حتى بدا سيف العذار مجردا ... منه شكوت وقلت هذا قاتلي
*** وفيه:
حديث عذار الحب في خده جرى ... كمسك من الورد الجني تحدرا
فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرى
*** وفيه أيضاً لبعضهم لما طال هذا الحديث في العذار:
لحديث نبت العارضين حلاوة ... وطلاوة هامت به العشاق
فإذا نهاني المرد قلت ترفقوا ... فإليكم هذا الحديث يساق
*** وفيه للصفدي (١):
روى حسنه عن عارض فوق خده ... ومبسمه معنى يروق ويبهج
بأخضر يعلو أحمرا فوق ابيض ... فقلت لهم هذا الحديث المدبج
стр. 142
وفيه للقيراطي (١):
معذر قلت للاحي علي قف ... فإنني عن سماع العذل في صمم
أنظر للامي عذاريه فانهما ... خط الذي علم الإنسان بالقلم
وله فيه:
نسب الورى للمسك خط عذاره ... مذ لاح وهو بخده مكتوب
فبدا لنا منه بصفحة خده ... خط كما قال الورى منسوب
ولغيره (٢):
***
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحت ... وها خط الكمال على الحواشي
*** وللقيراطي (١) ايضا فيه:
стр. 143
ومهفهف يحمي ورود رضابه ... بصوارم سلت من الأجفان
كتب العذار بليقة مسكية ... في خده سطرين بالريحان
*** وفيه لابن رشيق (١):
يا رب أحور أحوى في مراشفه ... لو جاد لي بارتشاف يبرى أسقامي
خط العذار له لاما بوجنته ... من أجلها تستغيث الناس باللام
*** وفيه لبعضهم:
كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهي العذب صاد
وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد
وفي هذين البيتين نوع من أنواع البديع يقال له التوليد (٢). لأن هذا الشاعر ولد منه تشبيه العذار باللام وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم.
وللوداعي (٣) فيه أيضا:
يا عارضه جئت مجيئا حسنا ... فازددا محياه بهاء وسنا
стр. 144
قالت لي أجفاني لما نظرت ... إقبالك هذا عارض ممطرنا
*** وتبعه بعض الشعراء في هذا فقال:
لما بدا في خاله عارض ... وشاق قلبي نبته الأخضر
أمطر أجفاني مستقبلا ... فقلت هذا العارض الممطر
*** وتبعهم ابن نباتة (١) فقال:
وخدك ذا السهل ما باله ... على من رجا قبلة يعسر
عن الورد يروي فيا حسن ما ... رواه لنا خلف الأحمر (٢)
ويا حبذا حوله عارض ... لدمعي هو العارض الممطر
*** وفيه من الباب الأول:
له من الدر عقد فوق شاربه ... وفوق عارضه لام من السبج
стр. 145
يظن من خجل توريد وجنته ... والله ما ذاك إلا من أذى المهج
*** وفيه لابن تميم:
ولما استدارت أعين الناس حوله ... تراقبه حيث استقل وسارا
تمثلت الأهداب في ماء خده ... فخالوا خيال الشعر فيه عذارا
*** وفيه أيضا وهو منوال غريب:
أعد نظراً فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الخد حتى ... أراك مثال أهداب الجفون
*** ومن محاسن صاحب الترجمة قوله في الاقتباس، لما أخذت المدرسة اليونسية التي نحن الآن في خدمتها منه:
مدرسة كانت لأجدادنا ... ووالدي كان قديماً بها
فهي أمانات لنا عندكم ... «ردوا الأمانات إلى أهلها»
*** ومن الاقتباس لابن نباتة:
стр. 146
لقد عدناكم لما ضعفتم ... فلا والله ما وافيتمونا
أفيقوا من ضناكم أو أقيموا ... «فإن عدنا فإنا ظالمونا»
وله فيه:
واغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى (١)
أجد نظراً في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر فيها قاب قوسين أو أدنى (٢)
*** (ول) صفي الدين الحلي (٣):
ومن عجب أني أروم لقاكم ... وطرفي لكم محوى وقلبي لكم مغنى
وآمل أن تدنو الديار وشخصكم ... بقلبي وطرفي قاب قوسين او ادنى
(ول) محمد الشجاعي (٤):
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى ... فسواء أقبلوا أم أدبروا
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر
(ول) أبي الفضل (٥):
стр. 147
أشكو الاقارب لا يغب جفاؤهم ... يقصد أذاي كبيرهم وصغيرهم
هم يعلنوا عند اللقاء مودتي ... والله أعلم ما تكن صدورهم
*** (ول) غيره:
جميع ما يفعله كلفة ... إلا أذاه فهو في الطبع
من حل منا بفناء له ... حل بواد غير ذي زرع
*** ومثله لبعضهم (١):
لئن أخطأت في مدحي ... فما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
*** ومثله أيضا:
ألا أن إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمل لا يقصرن عن لسع (٢)
ظننت بهم خيراً فلما رأيتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع
*** (ول) غيره:
أدمعت عيني فمن أجلها ... يبكي على حالي من لا بكى
أوقعني انسانها في الهوى ... يا أيها الانسان ما غركا
стр. 148
(ول) عبد الرحمن بن سعيد:
خلية الغانيات أسوأ فعل ... فاتقوا الله يا أولي الألباب
وإذا ما سألتموهن شيئا ... فاسألوهن من وراء حجاب
(ول) محمد العبدكاني (١):
إذا كنت متخذاً ضيعة ... فإياك والشركاء الوجوها
ودار الملوك فان الملوك ... إذا دخلوا قرية أفسدوها
*** ومثله قول الآخر مع بديع الاكتفاء:
مليكة الحسن جودي باللقا كرما ... لمغرم مدنف قد مات فيك أذى
أفسدت عيشي فقالت تلك عادتنا ... قد قال سبحانه إن الملوك إذا
وللاحوص (٢):
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السلو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر
*** ومثله
ألا فانظري للبدر في كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تكن الضمائر
***
стр. 149
ولقد أبدع ابن نباتة بقوله (١):
وافى إلي وكأس الراح في يده ... فخلت من لطفه أن النسيم سرى
لا تدرك الراح معنى من شمائله ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
*** ومثله للنواجي (٢):
ساق كبدر دجى يسعى بشمس ضحى ... بين الندامى يفوق الغصن إن خطرا
فاعجب لشمس أضاءت في يدي قمر ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
*** ومثله:
لما تبدى وكاس الراح في يده ... وللعقول بحسن الوجه قد قمرا
شبهته قمراً والراح شمس ضحى ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
*** ومثله:
جاء الحبيب الذي أهواه من سفر ... والشمس قد أثرت في وجهه أثرا
عجبت كيف تحل الشمس في قمر ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا (٣)
***
стр. 150
وللبديع الهمداني (١):
لآل فريغون في المكرمات ... يد أولا واعتذار أخيرا
إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيما وملكا كبيرا
*** (ول) ابن حجر العسقلاني (٢):
خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما جرى بحراً لسرعة سيره
فحبسته لأصون سر هواهم ... حتى يخوضوا في حديث غيره
*** ومثله لبعضهم:
أما السماح فقد مضى وقد انقضى ... فتسل عنه ولا تسل عن خبره
واسكت إذا خاض الورى في ذكره ... حتى يخوضوا في حديث غيره
*** ولغيره من هذا الباب:
نقضتم العهد وخنتمنني ... فحسبي الله القوي الحميد
стр. 151
عساه أن يذهبهم إن يشا ... عني وأن يأتي بخلق جديد
*** ومنه أيضا (١):
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما جرم فصبر جميل
وإن تبدلت به غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
*** (ول) جرجيس الموصلي (٢):
يا من يقول أرنا ... من أنت فيه مبتلى
لا تنظروا حبي ولا ... تلقوا بأيديكم إلى
*** وغيره:
يا مانع الوصل يا حياتي ... يا متلف القلب بالتجني
ذرني فقد زادني شجونا ... أني أرى في المنام أني
*** و (ل) ابن الصائغ (٣):
زار الحبيب بليلة ... ووشاته لا تشعر
فضممته ولثمته ... وفعلت ما لا يذكر
***
стр. 152
غيره:
وصلت بالعشق إلى ... أن رق لي من عذلا
وقال في الحول أزد ... فقلت لا حول ولا
*** غيره:
وصالك والثريا في قران ... وهجرك والجفا فرسا رهان
كأنك ما حفظت لسوء حظي ... من القرآن إلا لن تراني
*** غيره:
أيها المستطيل بالبغي أقصر ... ربما طأطأ الزمان الرءوسا
وتذكر قول الإله تعالى ... إن قارون كان من قوم موسى
*** نوع الاقتباس من اجل أنواع البديع وألطفها، وهو أن يضمن المتكلم كلمة من آية أو آية بتمامها من كتاب الله تعالى. وهذا هو الإجماع. وعد بعضهم المضمن في الكلام من الحديث النبوي وزاد الطيبي (١) الاقتباس من مسائل الفقه أيضا.
ولطيف هنا قول القاضي محيى الدين بن عبد الظاهر (٢) من
стр. 153
اقتباس القرآن في معشوقة المسمى بالنسيم:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
*** وقول شيخ شيوخ حماة (١):
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعتها ... حتى انقضت وأدامتني على وجل (٢)
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل
*** ومنه قوله:
قسماً بشمس جبينه وضحاها ... ونهار مبسمه إذا جلاها
وبنار خديه المشعشع نورها ... وبليل صدغيه إذا يغشاها
لقد ادعيت دعاويا في حبه ... صدقت وأفلح فيه من زكاها
فنفوس عذالي عليه وعذري ... قد ألهمت بفجورها تقواها
فالعذر أسعدها يقوم دليله ... والعذل منبعث له أشقاها
*** ومنه قول ابن قرناص (٣):
стр. 154
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين باصره
أسكنتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهره
ومن اقتباس الحديث قول الصاحب بن عباد (١):
قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فداره
قلت دعني وجهك ال ... جنة حفت بالمكاره
*** وفي مثله قول بعضهم:
ولله في عرض السموات جنة ... ولكنها محفوفة بالمكاره
*** وقول ابن قلاقس (٢) مثله:
وو الله لولا انه جنة المنى ... لما كان محفوفاً لنا بالمكاره
*** ولابن نباتة مثله:
عن قده منع الرقيب ... وبعده داجي عذاره
واها لها من جنة ... حفت بأنواع المكاره
*** ولصفي الدين الحلي مثله:
يا جنة الحسن التي ... حفت لدينا بالمكاره
стр. 155
أني لوجهك عاشق ... ولمنظر الرقباء كاره
ولبعضهم فيه:
وبي عاطر الأنفاس من ورد خده ... ونرجس عينيه وآس عذاره
له وجنة بل جنة من رقيبها ... وواشيه قد حفت لنا بالمكاره
ومن معميات صاحب الترجمة في اسم حسين:
يا سيداً ليس له آخر ... في حينا كلا ولا ثاني
حتى على سيء أخلاقنا ... بالوصل في الهجر لنا باني
وله في خضر:
إن خامر العقل عذولي بلا ... أمر من الحب ولا شرط
لا زال موصوفا بضر الجفا ... في مبتداه حيث لا يخطي
وله في فيل:
ما اسم ثلاثي إذا راح من ... أحرفه حرف فقد صح لي
فثلثه الثاني ثلث من ال ... تالي وثمن جاء للأول
وله في تمساح:
ما اسم خماسي إذا صحف ال ... أكثر للفظة وصف السلاح
تم به البدر ولكنه ... في الماء قد هام زماناً وساح
وله فيه:
ما اسم من بان إذا راح من ... أحرفه ست فباقيه حام
في القلب قد أضحى ولكنه ... في البحر قد بات ليال وعام
وله في لقلق:
стр. 156
ما اسم طير نصفه كله ... في الضعف لكن قلبه أمر
تصحيفه لف وإن راح من ... أحرفه حرف فلي ضجر
قد قام في جزءين لكنه ... ذو اربع تم بها الجهر
*** وعلى ذكر اللقلق رأيت لغزاً في فاختة للمقر الأميني (١) صاحب دواوين الإنشاء وهو بديع في فنه:
وما طائر يهوى الرياض تنزها ... فيسرح في أفنانها ويغرد
هجاء اسمه خمس حروف تعدها ... وخمساه حرف إن تأملت مفرد
وبعدهما تصحيف باقيه إن ترد ... بيانا له أفعى تبين وتشهد (٢)
وفيه أخ إن تهت عنه فأخته ... تدل على من قد عنيت وترشد (٣)
ثم سار هذا اللغز إلى الديار المصرية وحله بقية السلف الشيخ زين الدين بن العجمي (٤) وأجاب عنه يقول:
أيا من له مجد أثيل وسؤدد ... غدا دون مرماه سماك وفرقد
تفيد يسار المقترين يمينه ... ويسراه من يمن الغمامة أجوه
سؤالك عن أنثى طروب ولم تزل ... على عودها في الروض تشدو وتنشد
وتجذبني بالطوق عند نشيدها ... لنحو التصابي لا أطيق أفند
стр. 157
وإن بان منها الطرف أمست لعكسها ... تخاف الردى ممن لها يترصد
وإن حذفت باقي الأخير فانه ... على الحذف خاف بل يلوح ويشهد
وأولها مع ما يليه وطرفها ... لنا فاه بالمعنى الذي منه يقصد
وحرفان منها حرف فرد لناطق ... وأف لمن للعكس في ذاك يجحد
بقيت بقاء الدهر عزك باذخ ... ومن مفرق الجوزا لواؤك يعقد (١)
وألغز ابن حجة في قفص لهذه المناسبة فقال:
أي مغنى أعواده بيت شدو ... مرقص مطرب وبالقلب صفق
ولمجموعه النباتي حسن ... فزت من بعضه بسمع المطوق (٢)
قال ابن حجة: ومما ألحقوه بالألغاز، ما حكي عن بعض الولاة ببغداد، أن العسس جاءوا بغلامين غلب عليهما السكر، فقال لاحدهما: من أبوك؟ فقال الغلام:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
فأطلقه وقد عظم في عينه، وقال هذا أبوه من بيت كبير.
وقال للغلام الآخر: من أبوك؟ فقال الغلام:
أنا ابن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الوفود خاضعة ... يأخذ من مالها ومن دمها (٣)
فقال الوالي: ما أشك أن هذا كان ابوه ملكا شجاعا. فأمر
стр. 158
بإطلاقه. فلما انصرفا كان في المجلس رجل نبيه، فقال للوالي:
أما الأول فكان أبوه يبيع الفول وأما الثاني فإن أباه حجام (١).
فاعجب الوالي منهما وقال:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب (٢)
ان الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي (٣)
ولصاحب الترجمة في رهطي (٤):
يا صاحب النظر المنظور والقلم ال ... مسطور والعلم المشهور في الغرر
أمن شهاب نجوم من ذكائك في ... ألبابنا لاستراق الشعر منحدر
أم هكذا تفعل الألفاظ فينا كما ... قد تفعل الخمر في ألباب ذي الحور
أنت المفرق أفكاري فقد طميت ... يا بحر واستغربت عن رايق الدرر
أنت الممحل أرضا قد زرعت بها ... أغصان مجد فجد يا غيم بالمطر
أنت المغيب أقماري إذا طلعت ... أنت المقيد أفهامي فلم تسر
إن قلت ما اسم لشيء في السماء له ... مقاعد قلت ما هذا من البشر
أو قلت في الأرض ممساه ومصبحه ... ولا يرى قلت هذا غير مقتدر
يا نسمة العرف لا أخليت من أرج ... هبي وطهري قلبا منه واستتري
وإن قدرت على تشويش طرته ... فشوشيها ولا تبقي ولا تذري (٥)
*** وله لغز في قلم:
ما اسم لمن قهر الجبابرة ال ... عتاة وذل أصحاب العساكر (٦)
стр. 159
وجرى بميدان البراز ... وجر أذيال التفاخر
كم سؤدد وهو المسود ... قد كساه لكل زاهر
كم من أمير قد خفي ... أضحى به بالضر آمر
ذو مرود لو لم يكن ... سيفاً لما قد كان باتر (١)
ذو سطوة لو لم يكن ... ملكا لأمسى العزم فاتر
أفعاله اللائي سررن ... ملأن أفئدة الدفاتر
ألفاظه اللائي رضين ... ظنن فيها سحر ساحر
قاض أولي بأس شديد ... عادل لكن جائر (٢)
هو مرسل ومصدق ... قد جاء في القرآن ظاهر
قد أظهر الأعجاز في ... آياته وتراه شاعر
لكن اكذب ما يكون ... إذا رقى فوق المنابر
ومن العجائب أنه ... لا يخلو من قبر وقابر
فاعجب لمقهور وقاهر ... لا بل لمأسور وآسر
هو في ثلاث بل ثلاثي ... ثلثه في القبض دائر
في كل قلب منه جز ... آن وجزء فيه آخر
والجزء جزأه كجزء منه ... أن ترقبه فاخر
فأبنه إن فقت الأوا ... ئل عزة وكذا الأواخر
وبرحت ممن ينشر المخ ... في في طي السرائر
*** وفيه لبعضهم:
стр. 160
وذي اصفرار راكع ساجد ... أخي نحول دمعه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها ... معتكف في خدمة الباري (١)
*** وفيه أيضاً:
وأهيف مذبوح على صدر غيره ... يترجم عن ذي منطق وهو أبكم
تراه قصيراً كلما طال عمره ... ويضحي بليغا وهو لا يتكلم
*** وفيه:
بصير بما يوحى إليه وماله ... لسان ولا قلب ولا هو سامع
كأن ضمير القلب باح بسره ... إليه إذا ما حركته الأصابع
*** ولصاحب الترجمة لغزاً في حسام:
ما اسم شيء أقام ملوك ال ... أرض وانتصروا على الأعداء
هو حام وفيه سام ولكن ... هو من عهد آدم الأسماء
سح جوداً على الورى وكذا ما ... عكس الأمر بان للآراء
داره الجفن أكله اللحم دأباً ... ومن الماء شربه والدماء
*** وله في جدث:
ما اسم شيء لا بد للمرء منه ... وسيدخله لو تعمر حقبا
فإذا رمت كشفه فاعتبره ... بعد تصحيفه وإلا فجذبا
***
стр. 161
وله في مروحة:
ما اسم شيء فيه ... روح بلا نفس
عاش في العام ربعه ... في ضياء وفي غلس
وبباقيه روحه ... بين عم وفي عبس
هو كف وساعد ... أبداً في العلا جلس
ليس فيه تنفس ... والي الريح قد حبس
وبلا روح جسمه ... وإذا مات لم يمس
هو إن راح قلبه ... حرم الناس في النفس
*** وفيها لبعضهم:
وطائرة ترفرف بالجناح ... وترقص في المساء وفي الصباح
مرفعة على كل البرايا ... تسرك في الغدو وفي الرواح
لها من خلفها أبداً رسول ... يسير بها على هوج الرياح
وفيها أيضاً:
ومحبوبة في القيظ لم تخل من يد ... وفي القر تسلوها أكف الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاً ... أتت بالهوا الممدود من كل جانب (١)
وعلى ذكر المروحة ما نقله أبو الفوارس إسرائيل الدمشقي قال: كنت عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فحضر رسول صاحب المدينة المصطفوية، على ساكنها أفضل الصلاة وأكمل تحية، ومعه هدايا وتحف. فلما جلس أخرج من كمه
стр. 162
مروحة مكتوب عليها سطران (١) بالسعف الأحمر، وقال:
الشريف يخدم مولانا السلطان، ويقول هذه المروحة ما رأى السلطان ولا أحد من بني أيوب مثلها فاستشاط الملك غضبا، فقال الرسول: يا مولانا السلطان، لا تعجل بالغضب قبل تأملها. وكان السلطان صلاح الدين ملكاً حليماً، فإذا مكتوب فيها:
أنا من نخلة تجاور قبراً ... ساد من فيه سائر الناس طرا
شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أقرا
*** وعلى ذكر الألغاز ما أنشأته في الشمع، وأرسلته لبعض الإخوان الأدباء وهو:
يا سيدي ومنجدي ... ومن به معتمدي
يا أوحد العصر ويا ... أبجل من في البلد
فقت أناسي وقتنا ... بالحب والتودد
ما اسم ثلاثي رقى ... إلى العلا بسؤدد
أوصافه عجيبة ... كثيرة بالعدد
يزهد في أوقاته ... فمرة بمعبد
وتارة بحانة ... وتارة بمسجد
آلاؤه غزيرة ... وقلبه لحسدي
بعينهم يحصل ما ... سعدت سعداً أبدي
تصحيفه عطية ... من واحد لم يلد
لا تقرب المفقود من ... هذا إلى التودد
стр. 163
إن قام يسعى بغتة ... شابه شكل الفرقد
فأبيض مستخدم ... يدعى برأس الأسود
أكرم به في خلوة ... نعم حبيب مسعدي
يستر عن كل الورى ... فهو رقيب الموعد
فلا ينم عن عاشق ... ولا يبث عن أحد
يأسى على أحبابه ... أسى الرقيب المعتدي
فالشمس في ضيائه ... والبدر في التوقد
ثعبان شكل وسنا ... وعقرب بلا يد
يخدم كل زاهد ... يسطو بقلب جلمد
يساعد الكافر في ال ... كفر وفي التعبد
يصحب كل كامل ... يصحب كل سيد
يخدم كل الناس بل ... يسعى إلى كل ردي
لا يصحب الخطيب بل ... مع النجيب المقتدي
فإن أقل ما فيه من ... وصفي لكل مهتدي
غزيرة جليلة ... كثيرة بالعدد
لا زلت يا خير الورى ... تعلو لفرق الفرقد
حلال أشكال وكم ... من معضل معقد
دم بسعود وعلا ... يا خير خير منجد
*** تنازعت المصالح فآل الأمر إلى قول صاحب الترجمة في نحوي:
تنازعت لحظاه في قتلتي ... فقلت هل ذا جاز يا قاتلي
стр. 164
قال نعم في النحو قد جوزوا ... تنازع الفعلين في عامل
*** وله فيه:
لما رأيت الواو في صدغه ... فقلت جد بالعطف والوصل
فقال في النحو لقد جوزوا ... عطفي وقد قالوه في الأصل
على ضمير المتصل لم يجز ... من غير تأكيد ولا فصل
*** وله فيه أيضاً:
قد قيل لي إن بشيراً أتى ... يبشر العشاق بالقرب
فقلت هذا خبر قد فشا ... محتمل للصدق والكذب
*** ولابن الوردي فيه (١):
وأغيد يسألني ... ما المبتدأ والخبر (٢)
مثلهما لي مسرعا ... فقلت انت القمر
*** (ول) ابن العربي فيه (٣):
لي حبيب بالنحو أصبح مغرى ... هو مني بما أعانيه أدرى
قلت ماذا تقول حين تنادي ... يا حبيبي المضاف نحوك جرا
قال لي يا غلام أو يا غلامي ... قلت لبيك ثم لبيك عشرا
***
стр. 165
(ول) ابى المحاسن الشواء فيه (١):
ومتصف بالنحو أعرب حسنه ... فاورد إشكالا غدا عنه مسئولا
سقامي فعل لازم وصدوده ... له فاعل لم صير القلب مفعولا
*** وظريف هنا قول بعضهم:
ألف القوام وواو صدغك بعدها ... ياء العذار المستدير لمحنتي
أعللن جسمي بالصدود فسميت ... عند النحاة إذا حروف العلة
*** (ول) ابن الزين فيه (٢):
سباني حسن نحوي بديع ... إذا وعد التواصل ليس ينجز
أراني وجهه جمل المعاني ... وعارضه مقدمة المطرز
*** ومما قلت أنا فيه:
فحاجبه نون الوقاية صدغه ... إلى العطف واو ليس ينفك عن عطفي
ولما رفعت الحال أرجو تعطفا ... إلى الوصل نادى في مطالبة الصرف
*** وفيه لابن العفيف (٣):
стр. 166
يا رب نحوي له مبسم ... تقبيله غاية مطلوبي
قد صغر الجوهر من ثغره ... لكنه تصغير محبوبي
*** وفيه لبعضهم أيضا:
أفدي الغزال الذي بالنحو كلمني ... مناظرا فاجتنيت الشهد من شفته
ثم افترقنا على حال وصفت به ... فالنصب من صفتي والرفع من صفته
*** وتلطف من قال:
قد زارني يوماً على غفلة ... وجاءني في موضع خال
كنت له رفعاً على الابتدا ... وكان لي نصباً على الحال
*** (ول) ابن يغمور فيه (١):
ومليح تعلم النحو يلقى ... مشكلات منه بلفظ وجيز
ما تميزت وجهه قط إلا ... قام هذا نصباً على التمييز
*** وقلت فيه:
لام العذار لخفض المستهام تلا ... ثم ابتدا بالجفا واعتاض بي بدلا
وقال قلبك معتل فقلت له ... للغير حقا واما في هواك فلا
*** (ول) ابن نباتة في مليح معذر نحوي:
رب نحوي بدا في خده ... عارض كاللام ما اعلا وأسنى
стр. 167
قلت ما هذا السواد المشتهى ... قال حرف جاء في الحسن لمعنى
*** (ول) الشهاب الحجازي (١) فيه:
روحي الفداء لنحوي فتنت به ... وشاع حبي فيه فهو مشهور
قد جر باللحظ قلبي نحوه فلذا ... قلبي وألحاظه جار ومجرور
*** (ول) النواجي (٢) فيه:
يا أيها النحوي رق فادمعي ... قد أعربت وجداً عليك خفيا
وجوارحي بنيت على ألم النوى ... فاعجب لحالي معربا مبنيا
*** ولصاحب الترجمة في منطقي:
تهت في حب منطقي جميل ... ليس في حسنه البديع مقارن
قال لي حين قلت وجهك بدر ... بين وجهي ووجهه لتباين
*** وقلت فيه:
أبصرت شكلا حسنا ... فقلت وصلا قد دنا
فقال لي في صلف ... نتيجة الشكل العنا
*** وفيه لابن العفيف (٣):
للمنطقيين أشتكي أبدا ... عين رقيب يا ليته هجعا
حاذرها من أحبه فأبى ... أن نختلي ساعة فنجتمعا
стр. 168
كيف غدت في الهوى وما انفصلت ... مانعة الجمع والخلو معا
*** وقلت فيه:
وذو منطق عذب تصور غايتي ... ليسلب قلبي وهو جزئي بلا مرا
وما فيه إيجاب لشكوى توجعي ... بديهي صد ليس يدري بما جرى
*** وقلت فيه أيضاً:
ومنطقي جاءني ... يسأل مني ما الخبر
قلت له ماهيتي ... تنبيك عن نفس الكدر
*** وقلت أيضا فيه:
ذو منطق عذب اللمى ... أوقعني في ضرر
قلت له كسبك ما ... فقال كسبي نظري
*** ولمولانا العبدلي (١) فيه:
ما للمثال الذي ما زال مشتهراً ... للمنطقيين في الشرطي تسديد
أما رأوا وجه من أهوى وطرته ... فالشمس طالعة والليل موجود
*** وقلت فيه على البدية:
ذو منطق طلق عذب بكل فم ... ما مثله أبدا في سائر الأمم
стр. 169
بدا كبدر الدجى والشمس طالعة ... فهذه آية للحاسب الفهم
*** ولصاحب الترجمة فيمن قرأ آداب البحث والمناظرة:
همت بمن ناظرني في الهوى ... فحسبي الله ونعم الوكيل
إن قلت صلني فغدا قائلا ... إن كنت لي مدعيا فالدليل
*** وقلت فيه:
أفديه من واحد أضحى كشمس ضحى ... بالحسن ما في الورى شخص يناظره
ومذ رأى أنني في العشق مدعياً ... مع الدليل ولم أقدر أشاطره (١)
طوى الحديث ولم يطلب مباحثتي ... يا ليتني كنت قطعا لا أكابره
*** وأنا قلت فيه أيضاً:
ومليح يقرا لآداب بحث ... ما له في الورى شريك مداني
يدعى الحسن والدليل عليه ... قوله لي مؤكداً لن تراني
*** ولصاحب الترجمة في عروضي:
أهوى عروضيا فيا حسنه ... ما لاح للعاشق إلا تلف
في خده الحسن غدا كاملا ... وشعره الوافر لا يختلف
كلاهما في وجهه جمعا ... أقول ذا دائرة المؤتلف (٢)
стр. 170
وأيضا قلت فيه:
وأديب يقري العروض جميل ... وأنا في هواه كم خضت بحرا
قلت تقري لمغرم قال لا لا ... إن مجزوء عشقنا ليس يقرا
*** وقلت:
وكامل في حسنه ... شوقي إليه وافر
طلبت وصلا قال لي ... بحر غرامي زاخر
*** (ول) نصر الله بن الفقيه المصري (١) فيه:
وبقلبي من الهموم مديد ... وبسيط ووافر وطويل
لم اكن عالما بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل
*** ومن محاسن صاحب الترجمة قوله في رمال:
فتنت برمال حلا عذب ريقه ... وفي ثغره الدر الثمين تنضدا
رأيت بخديه بياضاً وحمرة ... فقلت لك البشرى اجتماع تولدا
*** وقلت فيه:
وخارج عن حدود الحسن شمس ضحى ... هواه داخل أحشائي مع الخلد
стр. 171
فقلت وهو برمل مولع دنف ... لنا اجتماع فقال الوصل بالعدد
وقلت فيه أيضا:
ومولع في رمله ... يحكى من الخال النقط
قلت اجتماع سيدي ... قال نعم ثم سقط
*** وفيه لابن الوردي:
حكى العقيق والنقا ... بالرمل والأنامل
وقال وصلي عقله ... إلا بقبض الداخل
*** وله في منجم:
ورب منجم قد صد عني ... وبي أبداً برؤيته ولوع
فقلت عساك ترجع عن قريب ... فقال الشمس ليس لها رجوع
*** وفيه لصاحب الترجمة:
إني هويت منجما ... بالحسن قد صار مثل
إن قلت صلني قال لي ... الشمس في بيت زحل
*** ومما يدلك على افضاله، ومزيد كماله، ما سنح به طبعه البليغ من بعض رسائله المنثورة، وآثاره المشهورة. ولنورد منها نبذة خفيفة، ورسائل من منشآته لطيفة. حتى يحصل لك الاطلاع، وتلتذ بسماعه النفوس والطباع.
منها ما أرسله إلى شيخ الإسلام تهنئة له بالعيد:
أهنيك في ذا العيد والعيد إنما ... يهني أولي الافضال فيك ويعظم
стр. 172
فأنت الذي في كل يوم تحجه ... وفود له منها غني ومعدم
وقاصد حج البيت في العام مرة ... وذلك ممن يستطيع ويقدم
فلا زلت للإسلام شيخاً وملجأ ... وركناً ومقصوداً تجود وتنعم
هذا العيد بين الأيام، كالمولى بين الأنام. فكما نهنيك به يهنينا بك، وكما نرفع الأيدي بالدعاء به إلى الله نرفع أيدي الدعاء لك. وان كان به الحج، وبه العج والثج (١) فالمولى أيده الله كعبة الجود وزمزم الكرم، وفي كل يوم مقصود وعلى بابه تنحر النعم. وإن كان شهره خاتمة الشهور، فالسيد السند أدامه الله ثمرة الأفاضل ونتيجة الدهور، فلا زال ركن الفضلاء وملجأ الضعفاء، وملاذ الأدباء.
فانظر إلى هذه المناسبات الوحيدة، والعقود النضيدة، والألفاظ الفريدة، فإنها كعقود الجمان، غريبة بهذا الزمان.
*** وله رسالة أخرى في قاضي عسكر الروم مثلها:
أهنيك في عيد سما بك رفعة ... وما كان لولا النحر يعرف عيد
فأنت به الأيام عيد على الورى ... وهذا عليهم كل عام يعود
نهنيك في ذا العيد كما نهني أنفسنا بك، وندعو الله بدوام سعادته عليك كما ندعو بطول البقاء لك. فأنت مركز دائرة الأفاضل، وقطب فلك الفضائل. ونحن وان لم نر من حسنات آثارك، فقد استنشقنا من شذاها أخبارك، وقد حج العبد لكعبة بابك، ليستمسك بالعروة الوثقى من جنابك. تنتثر منه حوادث
стр. 173
هذا الزمن الغدار، ويتوب عما جناه معه ضر الدهر في هذه الأسفار. فإنه من شجرة مباركة طابت أصلا وفرعا، ونفس زاكية راقت ورقت خلقاً وطبعا. عمري النسب، قرشي الحسب.
عزيز قومه ودياره، وكريم أهله وجاره. إلا أن قوس الغربة رمته بحنايا الذل في هذا البلد. فأصبح بعد ما كان معروفا ينكره كل أحد. وإلى الله المشتكى وإليك، وعلى الله الاعتماد وعليك.
فهمتك قيد الأوابد، ووقف على سبل المحامد.
فارجع البصر كرتين، وانظر إلى هذه الرسالتين، تر (١) العجب العجاب، وأغرابها في هذا الباب. فإنها بديعة الحسن والجمال، على كل حال.
*** وله مثلها إلى قاضي عسكر أناظولي وهي:
أهنيك في العيد الذي أنت في الورى ... كما هو في الأيام أصبح مفردا
فلا زالت الأيام أعياد كلها ... بسعدك والاعدا ببابك سجدا
هنيئاً لك بهذا العيد السعيد، وأحسن الله لك فيه التعييد. وجعل نجلك الماجد واسطة عقد الشرف، وخلفا صالحا لمن سلف. وأراه بناته وبنيه، وما يريك خالقك فيه. وأسعدنا بك، كما سعدت الأيام بوجودك. وزال عنا الضر، كما زالت كوارث الحوادث بسعودك. فإن هذا العبد الداعي قد رمي بسهام الذل في هذه البلاد بعد ما كان عزيز قومه الانجاد. الجد عمر الفاروق ولا فخر، والقوم قريش أولو النجدة والقدر. وقد طاف حول كعبة كرمك، واستلم الأسعد من ركن هممك. فعسى تمحى منه خطوط الاشكال في
стр. 174
هذه الأيام. ويتوب الدهر عما صنع معه من الشدائد والآلام، فلا برحت أيامك الغر كالأعياد، وأعداؤك في قيد الذل يهيمون في كل شعب وواد.
*** ومن الرائق من كلامه العذب الزلال، الذي هو في هذا الباب من السحر الحلال قوله في رسالة إلى شيخ الإسلام:
بعد تقبيل اليد الكريمة التي هي قطب فلك المعالي، ومركز دائرة الأفاضل والأعالي. لا زال موليها في ذروة أوج الشرف ولا برح منطقة بروج السلف والخلف، بمنه وكرمه.
المعروض للمولى الذي هو مركز العالم بل عمود الدين، والمتمم الحاوي لأمور العالمين: إن هذا العبد الداعي قد لفظته يد الغربة من قوس المصائب في حضيض التعب والنصب. فأصبح- بعد ما كان في بلده في دورة التدوير عقدة الرأس- في هذه البقاع عقدة الذنب، والآن هو في ظل الحدثان، يقاسي الذل وخطة الخسوف، وقد توسط بينه وبين الأبصار كثافة هذا الزمان فلحقه الكسف والكسوف. والمأمول من المولى أيده الله، أن ينجده من زاوية الانعكاس إلى زاوية القائمة والمنفرجة، ويجعل خط حظه المائل مستقيماً، ويرفع عنه خطوط الأشكال المتعوجة، وينجز بوعده فإنه الصادق إذا وعد، وهل ينكر طلوع الصبح وبزوغ الشمس بغير اعتراض الفجر الصادق أحد. فالله يجعل عامه الجديد، وشهره السعيد، محرما عن الكدورات والخطرات.
ربيع الخيرات والحسنات، بالنبي الأمين، وآله وأصحابه الغر الميامين.
стр. 175
مراد بن علي العمري (١)
ومنهم أخي مراد ذو الطبع النقاد
فارس ميدان الكمال ومنتهى جموعها، ومالك قيود النوال ومليك ربوعها. جال في أطرافها على أغر محجل، والتقط جواهر الكمالات بأطراف الأسنة والأسل. ركب كل صعب وذلول، وتعاطى في أنديتها أقداح سلافة الشمول. واستخدم الأدب فأغنى عن الخدم، وملك الأمر والنهي والقرطاس والقلم. ففم قلمه سحاب هامع، وصحيفة فضله ميدان واسع. في الله ما أحسنه فاها، وما أعلاه جاها. حديثه يورث السرور، وهو الحسنة الباقية مدى الأعوام والدهور.
قيل إنه كان إبان شبابه تفاحة ندمائه، وريحانة أصحابه.
يظهر من أدبه ما يبهر العقول، ويعيي الفحول. من فضل وأدب، وكمال منتخب. وفنون فصاحة، وعيون رجاحة. ونظم رسائل،
стр. 176
ومعجزات دلائل. واختراعات دقيقة، ومداعبات رقيقة، ومنظومات رشيقة. ترتاح لها الخواطر، وتنظمها نظم الأساور بالخناصر.
فمن مكنوناته، ورائق مخزوناته: رسائله مع شروحها في الأصول وآداب البحث والعقائد، بألفاظ كاللآلي ومعان كالفرائد.
وقد هذبها ونقحها، وضوعها وفوحها.
وكان ﵀ مأنوس الربع لكماله، حديد الطبع لجلاله.
يدعي في العلم الوحدة، وموت الفضائل بعده. ولهذا على ما بلغني إذ أني لم أره، وقعت وحشة بينه وبين الوالد، ما كدرت به المشارب وغيرت الموارد. ثم لذلك سافر إلى دار السلطنة، والأجل قد أخذ زمامه وجذب رسنه، فانمحت تلك الحسنة، في تلك الأمكنة.
وهناك اختطفته يد المنية، وسلبته الأمنية. فهو وديعة في تلك الأرض، إلى يوم الجزاء والعرض. وعليه الدهر انشد، في قلب حزين مكمد.
إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسف ... على فقيدهم فاحلل بنادينا
لا عين إلا وقد باتت مؤرقة ... له ولا قلب إلا بات محزونا
فمن آثاره الزاهرة، التي هي بأنواع المعارف ناظرة قوله:
لم يحظ قلبي من طرفي له لحظاً ... إلا على أسهم صيرته حرضا
وجمرة الحسن منذ شبت بوجنته ... شبت بمهجتي الحراء نار لظى
يا ويح من بهواه صار مفتتناً ... لو كان يعلم ما لاقيت لا تعظا (١)
كم بت ليلي وأجفاني معلقة ... بالزهر لا ارتجي إلا بلاغ رضا
стр. 177
هذا المعنى لطيف، وفي بابه ظريف. إلا أنه قد سبقه ابن
قلاقس (١)، وأتى بما هو البديع ... الغريب، وأخذ منه النصيب وأي
نصيب، وأورده في قصيدة أولها:
رد الركاب لأمر عن في خلدي ... وسمه في بديع الحب ترديدا
وقف أبثك مالان الحديد له ... فان صدقت فقل هل صرت داودا
والبيت المطلوب منها قوله:
حلت عرى النوم عن أجفان ساهرة ... رد الهوى هدبها في النجم معقودا
وهذه القصيدة غريبة في بابها، منها في حسن التخلص إلى مديح ابي منصور محمود:
مالي ومال القوافي لا أسيرها ... إلا وأقعد محروماً ومحسودا
أسكرتهم بكؤوس المدح مترعة ... ولم أنل منهم إلا العرابيدا
سمعت بالجود مفقوداً فهل أحد ... يقول لي قد وجدت الجود موجودا
الحمد لله لا والله ما نظرت ... عيناي بعد أبي المنصور محمودا
*** ورأيت للصفدي قصيدة على هذه القافية وقد التزم فيها التجنيس وأتى ببعض أنواعه وهي قوله:
حرص العذول على السلو وحرضا ... فغضضت عنه وفي الحشا جمر الغضا
стр. 178
يا جيرة جاروا وقد عدلوا إلى ... بعدي وما عندي لهم إلا الرضا
أنسيتم أنسي وحاشا ودكم ... أو عهدكم أن ينقضي أو ينقضا
يا موقف التوديع إن مدامعي ... نضبت وفاضت أن ترى ذاك الفضا
*** وتتمة القصيدة لصاحب الترجمة:
وكم إلى نحوه قد سرت مجتهدا ... مؤدياً كل ما قد سن وافترضا
هذا ولم يرضه مني فيا أسفي ... إذ لم أنل قربه والغير فيه حضا (كذا)
وليس ينفعني إذ لم يساعدني ... جدي فيا حسرتي إذ لم أنل غرضا
فدع عذولي لومي واتخذ سكنا ... غيري فإني لا أرضى به عوضا
لو كان عاشقه يبغي به بدلا ... حين اللقاء ولو بدر الدجى اعترضا
لما تجشم ما قاساه من ألم ... يسقيه في كل يوم دهره مضضا
أنى يكون سلو عن محاسنه ... وبعضها منه بدر التم اقترضا
من خصره ليس للعشاق غير ضنى ... وطرفه إنما يهدي له مرضا
أقسمت حقاً بديني وهو لي عشقي ... إذ لو رأى ثغره الوضاح ما رفضا
بالأمس قد كان وصل منك عاجله ... سخط فيا حبذا أن يعتريه رضا
فإن تسل حاجتي يا بغيتي فكما ... عهدت فالطف فعمري في هواك مضى
*** ومن نفثات بابلياته قوله في المديح:
أدامك ربي بالسعود مؤيدا ... وأولاك مجداً لا يزال مجددا
стр. 179
أيا مالك الدنيا ومالك رقها ... لانت لدين الله قد جئت مسعدا
حميت حمى الإسلام من كل ملة ... فأضحى بك الدين الحنيف مشيدا
بك الملة الغراء نارت وأزهرت ... وقد عاد دين الشرك بالكفر أسودا
بك اعتزت الإسلام بعد خمولها ... وصار بك الشرع الشريف مؤيدا
بك انتصرت أهل الشريعة والهدى ... وحازت فخاراً لا يبارى وسؤددا
فيا ملكا نار الوجود بجوده ... وأحيا موات المكرمات وأنجدا
أيا ملكا حاز السعادة مرضعا ... ونال من الإقبال ما لن يحددا
أيا ملكا قد حاز كل جلالة ... وكل وقار كاد أن يتجسدا
لقد أذعنت كل الملوك مهابة ... لحضرتك العلياء إذ كنت مقتدى
سبقت الالى جداً وعزماً وهمة ... وفضلا وعلماً جل أن يتعددا
وإن كنت من حيث الزمان مؤخرا ... تقدمتهم ملكا ومجداً ومحتدا
*** رأيت للمحبي صاحب النفحة (١) أبياتاً في هذا المعنى وهي قوله من قصيدة:
ولئن تأخر عمره عنهم فما ... هو في سبيل المجد بالمتأخر
ليس الزمان بموجب تفضيلهم ... فسميه المختار آخر منذر
والطل قبل الوبل والأسفار من ... قبل الضحى والخلد بعد المحشر
وتجيء فذلكة الحساب أخيرة ... لتكون جامعة العديد الاوفر
***
стр. 180
ومنها قوله في ذم الدهر ومعاملته بالهجر والقهر:
ولقد عرفت بنيه معرفتي به ... فعجبت من حظ اللبيب المدبر
والناس أميل ما رأيت إلى الفتى ... فيكاد يعدو كل حر موسر
ولرب ذي فضل يواصل ليله ... طياً وجهداً في النعيم الأوفر
لا سامح الله الزمان فانه ... من شأنه تقديم كل مؤخر
والنذل أضعف ما يرى متقدما ... كتقدم المعمول قبل المصدر
والمرء أجمل ما يكون مجردا ... كالعضب ليس يقد ما لم يشهر
وإذا الضمائر في المراتب قدمت ... وتظاهرت حسن اختفاء المضمر
*** ومن تتمة القصيدة المترجمة:
فكيف وقد أفنيت كل طليعة ... من الكفر حتى كاد أن ليس يوجدا
فللت جيوش الكافرين فقد غدت ... لوحش الفلا قتلاهم اليوم موردا
وكيف وقد أبليتهم بعساكر ... تمور كبحر حفه السيل مزبدا
حوى كل مقدام شديد كأنه ... هزبر إذا ما قامت الحرب أرعدا
إذا طفئت نار العريكة شبها ... وإن همدت بالنبل والرمح أوقدا
فلم تر إلا سمهريا بكفه ... يشرعه أولا حساما مهندا (١)
ففي رمحهم تزري ثعالب رمحه ... ومن نبله خلت الفوارس شردا
فتحسب هاتيك الجيوش سحائباً ... مدافعها كالرعد ما زال مرعدا
وتوهم هاتيك السيوف بوارقاً ... لقد غشيت من لمعها أعين العدى
وخلت نبال النصر فوق خيولهم ... كوبل يسح الغيث منه معربدا