام، وركن معال لا يضام، ومعقل جلال لا يسامى ولا يسام. وذروة علم لا تفرع، وربوة فهم لا تقرع، وعقيلة أدب لا تفرع وعضب معارف بتار، وندب لطائف مغوار.
نظر الى السماحة فرتبها، والى الفصاحة فهذبها، والى الرجاحة فذهبها. فاشتهر بفضله في الآفاق، وظهر بكماله في الكردستان والعراق. فغدت الطلبة عاكفين على بابه. قاطعين جنى جنابه، واقفين لرفع أستار معارفه وحجابه.
قد أفرده الله بكل فضيلة، وخصه بأنجح متشبث ووسيلة.
وقدره على كمالات عجزت عنها أرباب الكمال. وهداه إلى طرق سيادات تعذر عن الوصول إليها كل الفحول من الرجال. فلم يبق من المجد سنة إلا وخلدها، ولا وعرة من المناقب إلا ومهدها ولا أجر من المآثر إلا وأجراه، ولا هدى من السوانح إلا وأهداه، ولا لطيفة من الأدب إلا وأداها، ولا ظريفة من الطرب إلا وأتاها، ولا فرصة علم إلا انتهزها، ولا مشكلة حكم إلا وأحرزها ولا أمة فصاحة الا نشرها، ولا زمرة إعجاز إلا حشدها وحشرها.
стр. 1063
فاستقرت بفصاحته الفصاحة، واستمرت لأخلاقه المكارم والسماحة.
علامة الدنيا وواحد عصرنا ... سامي الفضائل بحر علم زاخر
وأبو المكارم والمواهب والعلى ... ناه بأرباب المعال وآمر
لم أجد عبارة ترجمة تفي بوصفه، فأرسلت اليراع أن يأتي ببعض مديحه رغماً على أنفه. إذ هو شيخ أشياخي، وشاه رقعتي في المعارف وإرخاخي. وهو شيخي الكريم الوجيه، وأستاذي القويم النبيه. استفدت من عبارته، واكتسبت من إشارته. ولا زمت ناديه. وجنيت المعارف من أياديه. إلا أنه مات وهو شاب.
واندفنت معه تلك المعارف في التراب.
عاش مبرورا ومات مشكورا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
***
стр. 1064
أخوه الأكبر خضر بن أحمد بن حيدر (١)
أما هذا الشيخ فقد ركب سفينة الفضل بحرا. وعمر جدار العلم بعد انقضاضه ولم يتخذ عليه أجرا. صعد إلى هام المعالي فانحط القمر عن منازله إذ لم يستطع معه صبرا.
ويسألونك عن هذا القطب قل سأتلو عليكم منه ذكرا.
هو صاحب المحاسن المقمرة، والميامن المسفرة والمحامد المثمرة، والمكارم السائرة، والمآثر الفاخرة، والوسائل المقبولة، والرسائل المنقولة، والمحامد والمواهب، والفضائل والمناقب. وهو اليمن الأنضر، والفضل الأكثر. والفجر الأسفر، والفخر الأظهر. والجد الأشمخ، والمجد الأبذخ، والعز الأسمى، والشرف الأنمى.
طود كأن الله صو ... ره من الافضال جسما
جم المعارف عينها ... فلفضله الألطاف تنمى
وشي روض الأدب الوشيع، وفضاء مرج الفضل الوسيع.
وجنان جنات الأدب، وأحداق حدائق الأرب. الذي تأرجت الأرجاء بعرف عرفه، وتسطرت الكتب بمحاسن مدحه ووصفه.
стр. 1065
فلا تصرف لأهل العلم إلا بتصريفه. ولا تعرف لهم إلا بتحريره وتعريفه. إذ كان ﵀ ممهد القواعد، ومشيد المقاصد.
قد انبسطت لتقريراته بسط القبول، وسارت بحميد محامده ريح الصبا والقبول. عليه الرحمة والغفران في كل وقت وآن.
***
стр. 1066
عبد الله بن أحمد بن حيدر
هذا الذي آتاه الله كتاب الأدب، وجعله شامة في وجه ذلك النسب. شرف الأدب وفخره، وبحر الكمال الذي لا يدخل مد إلى بحره، قد أصبح للفضل نحراً وجيداً، وأضحى في فضائل الأدب عقداً نضيدا. فهو روض العلم الذي أينعت أزهاره، وبحر الفضل الذي نبعت أشطاره.
جد في تحصيل العلم وطلبه، وخلص زيوفه من ابريزه وذهبه وله فيه اليد البيضاء، والراحة الرحباء. إلا أنه لم يشتغل بالتدريس كأسلافه الأعلام. ولم يكن له في تعاطيه كثرة جهد واهتمام لكن العلم نزيلهم، والفضل فصيلهم.
كلهم أبحر لعلم وفضل ... وكمال ومنحة وجلال
هم أولو الفضل والمعارف طراً ... سادوا كل الورى بكل كمال
رضيعهم شيخ المعارف، وفطيمهم كهل الظرائف واللطائف.
***
стр. 1067
عبد العزيز بن أحمد بن حيدر
هذا العزيز عزيز ذلك المصر، وصاحب ملك البلاغة في هذا العصر. استقام أمره في خلافة الفصاحة، واستقل فاستدر له ثدي المعارف من صدر الرجاحة، واستهل فتم في قطر الكمال آمنه، وعم أهل المعالي إحسانه ويمنه. وانتظم ذلك الملك بسلطانه وحسنت تلك الأطلال بسلك إحسانه. وقرت بفضله وأدبه عيون أعيانه. فساد في تلك الولاية أرباب الفضل، وجلس في صدر نادي الأدب من دار العدل. فحل في العلم كل مشكلة وطب بفضله كل معضلة، فأصحت سماء المعارف بفضله، وأضحت رياض اللطائف زاهرة بوبله.
قد استنارت البلاد بنوره. واستشاره سلطان الفضل بأموره.
افتتح ملك الكمال بأقلامه فثبت له ذلك الملك بثبوت أحكامه فآوى إليه أبويه وهما العلم والكمال، وأخذ أخاه في دين الملك وهو خلاصة الفهم والجلال، فخروا لمجده سجداً وأنابوا، وأقروا بجلالة قدره وما ارتابوا.
стр. 1068
همام رست للمجد في جنب عزمه ... جبال، جبال الأرض في جنبها سهل
زكت شرفاً أعراقه وأصوله ... وطابت لنا منه الفضائل والفعل
فهو من تلك السلالة المعروفة بالحزم والبسالة. فكل منهم قبلة ومطاف، وقلادة في أعناق الأفاضل والأشراف. لا زال سلطان علمهم عالي، ما أزهرت الثواقب في ظلام الليالي.
***
стр. 1069
شهاب الدين بن أحمد بن حيدر
من النفر الغر الذين تحالفوا ... مدى الدهر لا يأتي ديارهم الجهل
كرام إذا راموا فطام رضيعهم ... عن الثدي حطوا الجهل فانفطم الطفل
شهاب الدين الثاقب، وهلال المواهب والمناقب. العابق نشره، والفائق بشره، والسائر مع السيارات ذكره.
قد رفع إلى المعالي معالمه، وأجرى في رسوم المكارم مراسمه، فضاعت نوافح النوافج بريحه، واتضحت مناهج المباهج بتصريحه.
قد أشرقت الأقطار بعلومه، وطلع في أبراج الأمصار ببدره ونجومه، فهو زينة سماء هذه العصابة، وقنديل زاوية هذه النبذة المستطابة، التي شدت إليها الرحال، وطاف حول ركنها الرجال والتزمت استلامها أبناء الرجاء والآمال. وكيف لا وهي ركن هذا القطر، وأنواء سحب الكمالات والفخر.
لا زالت أطلاله عامرة، وأنجم فضائله في جميع الأقطار سائرة.
***
стр. 1070
محمد بن خضر بن أحمد بن حيدر (١)
فللورد ماء الورد شبه يزينه ... ولليث شبل الليث مثل يقارب
هذا الفاضل هو معقد كمال. ومعقل مكارم وافضال، ومورد فضل وبيان، ومقصد فهم وإذعان. قد سفرت به عرائس الأيام من حلي أيامنه وأشرقت أقمار الليالي من أنوار محاسنه.
فانقاد من الأدب إليه جماحه: وخفض إلى جنابه جناحه.
ونار به نهار الفضل وصباحه. فأرض فضله السماء، وسمك كماله الجوزاء. يسمو النيرين. ويربو على الفرقدين. ظهر بكل منقبة، وبهر كل مرتبة، وتجمل من الكمال بأجمل حلية وأكمل حالة، وتحلى من الفضل بأحلى بهجة وأبهى جلالة.
فلسان الدهر في تسيير ذكر هؤلاء السادة مفيض، ولبارق كمالاتهم على ربوات المعارف لمعان ووميض. وحديث مجدهم على صفحات الأيام بأنواع الجلالة طويل وعريض.
стр. 1071
ألم تر أنا من مدامة فضلهم ... سكارى ولم نبلغ إلى ذلك الحد
وكيف لا وهذا المرضي الشيمة، من تلك المشيمة. وهو سناء تلك الجرثومة لا زالت عامرة المناهل، وآهلة المنازل. بالنبي وذويه، وكل مجد يحويه.
***
стр. 1072
عبيد الله بن صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر (١)
منكب هذا البيت العالي. وكوكبه المضىء المتلالي، مربع الزهد المريع، ومنبع الفضل المنيع. المتسلق إلى الفضل بأقدامه، والواصل إلى نهاية الفصاحة باهتمامه. فهو مقر الجلالة، ومنزل البسالة، ومجر ذيول المناقب، ومجرى سيول المآرب، ومحل الكمال، ومحمل الأفضال، ومعرف الواقفين، وموقف العارفين، وقبلة المقبلين، وموئل المؤملين. فائض البركات، كثير الحسنات.
أزهد أهل بيته، وأتقى من حيه وميته.
قد عمت بميامنه المساجد، وأشرقت بمحاسنه المعابد. فهر سراجهم الذي فيه ابتهاجهم. وهو صباح صلاحهم، وجناح نجاحهم، ونشر انشراحهم وعظيم قدرهم، ونظام أمرهم. وحسسن ذكرهم، وأمن ذعرهم الذي اهتزت بمعاطفه العلوم، واعتزت بمعارفه
стр. 1073
تلك الأطلال والرسوم. فضاق الدهر بفيوضه، وقام العلم بنهوضه، ونبتت أزهار الفضل على ريوضه.
اشتغل بالعلم والتقوى، وارتفع حتى أزرى بسيناء ورضوى.
وكيف لا وهو شبل ذلك الأسد، الذي لا يوازيه في فضائله أحد.
ولا يدرك المطري نهاية مدحهم ... ولو أنه قد مد من عمر النسر
وفي كل مضمار لدى كل غاية ... من الشرف الأولى لهم سابق يجري
فكلهم أشبال وأقيال، وشموس معارف وكمال.
***
стр. 1074
حيدر بن صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر (١)
هذا الشاب صاحب الروع الظاهر، والضوع الأنيس الباهر، والبشر الظريف الذائع والنشر اللطيف الضائع. نتيجة الزمان، ونخبة رجال العراق والكردستان. الهمام ابن الهمام، والكريم ابن الكرام.
صاحب البيان الهني، والإعجاز السني، والكمالات اللامعة.
والفصاحات الجامعة، والشدة والباس، والسراج والنبراس.
والسماحة والحماسة، والرجاحة والنفاسة. والفضل المأمول، والكمال المبذول.
وطئ أرض المعالي وداسها، ودخل بهجة ديارها وجاسها. وملك قلاعها، وتملك أرباعها، وفتح بلادها، واستفتح أقيادها. قد جمع الله أنصار العلم بشمله، ووفق أسد الفضل ان يحمي حوزة العلوم بشبله. إذ هو شبل ذلك الليث، الهاطل في الفضائل كالغيث. ظهر بحرا، وطلع للمعارف بدرا.
стр. 1075
شمس من العلم والأفضال قد بزغت ... على هضاب العلى في دوحة الأدب
سما سماء العلى في كل مكرمة ... حتى غدا قبلة للعجم والعرب
فهو شاب قد بقل خطه، وابتهج بالكمال رهطه. قد عمر معالم الأدب بنفسه، وأذهب وحشة العلم بكمال انسه، فهو قائل بظلال مجد ابيه، متفيء بكماله الذي يحويه، لا زال شمس أرب، وقبلة كمال وأدب.
***
стр. 1076
عيسى غياث الدين بن صبغة الله بن إبراهيم (١)
غياث الدنيا والدين، وخاتمة هؤلاء الرجال الغر الميامين. الذي استطال على رجال الكمال، بالجلد والجلاد والجلال. فأثرى به سوق الفضل بعد الانفاض. واجتمع به شمل المجد بعد الانفضاض، وأشرقت بكماله نجوم المعارف بعد الانقضاض.
فأزهرت مروج الأدب برياضه، وزهرت جواهر النباهة بأعراضه.
وتوجهت من أهل الأدب لأدبه ألوف، ورغمت بموانح كماله أنوف.
أخذ من ذوي الفصاحة كل سفينة غصبا، وسحب على بحر المعارف من مراكب أعجازه سحبا. فمرت سفن أدبه مر السحاب، وهي تطوي لجة الفضل كطي السجل للكتاب. ففضله لا يطاق، وأي جانب قصده من الأدب لا يعاق.
أنشا ووشى في البديع بدائعا ... تزري على زهر الربا المتبسم
نطق الفصاحة وهو طفل يافع ... وحوى العلوم بخبرة وتعلم
واقتاد من أقصى البلاد شوارداً ... حتى أبان بها اتضاح المبهم
تعاضد مع ذهنه على تحصيل الفضل كل التعاضد، وبنى أمر
стр. 1077
الوفاء والوفاق مع التحصيل فتم التعاون والتعاقد. فلم يخالف ذلك الوعد، ولم يضيع ذلك العهد. فغذا في الفضل اماما، وللفضائل كاهلا وسناما. فعلا اسمه. ونفذ في الأدب حكمه. فهو هدية أهداها الله إلينا، وفضيلة تفضل الله بها علينا.
وهو الآن على طريق الاستفادة والطلب، وفي تحصيل أنواع العلوم والأدب. شاب أهطل من السحاب، وأجل من قدر على السؤال والجواب. قد ضاع مسكا، وغدا للكمال سجلا وصكا.
فهو مسك الختام، والسلام.
стр. 1078
شيخنا الأجل درويش
حدث وقل ما شئت من أوصافه ال ... حسني تجيء بكل أمر معجب
عرف الفضل المتأرج، وخد العلم المتضرج، ووجنات شقائق الكمال المحمر، وشفاه منابع الأدب المخضر. وجفون البيان المتوسن، وأفنان ورق المعالي المتفنن. وسرادق المعارف المنصوبة، وبوارق اللطائف المصبوبة.
درهم العلم وديناره، وهدى الفهم ومناره. وكنز الإفادة وخزائنها، وخزانة السعادة ودفائنها. قد ركب كتف المعال وسل سيف المكارم والمعال. وأخذ من العلم حظاً وافرا، ولقي من الفضائل وجهاً سافرا، فأعطى الكمالات حقها، وأجلى بأنوار تقريراته أفقها. فأبلغ بالبلاغة كل فضيلة، واسبغ على أرباب الفصاحة كل حلة جليلة. فيا له ما أسعد يمنه، وأوقر وزنه، وأغزر مزنه.
قد فاق بعلمه وكماله، وملك الأدب بأدبه وافضاله. له في كل فن من الكمال نصيب، وفي كل نزال من الفضل سهم مصيب.
стр. 1079
مكمل أنواع الفضائل والعلى ... وبدر كمال في المكارم لا يخفى
ومشكاة أنواع العلوم بأسرها ... وقطر سحاب الفضل والمنهل الأصفى
مستمر من الفضل على الانفاق، لا تعتريه فيه خشية املاق، قد أشرقت بعلومه المطالع، وأشرقت بتحريراته الصنائع.
فهو شيخي وأستاذي، الذي إليه رجوعي والتياذي، قد أركبني من الأدب ظهراً، ونصب لي من الفصاحة جسرا. انقطع عني سنين لسفر اتفق لي في الروم، بل أسفار اتفقت في تلك الرسوم.
ففي أثناء تحريري هذا السفر والكتاب، وأنا في شوق إليه أورثني الحزن والالتهاب، أتى إلي، ونزل علي، فانتعشت بقدومه وانتفشت باعتصاري خمرة كرومه. وأحيا أملي، وأقوى عملي، وأوضح مناهج أدبي، وصحح مزاج كربي. فعشت ونعشت، وطرت بأدبه ورشت. وأعدت القراءة عليه، والتقطت بعض لآلئ الفضل الذي لديه. فهو امام الكمال، الذي ما له في الفضائل مثال. وهو بحر المعقول والمنقول، الذي لم يمكن إلى قعره الوصول.
ثم بعد أشهر طلب الاياب، والعود إلى هضاب أوطانه وتلك الرحاب.
فتوجه والقلوب معه متوجهة، والنفوس لذهابه متكرهة، والعيون لترقب بشائر عوده متنبهة، والموارد لوروده مترصدة، والمعالم للاستئناس بعلومه متوجدة. فأورثني شوقاً إلى لهجته الفصيحة،
стр. 1080
وأودعني توقاً إلى بهجته الصبيحة.
أشتاق رؤيته الغراء ما طلعت ... شمس النهار وأبدى صبحه شفق
ومع هذا فإنه رأيه مصيب، حيث لم يكن له في الدنيا نصيب.
صاحب علم وعمل، يسمو على الثريا وزحل. أزهد المتورعين وأورع المتزهدين.
أنار الله بصبح سعادته الآفاق، وأضاء بأهلة إفادته دمن الفضائل على الإطلاق، ما حسنت الأفهام، وغردت الأقلام، وتشحذت الأوهام، وناح الحمام. والسلام.
***
стр. 1081
شيخي مصطفى الخوشناوي
علامة الآفاق من آدابه ... لعلومه أضحت طرازاً مذهبا
هذا الذي استظهر العلم بظهوره، وسفر وجه الفضل بسفوره، وأحجم الجهل بإقدامه، وأقال أهل العلم بظلال خيامه. يمين العلم وأمينه، ومعين الفضل ومعينه. قد تنورت أسرة المبار والمسار بفضائله. وتكورت أنواء الأنوار بمكارمه وفواصله. وسحت سماء الكمال بغمامه. وصحت أمزجة الاعتلال بمزيد اهتمامه. وطال جناح النجاح ببشره، وطاب صباح الصلاح بنشره وتبلجت أيا من الأيام بأسماره. وأرجت أرجاء الرجال بإفادته، وثبتت أنواء الكمال بسعادته، وقرت الأعين بوجود ذاته، وأقرت الألسن بمحمود صفاته. وتمت بأدبه المواهب والمحاسن، وعمت بأربه المآرب والميامن. وفاضت بعلومه العالية البركات. وآمنت بفهومه السامية الحسنات.
واهتزت أعطاف الأدب بتقريره. واعتزت اكناف الطلب بصفو ضميره. وتطرزت الكمالات بكمالاته المذهبة، وفاحت في مهاب المحاب أنفاسه المطيبة. ودرت أفاويق الآفاق بأقماره،
стр. 1082
ودانت أشعة الإشراق لشروق أسماره. وأشرق أفق الفضل به بعد كموده، وأنار فلك العلم بأشعة وجوده.
فهو واحد الفضل الذي يبهر بتقريره، وأوحد الوجود الذي سما على سميره ونظيره. رب الحجا والأدب، الذي فاق بعجمته فصحاء العرب.
فضل أرانا فضل سحبان نهى ... وذكا اياس في نوادر أحمد
ملك الفصاحة والبلاغة والتقى ... وعلا على كل الورى كالفرقد
فهو أحد أشياخي الذي استفدت منه، وبحر العلوم الذي أخذت أدبي عنه. له في كل علم يد، وهو في العربية جدار فصاحة ممتد. إن حدث فالغمام في هطله، أو نطق فالسحاب في وبله.
مرجع العلم وأربابه، وقمر الكمال في بابه. وهو في الفروع والأصول، مما يعد من الأكابر والفحول. وهو على كل حال نادرة الزمان، لا يفي بتقرير فضائله يراع ولسان. لا زال في كبد سماء الكمال هلال، ما اندرجت الأيام وانطوت الليال.
***
стр. 1083
محمود الكويي
هذا الناجح المرام، واللابس من الفضل برود الإكرام. اشتهر ببهاء فضله، وحصل العلم من ري فضله على نهله. قد تبسمت ثغور الكمالات بسداد علمه، وانتظمت أمور جمهور أولي الألباب بحداد فهمه. وقوي ساعد العلم بمساعدته، واستمد زند الكمال بمجاهدته. حتى بدت في جبهته لليل الجهل غرره وأوضاحه، وملأت طرفي العلم والأدب مسراته وأفراحه.
أورد من الفضل كل ما يسر ويبهج، وسرد من الأدب كل ما يضيء ويوهج. أورث بوجوه أهل العلم من فضائله بهجة، وأودع ألسنة أولي الأدب من بلاغته لهجة ابتهج العلم بوجوده وأنار، وانزعج الجهل بسعوده وغار. أضاءت ليالي الفضل بأهلته واشرقت، وانتكست رءوس أهل الأدب لحسام بلاغته وأطرقت.
اظهر من الفضل ما لم يكن مذكورا، وأزهر من الكمال حدائق كان قبل ذلك مستورا. فسال بالفضل في كل واد، وجال بالأدب في الأطلال والوهاد. فتكلم في كل مسألة، وتفحص عن كل مشكلة. فحاز كل فاضل منه فضلا، وتفيأ كل كامل فيه ظلا.
стр. 1084
قداح زند الفضل لا ينفك عن ... أدب وفضل في الأنام مسطرا
لا خلق أروى للفضائل والعلى ... منه وقد أنسى الغمام الممطرا
هاجر إلى الشام، رغبة في زيادة تلك القبور العظام. فهو الآن نزيلها، وبالفضل سهيلها ومسيلها. قد حط بذراها رحال الإقامة، وخط على جبينها خط الزهد والاستقامة.
اجتمعت به مراراً، فوجدته غماماً سائلا وبحراً زخارا. فهو إلى الآن، في تلك البلدان، مرجع فضل وعلى، ومحط كمال لكل الملا.
***
стр. 1085
حمزة المفتي
حمزة مفتي كركوك
عالم ذو كمال. أنسى ذكر ابن قتبية وابن كمال. أفنى عمره في تلك المدينة، وحاز بعلمه أنواع الوقار والسكينة. طلع في سمائها بدرا، وسال في أودية أدبها نهرا. تبختر في أزقة كمالها وتمندل، وملأ بكماله كل ساقية منها وجدول.
وطود تلوح الشمس من تحت ذيله ... إذا هي في وسط السماء استقرت
تعمر في الفضل عمراً، وقلب أوراق الكمالات بطنا وظهرا.
طبع على دنانير الفصاحة اسمه، وأجرى في أندية البلاغة حكمه. فكل فضل إليه ينتمي، وكل بليغ إليه يرتمي. عمر المدارس. وأينع بكماله كل طل دارس. فاخضر غصن المجد بأدبه بعد أن كان يابسا، وابتسم ثغر الدهر بمعارفه بعد أن كان عابسا. ولو شرح ما فيه من البلاغة والجلالة، وبين، ما عنده من الفصاحة والبسالة، لكبا القلم في هذا المضمار ولم
стр. 1086
يبلغ مدى، قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا.
قضى عمره بتعاطي كئوس الفضائل، ولم يكن بينه وبين المعارف حائل. رأيته في بغداد. على طريقة الاستقامة والسداد.
وهو في فضائل شائعة، عليه رحمة الله الواسعة.
***
стр. 1087
أدباء كركوك
وأما أهالي كركوك. فأكثرهم للأدب يحوك، وهي بلدة طيبة، وسحائب أهلها صيبة. ذات أنهر وأشجار، وأدباء عند أهل الأدب كبار.
قد حوت لطائف، وأرباب كمال ومعارف. أنهرها جارية، وفضائلها سارية، تولي الداخل إليها سرورا. وتريه من أهلة معارفها بدورا. إلا أن أكثر تعاطي أهلها بالأشعار التركية، والإنشاءات الرائعة الفارسية.
***
стр. 1088
أبو بكر وابنه إسماعيل
فمن جملة أدبائها أبو بكر وابنه إسماعيل هما فرسا رهان، وعقدا جمان، وفرقدا سماء، وقمرا ضياء، ونجما سناء، وعمودا خباء، وعينا انسان، وانسانا بيان، قد جمعا لكل فضيلة، واختصا بكل جميلة. فهما أمة أدب، يوهمان لا نشائهما الضرب. وكلاهما القند، يفوح منه العرار والرند. فكم حكم بأمرهما مقطوع، وكم معجز من لفظهما مسموع وكم صك بختمهما مرسوم، وكم سجل برسمهما مختوم.
مرجعا أدب وإعجاز، وملاذا إطناب وإيجاز. وموضعا فضائل وكمال، وموقعا فواضل ومعال. فاقا بكل كمال وأدب، ولبسا برود فضائل تريك العجب فناديهما مربع المعارف، ومرتع النوادر من اللطائف.
هم كعبة وبنو الآمال تحذهما ... وهم مطاف لأهل الفضل والأدب
لي معهما مزيد إخلاص، ومديد اختصاص، وحبل من الود لا يفل. وكثرة حب وصفو لا يمل. لا زالا بدري أدب، وسحابي طرب، وكعبة أرب، ينسلون إليها من كل حدب.
стр. 1089
أمين الفتوى إسماعيل
رجل تطعمه الزمان وجاءه ... طرفين في الاحلاء والامرار
كشاف معضلة وعاطر نسمة ... غيث همي بكماله المدرار
صاحب العزم والحزم، والحكم والحتم. والفضل الضاف، والكمال الذي ليس خاف. الذي انجلت غياهب الأدب بنوره، وتجلت أهلة الإنشاء في سماء القرطاس بمنظومه ومنثوره جمرة الأدب المتوهجة، ووقدة المعارف المتأججة، القادح باقتراحه زند الكمال، والموري بأدبه صدور الكمل من الرجال.
عنترة ميدان القريض، ومنبع عين البلاغة المفيض. سوار زند الإنشاء. وخلخال ساق الإفتاء، مسند الفقه المشيد، ومهاد أصول الدين المهيد. ونفس بيت الأدب وقصيدها، ومنبع عين القريض ونشيدها. مورد جمة الكمال، وموقد جمرة المعال.
ومشتى الأدب ومصيفه، ومقر الفضل ومفيضه.
وها هو الآن عمود ذلك البلد، ولم يدانه في أدبه وكماله أحد.
***
стр. 1090
بغداد دار السلام (١) وما فيها من الأدباء الكرام
أما بغداد. فهي ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. طيبة الماء والهواء، التي اتفقت على لطافتها الآراء. ذات حدائق وجنان، تسمو سبا وسائر البلدان. فهي البلدة الطيبة، والعروس المتحببة. قصورها مشيدة، وأوقاتها سعيدة. كلها أعياد ومواسم، وثغورها بالإقبال بواسم. قد جمعت من الحسن والإحسان. ما يربو بلطافته فردوس الجنان.
قد زادتها دجلة حسناً بانخفاضها، وخدمتها بما أودعته في جداولها وحياضها. تمير ماءها تحت البيوت والقصور. وتقبل بشفاه الأدب أقدام تلك البروج والثغور. فمرة تصفو فتزيل الكمد، وأخرى تربو فتنسج على وجهها الزرد. وهي خادمة الرصافة، تنمو على ماء السماء باللطافة.
شرك النفوس ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
وهي ذات مروج وأزهار، وجنات تجري من تحتها الأنهار.
قد حفتها أيدي الملاحة. وزفتها بأنواع الانفراد وأصناف الرجاحة فكل بقعة منها تحكى بأزهارها النضار، وكل مليح فيها يخجل بقوامه الغصون وبملاحته الأقمار.