← Тараджим

Тараджим · id 13226

الروض النضر في ترجمة أدباء العصر

عصام الدين العمري

Полный текст (1 258 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يتيمة الدهر، غرة فرق العصر، واقف مواقف الفضائل، حاوي التجريد عن الدناءات والرذائل. كشاف مشكلات آثار المحققين، ومفتاح كشف رمز أنموذج المدققين. النهر الفائق المدرار، والبحر الرائق الزخار. إشارات شفاء المرام، تلميح التلويح في توضيح الكلام. من علم علمه المشهور، على عاتق الخافقين منشور، ذو البيان العذب الطلق. والروض اليانع العبق. من تفجر منه ينبوع الحكمة معينا. فنادى لسان الفضل عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. فهو الذي له في كل لفظ برء ساعة، وفي قلب كل عبارة براعة. السيد الاعظم، والملاذ الأفخم. النجيب الجليل، والحسيب الأصيل. الناشئ في حجر الشرف الباهر، المستخرج من أكرم العناصر. مولانا فرع شجرة خير الأوائل والأواخر. أبقى الله بحر افضاله في مزيد، وجعل طالع كماله النير السعيد. إنه القوي القدير العزيز الحميد. ثم المعروض إلى ذلك المقام، كعبة مطاف الخاص والعام. هو انه مضى برهة من الزمان، وهو من ورود المرسوم العالي الذي هو كالعقود واللآلي (١). وذلك مع خادمكم إلياس، فكان لنا به الفخر التام والمباهاة بين الناس. ولم أكن (٢) أتجاسر على عرض الأحوال وتحرير الجواب، خشية عروض الملال لذلك الجناب. وحيث بحر الشوق تلاطمت أمواجه، وسحاب الغرام

стр. 317

علا قتامه وعجاجه، أهديت إلى الحظوة العلية، والسدة السنية، هذا الكتاب، وأنا في أكمل حجاب. وهو كما قيل: فزودني ما لم يقل بقاؤه ... فزودته حمداً يدوم على الدهر وكان ذلك كمن أرسل للجنان غض الزهر. والشمع للشمس والسمك للبحر. أرسلت أسماكاً إلى ... من مجده حل الفلك أرأيت قبلي مهديا ... أهدى إلي البحر سمك وأنا أسأل الله تعالى ان يطفئ من البعد ضرام صداه، بمشاهدة ذلك الوجه الذي ماء بشره ونداه. ويحكم في عاتق الفراق، سيوف التداني والتلاق. فان العبد ما دام في هذه الآلام في أسر البعد، فكره محبوس في سجن الغرام والوجد. كيف لا والقلب مملوء بنوالك، وثوب الحياة لحمته وسداه منسوج بيد نعمائك. فانك نور حدق الزمان، ونور حديقة الجنان. فراجعني بما هو كالجواهر في أعناق المهاة والجآذر، وما هو كالحمائل، مصندلة الغلائل. بكلام كالمدام، يحير العقول والأوهام. يسكر سرا وجهرا، ويطرب مما يسحر، وإن من البيان لسحرا. يردد محاسن معارف ويرويها، وينشر فضائل عوارف ويطويها. تزهى بماء الجوانح والضلوع، ويعبق من مطاويها الفضل ويضوع. قد جمعت لحسن رأي، وأتت بعد لأي. وطفت زفرة شوق لاعج، وضجره توق هايج. وهي: أما بعد حمد الله سبحانه على سوابغ نعمه وفضله، وشكره على

стр. 318

ذوارف إحسانه وطوله، والصلاة والسلام الاتمين الاشملين على حجته على خليقته، وخيرته من بريته، وعلى الميامين الأطهار من عترته، والطيبين الأخيار من صحابته. فنهدي من التحيات الزكية ما يبسم بالبشر ثغوره، ويسطع في أفق المجد نوره. ونتحف من البركات النامية ما يتحلى بحلي الفضائل نحوره، ويشرح بصدق الوداد صدوره. إلى سامي جناب اللوذعي الامجد، واليلمعي الأرشد. الممتطي من المجد صهوة كل صعب وذلول. والمختطي من الفضائل بأوفر الحظ في الحزون والسهول. العاطس من الأنفة بأنف شامخ، والقائم من الشرف على قدم راسخ. صاحب الخلال المرضية، والملكات الملكية، ذي النورين الحجا والأدب، والمجدين العلم والحسب. سليل الأرومة العمرية، وغرة العصابة الفاروقية، أعز الإخوان، وأكرم الخلان. الغاني بصفته عن تسميته. لا زال لعين العلم قرة، ولجبهة المجد والكرم غرة. ثم إنا نعرب تارة أخرى عن الشوق المناجي، والغرام اللزام المداجي. متمثلين بأبيات الأمير الصنهاجي (١): ليت شعري بأي أرض أقاموا ... فعليهم من المحب السلام لو تقضيت بعض شوقي وتوقي ... نفد الحظ دونه والكلام

стр. 319

غير أني كتمته وهو باد ... مثلما تكتم البروق الغمام كلما صنته اكتتاماً بقلبي ... شف عن محض سره الاكتتام فهو كالراح في الزجاج وهل يخفى على اللحظ في الزجاج المرام لك مني محبة الطبع والفطرة والطبع ليس فيه الضرام ثم إنه أن تفضل الجناب السامي، بالفحص عن جلية حال المحب الظامي فنحمد إليك الباري عز شأنه، وعظم سلطانه. على أن غصن الحياة غض وريق. وروض الوجود بماء النماء مباكر أنيق. مراعين لما تمهد من مؤكدات الوداد، موفين حق ما توطد من الحب والاتحاد. بحيث أنا لم نحل ولا نحول عن العهد وان حالت الدراري عن محارها، ولم نزل ولا نزول وان زالت الرواسي عن مقارها. وحسبي في ذلك علمك وضميرك شاهدين لا تجرح عدالتهما، ولا تخشى جهالتهما. وبينما نحن مشرئبون إلى حقيقة أحوالكم، نستنطق المعربة والعجماء في سؤالكم. إذ ورد الكتاب النامي، والمشرف السامي. فكان شأنه كما قال حبيب بن اوس الطائي في حبيبه المتنائي. لقد جلّى كتابك كل بث ... رمى فأصاب شاكلة الرميّ فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني وأحسن موقعاً مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي فكائن فيه من معنى لطيف ... وكائن فيه من لفظ بهي

стр. 320

فيا ثلج الفؤاد وكان رصفا ... ويا شبعي برونقه ورييّ فابتدرت إليه كما يتعاطى الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفض الكتاب المختوم، فتضوع منه ارج المحبة والولاء، ما أحيا ميت الأحياء. فكان مشتملا من النظم على ما يشابه العذب الزلال، ومن النثر على ما يشاكه السحر الحلال. نظم كاللؤلؤ والطف، ونثر كالمنثور وأترف. نعم: وبلاغة تخرس الفصحاء. وفصاحة تبكم السن البلغاء. ولعمري أنه كان أحلى (١) في المذاق من خطب ابن نباتة ومنشآته، وأغلى (٢) من برود حاكتها أقلام الحريري (٣) في مقاماته. وأهز لأعطاف الانس من مستملحات الأعشى في خمرياته. وأحلى من زواهر أبي الطيب في بدرياته. فاستفدت منه للناظر نورا، وللقلب بهجة وسرورا. فكان الماء للغليل، والشفاء للعليل فأصبح لله دره انفس طالع، وأحن متطلع وأحسن واقع، وأجل متوقع. فلم أزل أكرره وأطويه وأنشره، أحاديث نجد لا تمل بتكرار. حتى استوفيت منه الحظ

стр. 321

الأوفى، ونلت القسط الأوفر الاسنى. ثم أنك أعربت عن صفاء ودادك، ونصوع اعتقادك. فما أخبرت إلا عما (١) جزم به لبي، وشهد عليه خلبي وقلبي. وما أراك زادك الله إحسانا، إلا أنك حصلت حاصلا ونبهت يقظانا. وقد شكوت ألم الفراق، وبثثت كامن الأشواق فكأنما أعربت عن قلبي، وتلوت آية الحب من قرآن صدري. ولكن ما الحيلة يا ابن أبي، إذ شكوت إلى من هو أشكى منك، وتوجعت إلى من هو اشد توجعا منك. فلله أنت لعمر أبيك من شائق مشوق، ووامق موموق. ومع ذلك فلست بأشوق مني إليك، ولا بأوجد وأحنى مني عليك. وما أراني إلا كما يقول أبو الطيب المتنبي (٢): أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب نسأل الله سبحانه من عميم فضله، وشامل لطفه وطوله، أن يزيح غياهب الفراق، ويبرد بسلسال التلاق غلة الأشواق. ويسهل منه للوصال سبيلا ليس فيه مطمع. ويجعل للوصال ذريعة لا تتوقع. إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. ثم لا يخفى على الرأي الشريف. أن المحب منذ مدة اعترته بعض العوارض الجسمانية علاوة على ما تعهدون من تراكم العوائق، وتزاحم الموانع. فكان داعيا إلى تأخير جواب المشرفة الكريمة،

стр. 322

حتى حصل بعض الابلال والانتعاش ببركة توجهاتكم المتيمنة، وأمكنت النهزة (١)، وحصلت الفرصة. لا لتنميق هذه الحروف. فلا زلتم في فضل من الرحمن واف. ومن سوابغ آلائه في طول ضاف. فإنه المأمول لكل فضل وخير. والمعد لكل واقعة وضير. فلما اطلعت على مضمون الكتاب ووقفت على غرابة الجواب، وتفكرت في رقيق معانيه المطوية، ووصلت إلى أنيق مبانيه البهية، وقد أصبح في الأدب عاقد كتائب، وقائد جنائب، راجعته وأنا معترف بفضله الغزير، وإن اللسان في مدحه لقصير، بقولي: أغرة وجه الدهر يا أوحد العصر ... وأكمل أهل الفضل والنظم والنثر ومن فاق سحباناً وقساً فصاحة ... ومن هو أبهى في الرياض من الزهر نثرت عقوداً كاللآلي وإنما ... هي الدر فاقت في سناها على البدر (٢) وضمنت أعجاز الصدور بمعجز ... ووشحت صدر العجز في مثمن الدر وأوقعت في تلك الرياض محاسناً ... رقيقة معنى في التخيل كالسحر أدرت سلافاً في البلاغة ساميا ... وكللت هامات الفصاحة بالقطر

стр. 323

ملكت عنان النظم والنثر جملة ... فأنت مليك الفضل يا طيب النشر قدحت زناداً للفضائل مورياً ... وأظهرت فضلا قد يجل عن الحصر فمعذرة مني إليك فإنني ... من العجز والتقصير أنسب للفخر فلا زلت في أوج الكمال مبجلا ... محجاً لأهل العلم مستودع السر ولا برحت آيات أبياتك التي ... تسامت وأبيات الأعادي على الكسر فدمت وحيداً في الفضائل مفرداً ... وأهلا لمن وافى ركابك بالشعر أهدي من التحيات ما يعطر الصبا بطيب نفحه العاطر، وينعش العليل سلسبيل نمائه المتقاطر. إلى كعبة الفضائل ومقام الأرب، التي التزمت الرواة مديحها فحبذا ذاك الالتزام لمديح ذلك النسب. مشكاة العلم والكمال، ومصباح المعارف والافضال. بدر المجد الذي اتخذ من الكمال هالة، فأنار بأنواع الأدب على كل حالة. وهو كف الندى ووكف الكرم. وسحاب سماء الفصاحة وغيث الحكم. فريد فضل ومعارف، ووحيد ذات ولطائف. تشعبت مكارمه أنهارا، وسقت رياض الأدب فأثمرت أنجما وأقمارا. فهو السيد الذي جبلت طينته بماء السيادة، وغرست نبعته في

стр. 324

ساحة الشرف والسعادة. المنتمي لأشرف القبائل من الأمم، وهل يخفى البدر المنير في حالك الظلم، أو هل يخفى النار على علم. حرس الله تلك الذات، وحباها بأنواع المسرات، وجعل بدرها بأنواع المكارم مشرقا، وغصن حياته بأصناف الكمال مورقا. ما لفظت الأقلام، بديع النظام، مدى الشهور والأعوام. ثم المعروض إليك، أسبغ الله نعمه عليك. أن المخلص بينما هو متطلع لإشراق بدر ذلك المطلع المنير، ومتشوق إلى هطل سحاب ذلك الجناب المطير. إذ بزغت شمس ذلك السماء فأنارت وأضاءت المعالم بأنوارها حيث دارت، وهب عرف ذلك الكتاب وطاب، وأتى بأنواع المسرات من لذيذ الخطاب. فيا له من در منظوم ورحيق مختوم. اذا نظرت الى رياضه الرائقة، وأساليبه الفائقة، علمت أنه بحر عجاج، متلاطم الأمواج. قد قذف الدر على الساحل، وأتى المتأخر بما لم تستطعه الأوائل. فإذا تفكرت في نسجه ونظامه، خلت أن الدر يزهو في أكمامه. فلله در طبعه الشريف. إذ هو لأنواع الفضائل رديف. فلعمري هو المقدم وغيره التالي، وجنابه أوج البلاغة وسماء المعالي لواردت لها القياس خشيت أن يكون مع الفارق، فكيف لا وهو نتيجة المغارب والمشارق. فلا يخطر ببال مليك الادب، وحجة لسان العجم والعرب، ان المخلص ممن تصدى للجواب، وانسلك بسمط أهل (١) هذا

стр. 325

الباب. بل كنتم قد ذيلتم الكتاب المنيف، بطلب حاشية الفرائض الواقعة على السيد الشريف (١). لتكميل ما نقص منها عند بعض أصدقائكم، ولتعيدوها تارة أخرى. فرأينا المناسب أن ننسخها ونرسلها إلى حضرتكم عسى أن تكون بالقبول أليق وأحرى. فكان كما رمنا. فأرسلناها مع هذه العريضة. وليعلم المولى أنه مذكور في كل فريضة. ثم لما اشتكيت من البعد طولا، ولم أحصل من المشوق الملم سولا، وأبصرت للجوى امتدادا، ولم أر للقاء ميعادا. ولدي شوق يطير إليه مطارا، ولا يرى دون فنائه استقرارا. ولم أجد من برحائه إلا غليلا، ولم أر للقائه طريقة وسبيلا. كتبت إليه كتابا ينبئ عن الجوى، ويخبر عن النوى. وهو: ركائب أسما بالحطيم وزمزم ... تكلم قلب المستهام المتيم وحي لها حيى الحياء كأنه ... صحائف نور تحت وشي وعندم سقاني سلاف الوجد ربع تهامة ... ونجد وسلع والعقيق وجرثم بها هام قلبي لا بدعد وزينب ... وفيها غرامي لا بهند ومريم أيا ربة الإحسان والحسن والبها ... سلوت وطرفي مازج الدمع بالدم أما ترحمين الصب قد صب أدمعا ... على صحن خد مسجما بعد مسجم أبى الحب أن أهوى سواكم وكلما ... تذكرتكم حنت ضلوعي وأعظمي (٢)

стр. 326

جلبت إلى طرفي السقام وطالما ... جلبت الهوى لكن على غير مجرم أبيت لكي أحيا بطرف خيالها ... وأرقد ولهاناً لعهد التنعم ولست قحوماً حيث لم أدرك العلا ... ولا أنا ممن سالم الناس للفم أطارحها خير الكلام لتنثني ... تطارحني ارم الزحام بأعجمي فإني باهمام لفرط صبابتي ... تلجلج نطقي للحديث المنمنم أميل لكتمان الهيام كواتن ... ويفضحني وجدي كسجم ولوم (١) فاذكر أوقاتا مضت بربوعها ... وأندب ما قد مر منها بسمسم (٢) فلم أنثن عنها لبعدي وطالما ... أحاول وصلا كان كالعظم والدم فو الله ما أسلو هواها ولم أمل ... إلى منجد غير الأديب المعظم كريم له جل المكارم ثابت

стр. 327

سريع لنيل المجد أكرم هيظم (١) ... له جل أخلاق تعاظم قدرها فما حاتم في الجود من قبل فاعلم ... همام وحبر ماجد ذو مآثر تبسم عن فضل ومجد مسلم ... غمام يسح الجود في كل وجهة ووبل سقى روض الكمال المنعم ... أديب جليل فاضل متفضل إلى فضله كل الفضائل تنتمي ... تراه كبحر إن تيممت نحوه حوى كرم التكريم دون التكرم ... بأبهج ملقى عند بذل وجوده وأحسن وجه مزهر بالتبسم (٢) ... فيا فاضلا أضحت مفاخر فضله يفاخر فيها بين عبس وجرهم ... أسأت بتقصيري وما كنت جاهلا ولا أنا ممن باع وداً بدرهم ... فأي أياد تختفي ووسامها على جبهة الدنيا كغرة أدهم ... ولكنما التقصير خوف إطالة وما أنا إن أطنبت فيك بمجرم

стр. 328

ولولا أياديك التي سلفت لنا ... لكان عسيراً في سواك تكلمي فلا زلت في أمن ومجد ورفعة ... لا كسب فخراً من قريضي المنظم مولاي: أما القرطاس فكالأشواق تأجج ضرامها، وتبلج غرامها، وكاد أن يكون عذابها اليم. لما فاح إلي شذاكم، وما بعد العشية من شميم، فانتشق مجمر الطبع عنبرا وندا. ونثر قضيب اليراع على غدير الطروس أقاحا ووردا. وعرض الأشواق بما هو يقتضي البعاد، والحر لا يستعبد بغير الوداد. وإلا فشوقي إليك كثير وهيامي فيك لا يقبل النظير. ومع هذا فلا ينكر من الطبائع جمودها، ومن نيران الذكاء خمودها. ولسان التقصير كما قيل قصير. وكيف لا والفصاحة لا تقدم غير ناديك، والفضائل لا تدفق إلا من أياديك. ومن تكلف فوق ما هو عليه، افتضح بما اكتسبته يديه (١). فالله يبقيك، ومن كل سوء يقيك. ولما كان له علي حق مشهور، وكرم مدى الدهور مذكور، وامتدت أيام البعاد، وكاد أن ينقطع حبل الاتحاد، جددت عقود الصحبة، بكتاب يخبر عن الكمد، والشوق الذي هو كائن في الخلد. وهو: الجيرة أخذت فؤادي بالمسير ... بالند فاح نسيمها أم بالعبير

стр. 329

أم تلك أسما قد سمت فضياؤها ... للشمس يخجل في السناء وللبدور أم لحظها كمهند وجبينها ... كالصبح ضاء بلعلع أم في الثغور فتقاعست تلك الديار وأهلها ... بالرقمتين منازل في روض نور فغدوت اكشف عن أثافي ربعهم ... قفر المراقب لم أجد غير النسور رحلت وقد وعدت بنيل وصالها ... فأنا على تلك العهود إلى الظهور فإلى متى أنا في الكآبة والعنا ... والى متى ذا البعد من ريم الخدور هجرت وأودت بالبعاد وأوقدت ... وسط الفؤاد تلهبا وقد الهجير ومنها في التخلص: أو أن أوادد من سواها في الورى ... إلا الذي قد ساد في كل الأمور الواحد السامي الذي من قد غدا ... بالفرد يعرف بالورى لا بالنظير عين الفضائل والفواضل والندى ... بحر المعارف منبع العلم الغزير (١)

стр. 330

وبل سقى روض الكمال وأندى أغ ... صان النوال وديمة الجود المطير خال يسح ولا يشح بجوده ... فمذاقه في الورد كالعذب النمير ومنها: غيث تساقط فضله بمكارم ... فرياضه تزهو بساجعة الهدير كم من غدير فضائل في كفه ... بالكف تسمع صوت خاشعة الخرير ومنها: فهو الذي قد فاق من في عصره ... حتى الأوائل وهو في الزمن الأخير واها لأيام مضت في قربه ... في القلب يوقد نارها أم في الضمير (١) لا زال بالنعماء يسمو والعلا ... ينمو على مر الأهلة والدهور ما رنحت ريح الصبا بنسيمها ... وتعطرت دمن الفلاة إلى النشور سيدي: شوقي إليك لا يحكيه كتاب، ولا يستوفيه خطاب، ولا يمليه قلم، ولا تستمليه حكم. إن قلت أنا في الهيام عذري أو عامري، فما للرقاد لم يألف عيني ولم يأتلف بناظري.

стр. 331

إن قيل من واحد في الشوق ذو وله ... لاستعجلت عبرتي حتى أقول أنا فكيف لا أتواجد عليك، وعين الكمال جارية لديك، وكيف لا أحن إليك ومنابع الفضائل تدفق بين يديك. بل كيف لا أهيم فيك، والدراري تتناثر من فيك. أنت أوحد الزمان بالحسب والكمال، ومفرد الأوان بالرقب والنوال. أما أياديك فلم تزل رائقة راقية، وأما معاليك فهي من أجدادك معجزة باقية. وأرى الفصاحة جلها وقليلها ... في راحتيك وفي يديك وفيك إن قلت أنت بديع زمانه فما للبيان يتدفق من أياديك، وألوية البلاغة والبراعة قد انعقدت في أعلام ناديك. أو قلت أنت البدر المنير الزاهر فما لشمس الفصاحة بازغة من مطلع ذلك الجناب الفاخر. إذا ورد الشتاء فأنت شمس ... وإن ورد المصيف فأنت ظل صرف الله الصروف عن أنديتك وحماها، وآمن حريمها من الاغيار وحماها. وكيف لا ألتزم الدعاء على الدوام، وأنت كعبة لمطاف الخاص والعام. وما علمت لساني كلَّ عن صفة ... ولا علمتك إلا فوق ما أصف وكيف لا وطبعك قد جبل بماء الأدب والكمال، ولسانك هو

стр. 332

الآية الكبرى في نظم العقود واللآل (١). وكيف لا وأبو الافضال أنت ومن ... فاق الانام بسامي البذل والكرم في الله ما أعلاك، وفي المذاق ما أحلاك، فما السيد السند إلا مثلك شريف، والعلامة الثاني بالنسبة إليك ظريف. وأبو الطيب والبديع أشعة مطلع ذلك الأفق المريع، فعليك يا ابن بنت رسول الله تعقد الخناصر. وأنت سراج محافل الأوائل والاواخر، فلا زلت تسحب ذيل المعارف والإجلال، ما تعاقبت الأيام والليال، ولا برحت كعبة علم ونوال، ما طفقت بحور النظم بنقس اللآل (٢). ثم لما طال البعد وامتد، وطريق الوصول إلى ناديه منسد. وقد كثر الصدود، على خله الودود. وبلغت البعاد مداها، ووصلت الأشواق إلى منتهاها، وظهرت إمارات الانقطاع على غير مقتضاها فتيامنت ناديه، لاستقطار ماء الحياة من مزنة أياديه. فأرسلت إليه هذه الأرجوزة، والمنظومة السابغة الوجيزة. وهي: نهدي سلاماً طيب الأنفاس ... يحكي ضياء البدر والنبراس معنبراً ممسكاً مطيبا ... مكللا مهذباً مذهبا محفوفة أطراقة بالزهر ... منقطاً مطوقاً بالدر قد صافحته بلة الغمام ... ما بين روض مسفر اللثام فهو الكمال والمعالي والمنى ... والأمن واليمن وأيام الهنا (٣)

стр. 333

لكعبة الفضل بلا اشتباه ... الفاضل المجيد عبد الله سلالة الرسول طه المصطفى ... «وآله المستكملين الشرفا» منابع العلوم والمعالي ... معادن السماح والنوال فهو إمام الفضل والكياسة ... وصاحب الكمال والرياسة ونخبة النخبة في فن الأدب ... وزبدة الزبدة حبر منتخب إن قام يعلو منبر الفصاحة ... خطيبها المعروف بالسماحة أو أن رقت أنمله أقلامه ... فالواحد الفرد العلا العلامه حبر الورى بالفضل قد تتوجا ... ممجدا مطوقا مدمجا فهو مناه ومنى مناه ... والفضل فيه لا إلى سواه ضياؤه المشرق بدر التم ... وحقه بالبدر أن تسمي وفضله ينمو على فضل السحب ... ومجده أورق أغصان القضب فواضل له إلينا عايده ... «فالله بر والأيادي شاهده» وكم له من نعم مفصله ... كأنه بالرزق قد تكفلا وكم له من الأيادي والكرم ... «ومن يشابه أبه فما ظلم» يا حبذا من ضيغم ومن أسد ... وحبذا من والد ومن ولد فهو الذي رقى المعالي والكرم ... يعطي إلى السيف مناه والقلم سام العلا وجاءها صبيا ... بفضله من مهده مهديا فانزل حماه واطلب العطايا ... واستمطر الجود إلى الركايا ومنها: وإن أقل ما فيه من جميل ... من جمل تغني عن التفصيل

стр. 334

اطلب فيها البحر للمداد ... والجود يعلوها مع الأيادي هذا وما يحتاج للإطالة ... والبدر قد يعرف لا محالة وكيف لا وأنت في ذا الجيل ... ملكت للافضال والتفضيل فدم بعز ثابت الأصول ... وكن بسعد لازم الحصول وبعد يا ذا الفضل والأيادي ... من عرض شوق ملأ البوادي أتى الكتاب يا إمام العصر ... يا واحد الفخر وكل الفخر لثمته في طلب الإجلال ... فانتثرت بفضه اللآلي (١) فارتدت الأعين منه مبصره ... لكونه من الكرام البرره ومنها لكون كتابه كان مصحوبا مع هدية. أكرم بها من صلة وعايده ... لكونها على الأيادي زائدة نعم الكتاب بالمعاني الباهره ... وما حواه من فصول زاهره قد نظمته رقة المعاني ... يغني عن الطنبور والمغاني كواكب قد جمعت كما وقع ... كأنما البدر عليها قد طلع فكم وكم قد نظمت لحسن ... ابن النباتي عليها يثني (٢) حكمت سيف الفضل في الرقاب ... وحزت كل الفضل كالسحاب

стр. 335

وشيتها كصنعة الحرير ... وفقت فيها ابن اوس والحريري (١) وكيف لا وأنت ابن الفخر ... والسر في الأبناء سر يسري ومنها: وأن تجد بالعام في رسالة ... تغني عن البدور والغزالة وإنما الكتاب بعد الياس ... يقابل الروح مع الأنفاس فدم بعز وبسعد تالي ... تحاول الكمال والمعالي ما رنحت بوشيها الأقلام ... محبر الأوراق والسلام ولما كان هذا السيد كما ذكرنا كاتب الإنشاء بمدينة بغداد، وقد ملأ بسوانح معارفه هذه الأقطار والبلاد. وساد بكتابته أهل الفضائل. حتى طوى ذكر العماد (٢)، وأنسى بمنشآته القاضي الفاضل (٣) فلنذكر نبذة من منشآته التي تروق، وعلى أمثالها من المراسلات تزهو وتفوق. منها ما كتبه من طرف والي بغداد دار السلام ذلك الوزير الضرغام حامي العباد، قامع آثار الفساد، الوزير الخطير، والوكيل المطلق المشير، نتيجة الوكلاء، فريدة الوزراء، صاحب البأس القامع، والمجد الجامع، والعطاء الواسع والبذل والنوال، والجود والكمال، الجليل الشأن، زبدة وزراء آل عثمان، حضرة الأكرم الأفخم الأعظم سليمان باشا، يسر الله له ما يشا،

стр. 336

إلى شريف مكة وحامي البيت، الذي لم يدخله عسى وليت. نتيجة السلف الأكارم، وخلاصة الخلف الأعاظم سيف السعد المسلول، الذي لم يعتره فلول. الفريد الواحد، حضرة الشريف مساعد (١) تهنئة له في الشرافة، وتبريكا له على هذه الانافة. وتعزية له بالشريف المفقود والظريف المحمود، المرحوم المغفور الشريف مسعود. وقد جمع بين التعزية والهناء، وأتى بما يبهر ألسن الفصحاء، فأغرب، وبكل الوجوه أعجب وهي: غب تحيات مترادفة السعود، تغادي ريح الصبا وتراوحه، وغرر دعوات متواصفة العقود، تصابح زهر الربى وتصافحه. وبدائع تسليمات تبدو لوامع المودة من سنا أنوارها، وتنساب جداول الإخلاص في رياض أزهارها. يخص بها سامي فرع الشجرة المباركة الزكية، غرة الناصية الحسنية قطب الدائرة العلية العلوية. خلاصة السلسلة البهية النبوية، سلالة العصابة الكريمة المصطفوية، نقاوة السادة الميامين الهاشمية جمال الأشراف الاماجد الفاطمية، ذي الحسب الظاهر، والنسب الطاهر حائز القدح المعلى في حلبة المفاخر والمحامد، أعني به الشريف مساعد، أجد الله تعالى ميامن شرفه وسعده، وأعاد على الإسلام والمسلمين بركات أبيه وجده.

стр. 337

وبعد فالذي ينهى إلى سامي، جنابه الكريم النامي، هو أنه بمقتضى ما ثبت من طريف الإخلاص وتليده، ورسخ من موروث الوداد وجديده، لم نبرح مترقبين الأخبار السارة الشريفة الشريفية. ونستنشق فوائح الفتوحات المكية، إذ ورد صحبة الحاج أحمد بن علي البغدادي كتاب كريم، أبهى من عقد الدر النظيم وأزهى من قطاف الروض الوسيم. فاجتنينا من أفنانه رطبا جنيا، واقتطفنا من روضه زهراً جنياً. وكان مما لوح في مطاويه، حسب ما كان قرع المسامع من روائع فحاويه، انه سبحانه قضى في النفس المسعودة الزكية، بما هو حكمه في كافة البرية فلبت داعي الله راضية مرضية، دارجة إلى دار الكرامة العلية. وجبر الله جل ثناؤه تلك الرزية، بأن سد مكانه بالذات الكريمة السنية، على نحو قول القائل. نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه (١) فنحن في ذلك في كيفية ممتزجة في أحزان ونشاط، متوسطة بين انقباض وانبساط كما قال من قال: فالعين باكية والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم منها وفي عرس ولعمر أبيك، لولا أن الله، عم نواله، سد ثلمة المصاب، وخلة الاكتئاب، بالجناب الأمجد النقاب، والبحر الغطمطم

стр. 338

العباب، أطال الله بقاه، وحفظ على الدين والدنيا شرفه وسناه، لعظم الخطب في النعي، وفقد ذلك الشاب المضي. غير أن النعمة بحمد الله تعالى فيما بقي ضافية اللباس، نامية الغراس. فروح الله روح الماضي، وجعل هذا الخلف الباقي، وصيّر التعزية بعده له لا به، والخلف عليه لا منه، والعوض فيه لا عنه، وألهمه فيما عراه راحة الصبر. وبارك له فيما أولاه، وعرفه فاتحة السعد والنصر. وأيد معاقد العز والشرف بوجوده، وشيد أركان السعود ببره وجوده. هذا وكان من جملة ما احتوت عليه صحيفة التواد، التوصية على الرجل المذكور من أهل بغداد. فحيث أن الأمجد الأرفع هو الشفيع وابن الشفيع المشفع، المحكم في المال، المساعف في مساعدة الآمال، ساعدنا الرجل المذكور تكرمة للخاطر العاطر وانلناه ما كان يتمناه. ولأجل تهنية المقام الأسنى، وتيريك الرتبة السنية الحسنى، نظمنا كتاب المحبة والتواد، في سلك الإخلاص والاتحاد، فحين الوصول بعون الله سبحانه والاطلاع، على ما تحويه الحشى والاضلاع، من خالص المودة وصادق الصداقة والمحبة، فالمرجو المؤمل، ذكر المحب في تضاعيف الدعوات المستجابة في تلك المعاهد المباركة، والتشمير عن ساعد الهمة في أخبار عافيتكم السارة والأنباء الشريفة المبهجة الدارة. ولا زال بيت عزكم حرما آمنا لكل مستجير عائذ. وحرم شرفكم مسعى يطوف به كل مستظل وعائذ.

стр. 339

وقد جمع هذا السيد المعروف بالبسالة فيما ذكره ووشاه في هذه الرسالة، بين التهنية والتعزية، وتفنن في أحسن أنواع الافتنان (١). إلا أن أهل البديع، قرروا في نوع الافتنان أن الجمع بين التهنية والتعزية في النظم اصعب مسلكا لشدة التناقض بينهما. واستشهدوا عليه بقول بعض الشعراء (٢) ليزيد بن معاوية، لما دفن أباه وجلس للتعزية قوله: اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا وقال زكي الدين عبد العظيم بن أبي الإصبع (٣) في كتابه المسمى بتحرير التحبير: أحسن شعر افتن فيه صاحبه بالجمع بين التهنية والتعزية قول أبي نواس لأبي العباس الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد

стр. 340

ويهنيه بالأمين (١): تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن حوادث أيام تدور صروفها ... فهن مساو مرة ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا أنت غابن ولقد أتى ابن نباتة (٢) بالبدائع التي ما سبقه أحد إليها، في تعزية (٣) الملك المؤيد، صاحب حماه (٤)، وتهنية ولده الأفضل بالسلطنة بعد أبيه وهي: هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما

стр. 341

فردّ مجاري الدمع والبشر واضح ... كوابل غيث في ضحى الشمس قد سما سقى الغيث منا تربة الملك الذي ... عهدنا سجاياه أبر واكرما ودامت يد النعما على الملك الذي ... تدانت به الدنيا وعزّ به الحمى مليكان هذا قد هوى لضريحه ... برغمي وهذا للأسرّة قدما ودوحة أصل شادوي تكافأت ... فغصن ذوى منها وآخر قد نما فقدنا لأنماق البرية مالكا ... وشمنا لأنواع الجميل متمما كأن ديار الملك غاب إذا انقضى ... له ضيغم أنشأ له الدهر ضيغما كأن عماد الدين غير مقوض ... وقد قمت يا أزكى الأنام وأحزما فإن يك من أيوب نجم قد انقضى ... فقد اطلعت أوصافك الغر أنجما وإن تك أيام المؤيد قد خلت ... فقد جددت علياك وقتاً وموسما هو الغيث ولى بالهناء مشبعا ... وابقاك بحراً بالمواهب منعما

стр. 342

وكانت وفاة الملك المؤيد في شهر محرم الحرام فقال ولم نخرج عما فيه: بل انبسطت فيها التهاني وأنشأت ... ربيع الهنا حتى نسينا المحرما

стр. 343

محمد أسعد الحسيني نجله محمد أسعد ذلك الأديب الأرشد لهم أوجه غر وأيد كريمة ... ومعرفة عد وألسنة ند وأردية خضر وملك مطاوع ... ومركوزة سمر ومقربة جرد رأيته وهو في السن في العشرة الأولى، وهو كالقمر لم يعتره أفولا (١). السعود في غرته لائحة، والورود من جبهته فائحة. في طلعته بشائر السعادة منقوشة، وفي جبينه مخايل السيادة مفروشة. كنت إذا طالعت في سطور وجهه أرى نيشان السمو فيه ظاهر. وإذا تمثلت معاني حركاته يلوح لي من تلك المعاني عنوان النمو وآثار المفاخر. ثم لما بعدت عن تلك العهاد، وأبعدتني الركائب عن مدينة السلام بغداد. وعدت إليها بعد سنين، والقلب في تلك المعاهد رهين. فوجدت ذلك النسيم قد هب، والطفل الصغير قد شب. وقد بقل خطه وارتاش، ودبت في عروقه مياه الظرافة والانتعاش، وغدا باهر ذكاء وأدب، قد أظهر لأهل الكمال من كماله العجب. قد جمع في الأدب (٢) سجلا وفي المعارف صكا، فله عليهما الختم الذي لم يقبل كشطا ولا حكا.

стр. 344

فسجل أدبه أنواع المعارف والفنون، وصك إذعانه يبهر العقول ويحير الظنون، تسابق في مضمار الفضل فكان سبّاق ذلك الميدان، واقتدى بأسلافه الكرام فغدا مشار الأكابر والأعيان. تصدر لصدارة المجد فكان في ذلك مرجع الصدور. واعتصر كروم البلاغة من عناقيد الرياسة فسقى رحيق النشاط وشراب السرور. خوط بان أزهى من الورد بأنواع الفصاحة مثمر، وهلال كمال أبهى من البدر بصنوف الكمالات مقمر. فهو الأسعد الذي رقي إلى هام المجد والتقط درر المعارف. والأمجد الذي صعد إلى أقصى أعلام الحل والعقد. فغدا حول بيت المحامد واللطائف طائف، خاض في تلك الصبوة بحور المعارف، واستخرج لآلئ الأصداف، فكان غواص بحور المعالي الذي تقف عند ساحله كبار الأشراف. تواخى مع الفخر فرقي إلى ذروة المجد وهامات المعال. وسلك أخيه فخر (١) الدين في سلك الأدب فأقمر بعد أن كان هلال (٢). فرأيت أخاه المذكور هذا وهو في الأحضان. ثم لما عاودت كما ذكرت فوجدته قد انتظم في سمط الشبان. وآثار النجابة عليه تلوح وتظهر، وعلامات السعادة من أناقته تبان وتبصر. والشبل في المخبر مثل الأسد. لهم علي أيادي كرم وإحسان قد طوقت منى الجيد. فلا زال بيتهم مدى الزمان كل يوم من المعارف في مزيد.

стр. 345

السيد خليل البصير (١) ومن أبناء عمهم السيد خليل البصير ضرير ولكن بالفضائل بصير، فهو البصير وأي بصير، لم يقبل في الكمال نظير. أما الفضائل فهو بحرها الطامي. وأما الكمالات فهو فلكها الرفيع السامي. استقل في الأدب بالنقض والإبرام، وأوضح سبل المعارف إلى معالم الافهام. تهادته الأيام تهادي النسيم للروض البليل. وافتقرت إلى جنابه افتقار المحرور للمقيل. فانه ممن عارض الوشل بالمطر، وفاخر الليل بالقمر. وطلع في الحدباء طلوع الشمس وأحيا بأنفاسه الطيبة أموات الأدب في الرمس. فحارت بأدبه الافهام، وبعدت عن درك كماله الأوهام، فإنه شخص الأدب عيانا، وأقام على ذلك بينة وبرهانا. وكل حيا للمجد فهو سحابه ... وكل رحى للفضل فهو لها قطب ألف بأدبه الفنون الشوارد، واستملى الفواضل عن عطارد. فآثاره تفصح عن سعة باعه، وتحريراته تنبئ عن طول ذراعه. فإنها لا تعمى الأبصار وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. مطر واستبرق، وأثمر وأورق، فعلا (٢) جنابه، وحمد غمامه وضبابه. وعذبت

стр. 346

مصادره وموارده، وعلت محاضره ومشاهده. فهو بارق عارض الادب، كريم الجد والحسب. مالك الافضال والمعالي، مستخدم الأحرار والموالي. قد بلغت معاليه السماء، وجلت مكارمه أسرة الظلماء. فطلع للكمال طلوع سهيل، وأشرق بجماله النهار والليل. فها هو بحر أدب تشعبت أنهاره. وروض فضل تلونت أزهاره. قد اظهر من أدبه ألوان، زين بها جيد الزمان. وله نظم أرق من النسيم في الليل. وأروق من تقاطر الغمام والسيل ونثر كالنجوم في ضيائها، والثريا في سمائها. وقد اخذ بها مجامع القلوب وملكها، وفي سلك سمط الخدام سلكها. وقد اثبت منها ما هو كالجواهر، في أعناق الجآذر. فمن نظمه قوله: كفى الله أهل الموصل الشر إذ أتى ... عدو لهم من جانب الشرق ناهض أجل ملوك العجم نادر اسمه ... ظلوم غشوم للمواثيق ناقض سبى نسوة السكان في البيد والقرى ... بظلم وكل بالمهالك خائض وساق أناعيم الرساتيق كلها ... فما في الضياع اليوم بكر وفارض

стр. 347

فحاصرنا ستين يوما مهيجا ... حروباً وفي الجمعات ماتت فرائض (١) فحاربه الدستور والى ديارنا ... حسين بعون الله وهو يناهض فألقي رعب في قلوب جنوده ... فبانوا وكل نحو مثواه راكض فلما أزال الله عنا شعوبهم ... بتوفيقه أرخت زال الروافض وقوله مخمساً: نأى الغزال الذي في القلب موضعه ... يا ليت شعري أي الروض مرتعه ناديته بانكساري إذ أودعه ... يا راحلا وجميل الصبر يتبعه هل من سبيل إلى لقياك يتفق ... نار المحبة في الأحشاء حامية والعين كالنهر طول الدهر هامية ... يا من به رتبتي في العشق سامية ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق وله مصدرا ومعجزا لهذين البيتين. يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا ... ممن يفرج كربات المساكين

стр. 348

واصبر على محن الأيام ذا جلد ... ودار وقتك من حين إلى حين ولا تعاند إذا أصبحت في كدر ... من النوائب واستقبله في اللين هيهات هيهات أن تصفو بلا كدر ... فإنما أنت من ماء ومن طين والبيتين لابن نباتة (١) وقد تبعه الصفدي (٢) في ذلك فقال: دع الإخوان إن لم تلق منهم ... صفاء واستعن واستغن بالله أليس المرء من ماء وطين ... وأي صفا لهاتيك الجبلّه وفي معنى بيت ابن نباتة في انتظار الفرج، قال النبي ﷺ : افضل أعمال أمتي انتظار الفرج (٣). قال جالينوس (٤): الهم فناء القلب (٥)، والغم مرضه. ثم قال الغم بما فات، والهم بما هو آت. ومن الغم يعرض النوم، ومن الهم يعرض السهر، لأن في الهم فكرا بما سيكون والغم لا فكر فيه. حكى بزر جمهر، وهو من أجل حكماء الفرس، إنه لما حبسه انوشروان عند غضبه عليه في بيت ذي ظلمة وضيق،

стр. 349

وصفده بالحديد وألبسه الخشن من الصوف، وأمر أن لا يزاد على قرصين في كل يوم خبز من شعير، وكف ملح، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزر جمهر شهورا لا يسمع منه لفظ. فقال انوشروان: ادخلوا عليه بعض أصحابه، ليستأنس بهم، ويفاتحوه بالكلام، واسمعوا ما يجري بينهم، وعرفونيه. فدخل عليه جماعة من المحتفين به، وقالوا: أيها الحكيم نراك في هذا الضيق والحديد والصوف والشدة التي دفعت إليها، ومع ذلك فان سجية وجهك، وصحة جسمك على حالهما لم يتغيرا. ما السبب في ذلك؟ قال: لأني عملت جوارشا من ستة أخلاط اخذ منه كل يوم شيئا، فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا صفه لنا فيوشك أن نبتلى بمثل بلواك فنستعمله. قال: الخلط الأول الثقة بالله . والخلط الثاني ان كل مقدر كائن. والخلط الثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن. والخلط الرابع إذا لم اصبر فأي شيء أعمل. والخلط الخامس يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه. والخلط السادس من ساعة إلى ساعة فرج. وعلى هذا قول بعضهم: اصبر على حلو الزمان ومره ... واعلم بأن الله بالغ أمره فالصدر من يلقى الخطوب بصدره ... وبصبره وبحمده وبشكره والحر سيف والذنوب بصفوه ... صدأ وصيقله نوائب دهره ليس الحوادث غير أعمال امرى ... يجزى به من خيره أو شره فلئن أصبت بما أصبت فلا تقل ... أوذيت من زيد الزمان وعمره

стр. 350

واثبت فكم أمر امضك عسره ... ليلا فبشرك الصباح بيسره ولكم على يأس أتى فرج الفتى ... من غيب سر لا يمر بفكره فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل ... بشراً فليس سواه كاشف ضره واعجب لنظمي والهموم شواغل ... يلهين عن نظم الكلام ونثره وتبعه ابن نباتة (١) فقال: لا تخش من غم كغيم عارض ... فلسوف يسفر عن إضاءة بدره إن تمس عن عباس حالك راوياً ... فكأنني بك راوياً عن بشره ولقد تمر الحادثات على الفتى ... وتزول حتى ما تمر بفكره هون عليك فرب أمر هائل ... دفعت قواه بدافع لم تدره ولرب ليل بالهموم كدمل ... صابرته حتى ظفرت بفجره ولصاحب الترجمة مخمسا: قد بان قلبي الذي الأشواق ديدنه ... بحيث لم ير بل لم يدر موطنه لما جهلت مكانا صار يسكنه ... سألتها عن فؤادي أين مسكنه لأنه ضاع مني يوم مسراها ... فوجهت وجهها نحوي وقد سمعت ما قلته وعلى ما رمته اطلعت ... وفي جواب سؤالي رأفة شرعت قالت لدينا قلوب جمة جمعت ... فأيها أنت تعني قلت أشقاها ويقرب من معنى هذه الأبيات قول الباخرزي (٢):

стр. 351

قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي ويقرب منه قول ابن سبسب (١): هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأهوى لنفسي أن تهب جنوب يقولون لو عربت قلبك لا رعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب وقريب منه أيضا قول الشهاب الخفاجي (٢): يقولون لي لم تبق للصلح موضعا ... وقد هجروا من غير ذنب فمن لحا صدقتم وأنتم للفؤاد سليتم ... ومالي قلب غيره يطلب الصلحا وفيه أيضا قوله: قد ودعوا قلبي سر الهوى ... خافوا من الواشي على حبي فانتهبوا لبي ولم يقنعوا ... باللب حتى أخذوا قلبي ولصاحب الترجمة في الاقتباس: ونسوة لمنني في حب ذي كحل ... رشا يفوح شميم المسك من فيه فقلت منهن للائي فتن به ... «فذلكن الذي لمتنني فيه» (٣) وقوله فيه: لست أهوى سواكم اليوم حتى ... أطلب الموت في هواكم حثيثا

стр. 352

ما لقومي الذين قد عنفوني ... «لا يكادون يفقهون حديثا» (١) ومن نظمه قوله: زار فؤادي عائداً طرفه ... كلاهما في الدهر مضنى قديم فقلت إذ أبصرت حاليهما ... مستعجبا عاد السقيم السقيم (٢) وقد أرسل إليه الحاج خليل خداده (٣) هذين البيتين: لا تحسبوا أن البعاد مكدر ... صفو الخليل عن الخليل وأنسه لكن حوادث في الزمان تراكمت ... فالمرء فيها قد سها عن نفسه فأجابه بقوله: إنا نسلم أنه يسهو الفتى ... في حادثات زماننا عن نفسه لكن نقول بدفع شر عدونا ... ذا اليوم خير عندنا من أمسه وله مصدراً ومعجزاً: قيل لا تنظرن لوجه جميل ... فهو في الحشر يورث الحسرات وامنع العين أن ترى ما اشتهته ... إنما ذاك يذهب الحسنات قلت ذاك الجمال لما تبدى ... كثرت دهشتي وقل ثباتي وبدت حالة هنالك حتى ... غفل الكاتبان عن سيئاتي وكنت قد صدرته وعجزته في زمن الصبا: قيل لا تنظرن لوجه جميل ... ذي سناء مطرز بالنبات لا ولا ترقبن لوجه صقيل ... إنما ذاك يذهب الحسنات قلت ذاك الجمال لما تبدى ... وغدا مشرقاً بكل الجهات وعلا حسنه على كل حسن ... شغل الكاتبان عن سيئاتي

стр. 353

وأتم منه معنى وربطا تصدير كاتب الديوان لوالي الموصل أمين باشا يونس (١): قيل لا تنظرن لوجه جميل ... واستمع قول ناصح بثبات وتجنب وقوع ذلك واعلم ... إنما ذاك يذهب الحسنات قلت ذاك الجمال لما تبدى ... ومحا الذات باتحاد الصفات (٢) وتجلى بوحدة الحسن حتى ... غفل الكاتبان عن سيئاتي ولصاحب الترجمة مخمساً: لي سادات اصطفيت هواهم ... جعلت مهجتي فدا مصطفاهم لا يخيب الذي يروم لقاهم ... يتلقون من يؤم حماهم بوجوه من التقى نيرات ... تاه في عشقها ذوو العقل تيها إنما الفوز والفلاح لديها ... سابقوا أيها العفاة إليها يا لها أوجه يلوح عليها ... كل يوم دلائل الخيرات (٣) وقد أرسل إليه الحاج خليل عند انقطاع الامطار وتواليها بعد ما قنطت الناس هذه الأبيات: يا خافضا رفع الظنون وناصبا ... علم اليقين ولا يكون مشككا من بعد ما قنط الورى من رحمة ... فانظر إلى آثار رحمة ربكا (٤) فأجاب وأجاد: يا من يذكر خله ... كرم الكريم ونعمته هذا قديما دأبه ... يعفو وينشر رحمته (٥)

стр. 354

السيد حسن النقيب (١) الأديب البليغ اللسن السيد النجيب حسن قوم إذا حضروا النداء تميزوا ... بعلو مرتبة ونور جبين الوارثين المجد عن آبائهم ... والحاملين العلم عن سحنون شيخ الأدب، الراقي لأعلى الرتب. ذو الكلام الرائق، والكمال المتناسق، والمجد الراسب، والهطل المتعاقب. والحسن المطوي للحسب، والطراز المذهب للأدب. الذي تستفيد منه العيون بهجة، والألسن فصاحة ولهجة. قد رتبه الكمال أحسن ترتيب، وذهبه الشرف أروق تذهيب، وبوبه الفضل أغرب تبويب. فلله دره ما أحقه بصدر الكمال. وأسبقه إلى مراتب الفضل والمعال. يورث الخلب نوراً، والفؤاد بهجة وسرورا. ملك أزمة القريض،

стр. 355

فكان للنظم بحره الطويل العريض. ظهرت في طلعته مخايل السعادة الموروثة القديمة، فنبتت في ساحته المكارم الأنيقة الكريمة. قد انقض على جنود الأدب، انقضاض النجوم الثواقب فملك أكرم المحامد واستملك أفخم المناقب. فكان له في الأدب الربع العامر، والسبب الوافي الغامر. قد تقنع بالفضل قناع الشمس بالغمام. وأسكر أرباب الأدب بشراب فصاحته، سكر العقول بالمدام. وأدار في البلاغة كئوس، تخجل الشموس، فكأنه العبير في منافحة الأنوار، والهلال في مصافحة الأقمار، له من النظم ما هو كالأسمار، لجميع الأمصار، يغنى عن اللجين والنضار. قد أتيت منه بالرائق الأنيق، الذي يغني عن الشراب والرحيق. منه ما مدح به حضرة المرحوم والي بغداد أحمد باشا (١): باينت زينب والأهلين والولدا ... وشوقهم ليس عني زائلا أبدا أمست تودعني والدمع منسجم ... والقلب مضطرم والصبر قد بعدا تقول يا صاح أين العزم فاحصة ... وأي أمر بذا أضحاك منشردا أهانك الدهر أيضا وهو ديدنه ... بأبناء حيدر من حين الزمان بدا
следующие страницы →