وانعم بوصل فالوصال زكاة من ... قد كان في فن المحاسن أجملا
واسأل نجوم الليل عن سهري وعن ... عين تراعي النجم أول أولا
لطيف في هذا قول ابن الفارض:
واسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
لا غرو أن شحت بغمض جفونها ... عيني وسحت بالدموع الذرف
وقريب منه قول بعضهم:
ولي سنة لم أدر ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى القول
رجع:
بل لا تسل عما حوته جوانحي ... من زفرة فيه الجوانح تصطلى
أيليق في دين الغرام وشرعه ... أني من الهجران أبقى مهملا
فالأم أبقى في هواك مبلبلا ... والام أبقى من قلاك محوقلا
стр. 1122
ان كان في تلفي تروم عبادة ... بادر به يا ذا الصباح معجلا
حتى يكون على الدوام مجاهدا ... جازاك ربي بعد ذا وتقبلا
أو كان يرضيك التذلل خاضعاً ... وافيت دارك بالظلام مهرولا
مستغفراً من سوء ذنب جئته ... مستعفيا مستصفحا متنصلا
فكأن حظي في النحوس وطالعي ... ان لم أجد بدري تخير منزلا
***
стр. 1123
إبراهيم السويدي (١)
ولده إبراهيم، ذو الأدب الجسيم. والكمال الرائق الذي يهزأ بالنسيم، وهو الرائق البهج، والفائق الأرج. نعم الشبل، الذي ما له في الكمال مثل. صاحب البدائع، والفضل الرائع.
والأدب الكافي، الذي هو للعلم والفضائل كالأثافي.
شامخ الرتبة، عالي الهضبة. سامي التمائم، منسجم الغمائم. سحاب هاطل، وبحر ليس له ساحل. ان تضوع فهو المنثور، أو عبق فالروض الممطور.
وليس غريباً أن ينال غرائبا ... من المجد فرد في الزمان غريب
نارت به نجوم الفضائل وشموسها، ودانت لمعاليه أرواحها ونفوسها. وهو في ذلك القطر كالقطر، وفي تلك البلدة.
كالوردة. ترجع إليه الأنام في المهام، وهو في الأدب البحر الخضم اللهام. كريح القطر فاح بكل قطر.
عمر المعارف ربعا، وسما خلقا وطبعا. زفت له المعارف
стр. 1124
عرائس أبكارها، ومنحته القريحة من رقيق أشعارها، فهز القريض به أعطاف المعالي، وافتخرت به لياليه على سائر الليالي.
فمما أثبتت له الأيام. وتفاخرت به على كل نظام، قوله هذين البيتين، وقد أرسلهما إلي على ظهر مكتوب عن لسان أحد الأصدقاء، وهما:
ذا شريف بلثم إقدام من قد ... فاق الأقران ذي التقى عثمانا
فهو كالجلد في التفرد نذل ... وشريف أن صاحب القرآنا
ومن نثره وقد أرسله إلي أيضاً على لسان بعض الأصدقاء. وهو:
ما روضة تدفقت أنهارها، وأينعت أزهارها، وكساها الحيا سندسي الأثواب، ونسج عليها الصبا حسن جلباب. وفككت منها الجنوب أزرار الورود، فهتكت منها أسرار الكبود. بل ما صدح العنادل، فوق الخمائل، وغرد البلابل، لدى الأسحار والأصائل بأطيب من سلام ناف على النيرين إضاءة وبهرا. وسما على الفرقدين مكانة وقدرا. سلام مزفوف بالتحيات، محفوف بالدعوات، بأن يديم الله تعالى وجود سيدنا المقتدى بآثاره، المهتدى بأنواره. إمام محراب العلوم، مالك أزمة المنثور والمنظوم.
أرفع أهل النصوص، وأبرع أهل العموم والخصوص، سيدنا الحائز قصب السبق في هذا الرهان، المشار إليه لدى عد الأفاضل
стр. 1125
بالبنان. لا زال في نعمة ناعمة الجوانب، ولا برح في رفعة تغبطه بها الأباعد والأقارب، آمين.
وبعد: فقد ورد علينا جميع المسار. وظهر علينا ظهور الشمس في رابعة النهار بورود مشرفكم الذي هو للعين جلاء، وللقلب عين الصفاء.
أتاني كتاب لو يمر نسيمه ... بقبر لأحيا نشره صاحب القبر
وذكرني شوقاً وما كنت ناسيا ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
فقبلته ألفا، وقرأته حرفاً حرفا. وكيف لا وقد أنبأنا عن سلامة مولانا ما يؤنس الحاضر والبادي، ويروي غلة المشتاق الصادي.
***
стр. 1126
أحمد أغا الداماد
ارفع من ترفع المعالي ... طورا إلى مجده وتسند
كم جمعت للكرام شملا ... يد له مالها مبدد
أحمد الأحمد، وأبو المحامد كيف لا يحمد، صهر الوزارة، وحفيد الإمارة، وشاب المعارف والمهارة. كريم الذات والخصائل عزيز الوجود في الأماثل. الذي أشرقت بوجوده المعالي. وأشرفت بإقباله الصنائع. ونشرت المطالب بنجاحه، وحشرت المآرب بسماحه. وحشدت المواهب بنصوصه. وانجلت الغياهب بخصوصه وابتهجت الأيام ببهجته، وسرت الأنام بلهجته، فوجوده في العراق كالشمس، وفضله أوقع منها في النفس.
زكت شرفاً أعراقه وفروعه ... وطابت لنا منه الفضائل والفضل
إذا لم يكن فعل الكريم كأصله ... كريما فلا تغني المناسب والأصل
سحابة فضل وعلم وديمة إمارة وحلم. جمع بين السيف والقلم،
стр. 1127
ورتع بين مكارم وحكم. ولما تفككت بين الآداب تمائمه، صدحت في أفنان الرئاسة والكمال حمائمه. وتنقل من حديقة الإمارة إلى مرج المعارف. وأحرز التالد من شارد الكمال والطارف.
اجتمعت به ﵀ كثيراً، فما رأيت له في كماله نظيراً، بوجه يغني عن الصباح، وفرق كله غرر وأوضاح. ولسان يجري كالسيل، وطلعة كقمر في الليل.
أفل بدره قبل أن يفي عمره. وغاب هلاله، واندفن معه نواله.
***
стр. 1128
عثمان بن يوسف أغا (١)
ماجد نال رتبة في المعالي ... لم ينلها من قبله إنسان
مذهب ألباب وأذهان، ومرتب إعجاز وبيان، ومقيم دلائل وبرهان. غرة جبهة الفخر. التي انفلقت عن ضياء وفجر.
ديمة المعارف. التي غدت في الكمالات ذوارف. سحابة الألطاف، التي ملأت بالأدب الجوانب والأطراف.
أطل مزن مضى أم لمع بارقة ... أم جري عاصفة أم ضوء مصباح
فريد استخرجته كتب المعارف من بحورها، والتقطته صحف اللطائف لصدورها، واقتنصته أبكار الأفكار لنحورها. له ذات شريفة قد تخلصت من الجهل وصفت في الأدب. وأخلصت من التلمذة الى الرئاسة خلوص التبر من الذهب.
стр. 1129
قد سلك في المعارف هضابا، ولقح في الكمالات البابا، قد بهر بآدابه الرجال، وزين بمكارمه المعال.
وقد عاشرته الأيام، أنستني بطيبها المنام. وكنت أرى من عقله ما يرجح الجم الغفير، وأبصر من أدبه ما لا يتحمل النظير.
وهو الآن في ذلك البلد، مرجع كمال ورشد.
***
стр. 1130
بكتاش جلبي (١)
هذا الشاب له انعقدت رايات المعارف والآداب. فهو في حوزة الكمال ذو القدر العالي، وفي دائرة المعال بدر البلاغة المتلالى. طلاع أنجدة الأدب، رفاع رايات الأرب، ملاح سفينة الفصاحة، مناح أغربة الرجاحة.
انه الواحد الذي قد تسامى ... وتناهى في العلم والأحساب
ورقى للعلى صغيراً وطفلا ... وزكى في العلوم والأنساب
واحد في العلم وفنونه، وماجد في الأدب وحصونه. له في الأدب أبواب، وفي المعارف إطناب وإسهاب. قصدته أولو الآداب. وأطربت بذكره في كل باب. فهو صاحب فكر جديد وأدب ما عليه من مزيد. معشوق الخصال، فائض فيض السحاب الهطال. قد جمع محاسن المكارم والمناقب، وسما في توقد ذهنه النجوم الثواقب.
стр. 1131
أخذ العلم عن العلامة صبغة الله وشاد بعلومه، وعمر ربع الأدب ومعالم الفطانة بمنثوره ومنظومه. إلا أنه لم يحضرني شيء من شعره. مع حسنه وكثرته ورخص سعره. إذ أن له في الأدب فنونا، تزيد لأربابها شجونا.
***
стр. 1132
مفتي الوقت الشيخ محمد
اتخذ المجرة مقاما ومجلسا، والثريا نظاما ومأنسا. ثم طلع في بغداد طلوع سهيل، فأشرق بفيض كماله النهار والليل. واستقر بتلك الحدائق، استقرار الأزهار في الرياض والحمرة في الشقائق.
إذا نطق انبسطت الأردية لالتقاط لآلئ كماله. وإذا فاه بحرف نشرت الأذهان لاكتناز نظمه وانتظامه. وعنده أدب بجداول المعارف يجري. وكمال في حدائق اللطائف يسري. وله فكر لا يدرك قعره. وذهن لا يدخل بحره، وعلم لا يعرف قراره، وفضل تجري على هام المجرة أنهاره.
ساد الورى بشمائل ... عنوانها النفس الزكية
فرع زكي أصله ... خير الخلائق والبرية
حاوي الفصاحة والبلا ... غة والصفات الألمعية
رقى منابر الوعظ في شبابه، وقضى عمراً في الخطابة بكماله وآدابه. ثم ترقى إلى هام الإفتاء. وشاكه بسموه السحاب والسماء.
فهو الآن، مفتي تلك البلدان. وفريدها الذي لم يكن له ثان.
***
стр. 1133
محمد الجواد (١)
هذا الذي ركب جواد الأدب فذلله. ورقى هام عطارد وانتعله، وارتفع في ذروة المعارف حد الارتفاع. وتعطر في مروج الفصاحة حتى عبق وضاع.
فطريقته في المعارف، مبرأة من المحذور والمخاوف. ففهمه قفل كمال، ويده مفتاح مقال. ونفثاته تدل على خبرته في الأدب وتعرف ان كلماته نبذة من شهد أو ضرب. فوجوده قد نبت في الشرف، فأثمر كل لطيفة وحمل كل ظرف.
قد كساه الكمال ملابس كماله. ووهبه رائق حسنه وفائق جماله، جرى فيه ماء الأدب والفصاحة. وتحكم فيه تيه الفضل وهيف السماحة. باه بكماله، زاه بفضله وافضاله.
وحيد له الأفضال طبع وشيمة ... وفيه انتهى علم الورى والتكرم
له شعر كالطل، وقريض كاللؤلؤ المنحل، وقد أوردت منه شيئاً يسيرا ولكنه في القدر كبير.
стр. 1134
وذلك قوله مقرضاً على قصيدة حسن بن عبد الباقي الموصلي التي مدح بها حضرة السيد الهمام، والأسد الضرغام، الإمام الحسين ابن الإمام علي، ﵄. وهي: قد فرشنا لوطئ تلك النياق، إلى آخرها والقصيدة هي:
ألا يا ذوي الألباب والفهم والفطن ... ويا مالكي رق الفصاحة واللسن
خذوا للأديب الموصلي قصيدة ... بدر المعالي قلدت جيد ذا الزمن
تسير بها الركبان شرقا ومغربا ... فتبلغها مصراً فشاماً إلى عدن
غلت في مديح الآل قدراً وقيمة ... فأنى لمستام يوفي لها الثمن
تفنن في تشبيبها ورثائها ... تفنن قمري ينوح على فنن
فأعظم بممدوح واكرم بمادح ... صفا قلبه للمدح في السرو العلن
فلم أر أن يأتي أديب بمثلها ... لأخطأ في المرمى وضاق به العطن
فكيف وقد أضحى يقلد جيدها ... بدر رثاء السبط ذي الهم والمحن
стр. 1135
سليل البتول الطهر سبط محمد ... ونجل الإمام المرتضى وأخي الحسن
شهيد له السبع الطباق بكت دما ... ودكت رواسي الأرض من شدة الحزن
وشمس الضحى والشهب أمسين ثكلا ... ووحش الفلا والأنس والجن في شجن
على مثله يستحسن النوح والبكا ... وسح الأماقي لا على دارس الدمن
فلله حبر حاذق بات ناسجا ... بديع برود لم تحك مثلها اليمن
حسينية أوصافها حسنية ... بتقريضها غالى ذو والفهم والفطن
فلا غرو أن أربى على الدر حسنها ... فعنصرها يعزى إلى والد حسن
جزاه اله العرش عن آل أحمد ... أتم جزاء فهو ذو الفضل والمنن
وزوجه الحور الحسان تفضلا ... كما في رثاء السبط قد طلق الوسن
وسقاه بالأكواب ولدان جنة ... شرابا طهوراً حف بالشهد واللبن
فدونكها عذرا وابنة ليلة ... صبية لفظ جانبتها يد الوهن
стр. 1136
نتيجة سباق إلى غاية العلا ... إذا لز يوما مع مجاريه في قرن
ولا بدع أن فاق الجواد بسبقه ... فان لم يكن سباق غايتها فمن
صعاب القوافي الغر حطت رحالها ... لديه وقد أضحت تقاد بلا رسن
فأفرغ عليها حلية الصبر إنها ... لعارية عن وصمة الغل والدخن
فلا زلت في برد الفصاحة رافلا ... وشانيك يكسى حلية العي واللكن
***
стр. 1137
السيد حسن العطار
إن ذا الأروع المهذب من حا ... ز كمالا ما أن له من مجاري
عطار، لكنه بحر بغير قرار، هلال في المعارف وبدر، وهو الذي يمكن أن يصلح ما أفسده الدهر. فتح دكاكين الأدب بسوق الطيب، فأينع في ذلك المجال غصنه القشيب. عطر مشام الفصاحة بطيب نده، وأورى نار البلاغة من كامن زنده.
فأجزاء سفسطته مفردات المعارف، وجربان مسطبته كمالات ولطائف. وعقاقير سوقه فضائل وعرفان، وأسفاط دكانه معاني وبيان.
وكيف لا وهو فرع شجرة الرسالة، ومسك نوافح الفصاحة والسماحة والبسالة. ويحق لسليل البتول أن يباهي بطيب الأعراق والأصول. إذ هم بيت النبوة والتنزيل، ومهبط الوحي والتزميل.
وعليهم تعقد الخناصر، وليس لفضلهم أول ولا آخر.
سافر إلى الحج وكان العلامة صبغة الله في دارنا مسافراً وضيفا.
فأرسل إليه هدية وكتب له ببيتين تدل على كماله. وتفصح عن
стр. 1138
زائد فضله وافضاله. وهما:
مولاي هذا قدر واهن ... يخبر عن قلة ميسور
ليست على قدري ولا قدركم ... لكن على مقدار مقدور
***
стр. 1139
السيد حسين
كعبة أدب يملأ الصدور، وقبلة أرب يخجل البدور. لو تبسم بالليل لصير صبحاً، ولو استعار من بشره الزمان لغدا لكل أحد نجحا. فهو مسرة الخاطر، ومنشطة الناظر. وظل الكمال الظليل، وماء الجمال الذي هو أعذب من السلسبيل. افتخرت به النساء والرجال، وتجملت بفضائله الأيام والليال.
ألمعي حلف القريض يجازي ... ك بما تشتهيه ذو تبيان
فآدابه جبال الأدب والبيان، وأقلامه غمائم الفضل والعرفان.
وهو أندى من الغمام، وأزهر من الزهر في الآكام، وأبهى وأبهر من البدر في الظلام. وديعة البتول، ومنحة الرسول، وسيف أدب ما اعتراه في الأدب فلول.
له شعر أضوع من الطيب، وأرق من مفاكهة الحبيب. وقد أثبتت منه ما هو كالشمس في السناء، والبدر في الضياء.
فمن ذلك قوله مقرضاً على مرثية حسن بن عبد الباقي المذكورة أيضاً:
حبذا واخدات تلك النياق ... حيث وافت بكتبكم للعراق
стр. 1140
حاملات من الخليل طروساً ... هيجت نار لوعتي واشتاقي
فتلقيتها بفرط احترام ... حال وضعي لها على الأحداق
ثم قبلتها لشدة شوق ... كان مني لها وعظم احتراقي
وفضضت الختام عن طيب مسك ... وانتشقت الأريج أي انتشاق
شمت منها فرائداً ليس يحصي ... مادح حصر وصفها في نطاق
أسكرتني لما حسوت طلاها ... وحلا عذب طعمها في مذاقي
ثم لا زلت مولعا في احتساها ... فاصطباحي بكأسها واغتباقي
يا لها من خريدة ذات حسن ... طاب لثمي لها وطال اعتناقي
غادة لو رأت محاسنها الشمس ... لما سارعت إلى الإشراق
أو رأى البدر وجهها لتوارى ... من حياء به بسجف المحاق
أو رأى الغصن قدها يتثنى ... لذوى عاريا عن الأوراق
حيث رفت إلى إمام همام ... سبط خير الورى على الإطلاق
سيد نجل سيد وإمام ... حل أوج الفخار باستحقاق
وأخي السيد الكريم المزكى ... حسن الخلق طيب الأعراق
وسليل البتول بضعة طه ... صاحب الحوض واللوا والبراق
زفها الماجد الأديب المجلي ... في عراص العلى بيوم السباق
حسن الفضل واسع البذل مولى ... لم يزل ناحر الجياد العتاق
أتحف السيد الشهيد بنظم ... لاق للحور حلية الأعناق
رق لفظا وراق معنى فاعجب ... بكلام بسحره هو راقي
стр. 1141
ورثاء لو أن خنساء صخر ... حاولت شأوه كبت في اللحاق
من لها أن يجىء في مثل هذا ... وصهيل الجياد غير النهاق
إن مثل الحسين يبكى عليه ... لا على صخرها تسح الأماقي
كيف لا وهو سيد قد بكته ... كل عين بمدمع مهراق
ونعته الوحوش والإنس والجن ... جميعاً في سائر الآفاق
فجزاك الإله عن آل طه ... خير أجر تلقاه يوم التلاقي
بجنان تسقيك خمراً طهوراً ... منه ولدانها بكأس دهاق
سيدي خذ إليك بكرا عروسا ... مدحتها الأيام بالاتفاق
كاعب عيطل نتيجة مولى ... حسن الاسم ذروة المجد راقي
جود كفيه عم جمع البرايا ... فهو بحر الندى بلا إغراق
برزت في البهاء تسحب ذيلا ... تتهاوى بحليها البراق
ليس تبغي سوى قبولك مهرا ... إن حسن القبول خير صداق
وله في والي بغداد المرحوم أحمد باشا:
يا أيها الشعراء هبوا للندى ... من راحتي ندب سمت ألطافه
بغداد مكتنا وأحمد أحمد ... والكل حول حماه طاب طوافه
هذا الوزير أبو الفتوح المجتبى ... نظام عقد ذوي النهى وصافه
والي ولاة الملك خاتم كفه ... فرقان باس من اغتدى كشافه
ليث الكتيبة في الوغى ضرغامها ... دامي المثقف بالسطا مرعافه
مولى تلفع بالوزارة يانعا ... برداً غدت تزهو بها أعطافه
شهم شأى الأملاك في آرائه ... عزا وسار بما سرت أسلافه
ترب الشهامة ما له وعدوه ... يخشى لديه كلاهما إتلافه
стр. 1142
أهدى مليك الفرس إعظاماً له ... فيلا يروق لمثله إتحافه
فيل أعارته المها أحداقها ... فتلبست بسوادها أطرافه
ليل قد اغتصب الصباح فصا ... غه نابين تبسم عنهما أسدافه
أولا فزورق عنبر خرطومه ... منه الشراع ونابه مجدافه
أو كالنجاشي مفرداً عن جيشه ... وافاه يرجو عنده إسعافه
جذلان يخطر في المسير كأنما ... طافت عليه من السرور سلافه
ويكر في جمع العداة بملتو ... كالصل يغتال النفوس زعافه
وكأنه متعبد طول الدجى ... يجفو لذيذ هجوعه ويعافه
وله خضوع بالسلام كمملق ... للضر قد أودى به إجحافه
أسروا به متصدياً في موكب ... ما أن يحيط بنعته وصافه
فلئن نحا وحش الفلا وصقوره ... فلطالما سبت العدى أسيافه
يا من إذا قصد العدى بمفازة ... فنسورها وسباعها أضيافه
جردت في الأكراد عضب جلادة ... بيد التجارب راعهم إرهافه
وأسلت بحراً من دماء نحورهم ... في البر هام سراتهم أصدافه
وكأن مهجة كل يوم منهم ... ورد أطاعك بالرماح قطافه
في كل معتزم يحث إلى العدى ... طرفاً يخب بضيغم اكنافه
وتهازمت فرق تكدر بعدهم ... شجر المربع رحلهم مصطافه
فأعدت ثغر الثغر أزهر باسما ... والمجد سر جناته وشغافه
ورجعت والنصر العزيز محالف ... رايات عزك ظاهر ابلافه
стр. 1143
لا زلت مسروراً بضد ضارع ... فرقا وعافى قصده الحافه
ما فاح نشر أقاح روض ناضر ... جاد رباه من السحاب وطافه
وصف صاحب الترجمة بقصيدته الفيل، وقد تقدمه في ذلك شعراء الصاحب ابن عباد. وكان من خبره أن (١) الصاحب لما حصل في وقعة جرجان على الفيل الذي في عسكر خراسان، أمر من بحضرته من الشعراء أن يصفوه في شبيب قصيدة على وزن قافية قول عمرو بن معدى كرب الزبيدي التي مطلعها:
أعددت للحدثان سا ... بغة وعداء علندى (٢)
فمن قصيدة أبي القاسم عبد الصمد بن بابك (٣) قوله:
قسما لقد نشر الحيا ... بمناكب العلمين بردا
وتنفست يمنية ... تستضحك الزهر المندى
وجريحة اللبات تنثر ... من سقيط الدمع عقدا
نازعتها حلب الشؤ ... ن وقلما استعبرت وجدا (٤)
ومساجل لي قد شقق ... ت لدائه في فيّ لحدا
لا ترم بي فأنا الذي ... صيرت حر الشعر عبدا
بشوارد شمس القيا ... د يزدن عند القرب بعدا
стр. 1144
وممسك البردين في ... شبه النقا شية وقدا
فكأنما نسجت عليه ... يد الغمام الجون جلدا
وإذا لوتك صفاته ... أعطاك مس الروح فقدا
فكأن معصم غادة ... في ماضغيه إذا تصدى
وكأن عودا عاطلا ... في صفحتيه اذا تبدى
يحدو قوائم أربعا ... يتركن بالتلعات وهدا
جاب المطرف قد تفر ... د بالفراهة واستبدا
وإذا تخلل هضبة ... فكأن ظل الليل مدا
وإذا هدى فكأن ركنا ... من عماية قد تردى
وإذا استقل رأيت في ... أعطافه هزلا وجدا
متقرط أذنا تعي ... زجر العسوف إذا تعدى
خرقاء لا يجد السرا ... ر إذا تولجها مردا
أوطأته مرعى نسيبي ... واجتنبت وصال سعدى
ملك رأى الاحسان من ... عدد العواقب فاستسعدا
كافي الكفاة إذا انثنت ... مقل القنا الخطي رمدا
تكسوه نشر العرف ... كف من جفون الطل أندى
لا زلت يا أمل العفا ... ة لفارط الآمال وردا
وألق الليالي لابساً ... عيشاً برود الظل رغدا
стр. 1145
ومن قصيدة أبي الحسن الجوهري (١):
قل للوزير وقد تبدى ... يستعرض الكرم المعدا
أفنيت أسباب العلا ... حتى أبت ان تستجدا
لو مس راحتك السحا ... ب لأمطرت كرماً ومجدا
لم ترض بالخيل التي ... شدت إلى العلياء شدا
وصوائم الرأي التي ... كانت على الأعداء جندا
حتى دعوت إلى العدى ... من لا يلام إذا تعدى
متقصيا فيه العلو ... ج وفطنة أعيت معدا
فيلا كرضوى حين يل ... بس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملئت ... اكنافها برقاً ورعدا
رأس كقلة شاهق ... كسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدلال ... مصعراً للناس خدا
يزهى بخرطوم كمثل ... الصولجان يرد ردا
متمرد كالافعوان ... تمده الرمضاء مدا
أو كم راقصة تشير ... به إلى الندمان وجدا
وكأنه بوق تحر ... كه لتنفخ فيه جدا
يسطو بساريتي لجي ... ن يحطمان الصخر هدا
أذناه مروحتان أس ... ندتا إلى الفودين عقدا
стр. 1146
عيناه غائرتان ضيق ... تا لجمع الضوء عمدا
قاسوه باسطرلاب يج ... مع ثقبه ما لن يحدا
تلقاه من بعد فتح ... بسه غماما قد تبدى
متناً كبنيان الخور ... نق ما يلاقي الدهر كدا
ردفاً كدكة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يضرب ... حوله ساقاً وزندا
يخطو على أمثال أعمدة ... الخباء إذا تصدى
أو مثل أميال نضد ... ن من الصخور الصم نضدا
متورد حوض المني ... ة حيث لا يشتاق وردا
متلفعاً بالكبريا ... ء كأنه ملك مفدى
أدنى إلى الشيء البعيد ... يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان ح ... تى لو رأى خللا لسدا
قل للوزير: عبدت حتى ... قد أتاك الفيل عبدا
لو مس أعطاف النج ... وم جرين في التربيع سعدا
أو سار في أفق السما ... ء لأنبتت زهراً ووردا
ومن قصيدة أبي محمد الخازن (١)، وأبدع:
حازوا سعود ديار سعدى ... ورعوا جناب العيش رغدا
وقضوا مآرب للصبا ... مذ أبدلوا بالغور نجدا
سكنوا محلا بالربى ... أضحى محلا مستجدا
عطفت عليه ظباؤه ... ما شئت سالفة وقدا
стр. 1147
وشفيت حر الوجد من ... برد سقى الأكباد بردا
عجبا أشيم لثغرها ... برقا، ولست أحس رعدا
وغدوت أجني من غصو ... ن البان تفاحاً ووردا
وبنفسي القمر الذي ... لمعاً تصدى ثم صدا
يا هذه أهدى الوصا ... ل تكرما إن كان يهدى
وتذكري عهد الصبا ... في بيت عاتكة المفدى
وتعلمي أن الشبا ... ب وان وفي قرض يؤدى
وإذا أعير فإنه ... لا بد لا بد من أن يستردا
كم ليلة ساورتها ... وقضيتها حسناً وجدا
وأرى النجوم لآلئاً ... في الجو تجلو اللازوردا
حتى تحول أدهم الظل ... ماء في الأفقين وردا
وبدا الصباح يحل من ... جيب الدجى ما كان شدا
وقريت همي أعنساً ... تذر الربى بالوخد وهدا
فوردن أفنية العلى ... معمورة فحمدن وردا
حيث الفضائل والفوا ... ضل فتن إحصاء وعدا
حيث الوغى مشبوبة ... نيرانها وهجا ووقدا
ومهابة كادت لها ... صم الجبال تخر هدا
أفياله يقدحن في ... ظلم الوغى زنداً فزندا
تسري كسحم سحائب ... بجنائب تزجى وتحدى
ولبسن دكن ملابس ... غبراً معاطفهن ربدا
стр. 1148
ورمقن عن أجفان مض ... مرة على الأعداء حقدا
وفغرن أفواها كأف ... واه المزاد تزوغ دردا
وكشرن عن أنيابها ... مثل الحراب شبا وحدا
من كل جهم خلته ... يوم الوغى غولا تصدى
كبنية من عنبر ... دعمت سواري الساج نضدا
وعليه طارونية ... يزهى بها حراً وبردا
لولا انقلاب لسانه ... لرأيته خصما ألدا
متولياً أمراً ونه ... ياً مالكاً حلا وعقدا
وكأنما خرطومه ... راووق خمر مد مدا
أو مثل كم مسبل ... أرخته للتوديع سعدى
وإذا القوى فكأنه الثعب ... ان من جبل تردى
وكأنما انقلبت عصا ... موسى غداة بها تحدى
متعطفاً كالصولجان ... بساحة الميدان يحدى
يكسى الحداء وتارة ... يكسى نسيج الدرع سردا
وكأنما هو خاضب ... بالاثمد الحاري جلدا
لون حكى إظلامه ... لون المشبه ليس يهدى
مستيقظ أبداً ويكس ... بر أن يعير العين رقدا
كفل تموج كالكثي ... ب تهيله صوبا وصعدا
قد ساد كل بهمة ... كيساً ومعرفة وجدا
فكأنه يوم الوغى ... يكسى من الخيلاء بردا
وإذا انثنى من حربه ... يسعى فيرقص دستبندا
стр. 1149
أودى بمن عادى الوزي ... ر وعمهم حصراً وحصدا
من عزمه كالعضب ق ... د وعلمه كالبحر مدا
مستوحش بالسلم لم ... تألف ظباه قط غمدا
كالغيث يهطل سائلا ... والليث يبرز مستبدا
وزر الملوك ونابها ال ... أعلى وساعدها الأشدا
أي اسم فخر لم يحزه ... وأي مجد لم يعدا
أم أي ثغر لم يفد ... هـ ولم يشده ولم يسدا
كافي الكفاة المرتجى ... والسيد الهادي المفدى
ما الحر إلا من غدا ... للصاحب المأمول عبدا
ولئن أجدت مديحه ... فلطا لما أغنى وأجدى
ولصاحب الترجمة مشطراً لأبيات أبي نواس المار ذكرها
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... واترك فآخره بغض وشحناء
وذر دواء التي كان الشفاء بها ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... ولا يلم بها بأس وضراء
ان سر منها خمود الطبع لاعجب ... لو مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... تغنيك عن أمرد ذي بكر حسناء
стр. 1150
يميل في حبها صنفان واعجبا ... لها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكر ... بحيث لو كان بيض قيل سوداء
كأنها كوكب أنواره سطعت ... فظل من وجهها في البيت لألاء
وأرسلت من فم الإبريق صافية ... ترى صفا وجهها من كف خضباء (١)
تسبى الهموم بجهر والحجا بخفا ... كأنما أخذها للعقل إخفاء
رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... ماء العذيب صفاء بل خليصاء
إن قلت روح فما أخطى تماثله ... لطافة وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... وصار منها بتلك الحال أجزاء
واها على الفور تغدو منه حاملة ... حتى تولد أنوار وأضواء
دار على فتية دان الزمان لهم ... والدهر طاع لهم في الشأن كسراء
стр. 1151
ولا يخافون من بأس ولا خطر ... فلا تصيبهم إلا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... ثويت فيها بعز والأخلاء
أجري دموعي عليهم لا على بقع ... كانت تحل بها هند وأسماء
فقل لمن يدعي في الحب توسعة ... كلا فدعواك تزوير وإغراء
لو كنت صبا لما أصبحت مدعياً ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
*** وأما شعراء بغداد فهم جم غفير، ما لهم في معاطاة الأدب والكمال نظير. ولم أقف على أشعارهم، وقد ذكرت جل أخبارهم، وقد اكتفيت بما ذكرته. إن القليل على الكثير دليل.
стр. 1152
في أدباء الحلة والمشهدين وفضلائهم
العلامة السيد نصر الله المشهدي الحسيني (١)
وحيد أديب في الفضائل واحد ... غدا مثل بسم الله فهو مقدم
إذا كان نور الشمس لازم جرمها ... فطلعته الزهراء نور مجسم
واسطة عقد بيت السيادة، وإكليل هام النجابة والسعادة، تجسم من شرف باهر، وكرم سعى إليه الظلف والحافر. فهو من بيت، يحيى شذاهم الميت. وهو غصن من نبعة مكارم، قد تعفرت بتراب أعتابها وجوه الأعاظم. بيت النبوة والرسالة، ومهبط الوحي والبسالة، الذي تشرفت بدعائمه الأرض، وكان حبه على الخليفة من أنواع الفرض، حيث ينفع حبه لدى الله يوم العرض.
وهذا السيد ريحانة من تلك الحديقة. وزهرة من تلك الروضة الأنيقة، قد جمع لأشتات الكمال، وملك لأصناف المعال. فهو مزن الفضل الهاطل، وعقد جيد الأدب العاطل، ونرجس مروج الفصاحة، ووردة روضة المكارم والسماحة. وسحب الأدب
стр. 1153
الزاخر، وبحر العلم الذي ما له آخر
فكم سدة معال رصفها، وجنة كمال زخرفها، وشاردة نوال ألفها. فهمي بأفضاله، وسما بعلمه وكماله. فلم تر العيون مثل طلعته، ولا رقى أهل الأدب إلى أكرم من قلعته.
قلعة هبط عليها وحي المعارف من سماء البلاغة، وتنزلت عليها صحف اللطائف حتى درس دفاتر أدب البلاغ والبلاغة.
أعجز بما تلاه من قرآن صدره وقلبه. وأبدع بما أبداه من توراة لبه وخلبه، فجاء نصر الله بفتحه التالي، وظهرت نسمات اللطف بفيضه المتلالي. ودخل أرباب الأدب إلى ديم مجده أفواجا، وصادفت بحر كمالاته في تيار الأنواء ماء ثجاجا، فسبح بحمد ربه على ما منحه من الأدب والفصاحة، واستغفره شكراً لإحسانه اذ جعله من بيت الشرف والسماحة. فأدبه مما يبهر العقول،
وقد عاشرته فرأيت منه في معرفة أبيات العربية، وأمثالها التي، شاكهت في سنائها النجوم المضية، ما يعيي الفصحاء، ويبهر البلغاء.
فمما اتفق إنه في مجلس عبد الله (١) كاتب ديوان بغداد الذي مر ذكره، وطاب في هذا الكتاب نشره، قرأت أبياتاً من ديوان أبي تمام، فأسفر عن خرد عرائس تلك الأبكار كشف اللثام.
فلعمري رأيت منه كل غريب، ومعرفة ما نالها في هذا العصر بفصاحة بيان، وطلاقة لسان.
стр. 1154
فلم أر ممن رأيته سوى هؤلاء الثلاثة: العلامة صبغة الله، والسيد عبد الله، وهذا الفاضل، بحور أدب ماء فضائلها في جداول البلاغة سائل. لا يحتاجون في السؤال والجواب إلى مراجعة رسالة أو كتاب.
له شعر مع أنه لم يحتفل به زلال، ونثر مع أنه لم يعتن به لآل.
إلا أنه أخذه الدهر، وحسده كف العصر. فأخذ ولم يراع صفوة شبابه وقد أثبت من شعره ما هو كالقمر ليلة بدره، فمن ذلك قوله مشطراً بيتي سيد الساجدين ﵁:
إذا ذكرت أياديك التي سلفت ... وقد نسيت عهوداً منك في القدم
وشاهدت مقلتي حسن التفاتك لي ... مع قبح فعلي وزلاتي ومجترمي
أكاد أهلك يأساً ثم يدركني ... حسن الرجاء فينجيني من العدم
وكيف ييأسني فعل القبائح مع ... علمي بأنك مجبول على الكرم
وله ﵀ مصدراً ومعجزاً أبيات أبي نواس (١)
مطهرون نقيات ثيابهم ... والذكر يشهد والقرآن والسور
تجري مجاري نداهم للأنام كما ... تجري الصلاة عليه كلما ذكر
стр. 1155
من لم يكن علوياً حين تنسبه ... فليس يعلو له قدر ولا خطر
وكيف يسحب ذيل الفخر يوم علا ... فماله من قديم الدهر مفتخر
الله لما برى خلقاً فأتقنه ... ولا كم أمرهم فالكل مفتقر
وحيث كنتم لسر الله أوعية ... صفاكم واصطفاكم أيها الغرر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... توراة موسى وما قد أودع الخضر
والصحف أجمع والإنجيل يتبعها ... علم الكتاب وما جاءت به السور
وله مشطراً بيتي دعبل الخزاعي:
لا أضحك الله سن الدهر ان ضحكت ... ولا تبسم في أفنانه الزهر
ولا مشى في الورى حاف ومنتعل ... وآل أحمد مقهورون قد أسروا
مشردون نفوا من قعر دارهم ... فليس يأويهم بدو ولا حضر
جنوا ثمار المنايا وهي يانعة ... كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر
стр. 1156
وله مشطرا بيتي أبي نواس
إذا عاينتك العين ما بعد غاية ... ونورك يسمو البدر والشمس لا يخبو
وأدهشت الأبصار من عطر ما رأت ... وشكك فيك الطرف أثبتك القلب
ولو أن قوماً أمموك لقادهم ... سنا وجهك الوضاح والسابق الحب
وان خسئت أبصارهم بالسنا يقد ... نسيمك حتى يستدل به الركب
وله مخمساً أبيات المجنون (١):
سما وجه ليلى أن يشاهد جهرة ... ولكن وراء الستر يلمح خلسة
فصرت وقد أمسيت للخلق عبرة ... إذا رمت من ليلى على البعد نظرة
لأطفى جوى بين الحشى والأضالع ... أجل تراها أن تشاهد في الكرى
ولكن إذا ما السكر للعقل حيرا ... وحاول طرفي أن يرى الوجه سفرا
يقول رجال الحي تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
متى تستطيع العين شرب شرابها ... وقد أسكر الكونين لمع سرابها
وقد نظرت من لم يقس بترابها ... وكيف ترى ليلى بعين ترى بها
سواها وما طهرتها بالمدامع ... وتنشق ريا من بها الكون عطرا
فأهدت الى العشاق مسكا وعنبرا
стр. 1157
وأنت تشم الدهر شيحاً واذخرا ... وتلتذ منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامع ... فلما صحا النشوان من خمرة اللمى
وألبس للآداب برداً منمنما ... غدا قائلا لما أتاها مسلما
أجلك يا ليلى عن العين إنما ... أراك بقلب خاضع لك خاشع
وله أيضا مخمساً بيتي المجنون أيضاً:
أسال العشق دمع العين سيلا ... وشن على الحشى رجلا وخيلا
فصيرني الهوى صبحاً وليلا ... أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا ... أشم تراب من للعقل نسبي
فينعش نشره المسكي لبي ... واستلم السلام بكل شعب
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وله وقد شطرهما:
أمر على الديار ديار ليلى ... فألقى العاشقين بها حيارى
وأطلب غفلة الرقباء عني ... فألثم ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... وان حازت محاسن لا تبارى
وكانت كالجنان مزخرفات ... ولكن حب من سكن الديارا
واتفق انه حضرنا معه في مجلس، وكنت إذ ذاك شاباً، فجرى ذكر القريض فقال رأيت على باب مرقد أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مكتوبا بيتين من الشعر، وقد خمستهما وشطرتهما،
стр. 1158
فطلب مني أن أخمسهما قبل أن أرى تخميسه، فقلت:
قد ضاقت السبل والأرواح في وهج ... والضوء في القلب والأحشاء والمهج
بالله أقسم لا بالبيت والحجج ... لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى
وتقبلوني على عيبي ونقصاني ... قد أسعر القلب والعينان في ذرف
والصدر في قلق والروح في تلف ... وقد أتيت لدفع الحزن واللهف
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفي ... وان أبيتم فمن أرجو لغفراني
واعترض ﵀ على قولي: بالله أقسم لا بالبيت والحجج، حيث وقع القسم بالله دون الحجج، فأجبته بالفور بقول الشيخ عبد الغني النابلسي، رحمه الله تعالى:
بالله أقسم لا بالذاريات ولا ... بالعاديات ولا بالنجم والفلق
فانه أقسم بالله دون سور القرآن. فاستحسن مني الجواب وسرعته.
وتخميسه هذا:
يا سادة نورهم كالصبح في البلج ... وفيض نائلهم للوفد كاللجج
وترب أعتابهم كالمسك في الأرج ... لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى
стр. 1159
وتقبلوني على عيبي ونقصاني ... سودت وجهي بما أودعت في صحفي
وقد مددت إليكم كف معترف ... بالذنب. من أبحر الغفران مغترفي
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفي ... وان أبيتم فمن أرجو لغفراني
وتشطيره رحمه الله تعالى:
لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجي ... فقد حنت قامتي أثقال عصياني
وتقبلون على الجاني بوجد رضى ... وتقبلوني على عيبي ونقصاني
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفي ... ويا سمو مقامي فوق كيوان
ويا بشارة نفسي بالذي ظفرت ... وان أبيتم فمن أرجو لغفراني
***
стр. 1160
السيد حسين المشهدي (١)
وارث الفضل والنهى والكمال ... نخبة المجد شمس أفق المعالي
فاضل كامل أديب نجيب ... سيد مسند فريد المعالي
شريف أينع وجوده في رياض السيادة، وأزهرت أوراق مجده في دوحة الفضائل والإفادة. أشرقت شموس كمالاته على بطاح العلوم ونارت بدور مقالاته على روابي المنثور والمنظوم. وأينع ربيع طبعه حتى عطر الشام، وتفتحت فيه ورود البلاغة من أنواع أزهار الأقحوان والخزام.
فنقش روابي الأدب بألوان أزهاره، وأزهر مرابع البلاغة بنفيس أنواره فكل روضة من رياض الادب بفصاحة يانعة، وكل مرتبة من الحسب بكمال أخلاقه شاسعة.
أبلغ أهل الفصاحة كلاماً، وأرفع أرباب البلاغة مقاماً.
وأعلاهم فضلا وكرماً وأرجاهم مناخاً وحرماً. صاحب القدر الشامخ، والفخر الرفيع الباذخ.
رئيس حرم المنظوم والمنثور، وشيخ مقامات المفهوم والمنشور.