شهدت بان الشهد والسكر ريقه ... وما كنت لو لم اختبره لأشهدا
وان السلاف البابلية لحظه ... وإلا سلوا إنسانه كيف عربدا
ومما (١) يناسب هذا الميدان الفسيح، والنظم الرائق الفصيح. ذكر قصيدة أنشأتها في ليلة، وأرحت فيها من الفصاحة خيله. وهي مشتملة على الغزل والنفاسة، وثانيا في اللطافة والحماسة وثالثا في المدحة، وهي من الله منحة.
أما الغزل فقولي:
أبدر دجى يا صاح أم أقبلت دعد ... أم انتشبت نار وفي جمرها وقد
تلوح كبدر التم حسنا وبهجة ... وفي جيدها در وفي نحرها عقد
فلا زال بدر بين مروة والصفا ... يشتت لبي والغرام له حد
هي الشمس حقا إن تراءت لمغرم ... وإن خطرت فالبدر من وجهها يبدو
لها أعين كالنرجس الغض خلقة ... وحمرة خد في لطافته ورد
стр. 282
تحاكي الظبا لحظا وبالقد بانة ... وبالردف طوداً وهو في ذاته طود
وفي وجهها بدراً وبالثغر أنجما ... وبالريم لفتات ورمانها النهد (١)
فلله من ليل تقضى بقربها ... وليس لنا ستر سوى الشعر الجعد (٢)
فخان بنا الدهر الخئون فشمرت ... إلى البعد ساقاً فاستمر بها الوجد
وقد أسبلت عند الوداع لآلئاً ... فاستروى من المدمع الخد (٣)
وأودعتها عند الوداع جوانحي ... وديعة صب مالها في الورى رد
وها عندها قلبي وأنّا بذا الأسى ... لنا القبر في غير الوصال أو اللحد
نأت وأنا ملقى على الجمر والغضا ... تمزق مني الصبر وانقطع الجهد
إذا أودعت قلبي لهيباً وحرقة ... ففي كبدي حر وفي مقلتي سهد
وأما قولي في الحماسة منها:
стр. 283
فخضت غمارا دونها وسباسبا ... يضل القطا فيها وينحسم الكد
ولم ينج في تلك المهامه عابر ... ويشكو انحطاطا في مفازتها الوجد
وحزت عُلى في ذا الرحيل وسؤدداً ... لنا الشكر في هذا الرحيل أو الحمد (١)
وجيران وادي الرس إذ حث عيسهم ... ولم يك لي من قربهم أبداً بد
يقولون لي كم ذا التغرب والجفا ... إلى كم تخوض النقع جهلا وكم تعدو
فانك قد خضت الغمار وطالما ... فتكت بعضب واستبحت دما جد (٢)
وقدت خيولا سابحات إلى الوغى ... إذا قيد للركض المطهمة الجرد
فقلت لهم خلوا سبيلي فإنني ... أنا رجل الدنيا وواحدها الجلد
بعلمي وآدابي وسيفي وصاحبي ... سموت فإني في الورى لسن فرد
فإني لمن قوم كرام ذوي حجى ... فآدابنا بحر وآراؤنا رشد
سلوا الخيل عنا عند معترك القنا ... فصمصامنا برق وأصواتنا رعد
стр. 284
فما عندنا جفن لعضب وانما ... له أبدا من هامة البطل الغمد
بنا المشرفي اجتاز كل فضيلة ... فما آب في كفي وفي حده حد
يجول على أسيافنا الموت دائما ... فسل عن ظبانا فهو ما طبع الهند (١)
واما حسن المخلص في المديح قولي منها:
وكيف ولا أعلو على هامة السها ... وأسعد لي في كل معركة سعد
أديب أريب سيد وابن سيد ... حوى كرما بين الورى ما له حد
همام إذا ما جئته لملمة ... تراه كماء المزن إذ عدم الورد
أغر كأن الشمس دون جبينه ... بطلعته الغراء يستمطر المجد
له الراحة الرحباء في كل حادث ... تسح نضارا حيث قد وجب الرفد (٢)
فما آب وفد من عطاياه رابح ... على رسله إلا أقام له وفد
يد تخجل الأنواء من نفحاتها ... لها نعم صارت لجيد العلا وسد
стр. 285
هو البطل الضرغام والبطل الذي ... تراه ولا ليث سواه ولا أسد
فتى مشرق كالبدر والشمس وجهه ... فهل أشرقت الا بطلعته نجد
له همة لو يحتمي بأقلها ... لما كان حقا في الورى أبداً عبد
يجل ويسمو ان يقاس بحاتم ... فذلك شوك ثم ذا الثفل الجعد (١)
أبر يدا في الضنك من هاطل الحيا ... فلا الجزر يحكي راحتيه ولا المد
ألست أبا نعمان من سادة همو ... ذو والنسب السامي وذو الحسب الغد (٢)
إذا ذكروا في المكرمات فحاتم ... لديهم سراب ماله أبدا رشد
إذا ما بدوا للناظرين تفرقوا ... أيادي سبا فالعالمين لهم جند
فما لكمو والله حلفة صادق ... شبيه وأنى ان يكون لكم ضد
رقيتم الى هام السماك بمحتد ... فآراؤكم رشد واحسانكم ملد (٣)
стр. 286
ملكتم لأحرار الأنام ببذلكم ... فلا زلتم دوماً لثلم العلى سد (١)
فمن أسعد سعد الزمان وكيف لا ... هو الساعد العضب اليمان بل الزند
ترفق فإني لم أفه لسواكم ... بشعر ومالي دونكم في الورى عهد
فخذ غادة والله زفت بليلة ... فإني على عزم بمدحكم أشدو
بقيت بقاء الدهر يا اسعد الورى ... فإنك قند في مذاقته شهد
يشار إلى علياك بالفضل والعلى ... وتستمطر الدنيا لديك ولا بعد
وممن حذا هذا الحذو، ومشى على هذا المنوال، ونظم أنواع العقود واللآل، الصاحب بهاء الدين زهير بن الوزير المهلبي (٢). فإنه كتب إلى الصاحب كمال الدين ابن العديم (٣) أبياتا معناها إنه انتخبه لحاجة له، ولم يؤهل غيره لها. وتخلص منها إلى الغزل.
وهي:
دعوتك لما أن بدت لي حاجة ... وقلت رئيس مثله من تفضلا
стр. 287
لعلك للفضل الذي أنت ربه ... تغار فلا نرضى بان تتبدلا
إذا لم يكن إلا تحمل منة ... فمنك وإما من سواك فلا ولا
حملت زماناً عنكم كل كلفة ... وخففت حتى آن لي أن أثقلا
ومن مذهبي المشهور مذ كنت أنثني ... لغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهراً ما شكوت لحادث ... بلى كنت أشكو الاغيد المتدللا
وما همت إلا للصبابة والهوى ... ولا خفت إلا سطوة الهجر والقلى (١)
أروح وأخلاقي تذوب حلاوة ... وأغدو وإعطافي تسيل تغزلا
ومن الغريب والنادر العجيب هنا قصيدة الأديب أحمد الشاهيني (٢) فإنها نسجت وحدها وهي:
لا يسلني عن الزمان سئول ... ان عتبي على الزمان يطول
стр. 288
طال عتبي كطول عمر تجنيه ... فعتبي بذنبه موصول
أنست لي خطوبه فلو اغتا ... ل سواي لغرني التبديل
وأحاطت سهامه بي حتى ... سد طرقي المسام مني النصول
أبتغي صفوة الحياة ضلالا ... وسواد الليال ليس يحول
أنا يا دهر لست إلا قناة ... لم يشنها لدى المكرّ النحول
إن أكن في الحضيض أصبحت أني ... في ذرى الأوج كل حين أجول
فطريقي هو المجرة في السي ... ر وعند السماك دأبي المقيل
صنت نفسي ترفعاً عند قدري ... فكثير الأنام عندي قليل
فإذا قيل لي فلان نراه ... ذا جميل أقول صبري جميل
وفرت همتي علي وعزمي ... ماء وجهي فسيف عزمي صقيل
قد عرفت الأيام قدماً فلما ... أن دهتني أتت وعندي الدليل
سلبتني بالغدر كل جميل ... غير فضلي ففاتها المأمول
إن هذا الزمان يحمل مني ... همة حملها عليه ثقيل
يتأذى من كون مثلي كأني ... أنا منه في الصدر داء دخيل
فكأني إذا انتضيت يراعا ... بسنان على الزمان أصول
وكأن المداد إذ رقمته ... أنملي والدموع مني تسيل
صبغة أثرت بحظي سواداً ... وأحالته وهي لا تستحيل
ليتني لو صبغت فودي منها ... فارعوى الشيب واستحال النصول
لا أرى أنني انفردت بهذا ... كل أيام دهر مثلي شكول
ولصاحب الترجمة مما نسجتها بنات أفكاره واقتطفت أيدي
стр. 289
المنى من يانع ثماره، قوله في مدح المرحوم أحمد باشا ابن المبرور حسن باشا أخذ الله بيده وجعل النور في مرقده:
أقدك ذا أم خوط بان به نَوْرُ ... ووجهك ذا أم بارق لاح أم بدر
وهذا وميض شمته من تهامة ... أم ابتسمت ليلا فبان لها ثغر
وماء عذيب أم رضاب ممزج ... بخمرة أجفان بها يسكر السكر
فلله أيام مضت في لذاذة ... وقد غفل الواشون إذ غفل الدهر
سقى الله ذاك الربع جادبه الحيا ... وحياه غاد والغوادي به قطر
فودعت قلبي حين ودعت زينبا ... ولا عج أشواقي يضيق به الصدر
يمازج دمعي دمع ما فوق خدها ... وابكي وتبكي والقلوب بها جمر
شرقت بما أجرى الدموع من الدما ... وقلبي خوف البين خامره الذعر
صبوت فلم يترك بي الصبر قوة ... إلى كم أقاسي ما أمرك يا صبر
ولم يبق مني البين إلا تصبري ... وجسما نحيلا قد أحل به الضر
وثهلان هجر حال بيني وبينها ... فمّن بها لا در درك يا هجر
تقول وقد بل الدموع خدودها ... وضرج وجهاً من محاسنه البشر
إلى أين أزمعت المسير معجماً ... وزمت مطاياك المطهمة الغر
فقلت ذريني إنني أنا سائر ... إلى بحر جود من عوارفه اليسر
فتى لا يجارى في المكارم والعلى ... بنائله يوم الندى يقتل الفقر
أغر فتى الفتيان بدر مآثر ... بغرته الغراء يستمطر الخير
شجاع شديد البأس قرم سميدع ... إذا ذكر الأجواد طاب به الذكر
سليل كرام في المكارم سبق ... لهم اوجه بيض وأردية حمر
стр. 290
مليك له عند الأنام مواهب ... تناقلها الركبان والبدو والحضر
لقد طار في الآفاق ذكر نواله ... وهل تنكر الأنوار إذ بزغ الفجر (١)
له صيتة في الخافقين جسيمة ... يعطر أردان الزمان لها نشر
وما صافحت بيض القنا مثل كفه ... ولا شاهدت شبهاً له الخيل والسمر (٢)
إذا ما امتطى متن السلاهب غازيا ... يقابله التأييد والعز والنصر
وإن سار يقري الطير والوحش في الفلا ... فمن جيشه الضرغام والذئب والنسر (٣)
وأبكم أفواه الزمان نواله ... أياد له لا يستطاع لها شكر (٤)
أبا حسن يا ذا المحاسن والندى ... ويا من له فخر على من له فخر
عقلت قلوصي في حمى فضلك الذي ... به تسمن الانضاء بل يهلك العسر
ولا أبتغي في ذاك إلا مفاخراً ... فان لم يكن فخر فلا وفر الوفر
وفي هذا البيت رائحة من كلام أبي فراس الحمداني. وسنبينه هناك ومن تتمتها:
стр. 291
وما ضرني ان كنت فاقد ثروة ... إذا كان ما قد حزته المجد والفخر
وما شانني أن كنت صفراً من الغنى ... ولا عيب أن تعرى المهندة البتر
وهل ينقص القدر الرفيع مطاعن ... يفوه به الواشون إن كمل القدر
وإنا من العرب الكرام ذوي العلا ... وفينا الهدى والمجد والعلم والشعر
وما ضم حب المال قط صدورنا ... فأموالنا عبد وأعراضنا حر
أبى المجد إلا أن نعيش بعزة ... فإن لم يكن عز فمختارنا القبر (١)
وأنا لفينا نخوة عربية ... وإن لنا جداً به ينتهي الفخر
والقصيدة الفراسية، التي هي كالشمعة المضية، وهي كما قيل كلام الملوك ملوك الكلام وهي:
أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... وأذللت دمعا من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
стр. 292
معللتي بالوعد والموت دونه ... إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لأنني ... أرى أن دارا لست من أهلها قفر
وحاربت قومي في هواك وانهم ... وإياي لولا حبك الماء والخمر
وإن كان ما قال الوشاة ولم يكن ... فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة ... لإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزها ... فتأرن أحياناً كما يأرن المهر (١)
تسائلني من أنت وهي عليمة ... فهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم فهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر
وقلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين إنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمها ... لها الذنب لا تجزى به ولي العذر (٢)
كأني أنادي دون ميثاء ظبية ... على شرف ظمياء حلأها الذعر (٣)
تجفل حيناً ثم تدنو وانما ... تراعي طلا بالواد أعجزه الخصر
وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر
وأني لجزار لكل كتيبة ... معودة أن لا يحل بها نصر
فانظر إلى ما قال والى ما سيقول فإنها تبهر الألباب فضلا عن العقول:
فأصدأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ولا أصبح الحي الخلوف لغارة ... ولا الجيش ما لم يأته قبلي النذر (٤)
стр. 293
ويا رب دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفخر
وحي رددت الخيل حتى ملكته ... هزيما فردتني البراقع والخمر
وساحبة الأذيال نحوي لقيتها ... فلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر
وهبت لها ما حازه الجيش كله ... وأبت ولم يكشف لا ثوابها ستر
وما راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر
وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
هذا هو البيت المشار إليه سابقا وكذلك الذي قبله من الأبيات
أسرت وما صحبى بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه عمرو
ولكن إذا حم القضاء على امرئ ... فليس له بر يقل ولا بحر (١)
وقال أصيحابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر
يقولون لي بعت السلامة بالردى ... فقلت لهم والله ما نالني خسر
ولكنني أمضي لما لا يريبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره ... ولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الأذى بمذلة ... كما ردها يوماً بسوءته عمرو
يمنون أن خلوا ثيابي وإنما ... علي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيف فيهم دق نصله ... وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه ... وتلك القنا والبيض والضمر والشقر
وإن مت فالإنسان لا بد ميت ... وان طالت الأيام وانفسح الصدر
ستذكرني قومي إذا جد جدها ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
стр. 294
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها مهر
أعز بنى العليا وأعلى ذوى العلى ... وأكرم من فوق التراب ولا فخر
وقول صاحب الترجمة في قصيدته:
وما شانني أن كنت صفراً من الغنى ... ولا عيب أن تعرى المهندة البتر
قريب منه قول القاضي الهروي (١):
وليس يضر السيف إن رث غمده ... ورونقه في المتن والحد مقضب
وما يضع السباق عري وخلة ... ولا يرفع المسبوق جل ومركب (٢)
وما يستوي الشخصان هذا مصعد ... إلى المرقب الأعلى وهذا مصوب (٣)
ويشتبه البرقان هذا مبشر ... بغيث وهذا كاذب اللمع خلب
ولأبي سعيد الرستمي من قصيدة:
ولا غرو أن أعرى وذو النقص ساحب ... على الأرض أذيالا من الحبرات
تكن النشاشيب الجعاب ولا ترى ... طوال الردينيات غير عراة (٤)
стр. 295
ومنها قوله:
أغرك مني يا ابنة القوم أنني ... مقيم على الأدواء واللزبات
وأن بني الدنيا تقاسم فضلها ... وان وطائي دونهم صفرات
وما ذاك نقص أنني لو علمته ... عيون القذى منها أبي أباة (١)
ألم تعلمي إن المكاكي تغتدي ... نشاوي خلال الروض والربوات
وإن البزاة البيض يمضين جوعا ... مخافة عذر أو معاف قذاة (٢)
ولصاحب الترجمة في مدح الوزير المرحوم ايضا:
هل من مجير مسعدي ... من لحظ ظبي أغيد
ومن صدود غادة ... تخلفني بالموعد
مكانها من مهجتي ... مكانها من جسدي
لحاظها فتاكة ... ترمي بها في كبدي
كم من شجي قتلت ... بصدها ولم تد
ولم يزل من هجرها ... قلبي بجمر موقد
أصمت فؤادي ذا الهوى ... ولم تعاهد معهدي
مالي أراها غصبت ... رق المعنى المكمد
وليس ذاك حقها ... بل قد أتت باللدد
وإنما الأولى به ... شرعاً وعرفاً ذو اليد
الماجد القرم الذي ... نظيره لم يوجد
أعني الوزير المجتبى ... سمي طه أحمد
رب العلاء والبها ... ء والعلى والسؤدد
стр. 296
فتى الكفاح والصفا ... ح والرماح الأود
هو الإمام المقتفي ... إثر أبيه الأصيد
قد مهد الملك لنا ... نفديه من ممهد
مشهور فضل وندى ... كسيفه المهند
ليس له غمد سوى ... هامة كل معتدي
كم فرق فرقها ... بعزمه المؤيد
كم عصب جمعها ... برأيه المسدد
فيا له من صارم ... على العدى مجرد
فلاق هامات العدى ... قامع كل معتدي
مقتحم نار الوغى ... إلى سناها مهتدي
سباق غايات العلى ... بالمكرمات مرتدي
بحر نوال قاذف ... دراً لكل مجتدي
له يد مذ خلقت ... علت على كل يد
عطاؤه معجل ... لا آجل إلى غد
لا غرو إن فاق الورى ... في كرم ومحتد
فالمجد أرث جده ... ثم أبيه الأمجد
لا بل له من نفسه ... غنى عن المسود
أخلاقه منبئة ... عن مجده المشيد
أعداؤه من بأسه ... أمست بعيش نكد
وأولياؤه غدت ... في خفض عيش رغد
فرض علي مدحه ... وهو أجل مقصدي
стр. 297
وقف عليه فكرتي ... فغيره لم احمد
ولم يجل يوماً سوى ... مديحه في خلدي
وكيف لا وهو الذي ... غمرني بالرفد
وجاد لي حتى لقد ... أكمد قلب حسدي
نعم وأعلى رتبتي ... من فوق فرق الفرقد
حتى سلوت عنده ... أهلي ومن في بلدي
وليس عندي ما به ... أجزي جناب سيدي
سوى دعاء خالص ... في جنح ليل أسود
أقول يا مولى الورى ... يا أحداً لم يلد
زده على وكن له ... يا رب خير منجد
بحق طه المصطفى ... شفيع يوم المورد
وآله وصحبه ... ذوي التقى والرشد
وله فيه لما أغار على آل قشعم، وهزمهم وفر شيخهم صقر واستلب أموالهم. وسبقه إلى الهيجاء وتخلف جيشه عنه في مقابلة الأعداء (١):
أغرت مغاراً فيه اكرم مغنم ... وحزت فخاراً فيه كل التكرم
علوت متون السابحات على الوني ... وخضت غماراً دونها الحق يهزم (٢)
وكم طلبوا رداً لما كنت عازماً ... فلم تنثن والعزم أكرم ملزم (٣)
стр. 298
فجردت عضبا من علائك ما ضيا ... بعزم كبيض الهند لم يتثلم
سبقت إلى الهيجاء جيشاً تعودت ... قراع العدا من كل قرم ملثم
إذا ما دجى ليل من الخطب دامساً ... ففي البدر مغنى عن مسارج أنجم
فان كنت قد لاقيت فرداً فإنما ... وجودك يغني عن خميس عرمرم
أتيت وبعض السمر يقرع بعضها ... فطاحوا حيارى باليدين وبالفم
وكحلت جفنا بالسهاد مجالدا ... وأدأبت جسماً لم يزل بتنعم
ومثلك من يبغي فخاراً وسؤدداً ... يبيت ويضحي فوق أشهب شيظم (١)
نعم هكذا نيل العلى واكتسابها ... فان المعالي لا تباع بدرهم
قطعت إليهم كل بهماء مقفر ... وجبت فلاة بالردى تتكلم (٢)
فلاة يذيب الصخر وقد هجيرها ... وحر به الأحشاء كالنار تضرم (٢)
بواد بها آل يموج ملامعا ... يحار بها الساري كبحر غطمطم (٣)
стр. 299
حرور كنار الوجد يعلو اضطرامه ... كقلب محب مستهام متيم
فصبحهم كالموت نبّر خافياً ... فضلوا حيارى بين نصل ولهذم (١)
وشاموا بروقاً من سيوفك أمطرت ... سيول منايا من رواعيد مخذم (٢)
عقاب الوغى لما بدا طار صقرهم ... «لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم» (٣)
فخلوا لك الأموال من كل تالد ... ومكتسب عن كل شاء ومنسم (٤)
تركتهم رهن العوان بقاتم ... شديد النوى في شر عيش مسخم
ولم تتركن شيئاً لهم غير أنفس ... تسيل على آماقهم مثل عندم
أتيت بما يؤتى السميع تعجبا ... ويدهش عقل الفارس المتقدم
فلا زلت منصور اللواء مظفراً ... تدين لك الدنيا بعرب وأعجم
ومن نظمه الرائق ومنظومه الفائق أرجوزة أرسلها الى ابن عمه الآتي
стр. 300
ذكره السيد خليل البصيري وهي:
الحمد لله العزيز الغالب ... الناصر الممد ذي المواهب
المانح الجزل العميم الطول ... الدافع الضر الشديد الحول
تبارك الله تعالى شانه ... وعز جاراً وعلا سلطانه
سبحانه يفعل ما يشاء ... هيهات أن يحصى له ثناء
هو اللطيف بالبرايا سرمدا ... حاشاه ان يترك أمرهم سدى (١)
يخص بالرحمة من عباده ... من شاء فضلا منه في إسعاده
ثم من الصلاة ما قد كملا ... على نبي السيف سيد الملا
الهاشمي هازم الأحزاب ... محمد مقسم الأسلاب
وآله فرسان مضمار الوغى ... وصحبه سبق حلبة الهدى
ما قامت الحرب وثار الرهج ... وسلت الظبا وسالت مهج
كل شطر من هذه الأبيات عن براعة الاستهلال عبارة، بل في كل كلمة عن ذلك المقصد إشارة. فإن هذه الرسالة في وقائع نادر شاه ومحاصرته الموصل (٢) ورحيله عنها، وعدم نيل مرامه منها. وكانت تلك الوقائع مما تشيب الأطفال، وتقلع الجبال.
فضلا عن التلال ومنها:
ثم سلام من محب نائي ... واكمل الثناء والدعاء
إلى النقاب الفاضل الهمام ... العالم الحبر الرضي القمقام (٣)
стр. 301
عف الإزار طاهر الثياب ... سلالة الأطهار والأطياب
السيد السميدع الجليل ... حلمي وخدني صاحبي خليلي (١)
علامة الدنيا قريع دهره ... من لا يبارى من وحيد عصره
لا زال فارعاً ذرى الكمال ... مقتعداً غوارب الآمال
وبعد عرض صورة الأشواق ... وبث بث البين والفراق
فالغرض الأصلي فحص الحال ... والبحث عن كيفية الأحوال
وكيف ذاك العنصر اللطيف ... الأطيب المطهر الشريف
لا زال في حفظ الإله دائما ... وفي مقام الفضل طوداً قائما
ثم أيا من حبه أودى بي ... ومن حوى أقصى مدى الآداب
فان تعطف الجناب السامي ... بالفحص عن أحوال ذي الهيام
فانه في غمرة لا تنجلي ... إلا إذا شاء المهيمن العلي
فكيف لا والوجد قد عناني ... يثني كما يريد من عناني
وفرقة الأحباب والديار ... أخنت على جسمي واصطباري
والله مأمول لجمع الشمل ... فإنه ولي كل فضل
فبينما أفحص عن آثار ... وأتلقى جلب الأخبار
إذ ورد الكتاب أسمى الكتب ... من شيد حوى فخار العرب
أي كتاب عقد در نظما ... وروض آداب غدا منمنما
أي كتاب عقلة المستوفز ... قرة عين عدة المستنجز (٢)
يحكي الهواء رقة والماءا ... لطافة وقد سما سماء
стр. 302
مضمونه يعرب عن خفض العدا ... وما أصابوا من عوامل الردى
وما أتاح الله من تأييد ... والظفر الباهر والتسديد
فهز من عطف النشاط والجذل ... وفرح القلب الكئيب المختبل
فصار للانام عيداً آخرا ... كلا تراه حامداً وشاكرا
على انجلاء غمة البلاء ... بفضل ذي الألطاف والآلاء
ومما يأتي من هذه الأرجوزة، ونشوة هذه الشمطاء العجوزة، بعض ما وقع من أحوال ذلك الخارجي مع أهل الموصل بقوله:
وذاك أن صاحب الاعجام ... حاصرهم بجيشه اللهام (١)
باللجب العرمرم الكماة ... يطلب بالذحول والترات (٢)
فأعضل الأمر وأعيى الراقيا ... وبلغت من همه التراقيا (٣)
جاءهم من فوقهم والأسفل ... بجحفل كظل ليل أليل
شبوا ضرام البأس والكفاح ... ما غادروا ضربا من النقاح (٤)
رموهم بنارهم أسبوعا ... وهجموا عليهم جموعا
نار وما أدراك صاح ماهيه ... نار لظى تضرم ناراً حاميه
صواعق قوارع قواصف ... رواعد طوارق رواجف
فاضطرب الحبل وجل الخطب ... واستفحل الداء وجل الكرب
وإنه سبحانه جلاها ... إن إلى ربك منتهاها
стр. 303
ردوا بغيظ لم ينالوا خيرا ... نعم أصابوا ضرراً وضيرا
إذ باد باللغم لهم ألوف ... وذا سوى ما نالت السيوف
وكانت النيران مثلها على ال ... خليل برداً وسلاماً لم تزل
كفاهم سبحانه القتالا ... وكف عنهم ما دهى تعالى
هذا وما قد دفع الله من ال ... بلاء قد كان عظيما وأجل
ونسأل الله تمام النعمة ... من طوله ودفع كل نقمة
فهو ولي الفضل والأنعام ... ذو العز والجلال والإكرام
والحق أن هذه إحدى الكبر ... وأبدع البدع وأم للعبر
فيا لها من وقعة لم تسبق ... إلا بأحزاب بيوم الخندق
وكان رمي تلك بالأحجار ... وصار رمي هذه بالنار
لله قومي من رجال صبر ... على المضاض في البلاء الأكبر
ما ريع منهم أحد كلا ولا ... غرتهم الفشلة من بأس العدا
كل يقول حبذا يوم اللقا ... ونعم ما يوم لنا يوم الوغى
تلقاه منشدا لذي البراز ... أبلغ ما قيل في الارتجاز (١)
«أنا أبو برزة ان جد الوهل ... وليس فينا زمل ولا وكل»
«نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... والموت أحلى عندنا من العسل»
إذ وطنوا الأنفس للحتوف ... وأخذوا قوائم السيوف
يجاهدون في سبيل الله ... بالمال والنفس بلا إكراه
يقون بالبيض وأطراف الأسل ... عرضاً مصوناً ليس فيه من خلل
محاذرين خطة الهوان ... وسوم خسف من ذوي العدوان
стр. 304
حتى قضى الله لهم بالفرج ... وعاجل الفلج ودفع الحرج
ردوا وجوههم بحر الضرب ... وأورثوا بهم سعير الحرب
فقهقروا نكصاً على الأعقاب ... على احتذاء غزوة الأحزاب
بصفقة خاسرة واليأس ... وخيبة من ظفر ببأس
إذ رتعوا في مرتع وبيل ... وطمعوا في مطمع ثقيل
غرتهم الأمان والأماني ... إذ جعلوا القاصي مثل الداني
ما كل سوداء بتمرة ولا ... حمراء جمرة إذا جد البلا
لله درهم على ما فعلوا ... وأي مجد وطدوا وأثلوا
ناهيك من ذخر أتم الذخر ... وحبهم ذا الفخر أنمى فخر
لا سيما قائدهم حسين ... ذاك الذي ما فيه قط شين
ذاك الوزير الأصيد المشيع ... البطل الضرب الهزبر الأشجع
الرابط الجأش لدى اللقاء ... عند اشتجار السمر في الهيجاء
فإنه الأصل لهذي المفخره ... بل تنتهي إليه هذي المأثره
لأنه رئيسها ورأسها ... ونجمها الوضاح بل نبراسها
لله دره يهون الحتف ... عليه إن لاح عليه خسف
بجده أنقذ أهل الموصل ... من فتك ذي ضغائن مستأصل
فلمّ عنهم ظفر الأعداء ... وفلّ عنهم غرب ذاك الداء
عليه عين الله من أمير ... صاحب رأي صائب خبير
ذو غير يحمي الديار كالعرب ... يسطو بعضب قائم بلا رهب
فيا له من ذي غناء كافل ... أخلق به قرما بقول القائل
«نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما»
стр. 305
قيل في هذا انه عصام بن شهير حاجب النعمان بن المنذر الذي قال له النابغة الذبياني (١) حين حجبه عن عيادة النعمان من قصيدة له. منها:
فإني لا ألومك في دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام
وفي المثل كن عصامياً ولا تكن عظاميا. وقيل:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما
وصيرته ملكاً هماما
يقال انه وصف عند الحجاج رجل بالجهل وكانت له إليه حاجة فقال في نفسه لاختبرنه. ثم قال له حين دخل عليه أعصامي أم عظامي، يريد أشرفت بنفسك أم تفتخر بآبائك الذين صاروا عظاماً. فقال الرجل: أنا عصامي عظامي. فقال الحجاج هذا افضل الناس وقضى حاجته، وزاده ومكث عنده مدة ثم ناقشه فوجده أجهل الناس. فقال: أتصدقني أو لأقتلنك.
قال: قل ما بدا لك أصدقك. قال: كيف أجبتني لما أجبت لما سألتك عما سألت؟ قال له: لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أني أقول أحدهما فأخطئ، فقلت أقول كلاهما فان ضرني أحدهما نفعني الآخر. وكان الحجاج ظن أنه أراد افتخر بنفسي لفضلي وبآبائي لشرفهم. فقال الحجاج عند ذاك: المقادير تصير العي خطيباً. فذهبت مثلا ومن تتمة الأرجوزة المترجمة:
رعياً له إذ جد في دفع الأذى ... وقد سما على العدا مستحوذا
стр. 306
«فهو لعمري حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا» (١)
فزكه تزكية واجملا ... إجمال من تجملا تجملا
منا له الدعا بنفس صاغره ... «والله يقضي بهبات وافره»
وهكذا سليله مراد ... من مثله لمثل ذا يراد
شمر عن ساعد جد وسطا ... يحمي الحمى بسيفه مخترطا
«بأبه اقتدى عدي بالكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم» (١)
كذا الوزير صاحب الشهباء ... ذو الحزم والآراء والدهاء
فانه لم يلف ذا تقصير ... أصاب في الرأي وفي التدبير
جوزي بالخير عن الأنام ... ببذله المجهود في الإسلام
بشرى بذا الفتح المبين البيّن ... والنصر إذ جاء من المهيمن
بشراكم يا أيها الدهاة ... أيتها الحماة والكماة (٢)
بشراكم يا أهل ذياك الحمى ... على احتياز الفوز من رب السما
فمن له بشكره والحمد ... إذ فضله جاوز حد العد
يا ليتني كنت مع الأصحاب ... ظفرت بالنصرة والثواب
وأن تسل عن هذه الأرجاء ... وما تعاني من عضال الداء
فإنها منذ شهور لم تزل ... محصورة ضاقت بأهلها الحيل
حسبك من شر سماعه كما ... قد قيل في الغابر فيما قدما
وذاك أن الشاه شاه العجم ... أمّ ديار الروم في تقحم (٣)
فدلفت من جنده سوالف ... رواجف تتبعها روادف
стр. 307
جحافل تطاول الجبالا ... قنابل تكاثر الرمالا
تموج موج زاخر البحار ... غصّت بها القفار والبواري
دكت لها شواهق الاطواد ... وبس منها هضب الاعضاد (١)
جاسوا خلال هذه الديار ... يبغون ضبطها على اقتدار
فعجل العربان والأكراد ... في طاعة الأمر لهم وانقادوا
أهل القرى كذاك والضياع ... نعم وأهل سائر الرباع
لم يتريث أحد في الطاعة ... بادر في شق عصا الجماعة (٢)
في المثل يقال شق فلان عصا (٢) المسلمين أي فرق جمعهم.
قال أبو عبيدة (٣) معناه فرق جماعتهم قال والأصل في العصا الاجتماع والائتلاف وذلك إنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعا، فإذا انشقت لم تدع عصا. ومن ذلك قولهم للرجل إذا أقام بالمكان واطمأن به واجتمع له فيه أمره قد ألقى عصاه. وقال معقل البارقي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
قالوا وأصل هذا ان الحاديين يكونان في رقعة فإذا فرقهم الطريق شقت العصا التي معهما فاخذ هذا نصفها وذا نصفها فضرب مثلا لكل فرقة.
стр. 308
قال صلة بن الاشيم لأبي السليل إياك أن تكون (١) قاتلا أو مقتولا في شق عصا المسلمين. و (٢) خرج المنصور إلى قتال أبي يزيد الخارجي في جماعة من الأولياء ولما واجه الحصن سقط الرمح من يده فأخذه بعض الأولياء ومسحه وقال:
وألقت عصاه واستقر به النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر (٣)
قال فضحك المنصور وقال قلت (٤) وألقى عصاه، قال يا أمير المؤمنين: العبد تكلم بما عنده من إشارات المتأدبين وتكلم أمير المؤمنين بما أنزل على نبيه من كلام رب العالمين فكان الأمر على ما ذكر واخذ الحصن وحصل الظفر بابي يزيد فكانت الإشارة من المنصور بالآية، هي المقصد والغاية.
ومن الأرجوزة أيضا:
وذاك إنباء على العيال ... والأهل والأولاد والأطفال
ولا يلامون لدى الانصاف ... بما أتوا إلا على اعتساف
إذ لم يكن في طاقة الأغنام ... دفع أسود الغاب والآجام
فملكوا ما كان من ضياع ... ما تركوا فتراً من الأصقاع
فلم يكن بداً من الحصار ... لقلة الأعوان والأنصار
فاقتصر الهم على التحصن ... وحفظ نفس الحصن في تمنن
وغرب الشاه يروم الروما ... وينتحي الأطلال والرسوما
стр. 309
فأولاً أقام في كركوك ... غادرها كالقتب المفكوك
أخذها كالقابس العجلان ... لم يتلوم أقرب الزمان
ومثل كركوك غدت اربيل ... ووطؤه عليهما ثقيل
ثم غدا يسير نحو الموصل ... بذلك الجيش الثقيل الكلكل
وكان ما كان من أمر شجرا ... ما بينهم ثمة مما سطرا
والشاه إذ عن له أن يرجعا ... وذاك لا بد لأمر وقعا
علا من الموصل بالجيش اللجب ... يقصد بغداد ببحر مضطرب
جاء يقود الجحفل الجرارا ... بالطم والرم يروم ثارا
بالقض والقضيض من أوشابه ... بجنده الجلاد من أنيابه
في اصل المثل الطم والرم بالضم يضرب لمن جاء بالمال الكثير أو العدد الكثير، فالطم البحر، وقال ابن الانباري الطم بالفتح الماء الكثير، والرم، الثرى. وقال الأزهري: الطم بالفتح البحر.
وإنما كسرت الطاء في مثل هذا المثل لمجاورة الرم. والقض والقضيض يقال لما تكسر من الحجارة. يقال (لما) صغر قضيض ولما كبر قض وأصله جاء بالقض والقضيض يعني جاء بالكبير والصغير. ويقال أيضا جاء القوم بالقض والقضيض وقضهم بقضيضهم أي كلهم. وقال سيبويه يجوز قضهم بالنصب على المصدر كما قال الشاعر:
وجاءت سليم قضها بقضيضها ... وجمع عوالي ما أدق وأنعما
قال الأصمعي: لم أسمعهم ينشدون قضها إلا رفعاً. هكذا ذكره الميداني ومن الأرجوزة أيضا:
стр. 310
خيل وما خيل صلاد حمّ ... منقدة من الجبال الشمّ
أبناء موت يحرقون الأرما ... إذا رأوا يوم الهياج البهما
بنو كرابة فحول حرب ... أسود رهج ورجال ضرب
حتوف قرن يقضمون الزمرا ... من الحديد قاضمين الخطرا
أي رجال ثكلتهم أمهم ... ومثل ويل أمه بأمهم
فارتجت الجبال أي رجة ... ومادت الأرض لثقل الوطأة
والناس حيث شاهدوا ذا الحالا ... تضعضعوا وزلزلوا زلزالا
توجسوا وزاغت الأبصار ... وارتاعت النفوس والأسحار
وارتعدت فرائص القلوب ... شق لها كمائم الجيوب
وهم على القنوط من حياة ... يغتبطون راحة الأموات
وحق للقلوب ان ترتاعا ... وللحشى لذاك أن تلتاعا
إلا الرضى حامي حمى الزوراء ... ذو الفتكة البكر لدى اللقاء
الهزبري الصاحب المعظم ... والماجد القرم الوزير الأفخم
منتشر الصيتة في الآفاق ... مقدم الكل على الإطلاق
ذو الجد والجد المعم المخول ... ذو الغمرات الواحد المقبل (١)
السابق الأنام وهو قاعد ... من همه الفخار والمحامد
رب العتاق والرقاق والقنا ... المفلق الهام إذا القرم دنا
ترب المصاع صارع الشجعان ... إذا تلاقت حلقتا البطان (٢)
ذو الهبوات السود والحروب ... مجتمع الرأي لدى الخطوب
стр. 311
كافي الكفاة حارس العراق ... الطيب الأخلاق والأعراق
غيظ العدى مقتحم الأهوال ... ليث الشرى مجندل الأبطال
مضرس الخطوب والنوائب ... ذو دربة محنك التجارب
لكل خير مبتدى معود ... وعوده مثل سماه أحمد
لم يتتعتع من موارد الردى ... ولم يكن يرتاع من خيل العدا
وراعه تكاثر الأعداء ... ولم يهل من صحة البلاء
فواطأ الرأي على القرار ... ووطن النفس على الدمار
محارساً محافظاً مجاهدا ... مصابراً مرابطاً مجالدا
يرمقه الموت بلمح شزر ... والحتف قد أناخ حول الأمر
لم يتضعضع من مضاض الهول ... والموت أدنى من شراك النعل
تمثل الذمار والصغارا ... فرجح الهلاك والدمارا
يزأر زأر الأسد الهصور ... لم يستكن للجلل المخطور
وكان ذا الشاه له مختبرا ... مجربا أحواله مستبرا
جربه في خله وخمره ... وذاقه في حلوه ومره
وكان قد حاصر مرتين ... وفيهما آب بأصدرين (١)
فظن أن لا نافع ثم عمل ... وشر ما رام امرؤ ما لم ينل
فما رأى إلا الجنوح للسلم ... ودفع ضغن كان في البين ألم
واختار كون الصلح وهو يطمع ... وانكف وهو يشتهي ويجزع
стр. 312
أرسل من لديه يبغي سلما ... وسد ما قد كان قبل انثلما
يقول قصدي راحة الأنام ... والصلح خير، سيد الأحكام
«ورغبة في الخير خير وعمل ... بر يزين وليقس ما لم يقل»
ومال حتى أنه تنزلا ... عن الذي كلف كان أولا (١)
من الذي لم يك يستطاع ... كأبلق العقوق لا يطاع
وقبل قد كان على الرواسخ ... يعطس من زهو بأنف شامخ
وحيث كان الصاحب المعظم ... الحازم الا سبهبذ المفخم
من طرف الدولة ذا اختيار ... خيّر في الإيراد والإصدار
مرخصاً في الصلح والقتال ... مفوضاً في جملة الأحوال
قيل له افعل ما ترى فيما صلح ... وما أبيح افعل ودع ما لم يبح
وفكر الأمر برأي صائب ... وكرر الفكر بفهم ثاقب
قدم رجلا تارة وأخرى ... أخر ينتحي الجدير الأحرى
مدبراً مقتضيات الحال ... ملاحظاً للأمر في المآل
مفكراً مفهوم قول الشاعر ... من أبلغ الشعر الشرود السائر
«البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها واما بوسها»
وبعد ما استشار واستخارا ... واجتهد الأصلح افتكارا
ألهمه الله صلاح الناس ... ودفع عاجل البلا والباس
فاختار للشقاق أن يموصه ... إن دواء الشق ان تحوصه
стр. 313
وإذا رأى العلاج في المسالمة ... أرسل من لدنه للمكالمة
ثلاثة من الرجال الكمل ... عليهم أقصى مدى المعول (١)
الكتحذا يومئذ والسابقا ... وكاتب الديوان يتلو لا حقا
فابرموا الأمر بضرب لازب ... وشيدوا الصلح برأي ثاقب
وأسسوا مباني المهادنة ... ومهدوا قواعد المخادنة
وجملة الشروط والأركان ... أن يرجع الشاه إلى الايران
يمكث ثم يرقب الأخبارا ... من طرف الدولة انتظارا
فأغمدت صوارم الصفاح ... فتحاً لباب الصلح والصلاح
وذاك بعد العزم والإياب ... من الغري معهد الأحباب
مشهد مولانا الفتى علي ... أخي النبي الطاهر الزكي
ثم إلى زيارة السبط الأجل ... ريحانة الرسول ذي القدر الأجل (٢)
وكلما كان من الاساورة ... تنكف من هذي البلاد سائرة
وترجع الرباع والأصقاع ... وتسلم البلاد والقلاع
والحمد لله عفى الغوائل ... واندفع الشرور والطوائل
وانقمع البأس وحل الفرج ... وانشعب الصدع وزال الحرج
له تعالى المنة الغراء ... على العباد مثل ما يشاء
وبعد ذاك للوزير الحازم ... ذي الرأي والتدبير والمكارم
فانه شاد أساس الصلح ... برأيه مجاهداً للسنح
فقد غدا ذا منة على الملا ... لدفعه بالتي مثل ذا البلا (٣)
стр. 314
فيا له من ذي دهاء منتجب ... من واضع الهناء موضع النقب (١)
لله دره أصاب المفصلا ... وقطع المحز فيما فعلا
فأوله المديح أي كان لا ... تعدل به فهو يضاهي المثلا
والحمد لله على نواله ... على خفي اللطف من افضاله
مواهب منه توالت زائدة ... «فالله بر والأيادي شاهدة»
ثم صلاة وسلام كملا ... على الذي علا السماوات العلى
محمد خير الورى الرءوف ... السيد الطهر الرضى العطوف
وآله الغر مصابيح الهدى ... وصحبه ليوث حومة الردى
ما أغمدت قواضب الكفاح ... بين الورى في السلم والصلاح
من المحب المخلص المباهي ... يحب أهل الفضل عبد الله
للود الراسخ، والخلوص الشامخ: كتبت إليه بعد نهوضي من بغداد، ومفارقة تلك الطلول والعهاد. والوصول إلى الديار والوطن.
وقد أورث البعد أنواع الشوق والشجن. وليس قصدي حصر نعوته وأوصافه، وبيان مطويات معارفه ومكنونات ألطافه. ولكن الشوق إلى جنابه هو الذي دعاني. وأوقعني فيما لا أطيق فأبلاني، ولئلا انسب إلى العقوق، وتضيع الحقوق، قولي:
يقبل أرضاً أشرقت شمس علمها ... وليس سواها مقصد ومرام
محب يرى بذل الدعاء فريضة ... لمن هو حبر في العلوم همام
أديب حسيب فاضل متبحر ... له فوق فرق الفرقدين مقام
هو البحر لولا أن مر مذاقه ... هو البدر لولا أن فيه دوام (٢)
стр. 315
مطاف لأهل العلم في كل جانب ... فمنهم جثوم حوله وقيام (١)
بأبوابه للسائلين تكاثر ... بأعتابه للوافدين زحام
يلوح لنا من برجه كوكب الهدى ... كبرق بليل قد علاه ظلام
له جل أيد يقصر المدح عندها ... تباهي قباب السبع وهي عظام
فيا قبلة الآمال لا زلت قبلة ... لكل لبيب مقتدى وأمام
يهيم إلى ذاك المقام صبابة ... فتعلو عليه لوعة وضرام
لما فيه من شوق ملم وحرقة ... يرى يوم بعد في المساءة عام
دهور تقضت في حماكم كساعة ... تنبه قلبي أن ذاك منام
فيا لأويقات تقضت وليتها ... تدوم ولكن ما لهن دوام
فهل تسمح الأقدار يوماً بعودة ... وليس عليها معتب وملام
فأطرب في تلك المعاهد منشداً ... لكل زمان غاية وتمام
أعيني ناما طال ما قد سهرتما ... فهذا زمان الوصل فهو حرام
على ربعكم يا آل فخر تحية ... مباركة من ربنا وسلام
الحمد لله الذي قصرت عن إدراك صنعه العقول، وحارت في فهم قدرته الكمل من البلغاء والفحول. والصلاة والسلام على البدر التمام، وقنديل الظلام، والنبي الأمي، والرسول التهامي. صاحب المجد الأتم، محمد ﷺ . وعلى آله وأصحابه الكرام، ما لاحت علائم الاعلام، في وجوه الأماثل، وناحت حمائم الاقلام، في غصون الأنامل.
وبعد فنخص بالدعاء المستجاب، والثناء المستطاب. جناب
стр. 316
يتيمة الدهر، غرة فرق العصر، واقف مواقف الفضائل، حاوي التجريد عن الدناءات والرذائل. كشاف مشكلات آثار المحققين، ومفتاح كشف رمز أنموذج المدققين. النهر الفائق المدرار، والبحر الرائق الزخار. إشارات شفاء المرام، تلميح التلويح في توضيح الكلام. من علم علمه المشهور، على عاتق الخافقين منشور، ذو البيان العذب الطلق. والروض اليانع العبق. من تفجر منه ينبوع الحكمة معينا. فنادى لسان الفضل عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. فهو الذي له في كل لفظ برء ساعة، وفي قلب كل عبارة براعة. السيد الاعظم، والملاذ الأفخم. النجيب الجليل، والحسيب الأصيل. الناشئ في حجر الشرف الباهر، المستخرج من أكرم العناصر. مولانا فرع شجرة خير الأوائل والأواخر. أبقى الله بحر افضاله في مزيد، وجعل طالع كماله النير السعيد. إنه القوي القدير العزيز الحميد.
ثم المعروض إلى ذلك المقام، كعبة مطاف الخاص والعام.
هو انه مضى برهة من الزمان، وهو من ورود المرسوم العالي الذي هو كالعقود واللآلي (١). وذلك مع خادمكم إلياس، فكان لنا به الفخر التام والمباهاة بين الناس. ولم أكن (٢) أتجاسر على عرض الأحوال وتحرير الجواب، خشية عروض الملال لذلك الجناب. وحيث بحر الشوق تلاطمت أمواجه، وسحاب الغرام
стр. 317
علا قتامه وعجاجه، أهديت إلى الحظوة العلية، والسدة السنية، هذا الكتاب، وأنا في أكمل حجاب. وهو كما قيل:
فزودني ما لم يقل بقاؤه ... فزودته حمداً يدوم على الدهر
وكان ذلك كمن أرسل للجنان غض الزهر. والشمع للشمس والسمك للبحر.
أرسلت أسماكاً إلى ... من مجده حل الفلك
أرأيت قبلي مهديا ... أهدى إلي البحر سمك
وأنا أسأل الله تعالى ان يطفئ من البعد ضرام صداه، بمشاهدة ذلك الوجه الذي ماء بشره ونداه. ويحكم في عاتق الفراق، سيوف التداني والتلاق. فان العبد ما دام في هذه الآلام في أسر البعد، فكره محبوس في سجن الغرام والوجد. كيف لا والقلب مملوء بنوالك، وثوب الحياة لحمته وسداه منسوج بيد نعمائك.
فانك نور حدق الزمان، ونور حديقة الجنان.
فراجعني بما هو كالجواهر في أعناق المهاة والجآذر، وما هو كالحمائل، مصندلة الغلائل. بكلام كالمدام، يحير العقول والأوهام. يسكر سرا وجهرا، ويطرب مما يسحر، وإن من البيان لسحرا. يردد محاسن معارف ويرويها، وينشر فضائل عوارف ويطويها. تزهى بماء الجوانح والضلوع، ويعبق من مطاويها الفضل ويضوع. قد جمعت لحسن رأي، وأتت بعد لأي. وطفت زفرة شوق لاعج، وضجره توق هايج. وهي:
أما بعد حمد الله سبحانه على سوابغ نعمه وفضله، وشكره على
стр. 318
ذوارف إحسانه وطوله، والصلاة والسلام الاتمين الاشملين على حجته على خليقته، وخيرته من بريته، وعلى الميامين الأطهار من عترته، والطيبين الأخيار من صحابته.
فنهدي من التحيات الزكية ما يبسم بالبشر ثغوره، ويسطع في أفق المجد نوره. ونتحف من البركات النامية ما يتحلى بحلي الفضائل نحوره، ويشرح بصدق الوداد صدوره. إلى سامي جناب اللوذعي الامجد، واليلمعي الأرشد. الممتطي من المجد صهوة كل صعب وذلول. والمختطي من الفضائل بأوفر الحظ في الحزون والسهول. العاطس من الأنفة بأنف شامخ، والقائم من الشرف على قدم راسخ. صاحب الخلال المرضية، والملكات الملكية، ذي النورين الحجا والأدب، والمجدين العلم والحسب.
سليل الأرومة العمرية، وغرة العصابة الفاروقية، أعز الإخوان، وأكرم الخلان. الغاني بصفته عن تسميته. لا زال لعين العلم قرة، ولجبهة المجد والكرم غرة.
ثم إنا نعرب تارة أخرى عن الشوق المناجي، والغرام اللزام المداجي. متمثلين بأبيات الأمير الصنهاجي (١):
ليت شعري بأي أرض أقاموا ... فعليهم من المحب السلام
لو تقضيت بعض شوقي وتوقي ... نفد الحظ دونه والكلام
стр. 319
غير أني كتمته وهو باد ... مثلما تكتم البروق الغمام
كلما صنته اكتتاماً بقلبي ... شف عن محض سره الاكتتام
فهو كالراح في الزجاج وهل يخفى على اللحظ في الزجاج المرام لك مني محبة الطبع والفطرة والطبع ليس فيه الضرام
ثم إنه أن تفضل الجناب السامي، بالفحص عن جلية حال المحب الظامي فنحمد إليك الباري عز شأنه، وعظم سلطانه.
على أن غصن الحياة غض وريق. وروض الوجود بماء النماء مباكر أنيق. مراعين لما تمهد من مؤكدات الوداد، موفين حق ما توطد من الحب والاتحاد. بحيث أنا لم نحل ولا نحول عن العهد وان حالت الدراري عن محارها، ولم نزل ولا نزول وان زالت الرواسي عن مقارها. وحسبي في ذلك علمك وضميرك شاهدين لا تجرح عدالتهما، ولا تخشى جهالتهما. وبينما نحن مشرئبون إلى حقيقة أحوالكم، نستنطق المعربة والعجماء في سؤالكم. إذ ورد الكتاب النامي، والمشرف السامي. فكان شأنه كما قال حبيب بن اوس الطائي في حبيبه المتنائي.
لقد جلّى كتابك كل بث ... رمى فأصاب شاكلة الرميّ
فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعاً مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي
فكائن فيه من معنى لطيف ... وكائن فيه من لفظ بهي
стр. 320
فيا ثلج الفؤاد وكان رصفا ... ويا شبعي برونقه ورييّ
فابتدرت إليه كما يتعاطى الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفض الكتاب المختوم، فتضوع منه ارج المحبة والولاء، ما أحيا ميت الأحياء. فكان مشتملا من النظم على ما يشابه العذب الزلال، ومن النثر على ما يشاكه السحر الحلال. نظم كاللؤلؤ والطف، ونثر كالمنثور وأترف. نعم: وبلاغة تخرس الفصحاء. وفصاحة تبكم السن البلغاء. ولعمري أنه كان أحلى (١) في المذاق من خطب ابن نباتة ومنشآته، وأغلى (٢) من برود حاكتها أقلام الحريري (٣) في مقاماته. وأهز لأعطاف الانس من مستملحات الأعشى في خمرياته. وأحلى من زواهر أبي الطيب في بدرياته. فاستفدت منه للناظر نورا، وللقلب بهجة وسرورا.
فكان الماء للغليل، والشفاء للعليل فأصبح لله دره انفس طالع، وأحن متطلع وأحسن واقع، وأجل متوقع. فلم أزل أكرره وأطويه وأنشره، أحاديث نجد لا تمل بتكرار. حتى استوفيت منه الحظ