وفيه للنواجي (١):
واغن معسول المراشف أشنب ... غنج كحيل الطرف أحوى أحورا
قمر سبا الشعراء نمل عذاره ... وبنحل ريقته رشفنا الكوثرا
وللقاضي الفاضل فيه:
قالوا التحى فاصب إلى غيره ... قلت لهم لست اذا اسلو
لو لم يكن من عسل ريقه ... مادب في عارضه النمل
ومثله لبعضهم:
قالوا التحى سؤلك يا منيتي ... فقلت قولا في الهوى يحلو
في فمه الشهد فلا تعجبوا ... أن دب في عارضه النمل
وفيه لبعضهم:
وشادن لما بدا مقبلا ... سبحت رب العرش باريه
ومذ رأيت النمل في خده ... أيقنت أن الشهد في فيه
رجع إلى تتمة القصيدة المترجمة:
كأن عين حياة وسط مبسمه ... من ذاقها لم يكن يأتيه آجله
أيا سوالفه أين السوالف من ... أفعاله هل بنت بعدى شمائله
أم هل رأى ضعف حالي فانثنى مللا ... ولم ير أنني كفؤ أماثله
ألم يكن عالما أني انتسبت إلى ... فخر الوزارة من ما رد سائله
أبو الأمين رشيد في عواقبه ... والفضل قد حفه منه فضائله
стр. 982
وهذا الباب من التورية والإيهام لطيف. فمن ذلك قول المارديني (١)
كم طب في الملك من داء بحكمته ... فكيف لا وله فيه الحميات
من آل أيوب لكن في العداة له ... إذا سطا عزمات هاشميات
رشيد رأي ومأمون العواقب كم ... بعدله جمعت للفضل أشتات
وكل من كان مسرورا بخدمته ... فاضت عليه أياد جعفريات
ومثله لابن حجر (٢):
جمع الصفات الصالحات مليكنا ... فغدا بنصر الحق منه مؤيدا
كأبي الأمين برأيه وبجده ... أني توجه وابن يحيى في الندى
ولابن نباتة (٣):
فيا ليت البرامك عاينوه ... وأنعمه تعم الخلق سقيا
فينصب جعفر ويعود فضل ... ويسأل خالد ويموت يحيى
ولصاحب الترجمة وقد جعلها صدر كتاب:
ما غير البعد قلبا قد سكنت به ... ولو تقاضاه نار في تقلبه
ولا انثنى عن وداد أنت تعلمه ... ولو كراه النوى في بعد مطلبه
وسل فؤادك عنه فالدليل به ... ينيبك عن صدق دعواه وموجبه
قد أخذ معنى البيت من قول القائل:
سلوا عن مودات الرجال قلوبكم ... فتلك شهود لم تكن تقبل الرشا
ولا تسألوا عنها العيون فربما ... أشارت بشيء لم يكن داخل الحشا
(وتتمة) الأبيات المترجمة:
هذا وأن كان بعد الدار غيرنا ... فالشخص وسط فؤادي غير مشتبه
стр. 983
فاقبل هدية مشتاق على بعد ... يقص شرح غرام في عجائبه
يخفيك أعظم ما فيه ويكتمه ... خوف الرقيب وحفظا من ترقبه
عليك مني سلام دائم حسن ... يهدى إلى حسن مع حسن مأربه
ولا يزال رداء الفضل يستره ... عن المداجي ويبديه لمعجبه
وله أيضا:
وظبي لم يزل فينا يطاع ... وفي ذكراه كم طاب السماع
من الأتراك قد تركت فؤادي ... لواحظه أسيرا يستضاع
وكم عذرت عذارى في عذار ... كلام أحسن الخط اليراع
وكم بتنا ولم نلق رقيبا ... سوى ألحاظه فيها اتساع
وأسقمني النوى لما نواه ... وقبل الموت قد يقع النزاع
فذكر يا رسول حديث حالي ... وقل هل مغرم مثلي يضاع
وكرر عن لسان الحال بيتا ... «أضاعوني وأي فتى أضاعوا»
وقد ضمن الحريري (١) هذا البيت أيضا، وذكر ذلك في المقامات. وهي:
لحاك الله هل مثلي يباع ... لكيما تشبع الكرش الجياع
وهل في شرعة الإنصاف أني ... أكلف خطة لا تستطاع
فإن أبلى بروع بعد روع ... فمثلي حين يبلى لا يراع
أما جربتني فخبرت مني ... نصاحا لا يمازجها خداع
وكم أرصدتني شركا لصيد ... فعدت وفي حبائلي السباع
ونطت بي المصاعب فاستنارت ... مطاوعة وكان بها امتناع
стр. 984
وأي كريهة لم ابل فيها ... وغنم لم يكن لي فيه باع
فما أنا دون ذاك الطرف لكن ... طباعك فوقها تلك الطباع
على أني سأنشد عند بيعي ... «أضاعوني وأي فتى أضاعوا»
ولهذا الشطر تتمة وهو من أبيات للعرجي (١) وهي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها بنحري
وقد ضمن القيراطي (٢) المصرع الثاني فقال:
دعاني منيتي لكريه راح ... ورشف الثغر منه بعد سكري
فقلت له دعوت فتى يرجى ... «ليوم كريهة وسداد ثغر»
وضمنه الآخر فقال:
له شفة أضاع النشر فيها ... بلثم حين سدت ثغر بدري
فما أشفى لقلبي ما أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ولصاحب الترجمة:
قالوا نطقت ولم تصمت فقلت لهم ... إن الكلام مع التحقيق إصلاح
ان المعاني كأشباح مصورة ... في القلب واللفظ للأشباح أرواح
كذا السيوف لدى الهيجاء ناطقة ... في الحرب وهي لمتن البغي شراح
وهذا عكس كلام أين عطاء الله (٣) في قوله:
قالوا سكت إذا خوصمت قلت لهم ... أن الكلام لباب الشر مفتاح
стр. 985
من عادة الأسد تمشي وهي ساكتة ... وعادة الكلب يمشي وهو نباح
فالصمت عن جاهل أو أحمق كرم ... كلا وفيه لصون العرض اصلاح
***
стр. 986
صالح ابن المعمار الخطيب (١)
هذا الرجل معمار دور البلاغة وأبيات البيان، ونقاش قصور الفصاحة المفتخر بزمانه على كل زمان. مصور قوالب الألفاظ لأرواح المعاني، فهو مشاطة الكمال الذي لم يكن له في عصرنا ثاني. راقي أعواد المنابر بفضل كالسيل، وصاعد سلالم الفصاحة صعود الأهلة في الليل.
стр. 987
ويخطب من فوق الثريا بفخره ... فلا تعجبوا أن الخطيب خطير
مهذب غواشي المعارف بسواغ افكاره، ومذهب حواشي اللطائف بموانح أنضاره وكيف لا وهو واحد الأدب نظما ونثرا، وبدر معارف الكمالات قطراً قطرا. بحر علم التنزيل والفرقان، الذائع الفضل بكل مكانة ومكان.
تذيع به الأقطار شرقا ومغربا ... ويجري به فضلا جنوب وشمال
صور كل غريب من الأدب وغريبه، ونقش على جدران الكمالات كل عجيب وعجيبه فكان ﵀ طود علم وأدب.
ينسلون إليه من كل حدب.
له نظم سهل المأخذ والسبك، مهذب الألفاظ لم يحتج إلى كشط ولاحك. وقد أوردت منه حصة، تغنيك سماعها عن كل قصة. وهو أعبق من الطيب، وانضر من الغصن الرطيب. فمن ذلك قوله في المديح:
لما تطاول إجلالا وإعظاما ... بدر الملاح كساه العز إفخاما
أغر في وجهه للناس لاح هدى ... قد طاب منبته جودا وإنعاما
نمام طلعته مذ فاح نم به ... كباء مسك ولكن ليس نماما
من خير قوم على المعروف قد طبعوا ... بالخير قد عرفوا جودا وإكراما
فالمجد مندرج فيهم ومندمج ... لكنه بأمين الخير قد قاما
من آل عبد الجليل الشامخين على ... الباذلين الندى الماضين أحكاما
стр. 988
ما فيه منقصة غير العفاف وإن ... أفاض سيل الندى لم تخش إعداما
أكرم به سيدا ترجى منائحه ... يوما يرى البائس المضطر الماما
اذ ليس من عدد الأموال ذا كرم ... وليس كل هزبر كر هجاما
طويل بأس شديد بأسه سمح ... أن صال في جحفل تلقاه بساما
جرد الخيول ويوم النقع معتكر ... تطير فيه اشتياقا حيث ما راما
كأنه وهو فرد في كتيبته ... جيش اعد لا هل الغدر أسقاما
إن النعوت التي في المجد قلدها ... بنت من الفخر بيتا زيد احكاما
لقد تقفى بها آثار والده ال ... حسين نعم الفتى النفاع مقداما
طرس الفضائل لو خطت فضائله ... عليه أفنت به الكتاب أقلاما
حمال أثقال أقوام به افتخروا ... لا ينثني عن طريق العدل احجاما
ولا تروعه الأهوال أن وردت ... ولو ألمت بحول الله إلماما
ينهى ويأمر في تبيان حجته ... في كل حادثة نقضا وإبراما
نظمت في سلك مدحي كل مكرمة ... فيه ولا زلت مداحا ونظاما
يا كعبة الفضل يا ابن الاكرمين ومن ... حوى المكارم أفضالا وإكراما
ان البشارة بالبخل السعيد ومن ... يفوق بالعز والإقبال بهراما
خذها تزف إلى علياك باسمة ... بكرا تميس على الأعداء إرغاما
واسلم ودم واهن وارفل في ذيول على ... وارق المعالي بدرج العز ما داما
وله في المديح أيضا:
طلعت طلائع موكب الأفراح ... وانحاز ذلا عسكر الاتراح
стр. 989
وجررن أذيال المسرة والهنا ... غر ميامين بغير صباح
يحملن ألوية السعود كأنها ... قد طرزت بمنائح الفتاح
وكأنما زهر الرياض تبسمت ... عن أبيض يقق وزهر أقاح
وتخضبت وجنات ورد هضابها ... فتخالهن شقائق التفاح
وأتى البشير يوصل يعقوب الهوى ... بعزيز مصر وهيكل الأشباح
وتفتقت ريح الصبا بمعنبر ... ملأ البطاح بنشره الفياح
لقدوم مولانا الوزير المنتقى ... والمفتدى بنفائس الأرواح
قمر متى ظل المشوق بفرعه ... يهدى بعزة وجهه الوضاح
أضحت به الحدباء دلا تنجلي ... بصباحة تغني عن المصباح
بلد متى محنت تدرع قومها ... في انفس للحتف غير شماح
أمسى الحسين أبو الأمين خفيرها ... حامي الثغور بحزبه النفاح
مفنى اللئام بحب دين محمد ... ماضي حسام الدولة السفاح
أكرم به وأبيه بل وبجده ... وبمجده وبجوده السباح
وهاب كل جليلة يوم الندى ... فياض سيب مكارم وسماح
هتاك رايات البغاة بعزمه ... بصفائح بيض وسمر رماح
يلقى الكتبية حاسرا مبتسما ... فكأنه جيش بيوم كفاح
في كل فتاك هزبر ضيغم ... ليث الهياج مجلجل جمجاح
مالت ثمالا في متون صوائن ... فكأنها سقيت كئوس الراح
ويريك منه مقنعا وممنعا ... يحمى الوطيس بزنده القداح
ويريك منه كل أروع عابس ... من فوق اجرد سابح طماح
يروي الصدى بعذب منطق لفظه ... فكأنما في الثغر ماء قراح
стр. 990
لا عيب فيه سوى ثلاث ترتجى ... حلم وصفح وازدياد صلاح
يا فخر من حاز الكمال وفخر من ... تهدى إليه فرائد المداح
قطعا لدابر من أسر لك الردى ... ونعت عليه نوابح الاتراح
لم ينهه عنك الغرور ولا النهى ... حتى رمي بشهابك اللماح
يا خير من حل الأمان بيمنه ... فتواصلا في غدوة ورواح
جاءت تزف إلى علاك خريدة ... لفت حباء وجهها بوشاح
فامهر قبولا بنت فكري واجتهد ... طرق المعالي في سبيل نجاحي
واغنم ودم واهنأ وطاول وانشرح ... واصدع بما تؤمر بغير جناح
***
стр. 991
السيد موسى بن جعفر الحداد (١)
هو ممن خاض اللجج، واشترى الكمال المبهج. وهمت عليه سحائب الفضائل وسمت، وهطلت غيوث الفواضل على اطلاق
стр. 992
كمالاته وصحت. فغدا ضياء صباح منجاب، وسناء نجاح منساب. واشتملت عليه الفصاحة، وكسته أثواب النجاح والسماحة، فقطع أسمى المراتب من الكمال، ونال أسنى المطالب والمعال. وكيف لا وهو من آل الرسول وشمس النسب التي لم يعترها أفول. ذو الظل الوارف، والكمالات والمعارف. ونتيجة الأوائل والأواخر، الذين عقدت على كمالاتهم الخناصر.
стр. 993
قوم إذا ومضت بروقهم همى ... صوب الحيا وأنارت الآفاق
واذا استقل بنانهم بيراعها ... لبست وشيع برودها الأوراق
فهم إذا ألقوا حبال بنانها ... غلبوا جهابذة الكلام وفاقوا
فهو موسى البلاغة الذي ناجى الأدب على طور البيان. فاستتم ميقات الفصاحة حتى أذعنت له أرباب الكمالات كمال الإذعان ألقى عصا التفنن لما تخيل أن حبال الأدب حية تسعى فالتقط ما كانوا يصنعون. فألقى سحرة البيان ساجدين إلى يده البيضاء لما شاهدوا معجز بيانها وهم يهرعون. فضرب حجر الفصاحة فانبجست منها اثنتا عشرة عينا. فعلم كل أناس مشربهم من عيون فضائله وفضائل عيونه من غير ريبة ولا مينا. فركب سفينة الأدب في مجمع البحرين الفضائل والإعجاز. وتميز على أهل الكمالات وأربى، فلم يبق جدار من الكمال يريد أن ينقض إلا وشيده بمعارفه فملك بذلك كل سفينة لأهل القريض غصبا.
فتظن أن أدبه في مواشي القريض عجل له خوار. وهو على الحقيقة في علم العربية بحر ليس له قرار.
له من النظم ما هو السحر الحلال، ومن النثر ما هو العذب الزلال. فقصائده مقاصد الأدب، وأبياته مطاف العجم والعرب.
هي السحر أسرى في النفوس من الهوى ... وكيف يكون السحر في لفظ منطق
وقد أثبت من زلال رحيقه، ما يرشدك إلى كمال تدقيقه.
стр. 994
ويدلك إلى تقدمه. ورسوخ رجله في الأدب وقدمه. فمن ذلك يمدح بعضهم (١).
رنا فأصمى فصاد القلب بالغنج ... ظبي يصول بطرف فاتك دعج
وذو محيا إذا لاحت محاسنه ... أغنى بطلعته الساري عن السرج
وحمرة الخد مذ قامت بوجنته ... هام الكليم بها خلف الغرام شجى
سرى فظل بلبل الشعر معتسفا ... لكن ثناياه أهدته إلى النهج
معقرب الصدغ معسول اللمى غنج ... مسكي ثغر بصرف الراح ممتزج
وراح يسقي سلاف الكأس مبتهجا ... وقد جنت خمره من خده الضرج
راحا إذا زوجوها بابن غادية ... راحت برائحة من أطيب الأرج
أخذ هذا المعنى من أبيات المتقدمين، فانهم قد تصرفوا بتزويج الراح أحسن تصرفا من تزويج الملاح فممن قال فيه كاتب سيف الدولة (٢):
قم فاسقني بين خفق الناي والعود ... ولا تبع طيب موجود بمفقود
كأسا إذا أبصرت في القوم محتشما ... قال السرور له: قم غير مطرود
نحن الشهود وخفق العود خاطبنا ... نزوج ابن سماء بنت عنقود (٣)
стр. 995
وتبعه الصفي (١) فقال:
شهدنا زواج الماء بالراح فالندى ... عليها نثار والرياض لها فرش
شربنا وقد حاكى الربيع مطارفا ... حسانا لدمع الطل من فوقها رش
وقال أيضا:
بدت لنا الراح في تاج من الحبب ... فخرقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدها ... أطفال در على مهد من الذهب
وقال آخر في هذا المعنى:
زوج الماء بابنة العنقود ... فانجلت في قلائد وعقود
قتلت بالمزاج ظلما فقالت ... «كم قتيل كما قتلت شهيد»
طاف يسعى بها اغن حكى ما ... في يديه وثغره والخدود
وغدا التائبون منها ندامى ... والندامى في ظل عيش رغيد
فصلينا بها لظى وأزلفت ال ... جنة للمتقين غير بعيد
وللقطب ابن الشاغوري فيه:
عزمنا على تزويج بكر مدامة ... بماء قراح والليالي تساعد
وأمهرتها در الحباب لأنها ... إذا جلبت يوما عليها قلائد
وجاءت رياحين البساتين عرفت ... بتزويج بنت الكرم واللوز عاقد
وكان قدوم النبق فالا مبشرا ... لنا فبباقي العيش والود شاهد
وقد أجاد ابن النبيه (٢) بقوله:
بكر إذا ابن سماء مسها لبست ... ثوب الحياء حياء منه واتشحت
تشعشعت ببد الساقي وقد مزجت ... كأنها بنصال الماء قد ذبحت
стр. 996
وفي هذا المعنى لبعضهم مع زيادة نكتة:
جلوها على الندمان فاحمر لونها ... لخجلتها عند البروز من الخدر
وصبوا عليها الماء فاصفر لونها ... ويحسن عند الملتقى خجل البكر
وفيه ليحيى الخباز مع أتم مراعاة:
عاطنيها من عهد كسرى سلافا ... تتقد في الكؤوس كالنيران
وابن ماء السماء زوجه راحا ... أذكرتنا شقائق النعمان
وزاد ابن النبيه بالمعنى فقال:
وتريك خيط الصبح مفتولا إذا ... مرقت من الراووق في الطاسات
عذراء واقعها المزاج أما ترى ... منديل عذرتها بكف سقاه
عود على القصيدة المترجمة:
ألقت أشعتها ليلا فقابلها ... بدر الدجى فاكتسى من نورها البهج
وأغيد قام يسقيها مشعشعة ... مورد الخد لم يبق على المهج
إن شئت خذها من الأقداح صافية ... أو شئت خذها من الاحداق وابتهج
أقداح تبر على هام الربيع زهت ... ما بين روض بترديد الهوى لهج
فللكئوس ابتسام عند قهقهة ... وللنفوس اغتنام صفو مبتهج
في روضة كلما مر النسيم بها ... طابت بيحيى المعالي طيب الأرج
ثبت الجنان إذا الأبطال زاحفة ... تحت القتام ونار الحرب في وهج
والباسم الثغر والأبطال عابسة ... في موقف بين سلب الروح والمهج
стр. 997
المصرع الأول من هذا البيت للصفي الحلي:
لوت إلي عنان الدل قائلة ... علام تعجل بالأسفار والنقل
لمن تؤمل في البأساء قلت لها ... على ابن ارتق بعد الله متكلي
الباسم الثغر والأبطال عابسة ... والمخصب الربع والأرضون في محل
لمن أضاءت بنور الله دولته ... كأنها غرة في جبهة الدول
وقوله من أخرى:
ما أن أخاف من الأيام قادحة ... إذا بدا الدهر في أنيابه قدحت
وكيف يغدر حال الدهر حال فتى ... أموره بالمليك الصالح انصلحت
الباسم الثغر والأيام عابسة ... والأبلج الوجه والأبطال قد كلحت
والشائع الذكر بالمعروف في زمن ... لو كابدته رياح المسك ما نفحت
وقريب منه قول ابن النبيه (١):
السيف مثلك طلق الوجه مبتسم ... إذا اكفهرت وجوه الخيل والبهم
ما بين جو من الحرمان مضطرم ... ولج بحر من الماذي ملتطم
هنالك البيض تفري الهام من شره ... ونكرع السمر في الأكباد من قرم
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
فان أقام أقام السعد في خدم ... أو سار فالنصر يتلو آية الفرج
من معشر جبلت أخلاقهم كرما ... لو هم بالمنع فاض الكف كاللجج
فتح وحتف يمين الفضل قد جمعت ... ذا للمحب وذا للكاشح السمج
стр. 998
يا ذا المكارم قدما والعلى شهدت ... يوم الفخار وأبدت واضح الحجج
سعى المعالي إلى علياك باسمة ... تبسم الروض في أزهار منتسج
ما في نظامي غلو في المديح لكم ... أنت الفريد وبعض الناس كالهمج
خذها أبا يوسف عذراء ناهدة ... إليك عاجت ونحو الغير لم تعج
لا زلتما في منار السعد ما بزغت ... شمس النهار ودار البدر في البرج
وله أيضا مديحا وتهنئة بالقدوم من السفر (١):
بشرى فقد أنجز الإقبال ما سطرا ... وكوكب المجد في أفق العلى ظهرا
هذا المطلع من هذه القصيدة مأخوذ بجملته من قصيدة أبي محمد الخازن (٢) المذكور في ترجمة ياسين المفتي فارجع إليها:
والوقت طاب من الأكدار مبتسما ... أهدى السرور وأوفى وعد ما ذكرا
والروض من طرب أضحت مباسمه ... تهب نشر الهنا طيب الشذا عطرا
والزهر يضحك زهوا في محاسنه ... وينثر الطل من أكمامه دررا
والراح ترقص في بيض الزجاج ضحى ... فاعجب إلى ذهب فوق اللجين جرى
وصادح الطير غنت فوق دوحتها ... تصبو مقابل عشاق النوى سحرا
стр. 999
والغيد ماست بقضبان على كثب ... إذا رنت فتكت كم غادرت أسرا
والروض باكره مزن الربيع وكم ... زهر الروابي أيادي السحب قد شكرا
وزين الأرض حسنا من ملابسه ... والدهر أبسم ثغرا بعد ما بسرا
فقلت وا عجبا والدمع يسبقني ... من السرور الذي قد أذهل الفكرا
هل وراء الخير للحدباء ابهجها ... أم هل بشير التهاني بالسرور سرى
فقيل لي أن يحيى الفضل ركن بني ... عبد الجليل من الشهباء قد صدرا
فخر الأماجد سامي الفضل مرتبة ... عز الأماثل قدرا خير من سفرا
أغنى بطلعته عن حسن سيرته ... حتى حسبناه بحرا والسوى نهرا
سمت على فلك الأفلاك رتبته ... لذاك أمست ليالينا به غررا
قد أودع الله في أخلاقه حكما ... كذاك كانت معاليه له قدرا
يهنيك قطع الفيافي مدلجا سحرا ... على السوابح ليلا ترتمى ففرا
تتلو التهاني أمام الخيل مستبقا ... أنا فتحنا لك الفتح العلى سورا
سموت بالمجد يا ابن الاكرمين فكم ... رأيت من يدعى علياك محتقرا
لا زلت في ذروة الإسعاد منتصرا ... ما دامت المزن تكسي روضها حبرا
وطب بعود الهنا فالسعد أرخه ... قدمت يحيى بلطف قابل قدرا
وقد ذكرنا شيئا من التهاني، ولكن للاستغناء من السرور فيعجبني في هذا الباب قول البهاء زهير (١) من قصيدة. وهي:
قدمت ووافتك البلاد كأنما ... يناجيك منها بالسرور ضميرها
стр. 1000
تلقتك لما جئت تسحب روضها ... مطارفة وافتر منها غديرها
تبسم منها حين أقبلت نورها ... وأشرق منها حيث وافيت نورها
وحتى مواليك السحائب أقبلت ... فوافاك منها بالهناء مطيرها
ورب دعا قد بات يطوي لك الفلا ... إذا خالط الظلماء ليلا ينيرها
بك اهتز لي ليل الأماني مثمرا ... ورقت لي الدنيا وراق نضيرها
وما نالني من انعم الله نعمة ... وأن عظمت إلا وأنت سفيرها
ومن اللطائف التي تلقتها أرباب المعارف قول الارجاني (١) فيه
لا تضطرب عند الخطوب فإنما ... يصفو إذا ما أمهل المتكدر
وإذا تولى معشر كرموا فلا ... تهلك أسى حتى يوافي معشر
فصحيفة الدنيا الطويلة لم تزل ... يطوي لها طرف وآخر ينشر
ما زالت الأيام حتى أعقبت ... يوما ذنوب الدهر فيه تغفر
يوم أغر مشهر في صدره ... أحيا الورى مولى أغر مشهر
مشت الملوك الصيد حول ركابه ... رجلا وكان لهم بذاك المفخر
وتبسمت خلع عليه كأنها ... روض تقمطها غمام ممطر
ومرصعات يأتلفن وراءه ... تشكو السواعد حملها والأظهر
وأمامه جرد يقدن جنائبا ... مرمى تخف بها الخطا فتوفر
يظللن في بحر النضار سوابحا ... فالجو من عكس الأشعة أحمر
وبدا الجواد على الجواد كأنه ... طود أطل عليه نجم أزهر
وأتى به واليمن منه أيمن ... متكنفا واليسر منه أيسر
стр. 1001
حتى انثنى عنه لينزل عطفه ... في موقف فيه الجباه تعفر
فالجو طول اليوم تبر ماطر ... والترب طول العام مسك أذفر
ولقلت الأرواح لو نثروا له ... لو كانت الأرواح طا تنثر
وإذا نظرت إلى بدائع ابن نباتة (١) في هذا الباب لشاهدت منها اعجب العجاب. فلنحل فمك من بعض نباتاته. منها:
قدمت كالسيف إلى غمده ... واليمن موقوف على خده
قد أثرت فيك ليالي السرى ... ما أثر السن بافرنده
وعدت مشكور الثنا والسنا ... كذاك عود البدر في سعده
لله ما أسعدها طلعة ... يحيى بها الوابل من مهده
نعم وما أعينها عزمة ... سلمها الرأي إلى رشده
عزم فتى سورة إخلاصه ... في البر قد أفضت إلى حمده
ما ضر ركبا كان بدرا له ... أن لا يراعي الشهب في قصده
كأنني أبصر بين الفلا ... حماه يستدعي إلى رفده
مخيما تنثر الطافه ... نثر سقيط الوبل من عقده
يستمسك العاني بأطنابه ... فليس يحتاج إلى رده
هذا وفي جلق وجد عشت ... طوارق الحزن إلى وقده
صان حماها منذ فارقته ... ما أوهن الغاب بلا أسده
ومزق الروض بها كلما ... حاكت خيوط الودق من برده
شوقا إلى مرتحل أقسمت ... لا تبسم الأزهار من بعده
стр. 1002
فالعام مثل اليوم في قربه ... واليوم مثل العام في بعده
حتى اذا عاد الى صرحها ... قام له الغصن على قده
وأقبلت تلثم آثاره ... تلك الشفاه الحمر من ورده
***
стр. 1003
قاسم بن محمد حسن (١)
فاق ذكاء وقلبا، وعمر بألبان الآداب قلبا. حصل من المعارف ما هو نور المقلة، ومن حسن الخط ما يفوق على ياقوت وابن مقلة، لبس ثوب الكمال واكتسى، ووقف زورق أدبه في بحر القريض ورسا. جرت فلك آدابه في أنهار الفصاحة
стр. 1004
وسارت، وأضاءت معالم الكمال بقناديل مبتدعاته واستنارت.
فتوقدت دراري سوانحه في سماء النشيد توقد النجوم الثواقب، وهل هلال رجحانه من برج بديع البيان فحاز المكارم والمناقب.
فصل اجالات النظم بمحاسن أفكاره، وأخاط برود الفضائل ووشاها، ونشر ملفوف مطويات المعاني بمكامن أسراره، ونقش صحائف الفواضل وحشاها. فشد في عصابة الكمال أزر الساعد، ووصل صيت أدبه إلى المكان المتباعد.
كأنما هو فضل في فضائله ... يراه كل مضل في الدجى سارا
غمامه قطرت في كل ناحية ... علما وفضلا وآدابا وأسمارا
له من النظم ما يحكى العقود، ومن النثر ما يزين النهود، وقد فاق بنظمه ونثره، وقد اثبت منه ما لو أبصره الزمان لجعله عقدا لنحره.
فمن قوله في المديح (١):
خذ أخا الإنس فرصة الإقبال ... واغتنم ساعة اللقا بالوصال
وتهيأ للشرب فالحب ساق ... لاح كالبدر في برود الجمال
стр. 1005
قام يسقي من فيه خمر رضاب ... فلذا شربها أخي حلالي
فسقى من الماه شهدا وحيا ... بحميا أشهى من السلسال
هو للروح راحة يا خليلي ... وهو للصب غاية الآمال
ألفي القوام وهو قوام ... مستقيم في الميل والاعتدال
يعتري البدر أن تبدي محاق ... وكذا الشمس بادرت للزوال
في هواه وجدي وشوقي صحيح ... سالم من شوائب الإعلال
مطلق الدمع مرسل من جفوني ... فوق خدي مسلسل متوالي
وفؤادي يروي حديثا صحيحا ... حسنا صح عن ثقات الرجال
إن نظم القريض كالشهد يحلو ... في امتداح الأمين بحر الكمال
نخبة الاكرمين نجل همام ... من كرام هم مصدر الأفعال
سامي الجد باذل النقد شهم ... وأبو الجود عم بالافضال
فهو مأمون عصرنا وأمين ... وبيمناه سح وبل النوال
ملأ الخافقين حسن ثناء ... وعلا الفرقدين والقدر عالي
وإذا كانت الملوك عقودا ... فهو العين بين تلك اللآلي
فمساعيه قبلة لذوي الحا ... جات تسعى لها ذوو الآمال
ولقد رخص النضار ببذل ... حيث غالى الفخار والمجد غالي
ملك خالد به الجود يحيى ... وله الفضل دام بالإجلال
لا يجاريه في الشجاعة قرم ... لا ولا عنتر بيوم النزال
فهو ليث الوغى وضيغم باس ... ولدى النقع قامع الأبطال
نشر الجود كفه في البرايا ... فانطوى ذكر حاتم والموالي
إنما رحب كفه بجرجود ... أغمر الوافدين قبل السؤال
стр. 1006
وبه أعتز من يكون مضافا ... لحماه وساد بالافضال
ليس فيه عيب سوى فرط حلم ... وسماح فيا لها من خصال
دم بعز وسؤدد وفخار ... راقيا ذروة العلى بكمال
فإلى حيكم تحث المطايا ... ولدى بابكم محط الرحال
ومن شعره في المديح (١):
مليك به الفوز الجليل لطائع ... وفي عصره أهل الفساد لفي خسر
أمين ومأمون رشيد برأيه ... مصيب وقد حفته ألوية النصر
ومن هذه القصيدة:
لأعتابه لما انتميت بفاقتي ... وجدت أمانا فيه من ريب الدهر
وأني لمستعف لتأخير مدحكم ... وذاك لقصر الباع في صنعة الشعر
ولكن مع التقصير جئت مضمنا ... لنظم بتلميح يلوح به عذري
وقد تعذر هذا الشاعر عن تأخر المديح ولكن لم يف بالمقصود.
وقد جمع محاسن الاعتذار، واتى بما هو انضر من النضار، وأبدع كل الإبداع، وتوسع غاية الاتساع، حائز قصب السبق في هذا المضمار، الشاهيني (٢) فإنه قال من قصيدة وقد مر منها شيء، والمقصود منها قوله.
стр. 1007
يا وحيدا وافيته بمديح ... ذي خصوص وفي ثناه شمول
بطء مدحي ما كان إلا لأمر ... جال فكري به فطال الذهول
وهو أني حاولت وصفا بديعا ... فيك يرضي ففاتني التعجيل
ولأن الأيام قد وعدتني ... بك والدهر بالوعود مطول
وإذا كان ما يراد نفيسا ... فعجيب أن يسرع التحصيل
أنت أعلى من النجوم محلا ... وعسير إلى النجوم الوصول
طال تفتيشي الزمان وقلبي ... بك لا عنك بالسوى مشغول
حزت دون الأنام عرضا عريضا ... أين لي مثله ثناء طويل
وإذا كان ما يحلل عذرا ... واضح النهج يحسن التعليل
إنما كنت في طلابك ليلا ... علقت بالصباح مني الذيول
كنت من صدمة الخطوب جوادا ... أدهما ثم زانني التجحيل
فثنائي على علاك مبين ... إنما للرياض تهدى الهديل
قد مدحت الأنام قبلك لكن ... لا لأمر لي عنك منه بديل
كنت كالكاتب المجرب خطا ... وهواه لخطه التكميل
ويسوغ هنا ذكر أبيات لابن النبيه وهي:
مولاي عندي سقم قد برى جسدي ... وكيف ينهض من قصت قوائمه
قالوا تأخرت والتأخير ينقصني ... من جود من عمت الدنيا مكارمه
لا فارقت ألسن المداح دولته ... واحسن الروض ما غنت حمائمه
стр. 1008
وتتمة الأبيات المترجمة:
وقوسك قوس الجود والوتر الندى ... وسهمك سهم العز فاجبر به كسري
فلا زلت في أوج السعادة راقيا ... مدى الدهر في الدنيا وفي موقف الحشر
***
стр. 1009
منلا عبد الوهاب الإمام (١)
هذا العالي المقام. الأديب الذي ما عليه كلام. هلال أدب هل في بروج المعابد، ونجم كمال طلع في سماء المساجد، فغدا إمام جامع الكمالات ومقتدى جموعها، وهمام صوامع المقالات ومهتدى ربوعها. فهو البدر الذي أزهر في غياهب ليالي الجهالة فاشرق، وهو الصبح الصادق الذي أسدل ضياه على طلعة البلادة فابرق. وهو في الحقيقة طود علم في روضة الكمال شاهق، وعبيق فهم في دوحة السؤال والجواب عابق.
стр. 1010
بحر من الفضل قد مدت جداوله ... ما في الورى في النهى شخص يحاوله
عين الفضائل والافضال نهر على ... لذاك هام الثريا صار منزله
فهو من خبايا الزوايا الذي ادخره الدهر واكتنزه، والذخيرة الذي أصفده العصر لترصيع هام الزمان فبكماله أبرزه. فإنه العقد النفيس الفائق المكنون، والدر الفاخر الأنيس الرائق المخزون. ادخرته لختام رجال الحدباء، كما ادخرته الأيام والليالي وجعلته إمامة سبحة الأدباء، وعلى كل فهو المقدم وغيره التالي.
стр. 1011
وكيف لا وهو خلاصة العقود والفرائد، وخاتمة هؤلاء الأدباء الذين جعلهم الله في عصر واحد. إذ هو إمامهم في جامع البيان ورئيسهم في الأدب الذي لم يكن له ثان.
أخذ الأدب المعجز بعنانه. ونفث السحر من قلمه وبنانه.
فنظمه جري بلا مثال سابق، ونثره حري بالقبول كاللؤلؤ المتناسق. له سهام أدب يعضده الرضاء، وحسام كمال لا يخونه المضاء. ترنو البلاغة من احداقه. وتدفق الفصاحة من بين أشداقه له صدر النادي في الانشاء والقريض، وكرسي الوعظ في زهر البراعة المريض. فالأدب مشغوف بلسانه، والكمال موقوف على تقريره وبيانه. فهو من حين ما بدر هلاله، أربى على انهلال السحب انهلاله.
وأيامه كالشمس فهي مضيئة ... وأعوامه في الحسن أبهى من البدر
وما قيل إجمال لبعض صفاته ... ولا يمكن التفصيل بالنظم والنثر
فمجمر طبعه على الدوام يفوح منه نظم المسك والند، ويضوع في كل ناحية من فريضة العرار والرند. تظن سوق الطيب تحت ردائه العطر. فهو العنبر الأغبر والمسك الازفر ولا فخر.
فقد أوردت من شعره الصاف. ومن عقود نظمه الرائق الشفاف وقد أثبت منه ما هو لهذه الرسالة، كالبدر في السماء الصاحية والغزالة. فمن ذلك قوله:
بطيبة طابت نفسنا من سقامها ... وهل مثلها في سائر الكون يوجد
فما تربها إلا شفاء قلوبنا ... وكيف ولا نشفى وفيها محمد
стр. 1012
نبي بشير شافع لعصاتنا ... نصوح أمين شاهد ومجاهد
رسول له الخلق العظيم سجية ... به جاءت الآيات وهو المؤيد
رسول رقى السبع الطباق بنعله ... وخاطبه المولى العظيم الممجد
رسول أتانا بالهدى بعد غينا ... ويشفع فينا يوم حشر ويسجد
يقال له فاشفع تشفع لك الهنا ... وسل تعط ما تختار فالله موجد
رسول الهدى غوث لمن أم طالبا ... وغيث الندى ورد لمن جاء يعضد
فأنت وحق الله لا شك منجنا ... وعندي بهذا جاء نص ومسند
فيا فوز قوم يحمدون جنابه ... ينادونه يا غوثنا أنت أحمد
عليك صلاة الله ما هبت الصبا ... وما صاح قمري الحمام المغرد
ومن مخمساته:
ظبية الحي مهجتي في يديها ... وفؤادي لا زال يصبو إليها
ثم لما أن صار قلبي لديها ... حاولت زورتي فنم عليها
قرطها في الدجى ومسك الغلالة ... يا لها زورة لقد طهرتني
بل وبعد الخفاء لقد أظهرتني ... وبعهدي القديم قد خبرتني
ثم لما أن سلمت ذكرتني ... مدح من سلمت عليه الغزالة
تسليم الغزالة والتصرف فيه من مخترعات علاء الدين الوداعي (١)
قال لي العاذل المفند فيها ... يوم وافت فسلمت مختاله
قم بنا ندعى النبوة في العش ... ق فقد سلمت علينا الغزاله
стр. 1013
وتبعه ابن نباتة فقال:
يا غزالا أهدي السلام إلى المغ ... رم لا تنكرن حالي لديه
كيف لا يدعي النبوة في العش ... ق وقد سلم الغزال عليه
وللصفي الحلي في معناه:
تنبا فيك قلبي واسترابت ... قلوب صدهم عنه ظلال
وردهم الهوى أن يؤمنوا بي ... وقالوا ان معجز هم محال
فمذ سلمت سلمت البرايا ... علي وقيل كلمه الغزال
ولبعضهم فيه:
أتاني بالسلام إلي منها ... رسول حين بلغني الرساله
فقلت له اصح لديك أني ... نبي العاشقين بلا محاله
تأمل كيف مال الغصن نحوي ... وكيف علي سلمت الغزالة
ومن اللطائف قول بعضهم في عكس هذا المعنى وهو:
مر الحبيب علي غير مسلم ... ظن العواذل أنه غضبان
قلت انصفوا يا قوم لست بمرسل ... حتى علي تسلم الغزلان
ومما قلته في أثناء التحرير من هذا الباب:
خطرت ظبية ومرت علينا ... وحلت في مرورها بالغلاله
وأنا عند مجمع من أناس ... بين روض له من الزهر هاله
دونهم سلمت علي ومالت ... مثل غصن مر النسيم أماله
آمنوا كلهم بمعجز وجدي ... حيث قد سلمت علي الغزاله
стр. 1014
والبيتان المخمسان من قصيدة لعلاء الدين البرمكي الحموي ومطلعها:
هل لصب قد غير البعد حاله ... زورة منكم علي أي حاله
يا لقومي من للفتى من فتاة ... مزجت كأس صدها بالملاله
بغزال الكناس تزري لحاظا ... وبنظراتها تفوق الغزاله
قلت إذ مد شعرها لي ظلاما ... أسبغ الله لي عليه ظلاله
ليت شعري مع الهوى كيف مالت ... ولها القد شاهد بالعداله
ومنها يقول:
آه من قدها أما لفؤادي ... شافع من حديث واش اماله
فهي شمس تطلعت من خباها ... وعليها من البراقع هاله
رأت البدر في الكمال فأبدت ... واضحا بالسنا تريه كماله
وعارض هذه القصيدة الشيخ شهاب الحجازي (١) فقال:
من لصب عذوله قد أسأله ... ولدمع من جفنه قد أساله
أخلف الصب وعده مذ رآه ... محرما مغرقا بدمع وقاله
стр. 1015
أمطرت أدمعى لبرق الثنايا ... فاخاف الحبيب دمعى وهاله
وأحال الغرام دمعي على الص ... ب لهذا أضحى دما مذ أحاله
ومن السقم قد كسيت لباسا ... لي حاكته مقلة من غزاله
وسائغ منها قوله:
وحكى قده المفدى شقيقا ... وعليه من ياسمين غلاله
وغدا الحب مائس القد لما ... سلب الغصن لينه واعتداله
وقف الغصن في الرياض مطيعا ... مذ رآه قلا له وشكا له
هذا آخر ما انتخبناه من علماء بلدنا وشعرائهم. وما أثبتناه من محاسن اشعارهم، ونفائس آثارهم. والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 1016
في محاسن أدباء وعلماء نواحي الموصل من أربيل وماوران وعلماء وصلحاء كردستان. منهم:
عبد الله الأصم الاربلي
أصم عن الأدب والمعارف، وقناص لشوارد المهاة من ظباء الكمالات والعوارف، باب حصن القريض الواسع الفناء، ومفتاح مقفلات صناديق النشيد الجامع الضياء. بطل النظم وواحده ورجل الأدب وقائده.
بطل إذا لمعت شباة سنانه ... في ساحة الآداب أضحى عنترا
سجدت له أرض القريض بأرضهم ... فلذا السوى بالشعر طرا منكرا
تفرد في حرفة نظام فرائد البيان، وتوحد في تشحيذ التقاط زوائد الألباب والأذهان، حتى طلع في أعلى برج من حصون الكمال، واشرق كما تشرق الأقمار في ظلام الليال. فلم نقف بعد الوزير الطغرائي صاحب لأمية العجم على بدر بدر من ذلك المطلع، ولم يكن من حين اندرج ذلك الفاضل إلى مثل هذا الفاضل ظهور يتوقع. أحيا دارس أطلال تلك المدينة، وأعاد إليها ما خلعته من أردية الوقار والسكينة. فجملها بأدبه كمال الإجمال، وزين نحرها العاطل بفرائد الجواهر واللآل. عمر
стр. 1017
ربعها بخيام معارفه وحلاها، وأنبت عقيم ريض انسه بلطائفها وجلاها. فكل ناد من تلك المدينة بأدبه معمور، وكل روض من تلك الناحية بسيب أدبه مغمور.
سيب الفصاحة والنباهة والتقى ... وغمامة الأفضال والآداب
بحر البراعة شمس كل براعة ... غيث النوادر مزنة الألباب
له من النظم ما لو أبصره الدهر لاتخذه لنحره عقودا، أو نظره البدر لجعله لصدور أقماره نهودا. وقد أثبت منه ما هو لنحور الغيد الحسان، قلائد الياقوت والمرجان. فمن ذلك قوله في وقعة الخارجي (١) وهي:
ألخلة سكن الابارق عيرهم ... أرقى وفي طي القلوب مسيرهم
أم فوح ناسمة تهب عليهم ... فسرى ألي شذاهم وعبيرهم
أو برق هامعة أضاء بلعلع ... فطلولهم منها بدت ودؤورهم
دمن عفت من بعد ما انسوا بها ... دخلت عليهم شهرهم ودهورهم
فغدوت أسأل عن معاهد أهلها ... صما خوالد كيف كان أمورهم
رحلوا وقد عهدوا تلافي حبهم ... وأنا على تلك العهود أسيرهم
فأجابني قفر المنازل والربي ... لا يلقينك في الضلالة زورهم
هيهات ان صبابتي لسجية ... لم يمحها لعهودهم تغييرهم
حاشاي أن أسلو فإني أكتفي ... من وصلهم بالطيف حين أزورهم
стр. 1018
لا بل أرقت تحننا لشكيتي ... عن ظلم قوم كان فيه سعيرهم
بشوارع الحدباء كنت مسائلا ... من في الأنام لدفع ذاك جديرهم
فأجابني الدهر الخبير بأنه ... المولى الحسين كريمهم وظهيرهم
وضع العدالة في موازن حكمه ... فلديه قد حاذى الصغير كبيرهم
عمت موائد جوده كالجود إذ ... منه استمد سريهم وفقيرهم
يلوي إليه فواضل وأفاضل ... ويحوم حول جنابه نحريرهم
أيخاف قوم قد أقاموا موصلا ... ريب المنون وأنت فيه مجيرهم
أم تعتري قطع الظلام بأهله ... وضياء وجهك بالدجنة نورهم
تتنور الحدباء حين سموتها ... فهي السماء لهم وأنت بدورهم
واذا بنو الغبراء حط رحالهم ... بصعيدها فندى يديك يميرهم
كم من فروخ صغائر في وكرها ... تركت أراملها، وأنت تطيرهم
وإذا حواك مع النجوم سماؤها ... فالشمس مثلك والنجوم نظيرهم
لله دره إذ أتته كتيبة ... شرقية للشر كان نفيرهم
من أهل هند والبلوج فحتفهم ... قد عد من أعدادها وثبورهم
فيقودها ملك الاران ونادر السل ... طان شدد أسرهم تسخيرهم
قدموا إلى الحدباء نارا لم يكن ... يجديهم نفعا بها توفيرهم
ولأخذها بذلوا الجهود فما بقي ... من حيلة ومكيدة تقصيرهم
هجموا وقد طرحوا على أرجائها ... جزر السباع يشنهم ونسورهم
نكصوا على أعقابهم من بعد ما ... جنحوا لسلم والبواتر بورهم
ولأهل حدباكم أقول مؤرخا ... هل خاب جندو الحسين أميرهم
١١٥٦ هـ
стр. 1019
وله في إطلاق عذار وتهنئة بولاية:
صبيحة كم بالصد هذا الفتى تجفو ... فقولوا لها مهلا فقد رفع السجف
أما ترحمين الصب صب دموعه ... جفون دوام عن دوام لها وكف
أريتني حسنا مرة ففتنتنى (كذا) ... أمالك بالمفتون في حسنك اللطف
فحيرني ذا الحسن فيها كأنها ... جلية عمياء على ربعها وقف
صباحا أرى فيها تستر بالدجى ... اذا ما سجى جثمانها الشعر الوحف
فلو رجلته بالنقا فوق لعلع ... لأملأ كل الكون من طيبها العرف
فيرقص مثل الراقصات تشوقا ... جبال إذا ما اهتز فخرا لها العطف
تصدت بجيد غير عطل كأنها ... جداية بر البرير لها قطف
وأكسبني سقما سقام عيونها ... فأي بلاء فيه أوقعني الطرف
وعيني منها إذ جنت نظره جنت ... على نفسها عقبى جنايتها الحتف
ولكنه ما ضاع ثأري علي إذ ... أمين الأنام ابن الحسين لي الكهف
له همة تسمو السماك فترتقى ... لها بيت مجد للعلى ما له سقف
ومنذ بساط العز قد نشروا له ... بسائط عز الغير قاطبة لفوا
فصيح إذا ما جادر القرن لم يزل ... يغار على حرف بألسنه حرف
وفي يده لما رأيت أياديا ... تيقنت أن البحر يحصره الظرف
ولم نر قبل ابن الحسين سحائبا ... إذا ما هرقنا الماء تخجلها الكف
هذا البيت مأخوذ من قول المتنبي لفظا ومعنى، وهو:
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعا ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
стр. 1020
ولا ساعيا في قلة المجد مدركا ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئا يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
وقريب منهما قول ابن هاني الأندلسي (١). وهو:
فلو أنني شبهته البحر زاخرا ... خشيت يكون المدح في مثله قذفا
وما تعدل الأنواء صغرى بناته ... وكيف بشيء يعدل الزند والكفا
فتى تسحب الدنيا به خيلاءها ... وقد طمحت طرفا وقد شمخت أنفا
عطف إلى القصيدة المترجمة:
ضبارم لو أبدى نزاله في الوغى ... ليبدى بلا يسم نواجذه الرغف (٢)
أتتني غداة الكر هربا عنانه ... مقارعة الأبطال والفيلق الرجف
مجيب الندى شاكي السلاح إذا التقى ... نباتهم كالوبل في نحره الطرف
حليف الظبا لم يغترب حيث حله ... فما حل إلا والحسام له حلف
بقائمة لو لم تبل يمينه ... لحن إليه كيف وهو له ألف
أخو ثقة من يعتلى فوقه به ... تضجر لكن الزهوق له أف
أتوحش حدباء وأنت لأهلها ... أنيس وإذ فارقتها كم لها لهف
رأوا بك نارت ثم طابت فأرخوا ... محياك بدر حدقه العنبر العرف
***