ومعجزات دلائل. واختراعات دقيقة، ومداعبات رقيقة، ومنظومات رشيقة. ترتاح لها الخواطر، وتنظمها نظم الأساور بالخناصر.
فمن مكنوناته، ورائق مخزوناته: رسائله مع شروحها في الأصول وآداب البحث والعقائد، بألفاظ كاللآلي ومعان كالفرائد.
وقد هذبها ونقحها، وضوعها وفوحها.
وكان ﵀ مأنوس الربع لكماله، حديد الطبع لجلاله.
يدعي في العلم الوحدة، وموت الفضائل بعده. ولهذا على ما بلغني إذ أني لم أره، وقعت وحشة بينه وبين الوالد، ما كدرت به المشارب وغيرت الموارد. ثم لذلك سافر إلى دار السلطنة، والأجل قد أخذ زمامه وجذب رسنه، فانمحت تلك الحسنة، في تلك الأمكنة.
وهناك اختطفته يد المنية، وسلبته الأمنية. فهو وديعة في تلك الأرض، إلى يوم الجزاء والعرض. وعليه الدهر انشد، في قلب حزين مكمد.
إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسف ... على فقيدهم فاحلل بنادينا
لا عين إلا وقد باتت مؤرقة ... له ولا قلب إلا بات محزونا
فمن آثاره الزاهرة، التي هي بأنواع المعارف ناظرة قوله:
لم يحظ قلبي من طرفي له لحظاً ... إلا على أسهم صيرته حرضا
وجمرة الحسن منذ شبت بوجنته ... شبت بمهجتي الحراء نار لظى
يا ويح من بهواه صار مفتتناً ... لو كان يعلم ما لاقيت لا تعظا (١)
كم بت ليلي وأجفاني معلقة ... بالزهر لا ارتجي إلا بلاغ رضا
стр. 177
هذا المعنى لطيف، وفي بابه ظريف. إلا أنه قد سبقه ابن
قلاقس (١)، وأتى بما هو البديع ... الغريب، وأخذ منه النصيب وأي
نصيب، وأورده في قصيدة أولها:
رد الركاب لأمر عن في خلدي ... وسمه في بديع الحب ترديدا
وقف أبثك مالان الحديد له ... فان صدقت فقل هل صرت داودا
والبيت المطلوب منها قوله:
حلت عرى النوم عن أجفان ساهرة ... رد الهوى هدبها في النجم معقودا
وهذه القصيدة غريبة في بابها، منها في حسن التخلص إلى مديح ابي منصور محمود:
مالي ومال القوافي لا أسيرها ... إلا وأقعد محروماً ومحسودا
أسكرتهم بكؤوس المدح مترعة ... ولم أنل منهم إلا العرابيدا
سمعت بالجود مفقوداً فهل أحد ... يقول لي قد وجدت الجود موجودا
الحمد لله لا والله ما نظرت ... عيناي بعد أبي المنصور محمودا
*** ورأيت للصفدي قصيدة على هذه القافية وقد التزم فيها التجنيس وأتى ببعض أنواعه وهي قوله:
حرص العذول على السلو وحرضا ... فغضضت عنه وفي الحشا جمر الغضا
стр. 178
يا جيرة جاروا وقد عدلوا إلى ... بعدي وما عندي لهم إلا الرضا
أنسيتم أنسي وحاشا ودكم ... أو عهدكم أن ينقضي أو ينقضا
يا موقف التوديع إن مدامعي ... نضبت وفاضت أن ترى ذاك الفضا
*** وتتمة القصيدة لصاحب الترجمة:
وكم إلى نحوه قد سرت مجتهدا ... مؤدياً كل ما قد سن وافترضا
هذا ولم يرضه مني فيا أسفي ... إذ لم أنل قربه والغير فيه حضا (كذا)
وليس ينفعني إذ لم يساعدني ... جدي فيا حسرتي إذ لم أنل غرضا
فدع عذولي لومي واتخذ سكنا ... غيري فإني لا أرضى به عوضا
لو كان عاشقه يبغي به بدلا ... حين اللقاء ولو بدر الدجى اعترضا
لما تجشم ما قاساه من ألم ... يسقيه في كل يوم دهره مضضا
أنى يكون سلو عن محاسنه ... وبعضها منه بدر التم اقترضا
من خصره ليس للعشاق غير ضنى ... وطرفه إنما يهدي له مرضا
أقسمت حقاً بديني وهو لي عشقي ... إذ لو رأى ثغره الوضاح ما رفضا
بالأمس قد كان وصل منك عاجله ... سخط فيا حبذا أن يعتريه رضا
فإن تسل حاجتي يا بغيتي فكما ... عهدت فالطف فعمري في هواك مضى
*** ومن نفثات بابلياته قوله في المديح:
أدامك ربي بالسعود مؤيدا ... وأولاك مجداً لا يزال مجددا
стр. 179
أيا مالك الدنيا ومالك رقها ... لانت لدين الله قد جئت مسعدا
حميت حمى الإسلام من كل ملة ... فأضحى بك الدين الحنيف مشيدا
بك الملة الغراء نارت وأزهرت ... وقد عاد دين الشرك بالكفر أسودا
بك اعتزت الإسلام بعد خمولها ... وصار بك الشرع الشريف مؤيدا
بك انتصرت أهل الشريعة والهدى ... وحازت فخاراً لا يبارى وسؤددا
فيا ملكا نار الوجود بجوده ... وأحيا موات المكرمات وأنجدا
أيا ملكا حاز السعادة مرضعا ... ونال من الإقبال ما لن يحددا
أيا ملكا قد حاز كل جلالة ... وكل وقار كاد أن يتجسدا
لقد أذعنت كل الملوك مهابة ... لحضرتك العلياء إذ كنت مقتدى
سبقت الالى جداً وعزماً وهمة ... وفضلا وعلماً جل أن يتعددا
وإن كنت من حيث الزمان مؤخرا ... تقدمتهم ملكا ومجداً ومحتدا
*** رأيت للمحبي صاحب النفحة (١) أبياتاً في هذا المعنى وهي قوله من قصيدة:
ولئن تأخر عمره عنهم فما ... هو في سبيل المجد بالمتأخر
ليس الزمان بموجب تفضيلهم ... فسميه المختار آخر منذر
والطل قبل الوبل والأسفار من ... قبل الضحى والخلد بعد المحشر
وتجيء فذلكة الحساب أخيرة ... لتكون جامعة العديد الاوفر
***
стр. 180
ومنها قوله في ذم الدهر ومعاملته بالهجر والقهر:
ولقد عرفت بنيه معرفتي به ... فعجبت من حظ اللبيب المدبر
والناس أميل ما رأيت إلى الفتى ... فيكاد يعدو كل حر موسر
ولرب ذي فضل يواصل ليله ... طياً وجهداً في النعيم الأوفر
لا سامح الله الزمان فانه ... من شأنه تقديم كل مؤخر
والنذل أضعف ما يرى متقدما ... كتقدم المعمول قبل المصدر
والمرء أجمل ما يكون مجردا ... كالعضب ليس يقد ما لم يشهر
وإذا الضمائر في المراتب قدمت ... وتظاهرت حسن اختفاء المضمر
*** ومن تتمة القصيدة المترجمة:
فكيف وقد أفنيت كل طليعة ... من الكفر حتى كاد أن ليس يوجدا
فللت جيوش الكافرين فقد غدت ... لوحش الفلا قتلاهم اليوم موردا
وكيف وقد أبليتهم بعساكر ... تمور كبحر حفه السيل مزبدا
حوى كل مقدام شديد كأنه ... هزبر إذا ما قامت الحرب أرعدا
إذا طفئت نار العريكة شبها ... وإن همدت بالنبل والرمح أوقدا
فلم تر إلا سمهريا بكفه ... يشرعه أولا حساما مهندا (١)
ففي رمحهم تزري ثعالب رمحه ... ومن نبله خلت الفوارس شردا
فتحسب هاتيك الجيوش سحائباً ... مدافعها كالرعد ما زال مرعدا
وتوهم هاتيك السيوف بوارقاً ... لقد غشيت من لمعها أعين العدى
وخلت نبال النصر فوق خيولهم ... كوبل يسح الغيث منه معربدا
стр. 181
فوارسهم كادت تموت إذا رأت ... من البعد شبحاً قد تطاول أو بدا
فولوا ولكن لات حين تخلص ... وفروا ولكن أين يلقون مغتدى (١)
فأمسى ببيلغراد معقل حزبهم ... كمثل هشيم بالرياح مبددا
فهنيت يا مولى الملوك جميعها ... ومالك أرقاب الأنام على المدى (٢)
فما ذاك إلا من سعودك سيدي ... ففي وجهك الإقبال والفتح قد بدا
وبشراك بالفتح المبين ولم تزل ... من الله منصوراً وشانيك أربدا
ولما توالى البشر قلت مؤرخاً ... لقد جاء نصر الله والفتح أحمدا
*** ومن نظمه:
بأي ثناء تكتسي حلل الحمد ... وقد نطقت في شكره ألسن المجد
رئيس لقد أضحى لسان يراعه ... إذا ما جرى أمضى من الصارم الهندي
أنيس جليل يحمد الحلم نفسه ... بصحبته إذ ضمه فاضل البرد
بليغ فلو باراه سحبان منطقا ... على رغمه لم يفتد بسوى الرد
ولو أن قساً قاس حسن بيانه ... بجوهره لم يرتد بسوى النقد
ولو نظم النظام بعض صفاته ... لشبهه بالفضل في الجوهر الفرد
فتى جعل المعروف وقفا على الورى ... وبلغ أرباب المقاصد للقصد (٣)
فما بريت أقلامه لسوى الندى ... ولا وشحت أوراقه بسوى الرفد (٤)
إليك أبا بكر تناجي حشاشتي ... وقد ذكرت من أهلها سالف العهد
حشاشة نفس هاضها غارب النوى ... وحرك منها لوعة زائد الوجد
وما هاجها إلا حمامة أيكة ... تنوح على أفنانها القضب الملد
стр. 182
انتدب إلفا جارها غير نازح ... ويندب إلفا مغرم الربع بالصد
لشتان ما بين الشجيين في الهوى ... وسيان ما تخفي من الشوق أو تبدي
وما راعها إلا مطاوى حنينها ... «على أن قرب الدار خير من البعد (١)»
أأطوي مرامي القفر والهم صاحبي ... وأقلى صحارى البيد وكدا على وكد
وأرجع صفر الكف والكنز هاهنا ... وأظما وهذا المنهل العذب للورد
وفي النفس آمال وهذا يردها ... حيائي وأخشى من مجاوزة الحد
ولي في الوزير الألمعي خريدة ... أودعها فيها محسنة العقد
فان تولين منك الجميل عرضتها ... وإلا فدم في دولة زائد المجد
فأنت الذي أحسنت بي فرددتني ... لأهلي فأنت المنعم المحسن المجدي
لك الهمم اللاتي تناهت وقد سمت ... فلو عددت لم يحصها متقن العد
ولا برحت أوقاتك الغر تجتنى ... بعز واقبال مجددة السعد
***
стр. 183
يحيى العمري (١)
ومنهم نجله الفاضل يحيى
الشمس تسليك عما حل بالقمر. فتى تعاطى سلافة أقداح الإفتاء، وعرج إلى سماء الفضل وقمة الجوزاء. أفتى وهو في سن الخمسة عشر، وكاد لغيره إن لم يبق ولم يذر. أسفر عن خرد عرائس المسائل اللثام، فانقادت لخدمته العلماء الأعلام. فلا فضل إلا فضل تلك الشمائل، ولا قمر إلا في تلك المنازل. أدبه جامع، وحسام مجده قاطع، أوقد شمع المعارف وسراج الحكم، فظهر ظهور الشمس في حالك الظلم. فرتبته أعلى من الفلك، وفضله تاج بهام كل ملك.
معال تمادت في العلو كأنما ... تحاول ثأراً عند بعض الكواكب
أما فضله فباهر، وأما ربيع مجده فزاهر. دخل قصور الأدب من أبوابها، وزين بقلائد النظم جيد أصحابها. فله فضائل ومآثر، تلقتها أيدي الكتب والدفاتر. قد انقاد جميع الأنام إليها، وعولت في مهامها عليها. إلا أنه لم يوف معه الزمان، وأغار على حصون عمره ذلك الخوان.
стр. 184
وكان ﵀ غواص بحر العربية، وقناص فرائدها السنية.
يستخرج المعارف من لججها، ويقتنص بكر اللطيفة من هودجها.
انتهت آدابه إلى القطب فكان عليه المدار، ووصلت إلى الشهب فحق بها الافتخار. فكل دار به محلال، متوشح بالوقار والإجلال. فكمالاته السارية منشورة، وافضالاته السائرة غير مستورة. وإفاداته الجارية في الأنام مشهورة. قرأت عليه في الصغر واستقصيت منه الأثر، وأحييت بمكارمه ما دثر، فكان كالمطر، في كل ما قطر، وهو كالقمر، في كل السمر، فخذ ما بهر، من كل ما نثر. وذلك أي تحصيلي منه، وأخذي عنه، قبل وقوع الوحشة، وحصول الدهشة. إذ قد جرى بيننا أكدار، واتفق لنا معه بعد ونفار، يحير النظار، وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار أتعبني وكالهدف نصبني. سامحه الله، إذ بعدها صفا، وبحق القرابة وفى، وقد كنت له ظهيرا، وما ذكرت فيه إلا شيئا يسيرا، وما أبهمت تفسيرا. هذا وأنا ساعده، وبعد القطع مساعده.
وكنت يمينه، وفي أسراره أمينه. قسما بسبقه، ومقدم حقه، أني بعد ذلك الكدر، والأمور التي ظهرت بها العبر، لم أتغير عن خلوصه، ولم أزل أزين صحائف آدابي بنصوصه، وبجواهر فصوصه.
فما يخبرك عن تلك الموارد، وينبؤك عن كيفية تلك المعاهد، ما وقع بيننا في تلك الأيام، من محاورات الكلام، وتحريرات رسائل وجواب، على طريق الإصابة ونهج الصواب.
стр. 185
منها قوله:
بنيت أيا عثمان ما هدم الدهر ... فلا زلت مسعوداً بمقدمك البشر
فأنت سحاب يحيا كل بهطله ... وقطر يرجى قطره حيث لا قطر
ووجهك بدر قد نفى ظلمة الدجى ... سناه وأخلاق هي الأنجم الزهر
وقد نال كل من نداك سؤاله ... وعمهم من فيض إحسانك الغمر
على غفلة شرفتنا فهي زورة ... تقضى بها العتبى ويغتفر الوزر
فأنت ترجى للشدائد ملجأ ... وأهلا لمن قد قال في مدحك الشعر
إذا المرء ما لم يشتهر بخصاله ... فيلفى ولم يبعد بسؤدده ذكر
فدمت بعز لا يشوبك نقصه ... مدى الدهر لا يخشى الردى ولك الأجر
*** ولما وافاني رسوله بالرقعة، صارت لزهاء مجلسنا كالشمعة، وقد تفتح في حافاتها النرجس والأقحوان، وترصعت صحائفها بفرائد اللآلي وعقود الجمان. وروى بها فضيلته التي رجحت، وآدابه التي زهت ونجحت، أخرت ذلك الرسول إلى أن جعلته لي رسولا، واتخذت بجوابي المرتجل لاقتطاف ثمر آدابه سبيلا، فقلت:
لما رأيت سحب البلاغة هطلت من أكف الكرم، وجادت ببدائع فنون المعارف والحكم، حيث غرد قمري أنامله على قد القلم، نسجت من سدى قصوري هذه الأبيات، وأنا أتمايل بها طربا بين القصور والأبيات. فهي مولود ساعة، من قليل
стр. 186
البضاعة، فالمرجو أن تجعل صداقها حسن القبول، فإنه غاية القصد والمأمول.
أمبسم غيد أم سنا من سنا البدر ... أم الغادة الهيفاء بانت بلا خدر
وقد كست الصدر الصقيل جواهراً ... فبان لنا ذاك السناء من الصدر
أم اقترنت بالبدر فاكتست الضيا ... أم الصبح أم ضوء النهار مع الفجر
أم الشمس أم نظم الأديب الذي غدا ... يفوق سنا في نظمه عقد الدر
هو الواحد الفرد الذي باسمه غدت ... منابر أهل الفضل تحيا إلى الحشر
أديب لبيب كامل متكمل ... رضيع لدر الفضل من محكم الذكر
هو الحبر بل والبحر والغيث والندى ... أنامله بحر تحل عرى القطر
فلا زال يرقى للمعالي بمجده ... ويقطف أثمار العلوم بلا عذر
فينمو ويسمو ثم يرفع رتبة ... إلى نحوها هام السماكين لم يطر
стр. 187
أمولاي قد اتحفتني بقصيدة ... سقتني كئوس الفضل من رقة السحر
فيا من غدا بالفضل يسحب ذيله ... ومن فاق أهل العصر بالنظم والنثر
نفثت لسحر معجز مفرد بها ... فهبت لنا النفحات طيبة النشر
فخذ نحوها بالوزن لا بفصاحة ... فكيف تباهى وهي واحدة العصر
وإن كان قد أوجزت بالمدح سيدي ... فلم أك ممن قد يقصر بالشكر
فعذراً وعذري واضح ومبين ... فإن عداد الفضل يربو على الفكر
فلا زلت تسمو بالمعالي وتنتمي ... إليها وأبواب البلاغة بالصدر
متى صاغ دراً شاعر بتفكر ... لنظم قواف سمطها من سنا الزهر
*** ولما اشتهر هذا القيل، ووصل أيدي المتطاولين، وتناولته أنامل المتأدبين، وجنت منه كل نفيس وثمين، واكتسبت منها مكارم (١) وفخرا، وادخرتها للمسامرة والمفاكهة أحسن ذخرا. وتناولها كل
стр. 188
ذكي وتعاطاها، وتراسلها كل ألمعي وتهاداها، كتب الي في الجواب ما اعجز الإبداع منها والإغراب بقوله:
أتانا كتاب يوجب الحمد والشكرا ... برقة ألفاظ حكى صوغها درا
فبكر معانيه بديع بيانه ... إذا نفحت فاحت مجالسنا عطرا
كتاب هو السحر الحلال بنظمه ... ولكنه في نثره الآية الكبرى (١)
حوى كل معنى معجز في حروفه ... فصيرنا نشوى فصاحته سكرا
فنزهت طرفي في محاسن روضه ... وسرحت لحظي أجتني النور والزهرا
فلو سامه قس لأحصر نطقه ... وأقسم حقاً أنه ينفث السحرا
فأوليته حسن القبول معظما ... لمقدمه إذ قد كسيت به فخرا
شمخنا به أنفا على رغم كاشح ... وقلنا كذا من قال فليقل الشعرا
وحق لنا أن نفتخر بوروده ... لمصدره ممن فواضله تترى
أديب لبيب في المكارم ماجد ... حسيب نسيب كامل واسع صدرا
стр. 189
كريم السجايا ليس حد لمجده ... وفيض نداه أغمر البر والبحرا
شهاب مضيء في الفضائل ثاقب ... وزند ذكاء في البلاغة قد أورى (١)
هو العلم الفرد الذي شاع ذكره ... فأوصافه لا نستطيع لها حصرا
فهاك عروساً في مديحك تجتلى ... قبولك إياها يكون لها مهرا
وإن أو جزت بالمدح فهي جديرة ... بأن تتلقى بالقبول وأن تقرا
فلا زلت في عز منيع وسؤدد ... تنال به فخرا وتعلو به قدرا
ورد الكتاب من الأخ فتلقيناه بالقبول، وانتشقنا به شذا فصاحة بهرت العقول. وكيف لا وقد كشف القناع عن أبكار الافكار، واستخرج مخدرات المعاني من تلك الأستار. فيا له من أديب إذا اخذ القرطاس خلت يمينه تنقط نورا، وتنظم لؤلؤاً منثورا. غرة جبين الكمال، ومنتهى القصد والآمال. الخائض بحور المعاني، والمستخرج درر المثالث والمثاني. لا زالت شموس أدبه مشرقة، ونواصي البلغاء بين يديه مطرقة. ما همل ركام، وسجع حمام.
стр. 190
هذا وقد أرسلت له ما جال في الخاطر الفاتر، مع اعترافي باني قليل البضاعة، وكاسد في هذه الصناعة. فالمرجو القبول، فانه القصد والمأمول.
*** فوصلتني الرسالة الثانية، وأنا عن العزم إلى طريق الجواب ثانيا، إذ الأولى لم اصح من خمارها، ولم افق من سكر سبقها في مضمارها وهذه المنحة الأخرى، والآية الكبرى، والصباح الذي أرسل أمامه فجرا. وقد نثر في هذه الصحيفة لآل (١)، وأثبت معارفا وكمال.
وأظهر فنون، تعجز الظنون، وتبهر العيون. وزف عروسا تهزأ بالشموس، وترتاح بسماعها الآذان والنفوس. فهي بكر عربية، وعذراء بدوية، كالشمعة المضية. أعربت عن إعجازها بإيجازها، وقد أنجدت وأغارت، ولم تسر شمس حيث سارت.
ولكن المودة هي التي دعتني، وفي هذه الورطة اوقعتني، فأجبته في الحال، على طريق الارتجال، مع علمي بأنه فارس المجال، بقولي:
وافي كتابك يا مولاي في الظلم ... فافتر مبتسماً عن رايق الحكم
فصرت مفتكراً في نظمه أمداً ... رأيته بين منهل ومنسجم
فجوهر اللفظ قد صيغت محاسنه ... في سمط عقد سما كالدر في الكلم
آيات تهذيبه لو كان يبصرها ... قس بن ساعدة في غمضة الحلم
أو أحمد ابصرا من صنعها عجبا ... أما السجود فما قولي بمتهم (٢)
راقت ورقت وكانت بنت ليلتها ... وشاحها النجم عقد غير منفصم
أما المعاني لا تحكي محاسنها ... لطافة قسما بالنون والقلم
стр. 191
وكيف تحكى وكادت أن تكون لنا ... بدراً من الأفق أو ناراً على علم
وحق أن تتلقى بالقبول وأن ... تكون فخراً لأهل الفضل كلهم
وقد أتت بمراء من شمائلها ... مشحونة بوداد من أخي كرم
مهذب القول لولا أنه أذن ... يصغي إلى قول واش بالنفاق سمي
فريد عصر روينا من فضائله ... آيات فضل سمت في سائر الأمم
هو الأديب اللبيب البارع السند الصافي ... السريرة والأخلاق والشيم
ألقيت مذ سبكت تلك القوافي في ... أعجاز لفظك في در من الحكم
عصا التفنن والتسليم ليس رضا ... لكن لئلا يجازي النور بالسخم
فان ألفاظك اللائي نثرن لنا ... تلك الدراري سمت بالفضل من قدم
يحق للحور أن تنظم جواهرها ... في جيدها عوضا عن كل منتظم (١)
لا زال بابك باباً للوصول إلى ... نيل العلا مقصداً للجود والكرم
ما رنحت عذبات البان ريح صبا ... واطرب العيس حادي العيس بالنغم (٢)
مولاي، أما القرطاس فكاد أن يشتعل ضراما، وأن يكون عذابه غراما، حتى قال فم القلم يا نار كوني بردا وسلاما، فإني ألقي إلي كتاب كريم، واجب الترحيب والتكريم. فمتعت النظر في تلك الرياض والنعم، حيث هبت من نحوه نفحات طيب وكرم. فلم أدر منام، أم طيف أحلام. أم قرب بعد النوى، أم حبيب أتى وما ارعوى. فإذا هو كتاب كريم، أشرق بدر فضله في سماء الكمال، فخلع علي برود المسرة من أوج السعادة والإجلال، حيث غاص في قعر بحار المعارف فخرج أخضر (٣)
стр. 192
يانعاً وسابق قصب السبق في مضمار البلاغة فغدا فضله ساطعاً.
فيا لوارد من كعبة جود وكرم، ومعدن فضل وحكم. اخذ بمقاليد البلاغة من كل جانب، ورماني من الفصاحة بهذا السهم الصائب، فحركت البنان، مع معاونة اللسان، فغرد قمري الأنامل على أيك القلم، ولفظ من فمه البرء بعد السقم. ونفث من سحر آياته الباهرة، وهو متمايل بين رياضه الزاهرة. كما هو مسطور، من منظوم ومنثور. وكنت ممن زجر الطبيعة، عن اكتساب هذه الصنيعة. ولان لسان التقصير، كما هو مشهور قصير. ولا سيما والفضل روض أنت سناه، والكمال شيء أنت مناه. والفصاحة قد أخذت بمقاليدها، وعلمت طارفها وتليدها. فالمرجو العفو عن التقصير العميم، فإني قد أشرت إلى إلقاء عصا التسليم.
*** ولما أصبحت المعالي وقد أزهر به ربعها، واتسق بادبه شاردها، وانتظم بفضله جمعها، وهو إذا في بلدنا مفتي الامة، والملاذ المغيث في كل مدلهمة. وقد همى منه للمعارف انسجام. وأصبح بأدبه لأرباب البلاغة إعجام (١). وأوضح إشكالا، وفتح أقفالا.
وسهل صعاب، وسلك في القريض شعاب. وسئل عن كل شكل فأجاب، وأغرب في كل ما أملى وأصاب.
فمن جملة ما وصله على طريق السؤال من ابن عمنا عمر (٢)، هذا السؤال الادبي المبتكر. وهو:
стр. 193
يا سيداً في الورى شاعت فضائله ... وكم جلت مشكلا عنا مسائله
بحر العلوم محل المعضلات ومن ... في الشرق والغرب قد سارت رسائله
قامت بصحتها عنه الدلائل في ... أفضاله فسرت فضلا دلائله
كنز لقد نظمت منه جواهره ... بحر لقد عذبت منه مناهله
إن أشبكت في طروس العلم مسألة ... في معرك البحث حلتها أنامله
أو جال فوق جواد الفضل مقتفلا ... درع الكمال فمن فيه يجادله
فإنما العلم في كل الأمور له ... بحر مديد ولكن أنت كامله
فاكشف لنا عن رموز ليس نعرفها ... واصنع جميلا وكن للخير نائله
جئناك نستفتي فاسمح بالجواب لنا ... أعزك الله ماذا أنت قائله
فيمن بلي بكحيل الطرف ذي هيف ... إذا قسا قلبه رقت شمائله
إذا انثنى معجبا أو ماس محتجبا ... وهز ريح الصبا منه غلائله
أمست بدور السما بالحسن تحسده ... كذا غصون النقا تهوى تمايله
تفقهت بعلوم السحر مقلته ... انسانها ساحر واللحظ بابله
وكنز وجنته ألحاظه رسمت ... طلاسماً رصدت فيها مباطله
لكنه باخل في وصل عاشقه ... وإنما هجره والصد باذله
صب يبيت وجنح الليل منسدل ... يحدي الظلام إذا سارت قوافله
فإن شكى حاله يوما لقاتله ... عسى يجود له أمسى يماطله
قاسى به كل هول في تصدده ... ما لا يكد جبل في الأرض حامله (١)
والآن رق له من بعد جفوته ... وقد رأى صبره أضحى مواصله
فان تمنع عن تقبيل وجنته ... واستعمل الصبر كان الصد قاتله
стр. 194
والصد تهلكة إن رامه دنف ... عاص تقولون لم تقبل نوافله
وإن أطاع الذي يهوى وقبله ... حين الوصال فليس الشرع قابله
فكيف يصنع مقتول الغرام فهل ... من فتوة عندكم تنفي مشاكله
لا زلتم سنداً للسائلين لكم ... كي يستفيد قليل العرف جاهله
فأفت الكئيب عسى من فيض نائلكم ... يستيقظ العزم عما كان غافله
لو شاعر رام أمراً منك سائله ... كانت إليكم قوافيه وسائله
لا زلت تسمو بهام الفضل مرتبة ... في طيب عيش وحفتكم خمائله
*** ولما وصلته الصحيفة بيد الرسول، وهبت على أرجائها من فضله نسمة القبول. وظهرت إمارات الرضا، وجرد سيف الفضل وانتضى انتهض تحت صبا أعنة، وقبض شبا أسنة. وركب جواد النظر وجال، وأرسل عنان النظم فقال:
يا سائلا عن مرام عز سائله ... قد بان من لفظه عندي وسائله
إن رق من في هواه القلب مفتتن ... فكيف يمنع عن أثم يحاوله
فالصد إن كان عن دل فآخره ... وصل وان كان قد مجت أوائله
إن أمه دنف تهدى فرائضه ... وليس ما قيل لم تقبل نوافله
فان تكن زاهداً عن كل فاحشة ... حقاً فقبل وخذ ما أنت آمله
فقد يباح حرام عند حاجته ... ويأكل الميت مضطر يحاوله (١)
خذ فتوتي موقناً في صدق قائلها ... والقول أصدق منه كان قائله
فهمت أنك تصبو في الأنام كما ... أصبو وبحر الهوى ماجت سواحله
стр. 195
فاعلم كلانا بحال لم يشبه سدى ... تحدي الظلام إذا سارت قوافله
*** وهذا الباب، أي السؤال والجواب، باب نادر، تنتعش بسماعه النفوس والخواطر. وقد سلكه الكثير من أهل هذا الفن.
وأتوا فيه بالنادر الغريب الحسن. ولما فتح لنا (١) إلى الدخول فيه بابا ووجدنا إلى الوصول إليه انسيابا فلنورد منه ما يروق، ويسمو ويفوق.
فمن ذلك القبيل، والنادر الذي ماله مثيل. قول بعضهم على هذا الروي والقافية، ما هو أعذب من المدامة الصافية. وهو:
متيم لم يزل في الحب ذا شجن ... والقلب من شغف عزت وسائله (٢)
إن رام من حبه وصلا يكون له ... عونا على الحب كان الصد حائله
أو رام من خده لثما يقول له ... ورد الخدود عزيز عز نائله
فهل ترى العارفي ذا الحب يا أملي ... أم تركه العار إن لحت عواذله
فهذه قصة المشتاق يا سندي ... روحي فدى لك ماذا أنت قائله
فالجواب الذي هو على نهج الصواب:
إذا الفتى من أليم الوجد كان شجى ... وظل عن طرق ما أضحى يحاوله
أو إن أتى زائراً محبوبه لينل ... منه التواصل كان الصد حائله (٣)
يستعمل الصبر في هجر الحبيب نعم ... فالصبر يا صاح لا شيء يعادله
فليس في الحب عار تختشيه بلى ... في تركه العار إن لحت عواذله
هذا جوابي فلا تركن إلى أحد ... فتارك العشق لم تقبل قوائله
***
стр. 196
ومثله من الرحيق الشافي ما حكي عن الشيخ محمد اليافي، أنه دخل عليه غلام، ودموعه في انسجام. وهو في سن الحداثة، وقد طلب من الشيخ المذكور الإغاثة. فناوله صحيفة، وفيها هذه اللطيفة. وهي:
عاشق خاطر حتى ... استلب المعشوق قبله (١)
افتنا لا زلت تفتى ... هل يبيح الشرع قتله (٢)
فأجابه الشيخ في الحال، من غير اضطراب وملال.
أيها السائل عما ... لا يبيح الشرع فعله
قبلة العاشق للمع ... شوق لا توجب قتله
وذكر الخزرجي (٣) في تاريخه في ترجمة أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي: إن رجلا كتب إليه أبياتا كالعسل، حاوية لهذا المدعى والجدل، يقول فيها:
أبا جعفر ماذا تقول فانه ... إذا نابنا أمر عليك المعول
ولا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله في الأمر الذي عنه نسأل
أفي الحب عار أو ترى العار تركه ... وهل من لحا أهل المحبة يجهل
стр. 197
وهل ذا مباح فيه قتل متيم ... وأحبابه عنه تصد وتقبل
فرأيك في رد الجواب فانه ... بما فيه يفتى أيها الشيخ أفعل
فأجابه الشيخ المذكور، بما هو كالدر المنثور:
سأقضي قضاء بالذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين وأعدل
فديتك ما في الحب عار على الفتى ... ولا العار ترك الحب إن كنت تعقل
ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود عندي فلا عنه تغفل
ووصلك من تهوى وتعشق جائز ... عليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي مقنع ... لما جئت عنه أيها الشيخ تسأل
ومثله ما سئل الفاضل الذي ما له ثاني، والواحد الذي بغير مداني أبو الفضل ابن حجر العسقلاني (١):
ماذا يقول فقيه الوقت في رجل ... أضحى قتيل الهوى من أسهم المقل
فهل يجوز له إحياء مهجته ... من ثغر محبوبه بالرشف والقبل
وهل يجوز له يوماً يعانقه ... ويشفي القلب في قول وفي عمل
فهذه قصتي في شرحها عجب ... فأسرع برد جواب يا منى أملي
فأجابه الفاضل المذكور، بما هو كالدر المنثور، بقوله:
إن صح دعواه في إتلاف مهجته ... بان رشف اللمى تشفي من العلل
فليلثمن رضاب الثغر مرتشفا ... وليقطفن بفيه وردة الخجل
فذاك في ملة الإسلام أيسر من ... قتل امرئ مسلم لله في الازل
стр. 198
ومثله أيضا ما كتب القاضي أبو الطيب (١) المفضال، على هذا الطريق والمنوال. وهو:
يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق مات من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيد ... سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزاً ... في الفم والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تفت فإني إذا ... أصبح من وجدي استعدي
فأجابه القاضي، على المنوال الماضي، بقوله:
يا أيها السائل إني أرى ... تقبيلك المعشوق في الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنب ... قبلته بالجد والجهد
فان من يرتع حول الحمى ... لا بد أن يجني من الورد
تغنيك عنه كاعب ناهد ... تحضر بالملك أو العقد
تنال منها كلما تشتهي ... من غير ما فحش ولا صد
هذا جوابي لقتيل الهوى ... فلا تكن في ذاك تستعدي
*** ومثله ما كتب إلى الوركاني (٢)، حاوية لهذه الأمور والمعاني.
ماذا يقول إمام الناس قاطبة ... في عاشق لثم المحبوب هل أثما
متيم في هواه قد أناف به ... على ردى الحب والمعشوق قد سلما
стр. 199
قد عف في حبه عن كل معصية ... وكف مستعصماً عن كل ما حرما
هل يأثمان بلثم يعبثان به ... ليطفيا لهبا في القلب مضطرما
فأجابه ذلك الأديب، ولله دره من مجيب:
شريعة العشق تأبى لثم من لثما ... معشوقه وتريه ذاك مغتنما
والصب سمي صباً من بليته ... وصب من توقه بالشوق منه دما
ومن تعاطى حراماً في هواه أتى ... بالفسق لا العشق لكن صحف الكلما
وما أخال لهيب الوجد يطفئه ... تقبيله بل إذا التقبيل عز نما
هذا جواب الذي استفتيت فيه فخذ ... فقد أتاك كسمط الدر مبتسما
*** وإن لم يكن من هذا القبيل، ولكنه في السؤال والجواب مثيل.
ما كتبه بعض الفضلاء لأحد الأدباء:
يا أيها المولى الذي ... صيغت له العليا غلط
بعد الفروق الممتلي ... اخترت تبتاع البوط (١)
فأجابه الأديب الثاني، بما يعد من المثالث والمثاني:
قل للوجيه مخبرا ... ممن له العذر بسط
للصر كنت كاتبا ... فمن على الصاد نقط
وللكمال كاسبا ... فالكاف من لها كشط
لكن أفعال الزما ... ن ربما جاءت غلط
والتبر لا يشينه ... يوماً إذا احتاج البوط
فراجعه المذكور، بما هو كالآس والمنثور، بقوله:
стр. 200
يا من أجاد إذ أجا ... ب بالصواب لا الغلط
وقاس إذ قاس وقد ... قسا الزمان وقسط (١)
فالله ما أخطأت في ال ... قياس أو رمت شطط
لكنني راض بما ... قضى به الله وخط
فارض بما قدره ... ولا تجاهر بالسخط
واستشعر الصبر فما ... خاب رفيق الصبر قط
وللهموم غمرة ... وتنجلي عمن قنط
وعادة الله جرت ... بحل ما قد ارتبط
ونقطة الصاد من ال ... صر لمن خاف وشط
والمال لا يبقي الكما ... ل بل لديهم يشترط
فخذ جواباً شافيا ... كالتبر صفته البوط
واعذر أخا شغل فإ ... ن العذر يمحو ما فرط
ومثله ما نقل عن محمد الكواكبي الحلبي (٢) وقد أرسلها إلى عبد الله الحلبي ابن الحجازي (٣) وهو:
حتام في ليل الهمو ... م زناد فكرك ينقدح
قلب تحرق بالأسى ... ودموع عين تنسفح
ارفق بنفسك والتجى ... لحمى المهيمن تنشرح
стр. 201
واضرع له إن ضاق عن ... ك خناق حالك ينفسح
ما أم ساحة جوده ... ذو محنة إلا منح
أو جاءه ذو المعضلا ... ت بمغلق إلا فتح
فدع السوي وانهج على ... نهج السوي المتضح (١)
واسمع مقالة ناصح ... إن كنت ممن ينتصح
ما تم إلا ما يريد ... فاخلع مرادك واطرح
واترك وساوسك التي ... شغلت فؤادك تسترح
فأجابه المذكور من هذا الباب، بما هو كالشهد المذاب.
يا أيهذا المصطلح ... قل لي بماذا تصطلح
أفسدت عيشك بالمنى ... وزعمت أنك تنصلح
وأضأت حتى كدت في ... نار العذابة تلتفح
حتام تهنا بالذي ... تكفى به أنت الملح
وإلام تركن للحيا ... ة ومن دواها تجترح
أو ما ترى الدنيا ويج ... معها الشتيت المنكسح
والله ما افتخر العز ... يز بعزها إلا طرح
كلا ولا مرح الجوا ... د برحبها إلا كسح
فاقنع بلحتاها القلي ... ل ولا تمار فتنفضح (٢)
واجعل مؤونتك التقى ... فهو الطريق المتضح
وإذا الحقوب تزاوجت ... فالصبر أنجح ما لقح
لا تيأسن من ان تدا ... ويك الأمور وتنشرح
стр. 202
فلربما سر الحزي ... ن ولربما غم الفرح
ولربما سقط القعو ... د وقام بالغي الطلح
والله أكرم ما يرجى ... في الهموم المفتتح
فكل الأمور للطفه ... والزم حماه المنفسح
واعمل بنصح مسدد ... من في تجارته ربح (١)
ما تم إلا ما يريد ... فاترك مرادك واطرح
واترك وساوسك التي ... شغلت فؤادك تسترح
*** ومن الغريب النادر، والنثار العجيب الفاخر، ما يقرب من هذا الباب، ويدور في هذا الدولاب، ما كتبه السلطان محمد بن قلاوون (٢) حاكم مصر إلى شريف مكة قتادة (٣) وهو:
يعلم السيد أنك بدلت أرض (٤) الله بعد الأمن بالخيفة، وفعلت ما يحمي الوجوه (٥) ويسود الصحيفة. آويت المجرم، وقتلت المحرم. فو الله لئن لم تنته عن حدك، لأغمدن فيك سيف جدك.
فأجابه الشريف:
стр. 203
العبد معترف بذنبه، تائب إلى ربه. يسألك الرضا (١)، والعفو عما مضى. فإن عفوتم فأنتم لذلك أهل (٢) وهو اقرب للتقوى.
وإن عاقبتم فأنتم بنا أولى، ويدكم أطول وأقوى، وأياديكم تكافيه، وكل إناء ينضح بما فيه.
فأرسل السلطان يطلب حضوره فأرسل الشريف إليه:
بلادي وان جارت علي عزيزة ... ولو أنني أعرى بها وأجوع
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها ... بسوق الورى أشري بها وأبيع
معودة لثم الملوك لظهرها ... وفي بطنها للمجتدين ربيع (٣)
أأتركها تحت الرجاء وابتغي ... خلاصاً لها إني إذا لرقيع
وأما أنا كالمسك في كل بلدة ... أضوع وأما عندكم فأضيع
فكتب إليه الملك:
إذا نزع الشتاء جلبابه، ولبس الربيع أثوابه، أتيناكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون.
فكتب الشريف إلى جميع الأشراف الحسني والحسيني ومن يليهم من العربان يستنصرهم شعراً:
بنى عمنا من نسل موسى وجعفر ... وآل علي كيف صبركم عنا
بنى عمنا إنا كأفنان دوحة ... فلا تتركونا يتخذنا القنا فنا
إذا ما أخ خلى أخاه لآكل ... بدا بأخيه الأكل ثم به ثنى
فأرسل إليه سرية فقتلها قتادة وهزمها. فلما رأى الملك شجاعته وحميته ونهضته، بعث إليه خلعاً سنية، وأقطعه الأماكن من
стр. 204
الوقف. فانشد الشريف شعرا:
لا يكسر الله متن الرمح إن به ... نيل العلا وأتاح الكسر للقلم
*** ومن شعر صاحب الترجمة:
كم ذا التحمل في الهوى ... والقلب مني قد كوى
ظبي سبى عقلي وقد ... أضنى فؤادي في الجوى
وأضل قلبي شعره ... والرشد مني قد غوى
قاسيت من لفتاته ... للجيد مني إذ لوى
الشعر منه مرسل ... والثغر دراً قد روى
ما الواشي فيه مصدق ... ما ذاك إلا قد عوى
لم أنس أوقاتاً لنا ... مرت بمنعرج اللوى
يا طرفه الظامي لقد ... أوهنت جسمي والقوى
مهلا فإني مولع ... والقلب مغرى بالنوى
ما مخلصي من عشقه ... دعني فمالي والجوى
إلا أبو الخير الذي ... للفضل جمعاً قد حوى
مفتي الأنام بعهده ... ذكر الأوائل قد طوى
ربي يطيل بقاءه ... ولكل عبد ما نوى
قوله: ولكل عبد ما نوى، هذا الاقتباس من حديث رواه من الأئمة الحفاظ ما فوق ثلاثمائة نفس، وقيل سبعمائة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
стр. 205
وهذا الحديث قد تواتر النقل عن الائمة، بتعظيم موقعه وكثرة فوائده، وإنه أصل عظيم من أصول الدين. ومن ثمة خطب به ﷺ كما في رواية البخاري فقال: يا أيها الناس إنما الأعمال بالنيات. وخطب به عمر رضي الله تعالى عنه على منبر رسول الله ﷺ .
ولذلك قال أبو عبيد (١): ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. ومن ثم قال أبو داود (٢) أنه نصف العلم. وقال الشافعي إنه ثلثا العلم.
قال البيهقي (٣): لأن كسب العبد أما بقلبه أو لسانه أو جوارحه فالنية أحدها وأرجحها، لأنهما تابعان لها، صحة وفسادا، وثوابا وحرمانا، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه بخلافهما.
وهذا تلخيص ما ذكره ابن حجر في «الفتح المبين في شرح الأربعين» (٤).
***
стр. 206
وقد نسج صاحب الترجمة أبياته على منوال ابن نباتة بقوله:
نقل الصبا عن مهجتي ... خبر الصبابة والجوى
وحياتكم ما ضل في ... نقل الحديث ولا غوى
آه على العيش الذي ... بيد الغرام قد انطوى
ما كان أسرع ما انقضى ... وحصلت منه على النوى
عجبا لمثلي ما على ... نار الملاح له قوى
*** وللشاب الظريف شمس الدين بن العفيف (١) نظيرها:
ما بين هجرك والنوى ... قد ذبت من ألم الجوى
يا فاتني بمعاطف ... سجدت لها قضب اللوى
وحياة وجدك ما سلا ... عنك المحب ولا ارعوى
يا من حكى بقوامه ... قد القضيب إذا التوى
ما أنت عندي والقضي ... ب السلب في حال سوا
ها ذاك حركه الهوا ... وأنت حركت النوى
***
стр. 207
علي بن علي العمري (١)
أخي الصغير ذو الأدب الغزير علي بن علي
شاب بلدنا وأديبها، ورجل قطرنا وأريبها. حاوي السؤدد والكمال، الذي لم يكن له في سنه مثال.
وذا غلام بعيد صيته وله ... فصاحة وفعال زين الحسبا
وظل ينشدها دهراً ويطربها ... حتى رأته بذيل الدهر منتصبا
استقل بالأدب فغدا أمامه، واوضح طرق الذكاء فكان همامه.
يزعم بنفسه أنه الجرم الأصغر، وفيه قد انطوى العالم الأكبر، وهو رئيس الأدب وغيره الذي لم يذكر. وهو من الذين قال فيه قائلهم، وهو حسانهم ووائلهم.
ونحن أناس نرتدي الحلم شيمة ... ونغضب أحياناً فنروي العواليا
فلولا الهوى لم يغض عينا على قذى ... فتى كان مجنيا عليه وجانيا
قد طلع في الأدب طلوع الهلال، وجهز للقريض قوافل
стр. 208
القوافي على أحسن منوال. شعشع الحديث وروقه، وبكل قلادة من الكمال طوقه. وهو من الفحول، الذي لم يعتره نحول. ملك أزمة المحامد والأدب، فغدا حجة ألسنة اللسن من العرب.
وكيف لا وهو من هذا البيت، الذي لم يتحمل عسى وليت.
ونحن أناس لم تطأنا رذالة ... ولا انسحبت للذل فينا ذيول
له نظم تتهاداه الأيام، تهادي العلاج للأسقام. وهو قد انبت منه كل غريب، وأثبت منه بالرائع المهيب. وهو الواحد فيه، الذي يستحص منه كل نبيه.
أودعه الوالد وهو إذ ذاك ابن أشهر، فربيته بالأحضان. وأرضعته في تلك الطفولية من ثدي الذكاء والأذهان. حتى انتشى وهو في الأدب إمام، كما تراه ليس عليه كلام.
فمن شعره المنسجم، الرائق الكلم، والفائق النظم، قوله:
طرة النهر سرحتها النسائم ... وعلت منبر الغصون الحمائم
ساجلتها بلابل الدوح حتى ... شق ورد الربى جيوب الكمائم
ما ترى الشرق سل مرهف فجر ... قد تغرى براحة الأفق قائم
وسطا في الظلام حتى تبدى ... فلقاً فالدماء فيه علائم
فاختلس فرصة الزمان بروض ... ضحك الزهر من بكاء الغمائم
وتنبه لساعة الأنس وانهب ... صفوة العيش واطرح كل لائم
واجتل كأس مبسم من غزال ... بابلي اللحاظ حلو ملائم
مايس الطرف كلما راح يخلو ... وده الصب فوق جفنيه دائم
ذي دلال تمهد الحسن حتى ... قلدته زهر النجوم التمائم
стр. 209
نفثت مقلتاه سحرا فأمسى ... كل صب محلول عقد العزائم
وعلى غصن قده كم تمنى ... طائر القلب لو يكن فيه حائم
جال ماء الجمال في روض خد ... منه إنسان مقلتي فيه عائم
لا تلمني إن سمته بيع روحي ... فعلى كل حالة أنا سائم
فسقى الله ملعباً قد تقضى ... حادث الدهر كان لي عنه نائم
بعتاب أرق من ورد خد ... نبهت جفنه أيادي النعائم
قوله: وده الصب فوق جفنيه دائم، فيه من أنواع البديع الاكتفاء (١). وهو نوع لطيف ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بجميع الكلمة، وقسم يكون ببعضها. وقالوا: الاكتفاء بالبعض اصعب مسلكا، ولكنه أحلى موقعا.
فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة قول ابن مطروح (٢):
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إذ المعلوم أن باقي الكلمة ولا إذا مت، لما تقدم من قول الحياة، ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيباً من عيوب الشعر، مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان.
ومنه قول شيخ شيوخ حماة (٣)
أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للإغفاء أهلا
لكنه وافى وقد ... حلف السهاد علي أن لا
стр. 210
ومنها قوله مما نحن فيه أيضا:
راموا فطامي عن هوى ... غذيته طفلا وكهلا
فوضعت طوقي في يدي ... وقلت خلوني وإلا
وما اطرف ما قال البهاء زهير (١) من قصيدة مطلعها:
يا حسن بعض الناس مهلا ... صيرت كل الناس قتلى
لم تبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا
ومنه قول ابن نباتة وقد جمع بين الاكتفاء والمثل السائر:
اسقني صرفا من الرا ... ح تحت الهم حتا
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع قوله:
صلي ودعي نفارك عن محب ... بذكرك آنس في الليل ساكن
ولا تستقبحي شيباً برأسي ... فما أن شبت من كبر ولكن
ومنه قول ابن سناء الملك (٢) من قصيدة:
رأيت طرفك يوم البين حين همى ... والدمع ثغر وتكحيل الجفون لمى
فاكفف ملامك عنه حين ألثمه ... فما شككت بأني قد لثمت فما
لو كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلب من وخز الملام لما
стр. 211
وتلطف القيراطي (١) في هذا النوع من بديع الاكتفاء والاقتباس
حسنات الخد منه ... قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالا ... قلت إن الحسنات
ومنه قول ابن حجة (٢):
تطلبت منه قبلة وهو نافر ... فقال وقتلى حبنا لن يقبلا
فقلت له بالوصل عدني إلى غد ... فبعدك مات الصبر قال نعم إلى
وقوله أيضا مع زيادة التضمين:
صهباء ريقته رشفت سلافها ... فتغلبت وعجزت أن أتكلما
فلئن سئلت أقل لمن هو سائل ... أني لأفهم ما تقول وإنما
*** وأما القسم الثاني وهو الاكتفاء بالبعض وقد تقدم انه صعب المسلك، وهو عزيز الوقوع جدا. فمن ذلك قول ابن سناء الملك من قصيدة (٣):
أهوى الغزالة والغزال وربما ... نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدا ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا
ومنه قول القاضي فخر الدين بن مكانس (٤):
لله ظبي زارني في الدجى ... مستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقف إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومر
***
стр. 212
ومثله قول ابن الدماميني (١):
الدمع قاض بافتضاحي في هوى ... ظبي يغار الغصن منه إذا مشى (٢)
وغدا بوجدي شاهداً ووشى بما ... أخفي في الله من قاض وشا
ومثله أيضا قوله:
يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى ورد ونسر
*** ومن شعر صاحب الترجمة في المديح:
لا وثغر فضح الدر ابتساما ... ومحيا أخجل البدر التماما
ولحاظ فتكت في سحرها ... ومرت في مهجتي منها سهاما
لم يكن ينفعني صبري إذا ... جردت عيناك للقلب حساما
قاتل الله الهوى كم عاشق ... ألف الصبوة واستحلى الغراما
كيف لي يا عز صبر في الهوى ... وولوعي فيك قد عاد هياما
يا سقى الله زماناً بالحمى ... من ملث السحب سحاً وانسجاما (٣)
ورعى بالشعب لي من جيرة ... ضيعوا عهدي ولم يرعوا الذماما
يا نسيماً هب من أطلالهم ... حاملا من عرقهم ريحاً ثماما (٤)
«قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما»
حيث سامرت بها الغيد وقد ... نام طفل النبت في حجر النعامى
فتعاطى أكؤس الحب جوى ... لاهتزاز الطل في مهد الخزامى
стр. 213
ذكرتني معهداً ربح الصبا ... عن ربا سلع ومن فيه أقاما
فعلى العيش الذي قد مر لي ... بالحمى وجداً أيا برق السلاما
يا ندامى كيف لي قلب وقد ... خلفوني مستهاماً يا ندامى
مغرماً يستعطف الأرواح إن ... نسمت من سفح نجد والمقاما
خل عن ذكر سليمى والتي ... سلبت لبك جيداً وقواما
واطرح حب سعاد إنما ... حبها ذل ولم تقض مراما
ولد عد ورباب قبلها ... ولمن مر على دار أماما
واكتسب عزاً وفخراً بالذي ... قد غدا للفضل كهفاً وإماما
وامتدح من علمته نفسه ... طلب العز رضيعا وغلاما
ما جد يفضح منهل الحيا ... جوده والبدر نوراً واحتشاما
وحبيب قد غدت آلاؤه ... تخجل الغيث انتشاراً وانتظاما
ومنها:
قسماً ما الروض حيته الصبا ... صافحت منه عراراً وبشاما
ومنها في آخرها:
حفه الله بلطف زائد ... أبداً باق على الدهر دواما
وقوله: قل لجيران الغضا آها على. هذا البيت من قصيدة لمهيار الديلمي (١) مطلعها:
بكر العارض يحدوه النعامى ... فسقاك الري يا دار اماما
стр. 214
وتمشت فيك أرواح الصبا ... يتأرجن بانفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحي ... للمحبين مناخا ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحل فتحدث عجبا ... إن جسما سار عن قلب أقاما
قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا لي في الدجى طيفكم ... إن أذنتم لعيوني أن تناما
وقوله: قسما ما الروض حيته الصبا، فيه من أنواع البديع التفريع (١)، واستشهدوا فيه بقول الأعشى (٢):
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس فيها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوماً بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
ومنه قول أبي تمام:
ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعه الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى الى ناظري من خدها الترب
***
стр. 215
ومن العجائب في هذا الباب قول إبراهيم بن سهل الاشبيلي (١):
وما وجد أعرابية بان دارها ... وحنت إلى بان الحجاز ورنده
إذا آنست ركباً تكفل شوقها ... بنار قراه والدموع بورده
وإن أوقدوا المصباح ظنته بارقا ... يحيى فهشت للسلام ورده
بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... ترى أنني أذنبت ذنباً بوده
*** ومن قول ابن نباته من قصيدة في المديح:
ما السحب خافقة ذوائب برقها ... بأبر من جدواه في الانواء
لا والذي أعلى وأعلن مجده ... حتى تجاوز هامة الجوزاء
وله من قصيدة:
ما روضة قلدت أجياد سوسنها ... من الرياب عقود لؤلؤيات
فللجدوال تصفيق براحتها ... ورقص القضب للأطيار رنات
يوماً بأبهج من أخلاقها نظراً ... أيام تنكر أخلاق سريات
ولا الغيوث بأسخى من عوائده ... أيام تعبى السجيات السخيات
ولا الشموس بأجلى من فضائله ... أيام تدجو الظنون اللوذعيات
ولا النجوم بأنأى من مراتبه ... أيام تزدحم الأيدي العليات
*** ومن إنشاء القاضي شهاب الدين (٢) في هذا الباب قوله: