وتلطف القيراطي (١) في هذا النوع من بديع الاكتفاء والاقتباس
حسنات الخد منه ... قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالا ... قلت إن الحسنات
ومنه قول ابن حجة (٢):
تطلبت منه قبلة وهو نافر ... فقال وقتلى حبنا لن يقبلا
فقلت له بالوصل عدني إلى غد ... فبعدك مات الصبر قال نعم إلى
وقوله أيضا مع زيادة التضمين:
صهباء ريقته رشفت سلافها ... فتغلبت وعجزت أن أتكلما
فلئن سئلت أقل لمن هو سائل ... أني لأفهم ما تقول وإنما
*** وأما القسم الثاني وهو الاكتفاء بالبعض وقد تقدم انه صعب المسلك، وهو عزيز الوقوع جدا. فمن ذلك قول ابن سناء الملك من قصيدة (٣):
أهوى الغزالة والغزال وربما ... نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدا ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا
ومنه قول القاضي فخر الدين بن مكانس (٤):
لله ظبي زارني في الدجى ... مستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقف إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومر
***
стр. 212
ومثله قول ابن الدماميني (١):
الدمع قاض بافتضاحي في هوى ... ظبي يغار الغصن منه إذا مشى (٢)
وغدا بوجدي شاهداً ووشى بما ... أخفي في الله من قاض وشا
ومثله أيضا قوله:
يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى ورد ونسر
*** ومن شعر صاحب الترجمة في المديح:
لا وثغر فضح الدر ابتساما ... ومحيا أخجل البدر التماما
ولحاظ فتكت في سحرها ... ومرت في مهجتي منها سهاما
لم يكن ينفعني صبري إذا ... جردت عيناك للقلب حساما
قاتل الله الهوى كم عاشق ... ألف الصبوة واستحلى الغراما
كيف لي يا عز صبر في الهوى ... وولوعي فيك قد عاد هياما
يا سقى الله زماناً بالحمى ... من ملث السحب سحاً وانسجاما (٣)
ورعى بالشعب لي من جيرة ... ضيعوا عهدي ولم يرعوا الذماما
يا نسيماً هب من أطلالهم ... حاملا من عرقهم ريحاً ثماما (٤)
«قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما»
حيث سامرت بها الغيد وقد ... نام طفل النبت في حجر النعامى
فتعاطى أكؤس الحب جوى ... لاهتزاز الطل في مهد الخزامى
стр. 213
ذكرتني معهداً ربح الصبا ... عن ربا سلع ومن فيه أقاما
فعلى العيش الذي قد مر لي ... بالحمى وجداً أيا برق السلاما
يا ندامى كيف لي قلب وقد ... خلفوني مستهاماً يا ندامى
مغرماً يستعطف الأرواح إن ... نسمت من سفح نجد والمقاما
خل عن ذكر سليمى والتي ... سلبت لبك جيداً وقواما
واطرح حب سعاد إنما ... حبها ذل ولم تقض مراما
ولد عد ورباب قبلها ... ولمن مر على دار أماما
واكتسب عزاً وفخراً بالذي ... قد غدا للفضل كهفاً وإماما
وامتدح من علمته نفسه ... طلب العز رضيعا وغلاما
ما جد يفضح منهل الحيا ... جوده والبدر نوراً واحتشاما
وحبيب قد غدت آلاؤه ... تخجل الغيث انتشاراً وانتظاما
ومنها:
قسماً ما الروض حيته الصبا ... صافحت منه عراراً وبشاما
ومنها في آخرها:
حفه الله بلطف زائد ... أبداً باق على الدهر دواما
وقوله: قل لجيران الغضا آها على. هذا البيت من قصيدة لمهيار الديلمي (١) مطلعها:
بكر العارض يحدوه النعامى ... فسقاك الري يا دار اماما
стр. 214
وتمشت فيك أرواح الصبا ... يتأرجن بانفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحي ... للمحبين مناخا ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحل فتحدث عجبا ... إن جسما سار عن قلب أقاما
قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا لي في الدجى طيفكم ... إن أذنتم لعيوني أن تناما
وقوله: قسما ما الروض حيته الصبا، فيه من أنواع البديع التفريع (١)، واستشهدوا فيه بقول الأعشى (٢):
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس فيها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوماً بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
ومنه قول أبي تمام:
ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعه الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى الى ناظري من خدها الترب
***
стр. 215
ومن العجائب في هذا الباب قول إبراهيم بن سهل الاشبيلي (١):
وما وجد أعرابية بان دارها ... وحنت إلى بان الحجاز ورنده
إذا آنست ركباً تكفل شوقها ... بنار قراه والدموع بورده
وإن أوقدوا المصباح ظنته بارقا ... يحيى فهشت للسلام ورده
بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... ترى أنني أذنبت ذنباً بوده
*** ومن قول ابن نباته من قصيدة في المديح:
ما السحب خافقة ذوائب برقها ... بأبر من جدواه في الانواء
لا والذي أعلى وأعلن مجده ... حتى تجاوز هامة الجوزاء
وله من قصيدة:
ما روضة قلدت أجياد سوسنها ... من الرياب عقود لؤلؤيات
فللجدوال تصفيق براحتها ... ورقص القضب للأطيار رنات
يوماً بأبهج من أخلاقها نظراً ... أيام تنكر أخلاق سريات
ولا الغيوث بأسخى من عوائده ... أيام تعبى السجيات السخيات
ولا الشموس بأجلى من فضائله ... أيام تدجو الظنون اللوذعيات
ولا النجوم بأنأى من مراتبه ... أيام تزدحم الأيدي العليات
*** ومن إنشاء القاضي شهاب الدين (٢) في هذا الباب قوله:
стр. 216
وما أم طفل قذفها الزمن العنيد، ببعض البيد، في ارض موحشة المسالك، قليلة المهالك (١)، قد لمع سرابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها، ونفر ظليمها، وحضر سمومها، وغاب نسيمها.
فلما خافت على ولدها من الظمأ الهلاك، أجلسته إلى جانب كثيب هناك. ثم ذهبت في طلبة الماء للغلام، لئلا يقضي عليه الأوام، فانتهى بها المسير، إلى روضة وغدير، وآثار مطي بوارك، تدل على أن الطريق هنالك، فعادت إلى ولدها مسرعة، وكل أعضائها إليه متطلعة. فلما شارفت جانب الكثيب، رأت ولدها في فم الذيب. فجرت دمعتها وسالت، وتحرقت فقالت (٢):
بأكثر مني حسرة وتلهفا ... وأعظم مني حرقة وتوجعا (٣)
وأغزر دمعا عند ما قيل لي الذي ... كلفت به أضحى على البعد مزمعا
ولابن نباته من رسالة:
وينهى بعد ولاء غير مختلق، ودعاء كان طائره المحلق إلى السماء مخلق الشفق. وثناء ماء الروض وان زها وجهه الأنضر، وجادت خيوط الودق حتى نسج فيه برده الأخضر. وتبسمت عجبا في أرجائه ثغور الأزهار وتنفست فرحا بظلال مروحه معاصم الأنهار بأبهج منه رونقاً، ولا أعطر منه عبقا، ولا أسجع على أفنان الفصون مطوقا.
طوقتني نعماً فها أنا ساجع ... مدحاً ولا عجب بسجع مطوق
стр. 217
ولصاحب الترجمة من التضمين:
لك الله روض للمحاسن جامع ... به انتظمت در السرور بلا شك
تضاحك فيه مبسم الزهر مذ غدا ... يقول له جفن الغمام قفا نبك (١)
*** ومثله قول القائل في الغزل:
توقد جمر القلب عند تغزلي ... فمن أجل هذا قد أتى جيد السبك
وما حفظت عيناي من شوم بختها ... على كثرة الأشعار إلا قفا نبك (١)
*** ولابن مطروح (٢) فيه من قصيدة:
وغناهم شاد أغن فزادهم ... سروراً بشعر رائق حسن السبك
تلعب فيهم بالكلام تلعبا ... كما تلعب الأمواج في البحر بالفلك
فقم وانهب اللذات قبل فواتها ... ودعني من قول ابن حجر قفا نبك
*** ومثله قول سيف الدين بن المشد (٣):
شعار بليغ بل بلاغة شاعر ... معانيه بل ألفاظه حلوة السبك
لقد ترك الضحاك في الناس ضحكة ... وأبكى الذي قد قال قدماً قفا نبك (١)
***
стр. 218
ولبعض شعراء النفحة في هذا:
من الروم ريم إن رنا قال لحظه ... حذار سيوف الهند من أعين الترك
وحين رأت عيناي عارضه بدا ... على خده الوردي قال قفا نبك (١)
*** ومثله لابن السمان (٢):
أما وقوام لا يمل من الفتك ... وصارم لحظ لا يضل من السفك
وصفحة خد من لجين تخالها ... مسطرة باللازورد وبالمسك
لئن تليت للسمع حلية حسنه ... يناشدني قلبي الجريح قفا نبك (١)
*** وقلت أنا فيه:
تعشقته طفلا وقلت إذا انتشى ... سأجني إذا ورداً وآساً بلا شك
ولما بدا آس العذار منمنما ... رفعت يدي عنه وقلت قفا نبك (١)
ولصاحب الترجمة في التضمين:
أفديه ظبياً فوقت لي لحظه ... سهما به استدت علي منافذي
أني استجرت بخال خدك انه ... هذا مقام المستجير العائذ (٣)
***
стр. 219
وقال أيضا:
يا رب من دائي أتيتك راجياً ... متشبثاً في ذيل لطف لائذ
إني استجرت بما اقترفت وعائذ ... هذا مقام المستجير العائذ
*** وقال وأحسن:
لما امتطيت مطامعي متحميا ... لحمى المهيمن إذ قطعت لذائذي
قالت لي الآمال فاسكن لا تخف ... هذا مقام المستجير العائذ
والأصل في هذا أن جارية من جواري المأمون غنت له بأبيات وهي:
ولقد أخذتم من فؤادي أنسه ... لاشل ربي كف ذاك الآخذ
وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم هجرتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ
هذا مقام فتى أضر به الهوى ... فرح الجفون بحسن وجهك لائذ
وقد ضمنه جماعه من المتأخرين. فمنهم السيد محمد بن كمال الدين نقيب الأشراف (١) في الشام فإنه قد قال:
نقل العذول بأنني أفشيت ما ... أخفى الحفاظ من الغرام الواقذ
стр. 220
هبني اقترفت لما افترى فاغفره لي ... هذا مقام المستجير العائذ
ومنهم ولده السيد عبد الكريم (١):
هب قادني فيك الغرام فما الذي ... ألجأك تعذيبي بهجر واقذي
أضراعتي أم ما افترته عواذلي ... عني إليك من الكلام النافذ
رحماك بي لا ترع غير مودتي ... وحفاظ ودي لا تكن بالنابذ
فلديك منك بك استعذت وانه ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال أيضا:
ريم رنا نحوي بطرف أدعج ... فاستل روحي من جميع مآخذي
فطفقت استعف اللواحظ قائلا ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال السيد إبراهيم (٢):
قد أوسعت عيناه قلبي اسهما ... إن غض عني هذه أصمى بذي
ما فوقت إلا وقلت لسهمها ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ عبد الغني (٣):
لاحظت خالا تحت صفحة خده ... متواريا خلف اللهيب النافذ
فسألته ماذا المقام فقال لي ... هذا مقام المستجير العائذ
стр. 221
وقال الشيخ عبد القادر الحموي (١):
وافى الحبيب بغير وعد زائرا ... يرنو بطرف للمجامع آخذ
وأتى بسكر هوى وسكر مدامة ... حتى إذا استدت على منافذي
ناديته حسبي فديتك زائرا ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ عبد الحي (٢):
أنزلت آمالي بواد مخصب ... وحمى منيع نعم كهف اللائذ
فلذاك ناداني يقيني معلنا ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ زين الدين (٣):
واغن فتاك اللواحظ أدعج ... يرمى بنبل في القلوب نوافذ
نادته افلاذي وقد فتكت بها ... هذا مقام المستجير العائذ (٤)
وقال السفرجلاني (٥)
стр. 222
يا آل بيت المصطفى شعري حلا ... فيكم وطابت بالمديح لذائذي
وافيتكم أبغي حماكم منشدا ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ محمد الذهبي (١):
يا من إذا جاريته في مسلك ... ألفيته قد سد طرق مآخذي
ارفق بمضناك الذي حيرته ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال المنجكي (٢):
بسوى حماكم لا تراني مقلة ... يا من لهم ودي المؤكد لائذي (٣)
ارفق بمضناك الذي حيرته ... هذا مقام المستجير العائذ
وقال عبد الرحمن الموصلي (٤):
عاهدته أن لا يميل وقد رأى ... نبذ العهود فديته من نابذ
رد الصباح لناظري بهجره ... ليلا وسدد بالصدود منافذي
ناديته واليأس أمسى ضاحكا ... وأنامل الآمال تحت نواجذي
رفقاً بقلب لا يميل لغيركم ... هذا مقام المستجير العائذ
стр. 223
وقلت أنا أيضا:
لما ألم بي الاذاء وعلني ... وأملني حتى قطعت لذائذي
أسبلت دمعي في تطلب من يكن ... كهفاً وملجأ في الصعاب للائذ (١)
فتعلقت كفي بآل المصطفى ... فصفت لي الدنيا بكل مآخذي
فطفقت أشدو منشداً متوجداً ... هذا مقام المستجير العائذ
*** ولصاحب الترجمة:
لا وخد أورث القلب حرق ... وقوام منه قلبي في قلق
وجبين كهلال لاح في ... برج سعد ضوؤه يجلو الغسق
ولحاظ نشأ السحر بها ... وغدا كل شجي في أرق
ما انتشار الطل من دمع الحيا ... كنظام الثغر منها في النسق
لا ولا كف الصبا ان سرحت ... طرة النهر كجسم منها رق
والأصل في هذا ما قاله ابن المعتز (٢):
لا ورمان النهود ... فوق أغصان القدود
وعناقيد من الصد ... غ وورد من خدود
ورسول جاء بالمي ... عاد من غير وعيد
ونعيم من وصال ... في قفا طول الصدود
стр. 224
ما رأت عيني كقد ... زارني في يوم عيد
*** وللقطب المكي (١) مثل الأول:
لا وغصن راق للطرف ورق ... وعليه حلل الظرف ورق
وشموس لم تغب عن ناظري ... والشعور الليل والخد الشفق
وعيون حرمت نومي وما ... حللت غير دموعي والأرق
ما احمرار الراح إلا خجلا ... من رضاب سكرت منه الحدق
والذي قد حسبوه حبباً ... فوق خد الكاس قطرات العرق
*** ومثله لبعض الأدباء وقد أغرب:
لا وفرع كدجى الليل غسق ... وجبين ضوؤه ضوء الفلق
ومحيا كلف البدر به ... وخدود من حواليها شفق
ما أرى الغزلان إلا سرقت ... منك جيداً والتفاتاً وحدق
ثم خافتك فولت شرداً ... كيف لا يشرد خوفاً من سرق
*** ومثله في المعنى مطلع قصيدة للصفدي (٢):
لا واعتدال قوامك المهزوز ... وصقال هذا خدك الابريزي
وكمال سر أودعته يد البها ... في خط هذا صدغك المرموز
وفتور طرفك انه يسبي الورى ... أجفانه بحلاوة التلويز
ورضاب فيك فإنما هو قهوة ... تحلو لقلبي ساعة التمزيز
стр. 225
ما كنت إذ نفثت جفونك في الحشا ... لتشف عن عيني حروف حروزي
*** ومثله أيضا في القسم قول ابن المعتز:
لا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... غدت له من عذاريه حمائله
ما صارمت مقلتي دمعاً ولا وصلت ... غمضاً ولا سألت قلبي بلابله
*** وتعجبني هذه الأبيات من قصيدة لصاحب الترجمة:
وروى حديث الحسن ورد خدودها ... عن جوهري الثغر بالإسناد
أرويت وجدي عن تسلسل أدمعي ... عن حرقتي عن لوعتي ورقادي
أشبيهة الظبي المليح ترفقي ... ودعي كناسك في صميم فؤادي
*** ومثله في إجراء اصطلاحات الحديث ما نظمه الشيخ محمد بن أحمد الفارقي حيث قال:
أحاديث عشقي بين أهل الهوى تروى ... معنعنها عند التأوه والشكوى
مسلسلها وجدي ومسندها الأسى ... ومرسلها دمعي ومشكلها البلوى
وصحتها سقمي وصبري غريبها ... وأحسنها ذلي لعز الذي أهوى
وأما أحاديث الوشاة بأسرها ... فموضوعة لا حكم فيها ولا فتوى
*** وألطف منه وأرق ما قاله بعضهم وقد أبدع:
روت لي أحاديث الغرام صبابتي ... بإسنادها عن بانة العلم الفرد
وحدثنا عنها النسيم عن الصبا ... عن الدوح عن وادي الغضا عن ربا نجد
стр. 226
عن الدمع عن جفني القريح عن الأسى ... عن الشوق عن قلبي الجريح عن الوجد
بان غرامي والأسى قد تحالفا ... فلن يبرحا حتى أوسد في اللحد
*** ولطيف هنا قول بعضهم فيه أيضا:
روت لي الصبا عنهم حديثاً معنعناً ... عن البث عن وجدي عن الحزن عن كربي
عن الشكو عن قلبي عن الشوق عن جوى ... عن الدمع عن جفني عن النار عن قلبي
*** ومثله في المديح قول ابن تميم (١):
أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... عن الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم
*** ولطيف هنا قول بعضهم:
حدثنا عرف نسيم الصبا ... عن بان نجد عن ربا حاجر
عن عذبات البان عن لعلع ... عن طيب ذاك المبسم العاطر
قالوا سمعنا في الدجى طائراً ... ينشد بيتا لبني عامر
стр. 227
ما أقبح السلوان من عاشق ... وما ألذ الوصل من هاجر
وفيه قول بعضهم:
نقل الأراك بأن ريقة ثغرها ... من خمرة مزجت بماء الكوثر
قد صح ما نقل الأراك لأنه ... يرويه نقلا عن صحاح الجوهري
*** ولصاحب الترجمة قصيدة في المدح وهي:
أما وابتسام الثغر من أوضح الدر ... وشهدي ريق راق من العس الثغر
وسحر جفون ذكرتني عيونها ... عيون المها بين الرصافة والجسر
لقد هيجت شوقي القديم لواحظ ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
تعذر فيها الصبر والشوق بالغ ... ولا بد للمغلوب من بارد العذر (١)
إذا شارفت نفسي العذيب وثهمد ... سقيت الثرى من ادمعي عوض القطر (٢)
معاهد آرام ومسرى جآذر ... ومسرح عين ضاق عن بعدها صدري
ولم أنس لا والله سجع ابن أيكة ... على البان يطوي في أغاريده صبري
стр. 228
وقد نثرت كف النسيم لآلئا ... على الروض منها فتحت مقل الزهر
وهبت نسيمات الخزامى فنبهت ... عيون الندامى تحت ريحانة الفجر (١)
ومستورة مذ لاحظتني بظرفها ... هتكت حجاب الوجد عن ربة الخدر
وارقني من حليها سجعة ضحى ... على معطف منها تلا صحف الهجر (٢)
تجر بنون الحاجبين إلى الأسى ... فؤادي وليس النون من أحرف الجر
مليحة خدر أبدع الله صنعها ... بوجنتها ماء الحيا أبداً يجري
إذا ما انقضت عن أسود الجفن أبيضا ... وما ست فما بيض الظبا والقنا السمر
تقول أرى طرق الخلاعة مذهباً ... وتزعم أن تحوى المفاخر بالشعر
فقلت أسأت الظن بي لست شاعراً ... ولكن أحياناً يجيش به صدري
فولت ولم تعبأ بما قد تلوته ... وقد جمعت كل الملاحة والبشر
كما جمع الإحسان والبذل والندى ... سليمان ذو الافضال والنهي والامر
стр. 229
فتى جامع الأوصاف مفرد وقته ... مفاخره ضاهت سنا الشمس والبدر
ودوحة فضل أخبرتنا أصوله ... زكت وعلت عزاً على الأنجم الزهر
أمير المعالي وابن من خضعت له ... أسود الشرى من شدة البأس والذعر (١)
طوى ذكره ذكر الذين تقدموا ... فما حاتم في الجود أو معن في الفخر (٢)
فديتك يا روض الكمال ومن به ... تفاخرت الأقران من سائر العصر
ويا من به حزت الفضائل رتبة ... ونلت فخاراً في نظامي وفي نثري
لئن فاح عرف المدح من روض فكرتي ... فمن طيب أوصاف حويت ومن سر
فخذ غادة هيفاء بلقيس عصرها ... تزف إلى علياك طيبة النشر
وخذ كلماً كالدر يزهو نفاسة ... بمدحك واقبل في نقائصه عذري
ودم في رياض المجد والعز دائماً ... تشيد ربع الفضل في البر والبحر
стр. 230
ولا زلت كهفاً للانام ومسنداً ... تظل لمن وافاك بالعز والنصر
وقد ضمن هذا الشاب بعض أبيات من قصيدة علي بن الجهم (١) التي هي في مدح المتوكل على الله العباسي التي سارت بها الركبان، وافتخرت بها أبناء كل عصر وزمان، منها قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
سلمن وأسلمن القلوب كأنها ... تشك بأطراف المثقفة السمر
ومنها في حسن التخلص:
فقالت كأني بالقوافي سوائراً ... يردن بها مصراً ويصدرن عن مصر
فقلت أسأت الظن لست بشاعر ... وان كان أحياناً يجيش به صدري
وما ألطف قوله هذا:
ولا الشعر مما استظل بظله ... ولا زادني قدراً ولا حط من قدري
وللشعر أتباع كثير ولم أكن ... له تابعاً في حال يسر ولا عسر
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
وقد ضمن جماعة مطلع هذه القصيدة الجهمية. منهم ابن
стр. 231
حجة الحموي (١) قوله من قصيدة يتشوق بها إلى حماة ومطلعها:
هواي بسفح القاسمية والجسر ... إذا هب تدري إن ذاك الهوى عذري
ومنها يقول:
وقد أصبحت تلك الجزيرة جنة ... ألم تنظر الأنهار من تحتها تجري
يفوق عيون الزهر بين شطوطها ... «عيون المها بين الرصافة والجسر»
وإن جزت في الرمضاء بين شطوطها ... «جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري»
*** وضمنه ابن نباتة (٢) من جملة قصيدة فقال:
مليح بوسنان اللواحظ سارق ... كرى مقلتي من حيث أدري ولا أدري
ومالي لا أبكي على در مبسم ... كما بكت الخنساء يوماً على صخر
وأجرى دموع العين فائضة على ... «عيون المها بين الرصافة والجسر»
ظباء بشطي نيل مصر لأجلها ... يقول حنين الشوق آها على مصر
وقد زاحمه ابن حجة (١) في قصيدة وعارضه في هذا المعني فقال:
فآها على وادي حماة تأسفاً ... خلافاً لمن قد قال آهاً على مصر
стр. 232
فكم مر لي فيها حلاوة ليلة ... فكانت شبيه الخال في وجنة الدهر
وفي غيرها قد صرت أقضي لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقول صاحب الترجمة في قصيدته هذه الرائية:
ولم انس لا والله سجع ابن أيكة. قال أبو الفرج بن الجوزي (١):
روي عن الإمام عمر بن الخطاب ﵁ قال: قد علمتم فلم تتعلموا، أهلا قلت: لا وعافاك الله. قال الصاحب بن عباد (٢): هذه الواو هنا أحسن من واوات الأصداغ في وجنات الملاح
ومن اللطيف: أن رجلا من الحذاق كان يكتب كتابا وإلى جانبه آخر، فانتهى في كتابه إلى اسم عمرو فكتبه بغير واو.
فقال: يا مولانا زدها واواً للفرق بينها وبين عمر. فقال له: والله قد تفضل مولانا بزيادة واو يعني تفوضل.
وهذا الواو اعني واو عمرو قد نظم الشعراء فيها كثيرا (٣): منهم أبو نواس قال يهجو أشجع السلمي (٤):
стр. 233
قل لمن يدعى سليماً سفاهاً ... لست منها ولا قلامة ظفر (١)
إنما أنت من سليم كواو ... ألحقت بالهجاء ظلماً بعمرو (٢)
وقال أبو سعيد الرستمي (٣) وأجاد. وهي من قصيدة مدح بها الصاحب:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما بين الورى شاعر مثلي (٤)
كما سامحوا عمرواً بواو مزيدة ... وضويق بسم الله في ألف الوصل (٥)
وقال صاحب الترجمة في قصيدة أيضا:
لئن فاح عرف المدح من روض فكرتي ... فمن طيب أوصاف حويت ومن سر
هذا المعنى مأخوذ من قول ابن عمران الحلبي (٦) من قصيدة وهي:
لا تعجبوا إن فاح عنبر نعته ... قابلته من فكرتي بالمجمر
لما أراني جعفراً من جوده ... فاريته شعر الوليد البحتري
стр. 234
وهذا المعنى اختلسه ابن عمران من ابن عمار (١) من قصيدة مدح بها المعتضد بالله (٢) مطلعها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان إلى السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا
ومنها في حسن التخلص:
روض كأن النهر فيه معصم ... صاف أطل على رداء أخضرا
وتطيفه ريح الصبا فتظنه ... سيف ابن عباد يبدد عسكرا
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى (٣)
يختال إذ يهب الخريدة كاعبا ... والطرف أجرد والحسام مجوهرا
ومنها يقول:
أثمرت رمحك من رءوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهم ... لما علمت الحسن يلبس أحمرا
والبيت المقصود منها:
من ذا ينافحني وذكرك مندل ... أوردته من نار فكري مجمرا
ولصاحب الترجمة قصيدة هي:
стр. 235
أحبتنا والله أفنيتم الصبرا ... فرقوا لحالي تغنموا المدح والاجرا
منعتم خيالا منكم أن يزورنا ... وأحرمتم جفني القريح بأن يكرى
وغادرتم بين الجوانح جمرة ... ومنثور دمعي فيكم أخجل القطرا
فان كان لي ذنب سوى أن أحبكم ... بلب الحشا لما جرى أدمعي أجرى
فلم لا يكن بعد الصدود لمغرم ... صدور خيال جهرة أو يكن سرا
أحبتنا رفقاً بمن هام فيكم ... وصباً صبا والبين قد حسم الظهرا
فو الله إن القلب فيكم متيم ... ومطوي شوقي في هواكم غدا نشرا
شغفت بكم حباً فزدتم تجنباً ... كأن لم يكن هذا الحديث الذي مرا
ومنها:
فتاه فؤادي في ليالي جفاكم ... وما كان لي من صبح غرتكم فجرا
فلله ساعات مضت بربوعكم ... وأيام وصل فيها مستنشقاً عطرا
ولما سرى الشوق المؤجج بالحشا ... تذكر قلبي منكم ليلة الإسرا
فقلت لأجفاني وقد هاجني الهوى ... وامنحني وجدا قفانبك من ذكرى (١)
رعى الله هاتيك القدود إذا انثنت ... فلست أرى إلا مثقفة سمرا
ومنها:
شغلت بكم عن كل فتان إن رنا ... لا نفث من أجفانه للورى سحرا (٢)
وعن كل هيفاء رداح إذا بدت ... بنور جبين تخجل الشمس والبدرا
وفي أثناء التحرير أرسل قصيدة شاملة لمدحي وقد أعجبني حسن سياقها ولطف اتساقها فلا باس من ذكرها وهي:
стр. 236
غصن بان وله الحلي ثمار ... اخذ الصد مع الهجر شعار
ورد خديه المغشى بالحيا ... قد سقته ادمع الصب الغزار
يا بقلبي قامة منه إذا ... حركتها نسمات الاعتذار
سكن القلب ولا بدع إذا ... نار خديه من القلب استعار
يا رعاك الله ربي رشأ ... سفح قلبي لك مرعى ومزار
وغزال بابلي اللحظ قد ... نفثت أجفانه السحر جهار
يا خليلي اعذراني في الهوى ... دأبه أن يمنع الصب القرار
لست أنسى أهل ودي معهدي ... لم يشب مع حلوه العيش مرار
في رياض رقصت أزهارها ... وعليها لؤلؤ الطل نثار
والندى قد راق لما رق من ... نسمة الصبح بكأس الجلنار
غزلي فيه ومدحي لم يزل ... بحسيب ذي علاء وافتخار
ذا أبو نعمان عثمان الذي ... قد غدا للفضل كهفاً ومنار
من محا ليل خطوب عزمه ... وكذاك الليل يمحوه النهار
بحر جود غرقت في سيبه ... وندى كفيه امواه البحار (١)
وإمام للمعالي والعلا ... وحليف للندى والسعد جار
قد رقى هام الثريا مجده ... فعليه منتهى الفخر يدار
كعبة للعلم والفضل ومن ... في سماء المجد بدراً قد أنار
رتع العافون في نائله ... وبه الفضل غدا عالي المنار (٢)
واضح البشر إذا سيم العطا ... يملأ العين بهاء ووقار
стр. 237
فلجيد الفضل طوقاً قد غدا ... ولزند المجد أمسى كالسوار
فهو أولى الخلق مني بالثنا ... وامتداحي فيه أولى وادكار
طوقت نعماه جيدي فلذا ... في رياض المدح قد مر هزار
ما الجزا إلا دعاء خالص ... في غدو ورواح وابتكار
ولصاحب الترجمة في التضمين:
لله إذ نادمت من أحببته ... في روض أنس بالأزاهر معلم
دميت خدود شقيقه ولأجله ... ضحكت ثغور أقاحه المتبسم
فهمى عليه لئال طل ممسكا ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وقال فيه:
رشأ بسحر لواحظ متلفف ... عقل الورى في سيف جفن مخذم
نمت صفاء خدوده بسلافة ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وقال فيه أيضا:
لما تناءت داره وبكيته ... بمدامع من مقلتي كالعندم
حتى تراءى وجهه فتجففت ... من عادة الكافور إمساك الدم
وقد ضمنه جماعة من الأدباء منهم الشيخ عبد الغني (١) فإنه قال:
شفق بحمرته تبدل في السما ... هو مؤذن بمجيء ليل مظلم
ثم اختفى بضياء بدر طالع ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وقوله أيضا:
وشقائق النعمان حول الماء في ... روض أريض بالربيع منمنم
هطل الندى فيه النضارة ممسكا ... «من عادة الكافور امساك الدم»
стр. 238
وقوله أيضا (١):
يوم الفراق بكيت من أحببته ... بمدامع تحكى عصارة عندم
حتى التقيت ولاح ضوء جبينه ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وله أيضا:
قتلت بجلق عصبة لعبت بهم ... أهواؤهم بفعال طاغ مجرم
وبشيبة الشاويش كان ختامهم ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وقوله فيه أيضا:
ومهفهف وقف الجمال بخده ... فأهاج شوق أخي الصبابة مغرم
وصفا بياض الخد زين بحمرة ... «من عادة الكافور إمساك الدم»
وضمنه عبد الرحمن الحلبي:
ورد الرياض تفتحت أكمامه ... والجلنار أدار كأس العندم
والياسمين الغض وافى بعده ... من عادة الكافور إمساك الدم
وفيه لابراهيم اللائحي:
رشأ أدار الكأس ليلا بيننا ... من خمرة تحكي عصارة عندم
حتى بدا وجه الصباح فقال لي ... من عادة الكافور إمساك الدم
وضمنه بعض الأدباء فقال:
ولقد وقفت على الطلول وأدمعي ... تجري على خدي كلون العندم
стр. 239
وطفقت اسأل ربعهم وديارهم ... شوقاً إليهم باليدين وبالفم
فأجابني رسم الديار وقال لي ... حييت من باك بغير تكلم (١)
لو عاينت عيناك أجياداً لمن ... بانوا لما سالت دماً بمخيم
ولجف هذا الدمع منك لأنه ... من عادة الكافور إمساك الدم
ولصاحب الترجمة هذه النبوية والمدحة المصطفوية (٢):
جرى عقيق الدمع لما شجاه ... سجع حمام نشر صبري طواه
ذكرني عيشاً رقيقاً لنا ... بالسفح قد مر لذيذاً جناه
ورسم دار لم يبن لي بها ... إلا سطوراً حررتها نواه
جر عليها الدهر أذياله ... ورسمها في سيف بين محاه
فشب جمر الشوق في مهجتي ... وغاض من نيل اصطباري رفاه
شوقاً إلى فاتنة ما بدت ... إلا وللقلب أطالت عناه
وإن تثنت مال غصن النقا ... حيث من العطفين غنى حلاه
ألم تر من فوقه قد غدا ... حمامه في نوحه قد نعاه
حوراء في روض جمال بدت ... اطلقت سرح اللحظ حتى رعاه
قد راق ماء الحسن في خدها ال ... فضي حتى راقني في رواه
وكادت الأعين من رقة ال ... خدين لما أن بدت تشرباه (٣)
جسم حكى الماء ولطف الصبا ... يكاد أن تنظر منه المياه
غصن بروض الحسن تختال إن ... مر به أنفاس عتبى ثناه
قد مال عني يا ترى هل له ... فرط دلال عن ودادي لواه (٤)
стр. 240
واضطربت حيات شعر لها ... لما بدت في الصدر رمانتاه
تحجبت عني بسمر القنا ... وسيف طرف لحظها قد نضاه
مخافة من رقة الوجه أن ... تؤثر الالحاظ في صفحتاه (١)
فانتثرت در دموعي وقد ... رأيتها في وجنة كالمراه
فخلتها ذوب جمان لما ... ألقى احمرار الخد فيها صفاه
قالوا حكتها الشمس في نورها ... قلت ولا بدر الدجى قد حكاه (٢)
دعني أخوض الليل في شعرها ... من ثغرها أطلب ماء الحياه (٣)
ويا نديمي قم بنا عاجلا ... نسعى بروض زهره الغض زاه (٤)
وأقحوان راق منه الذكا ... راشفته خمر الندى من لماه
واحمر ورد الخد منه حيا ... والنرجس الوسنان في انتباه
إذ قام في منبر دوح به ... مطوق شحروره قد رقاه
يخطب في مدحة خير الورى ... من صحف الأوراق ذكر تلاه
من أجل ذا تركع أغصانه ... شوقاً إلى ما قد تلا ثم فاه
ففاح عرف المدح حتى لقد ... رق نسيم الروض يحكى شذاه
أرسله الله لكل الورى ... متوجاً بالعز لما حباه
لا عجب ان غرق السبعة ال ... أفلاك يبغي الفوز عند الإله
فذاته شمس الضحى قد غدت ... نقطعها إذ كان فيها سراه (٥)
وعاد موفور السنا زاهرا ... والصبح لم ينشق عنه رداه
стр. 241
ومذ رقي فالبرق قد أثمرت ... حوافراً في الأفق لما طواه (١)
لذاك تبدو للورى دائماً ... أهلة ممتدة من ضياه
بحر جرى في فارس ماؤه ... مذ شب جمر النار منه طفاه
هذا دليل يا عصاة الورى ... معجزة قد طبقتها الرواه
بأنها تسري غداً في لظى ... نزاعة عن كل من في حماه (٢)
وكان ليل الشرك داج وقد ... مد جناحاً اسوداً جانباه (٣)
حتى بدت أنوار آياته ... مشرقة كالبدر باد سناه
فانزاح ذاك الليل من نوره ... ونار بالإسلام منه دجاه
وضاء فجر العدل لما بدا ... من مطلع الإيمان يوماً بهاه
سيف صقيل قامع للردى ... قد سله الجبار لما جلاه
في موقف طارت به للعدى ... جماجم للكفر أروى صداه
فزال منهم كلب الكفر إذ ... دماء سادات لهم قد سقاه
يا ليت في تربة أعتابه ... تعفر الآمال فيه الجباه
وليت نوء الطرف في روضه ... يسحب شوقي من جفوني بكاه (٤)
وليت في ميل اللقا كحلت ... للصب في رؤياه عيني رجاه
يا سيد الرسل ويا من به ... طاولت الأرض السما في علاه
عبدك يرجوك لما أمه ... وأنت تدري ما غدا مبتغاه
وقد جنى زهرة لهو جرت ... يانعة تزهو بأيدي صباه
ولم يزل يحمل في كاهل ... وزراً ثقيلا ظهره قد حناه
ثم صلاة عطرت نفحها ... على ضريح منك جسما حواه
стр. 242
ولم تزل تنهل سحب الرضا ... على رياض أزهرت في ثراه
حتى تروي زهره في حيا التسليم ... في صبح تلاه مساه
والآل والأصحاب أزكى الورى ... ما صبغة الليل الضيا قد نفاه
وله من أخرى:
لحظات قد فرقت جيش صبري ... لي من سهم سحرها تفريقا
نسخة الوجد صححتها دموعي ... عند ما رحت بالبكاء شريقا
لفتاة أعارت الغصن ليثاً ... وبدور السما سناً وبريقا
أتعاطى من خدها البارد العذ ... ب ومن لفظها الشهي رحيقا
ما رأينا من قبلها غصن بان ... صار بالحلي والحرير وريقا
عجبي خدها المضرج لما ... بحياه الجمال يشكو الحريقا
ولقد رق إذ صفا ماء حسن ... صار فيه إنسان لحظي غريقا
ورأى الورد خدها فتغشى ... عند ما انبت اللجين شقيقا
فبكاه جفن الغمام ورش ال ... قطر في وجنتيه كي يستفيقا
ما تناءت إلا بأيدي افتكاري ... نحو صدري أضم قداً رشيقا
شمس خدر لها نصبت الأماني ... سلما إذ جعلته لي طريقا
وله أيضا:
يا لك الله عقد شمل تنضد ... بيد الأنس برهة فتبدد
سلبتك الأيام بالرغم مني ... ويح دهر يمن بخلا بما قد
كنت يا دهر منك قدما لجيناً ... سبكتني نيران صدفك عسجد
وأحال النوى لدمعي لما ... بلظى البين والنوائب صعد
وقديما قد كنت أشدو ببيت ... قلته حيث ذا الزمان تمرد
стр. 243
نمت في مقلة الخطوب أمينا ... ولظاها أقام غيري وأقعد
وأنا الآن غره الدهر مني ... كوكب الأنس في اللقا إذ توقد
حيثما في رياض قربي لما ... طير شوقي بصحف وجدي غرد
مضه جرحه الزمان فألقى ... خطبه إذ للمحه الفكر أفسد
سل لي في البعاد مرهف بين ... شحذت متنه النوى فتجرد
فتلقى الزمان في الخطب مني ... صدر حر على الخطوب تعود
تركت صفحتيه راحة صبري ... كلما كر في المضاء كمبرد
جرعتني الأيام كأس فراق ... وأقامت علي في شرعها الحد
لست أصحو من خمرة البين لما ... سكر العقل ثم تاه وعربد
فجعتني بظبي أنسي فأمسى ... ظاعنا إذ غدا له الكرخ مورد
جامع وجهه لأنواع حسن ... طالما الطرف في ذراه تعبد
وقضيباً سقته سحب دموعي ... إذ مضى مثل بانة يتأود
قلدت جيده دموعي عقيقا ... فهو في در مدمعي قد تقلد
***
стр. 244
عمر العمري (١)
ومنهم ابن عمنا عمر:
أديب شاعر، وصايغ ناثر، وأسد في ميدان البلاغة كاسر، هاصر أفنان المجد والسعادة، وقاهر همم الرشد على معاقد الإفادة وبدر الأدب اللائح الأنوار، وشمس المعارف المشرق على جميع الأمصار. واحد الشعر ومؤلفه، ومقرط النظم ومشنفه (٢). ملك المعالي بإبداعه، وزين العوالي بيراعه.
نسب طاهر ومجد أثيل ... وفخار عال وفضل جزيل
فهو غمام النظم الهاطل، الذي حلى بألفاظه كل جيد عاطل.
استظل بظلال الفضل الوارف، والتقط فرائد الكمالات من معادن اللطائف. فغدت رباع الفصاحة به آهلة، ومعالم الرجاحة بمكارمه متكاملة. وكان ﵀ ذا طبع نقاد، وذكاء وقاد. ونظم شعر واحد، يصلح أن يكون للأعناق قلائد. وقد أتيت منه بالغريب العجاب، الذي يكون غيره بالنسبة إليه هباب. إذ كان بيننا مع
стр. 245
هذا الأديب نسابة متعاقدة، وكلنا بيت العمرية من جرثومة واحدة.
وكنت اجتمع به في بعض الاحيان، فأراه لعيون البلاغة كالانسان فنقصر إذا على معاطاة القريض، والأخذ من بحره الطويل العريض. واجعل أبياته المشتى (١) ومقاطيعه المقيظ. وكنت أتلقى نظمه من لسانه، وآخذ الأدب عن بيانه.
حسيب إلى الفاروق يعزى وينتمي ... لقد طاب أصلا ثم فرعاً ومحتدا
أديب لبيب كامل متكمل ... ترى لفظه عقداً ودراً منضدا
فتخال النادي رياضا (٢)، والأشعار حياضا (٣). كأنها عقود جمان، أو حدائق جنان. وهو في الحقيقة الدر المنير، والسحاب المطير، والأديب الذي لم يقبل النظير.
فكان يحبني الحب الشديد ويوافقني في الأدب على كل ما أريد.
مولي ومولي نعمة وكرامة ... وأخا إخاء مخلصاً وخليلا
فمن شعره الرقيق، الذي هو أحلى من الرحيق قوله في قصيدة قد التزم فيها الجناس، وأتى به في أحسن لباس وهي:
غزال سرب إذا ما سره غزلي ... نبال مقلته الكحلا بها غزلي (٤)
كان الحاظ عينيه إذا غمزت ... سيف بكف أمير المؤمنين علي
يرق لي من سقامي وهو أمرضني ... ويدري ماذا شفائي لو تعطف لي
ألقى على كبدي كفيه قلت له ... مهلا فاصل سقامي الأعين النجل (٥)
فقل لمن لامني في حبه سفها ... اقصر فليس ملي البال مثل خلي
стр. 246
هويته فهواني في الهوان فها ... هلال مهجته بالهم يشهد لي
نوى النوى فلوى نومي فأسهرني ... وقال لي صح منك الجسم قلت بلي (١)
سألته مذ سلاني أن يبلغني ... من سلسل الريق سؤلي قال لا تسل (٢)
مذ ملني لامني اللوام من ملل ... يروم إملال قلبي وهو منه ملي
قد حل لما حلا والحلي يحلو له ... فحل حبل احتمالي وانطوت حيلي
ومنها:
قد شفني فشفاني رشف شفته ... وشاقني بشقيق زين بالكحل
ومنها في حسن التخلص:
جفا فقلت لماذا أنت هاجرني ... بغير ذنب ومن أفتاك في القتل
ألم تخف حاكم الشرع الشريف ومن ... قد سار بالفضل سير السادة الأول
محمد عمري الأصل أن له ... من الكمال أياد في العلا طول (٣)
بحر العلوم رأينا من فضائله ... مالا رأته ذوو الالباب في رجل
كنز الحقائق كشاف الدقائق بل ... هداية، حكمة، تبري من الجهل
رام السباق إلى العليا فجد إلى ... إن نالها فمشى في أحسن السبل
ومنها:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرت ... حتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
فكيف تخفى وقد شاعت مكارمها ... فأصبحت في فم الأيام كالمثل
ما أمه قاصد إلا وامنحه ... فينثني مايسا في الحلي والحلل
стр. 247
لا زال يسمو ويرقى كل مرتبة ... تعلو على هامة الجوزاء مع زحل
وعاش في طيب عيش دائما أبدا ... يختال ما عاشه في أفخر الدول
وقد نسج هذا الشاعر أبياته على منوال قصيدة الصفي الحلي (١) وطريقه الذي اخترعه وهي:
سل سلسل الريق لم لم يرو حر ظما ... بل بلبل القلب لما زاده ألما
قد قدّ قدّ حبيبي قدّ مصطبري ... إن آن إن اجتنى جرما فلا جرما
مذ مل ململ قلبي في تقلبه ... مذ كف كفكف دمعا صار منه دما
بل رب ربرب سرب ثغره شنب ... لو لؤلؤا رام تشبيها به ظلما
لو قابل الشمس لا لألاؤه انكسفت ... وأن يقل للدجى زح زحزح الظلما
كم هد هدهد واشينا بقافية ... غداة عنعن عن أعدائنا الكلما
مذ نم نمنم أقوالا شفيت بها ... إذ زل زلزل طود الصبر فانهدما
لم لملم الوجد عندي بعد مصرفه ... عني وجمجم جم الصب فالتأما
стр. 248
مذلج لجلج نطقي عن إجابته ... لورق رقرق دمعاً ظل منسجما
إن كان دعدع دع كأس العذاب وقل ... مه مهمه العشق لا يطويه منه سما
إن قيل ضع ضعضع الخدين معتمداً ... أو قيل قلقل قل أرضى بما حكما
أو قيل طحطح طح بالحب ملتجيا ... أو قيل دمدم دم بالحب ملتزما
سب سبسب الحب فاسكن من أحبتنا ... لكل من منّ من أهل الوفا كرما
هم همهم حفظهم للحق حق وقا ... من حيث حضحض حض الحب منتقما
إن قيل أج أجاج العذر فارض بهم ... أو لا فنفسك لُم، لم لا تفيض دما
وقول صاحب الترجمة في قصيدته:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرت ... حتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
مأخوذ من قول القيراطي (١):
أوصافكم تسري أحاديثها ... مسرى النجوم الزهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكم ... تسندها الركبان من طرق
стр. 249
ولابن نباتة (١) في هذا المعنى:
روت عنك أخبار المعاني محاسنا ... كفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفك عن عطا ... وخلقك عن سهل ورأيك عن سعد
وفيه لبعضهم:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تنشي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولصاحب الترجمة في مدح الوزير (٢) علي باشا ابن الحكيم:
جبت البلاد معاشراً لكرامها ... وإذا أنا في حيهم بتنقل
نادى مناد للكرام وقال لي ... من حاتم الاجواد قلت لهم علي
لو لم يكن أهلا لكل فضيلة ... ما كان حقاً للوزارة قد ولي
با ملجأ الملهوف يا بحر الندى ... يا سيدي يا صاحب القدر العلي (٣)
أيذلني ضنك المعاش بغربتي ... وأضيق ذرعاً في المعاش وأنت لي
أنت الذي ما أم ربعك قاصد ... إلا انثنى ذا حشمة وتجمل
ومن نظمه:
إن ماس تيها باعتدال القوام ... يكاد ان يسلب عقل الأنام
ظبي إذا لاحت على خده ... نار ترى في القلب منها ضرام (٤)
стр. 250
مذ أرسل الشعر على وجهه ... عاينت بدر التم تحت الظلام
أفديه لما أن رنا معجبا ... ارشق قلبي نحوه بالسهام
لقد بدا العارض في خده ... لام فما لي في هواه ألام (١)
لما كوى القلب بنيرانه ... ناديت هذي النار أين السلام
ظبي فأما خصره ناحل ... لكنه أورث جسمي السقام
حلو دلال طرفه ناعس ... لكنه أسهر طرفي ونام
مقطب إن ذبت من هجره ... أوبحت بالشكوى علاه ابتسام
لله ما أحلاه من فاتن ... أنشأه ربي فتنة للانام
إن سل سيف اللحظ من عجبه ... فليس للعشاق منه ذمام
مبرقع الوجه ولكنه ... يسبى البرايا أن أزال اللثام
فلم أر من حبه مخلصا ... إلا بمدح الشيخ راعي الذمام (٢)
ذاك أبو بكر الذي قد غدت ... عطايا كفيه شبيه الغمام
من دوحة الفخر فطوبى لمن ... قد حل في اكنافه لا يضام (٣)
مطوق الأعناق من جوده ... ونيل كفيه كطوق الحمام
من عنصر الفضل فقصاده ... تسابقت من كل مصر وشام
ماذا أقل في مدح اطباع من ... يعجم عنهن فصيح الكلام (٤)
لا زال كهفا لجميع الورى ... وعاش في العيش المهنى ودام
وله ﵀:
وأهيف ملتفت كالغزال ... صير قلبي حبه كالخيال