قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي
ويقرب منه قول ابن سبسب (١):
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأهوى لنفسي أن تهب جنوب
يقولون لو عربت قلبك لا رعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب
وقريب منه أيضا قول الشهاب الخفاجي (٢):
يقولون لي لم تبق للصلح موضعا ... وقد هجروا من غير ذنب فمن لحا
صدقتم وأنتم للفؤاد سليتم ... ومالي قلب غيره يطلب الصلحا
وفيه أيضا قوله:
قد ودعوا قلبي سر الهوى ... خافوا من الواشي على حبي
فانتهبوا لبي ولم يقنعوا ... باللب حتى أخذوا قلبي
ولصاحب الترجمة في الاقتباس:
ونسوة لمنني في حب ذي كحل ... رشا يفوح شميم المسك من فيه
فقلت منهن للائي فتن به ... «فذلكن الذي لمتنني فيه» (٣)
وقوله فيه:
لست أهوى سواكم اليوم حتى ... أطلب الموت في هواكم حثيثا
стр. 352
ما لقومي الذين قد عنفوني ... «لا يكادون يفقهون حديثا» (١)
ومن نظمه قوله:
زار فؤادي عائداً طرفه ... كلاهما في الدهر مضنى قديم
فقلت إذ أبصرت حاليهما ... مستعجبا عاد السقيم السقيم (٢)
وقد أرسل إليه الحاج خليل خداده (٣) هذين البيتين:
لا تحسبوا أن البعاد مكدر ... صفو الخليل عن الخليل وأنسه
لكن حوادث في الزمان تراكمت ... فالمرء فيها قد سها عن نفسه
فأجابه بقوله:
إنا نسلم أنه يسهو الفتى ... في حادثات زماننا عن نفسه
لكن نقول بدفع شر عدونا ... ذا اليوم خير عندنا من أمسه
وله مصدراً ومعجزاً:
قيل لا تنظرن لوجه جميل ... فهو في الحشر يورث الحسرات
وامنع العين أن ترى ما اشتهته ... إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى ... كثرت دهشتي وقل ثباتي
وبدت حالة هنالك حتى ... غفل الكاتبان عن سيئاتي
وكنت قد صدرته وعجزته في زمن الصبا:
قيل لا تنظرن لوجه جميل ... ذي سناء مطرز بالنبات
لا ولا ترقبن لوجه صقيل ... إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى ... وغدا مشرقاً بكل الجهات
وعلا حسنه على كل حسن ... شغل الكاتبان عن سيئاتي
стр. 353
وأتم منه معنى وربطا تصدير كاتب الديوان لوالي الموصل أمين باشا يونس (١):
قيل لا تنظرن لوجه جميل ... واستمع قول ناصح بثبات
وتجنب وقوع ذلك واعلم ... إنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدى ... ومحا الذات باتحاد الصفات (٢)
وتجلى بوحدة الحسن حتى ... غفل الكاتبان عن سيئاتي
ولصاحب الترجمة مخمساً:
لي سادات اصطفيت هواهم ... جعلت مهجتي فدا مصطفاهم
لا يخيب الذي يروم لقاهم ... يتلقون من يؤم حماهم
بوجوه من التقى نيرات ... تاه في عشقها ذوو العقل تيها
إنما الفوز والفلاح لديها ... سابقوا أيها العفاة إليها
يا لها أوجه يلوح عليها ... كل يوم دلائل الخيرات (٣)
وقد أرسل إليه الحاج خليل عند انقطاع الامطار وتواليها بعد ما قنطت الناس هذه الأبيات:
يا خافضا رفع الظنون وناصبا ... علم اليقين ولا يكون مشككا
من بعد ما قنط الورى من رحمة ... فانظر إلى آثار رحمة ربكا (٤)
فأجاب وأجاد:
يا من يذكر خله ... كرم الكريم ونعمته
هذا قديما دأبه ... يعفو وينشر رحمته (٥)
стр. 354
السيد حسن النقيب (١) الأديب البليغ اللسن السيد النجيب حسن
قوم إذا حضروا النداء تميزوا ... بعلو مرتبة ونور جبين
الوارثين المجد عن آبائهم ... والحاملين العلم عن سحنون
شيخ الأدب، الراقي لأعلى الرتب. ذو الكلام الرائق، والكمال المتناسق، والمجد الراسب، والهطل المتعاقب. والحسن المطوي للحسب، والطراز المذهب للأدب. الذي تستفيد منه العيون بهجة، والألسن فصاحة ولهجة. قد رتبه الكمال أحسن ترتيب، وذهبه الشرف أروق تذهيب، وبوبه الفضل أغرب تبويب. فلله دره ما أحقه بصدر الكمال. وأسبقه إلى مراتب الفضل والمعال.
يورث الخلب نوراً، والفؤاد بهجة وسرورا. ملك أزمة القريض،
стр. 355
فكان للنظم بحره الطويل العريض. ظهرت في طلعته مخايل السعادة الموروثة القديمة، فنبتت في ساحته المكارم الأنيقة الكريمة. قد انقض على جنود الأدب، انقضاض النجوم الثواقب فملك أكرم المحامد واستملك أفخم المناقب. فكان له في الأدب الربع العامر، والسبب الوافي الغامر. قد تقنع بالفضل قناع الشمس بالغمام. وأسكر أرباب الأدب بشراب فصاحته، سكر العقول بالمدام. وأدار في البلاغة كئوس، تخجل الشموس، فكأنه العبير في منافحة الأنوار، والهلال في مصافحة الأقمار، له من النظم ما هو كالأسمار، لجميع الأمصار، يغنى عن اللجين والنضار. قد أتيت منه بالرائق الأنيق، الذي يغني عن الشراب والرحيق.
منه ما مدح به حضرة المرحوم والي بغداد أحمد باشا (١):
باينت زينب والأهلين والولدا ... وشوقهم ليس عني زائلا أبدا
أمست تودعني والدمع منسجم ... والقلب مضطرم والصبر قد بعدا
تقول يا صاح أين العزم فاحصة ... وأي أمر بذا أضحاك منشردا
أهانك الدهر أيضا وهو ديدنه ... بأبناء حيدر من حين الزمان بدا
стр. 356
أم سامك العصر فقرا لو يسام به ... أبناؤه لأضاعوا الرأي والرشدا
أم ليس هذا ولا ذا بل شغفت بمن ... ينسيك إحسانه الأوطان والبلدا
أبن السفارة والأهلون في محن ... وسوء حال وعيش أورث النكدا
هل جائز أن تدعنا في ضرورتنا ... وما لنا كافل نرجوه مستندا
إن كان عزمك يا هذا لنحو فتى ... نرجو بساحته الافلاح والصفدا
فلتسر حملتنا مستسعدين به ... مستبشرين بحال يوجب الرغدا (١)
أجبتها ولسان الحال معتقل ... والدمع منهطل والذهن قد فقدا
لا زال ممتحناً دهري فيوقعني ... في كل رزء يزيح الصبر والجلدا
إني أريد لأسري شاكيا زمني ... وما اعتلاني بؤس الدور مطردا
لدى المشير الذي لا زال مؤتمناً ... من في حماه عن اللوام والحسدا (٢)
لو رام ذا الدهر بطشاً في توابعه ... لا يستطيع حياء منه ما قصدا
стр. 357
من بحر أعطافه لو سال جدولها ... نحو امرئ غاض عنه السوء طول مدى (١)
أصحابه بلغوا كل السعود به ... يا ليتني تابعاً في سنة السعدا
أعتاب دولته نيل المرام بها ... من رام آرامه في تربها وجدا
كأنها في أديم الأرض افتتحت ... بوب السماء فنبغي نحوها المددا (٢)
كم سائل فاز فيها كل مطلبه ... وعاد مشروح صدر قد شفى كبدا
لعل يعطف في حالي وينجدني ... من غمرة أزهقت روحي كذا الجسدا
يا آصف العصر دستور الأوان ويا ... صدر الزمان ويا نعم الفتى عضدا
فهو الوزير الذي إن أمه أحد ... مستصغرا في حضيض الهون قد صفدا
أقامه بأيادي العز ممتطيا ... أوج السما وذرى الأفلاك ممتهدا
لو شاهد الحاتم الطائي سماحته ... ونال من فضله الطامي الأنام يدا
ودام يبذل ذاك الفضل مبتغيا ... نشور جدواه لاستوفى وما نفدا (٣)
стр. 358
من نال إحسانه لا يشتكي ألما ... إلا تزايد حساداً وقهر عدا
يا اكرم الناس يا من ليس سائله ... مخيباً زادك المولى غنى وندى (١)
عمت مواهبه الأقطار قاطبة ... ساهمتها للورى عدلا ومقتصدا
وظل في ذمة الإحسان مطلبنا ... أسرعت مسترجياً للعطف مصطفدا (٢)
عطفا على هالك جار الزمان به ... وقد أتى مستجيراً فيك معتمدا
يا أحمد الخلفا يا نخبة السلفا ... يا مرجع الشرفا يا خير ملتحدا (كذا)
أوصافكم وأياديكم إذا أحد ... أطرى بها ليس يستقصي وان جهدا
فالحتم في ذمتي تعقيب مدحكم ... أزكى الدعاء بجد القلب ينتشدا (كذا)
استودع الله صدراً لو يماثله ... في حسنه البدر فوق الشمس لاستندا
أشبه الشمس بالإشراق طلعته ... لو لم يكن لفظها أثنى كما وردا
لا تزعمن هلالا ما يبين على ... ذيل السماء جديداً نحو ما عهدا
стр. 359
أيضاً هو البدر لكن في تقابله ... وجه الخليفة أمس ذا بلا حسدا
ندعو آله البرايا أن يمكنكم ... في مسند العز والإجلال منفردا
نطع الخلافة لا زالت مشرفة ... من لثم أرجلكم مغبوطة أبدا
أمدك الله إجلالا بلا أمد ... دامت صل الكاشح اللاحي وتب يدا
أدامك الله طول الدهر قاطبة ... وما يلي بعده مستغرق الأمدا (كذا)
ومن شعره مصدرا ومعجزا لخمرية أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... واترك فآخره بغض وشحناء
وذر دواء التي أمر الشفاء بها ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... ولا يلم بها بأس وضراء
ان سر منها خمود الطبع لا عجب ... إن مسها حجر مسته سراء (١)
من كف ذات حرفي زي ذي ذكر ... تغنيك عن أمرد عن بكر حسناء (كذا)
يميل في حبها صنفان يا عجبا ... لها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكر ... بحيث لو كان بيض قيل سوداء
كأنها كوكب أنواره سطعت ... فظل من وجهها في البيت لألاء (٢)
فأرسلت من فم الإبريق صافية ... تروي صفا وجهها من كف خضباء (كذا)
стр. 360
تسبى الهموم بجهر والحجا بخفا ... كأنما أخذها للعقل إغفاء (١)
رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... ماء العذيب صفاء بل خليطاء
ان قلت روح فما أخطى تماثله ... لطافة وخفي عن شكلها الماء (٢)
فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... وصار منها بتلك الحال إجراء
وها على الفور تغدو جلب حابلة ... حتى تولد أنوار وأضواء
دارت على فتية دار الزمان لهم ... والدهر طاع لهم في الشان كسراء (٣)
وما يخافون من بأس ومن خطر ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... وقاعة ثويت فيها الاخلاء
أجري دموعي عليهم لا على بقع ... كانت تحل بها هند وأسماء
وقل لمن يدعي في الحب توسعة ... كلا فدعواك تزوير واغراء (٤)
стр. 361
لو كنت صبا لما أصبحت مكتئباً ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وممن صدر وعجز هذه الأبيات أحد المترجمين فيما بعد الحاج قاسم الجليلي رحمة الله عليه وهو:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... واترك فديتك ما طب الأطباء
تنفس الصبح قم للكأس مبتدراً ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... ولا يمازجها هم ولا داء
كالروح تجري بمجرى الدم نشأتها ... إن مسها حجر مسته سراء (١)
من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... إسقفة من بنات الروم عذراء
إن أقبلت ملكت أو أدبرت فتكت ... لها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكر ... والكأس في يدها نجلاء حوراء
وأسفرت عن محياها ذوائبها ... فظل من وجهها في البيت لألاء (٢)
وأرسلت من فم الإبريق صافية ... من عكس وجنتها في الكأس حمراء (٣)
стр. 362
لها دبيب بلطف غير مزعجة ... كأنما أخذها للعقل إخفاء (١)
فقل لمن يدعي في الحب توسعة ... ظللت عما به فاز الأحباء (٢)
ظننت علمك يغني عن مداركها ... حسبت شيئاً وغابت عنك أشياء (٣)
وكنت قد صدرته وعجزته وهو:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... واترك فذلك تنكيد واغواء
أدر كئوس الطلا يا صاح في عجل ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... ولا يرى الهم من في فيه صفراء
عتيقة الدن للأفراح جالبة ... إن مسها حجر مسته سراء (٤)
من كف ذات حرفي زي ذي ذكر ... كالسمر إن خطرت حسناء سمراء
وردية الخد تسبي قلب عاشقها ... لها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكر ... فما شعرنا بها هيفاء عذراء
فأسفرت شعرها عن ليل طرتها ... فظل من وجهها في البيت لألاء (٥)
فأرسلت من فم الإبريق صافية ... تحكي بريق الثنايا الغر شمطاء
стр. 363
ولو دعت خمرة من خدها عصرت ... كأنما أخذها للعقل إخفاء (١)
رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... طبعا فحاكت لذا غيث وأنواء
رقت وراقت فلم تحك محاسنها ... لطافة وخفي عن شكلها الماء (٢)
فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... ولم تر في جوار الحان صهباء
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فهم بذلك أموات وأحياء (٣)
فما يغرنك ما يبدون من سكر ... فما تصيبهم إلا بما شاءوا (٤)
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... ترقى إليها بنو الآمال علياء (كذا)
ولا على بقعة خضراء زاهية ... كانت تحل بها هند وأسماء
فقل لمن يدعي في الحب توسعة ... عين المحب عن المحبوب عمياء (٥)
رجوت وصلا ولم تخش الفراق إذا ... حسبت شيئاً وغابت عنك اشياء (٦)
стр. 364
السيد علي خاتمة السادة ومنهم الأديب النجيب السيد علي (١)
هذا الشاب ابن بنت الرسول، والمهند الذي لم يعتره فلول.
غصن غرست نبعته في ساحة السيادة، برق تألق من شاطئ المجد فأشرق في تلول الكرم فأضاء وهاده. تردى ببرود المعالي فاتخذ السماحة ديدنا والكمال عادة. وانتشى في ذورة الفصاحة فملك من الأدب زمامه وتملك من الفضائل قياده. توارث الفضائل عن
стр. 365
آبائه الكرام، فكانت النجابة حصته المخصوصة. واستحص الفضائل من أجداده الفخام، فكانت الرياسة لسهامه منصوصة.
قد ورث المجد كابرا عن كابر، فترجلت له الرجال. وانهل أدبه كالغيث الماطر، فحطت لديه الرحال. فهو الآن بدر سماء المعالي وقطبها المشيد، والبحر الطامي الزاخر الذي ما عليه مزيد.
وأرى النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب
زرع الأدب في ساحة وجوده، فنبتت من المعارف أصنافا.
وأثمرت بأنواع اللطائف فتضاعفت سنابلها مئات وآلافا. فهو الآن سجل علم بأنواع الكمالات محفوظ. وصندوق فهم من كل الجهات ملحوظ. صاغ في الأدب جواهر حلي حلت جيد الدهر تلك النوادر، وذهبت تيجان فضائل اختطفتها يد الدهر فجعلتها لجيدها العاطل محاسن ومفاخر. غرف من بحر الأدب ما شاء، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء. بنى بروج مجد حاكى السماء بارتفاعه، وشيد حصون فضل شاكل الجوزاء بامتناعه. خلع عليه الكمال برد العز والشرف، فهنته شواويش (١) الأدب من كل طرف.
متعود ليس المعال تخاله ... في الفضل بدراً والكمال شموسا
سطع فلم تتحمل بروج الحدباء حمل ضيائه، وانهل فأعيا (٢) أرضها عن ارتشاف قطر سمائه. فلفظته يد الغربة الى دار السلام (٣)
стр. 366
واختصت بارتشاف ذلك الثغر الشهدي المذاق ومطالعة ذلك الوجه البسام. فنزل على ابن عمه السيد عبد الله ذلك العلم المشهور، واللواء الزاهر الذي على عاتق الخافقين منشور. فقرا على ذلك العلم واستفاد، فملأ بفضله تلك المعالم والعهاد. فاكتسب من فضله أنواعا، ومن أدبه إكيلة واصواعا، حتى مد إلى ذرى الفضائل باعا والى معاهد الكمال قدما وذراعا.
ثم ثنى عنان القراءة على العالم العلامة والحبر الفهامة، صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر (١)، فحاز من العلم ما هو كالشهد ومن الأدب ما هو كالسكر المكرر. منحه بالفوائد التامة، وأجازه بالإجازة العامة.
وكنت أحب الاجتماع به، لما شاهدت منه من أدبه. لأراه بعد صغره في دائرة الكمال، وكيف بدر بعد أن كان هلال.
فاتفقت لنا رحلة إلى تلك المدينة، فرأيت الفضل مذهبه والعفة دينه. وذلك بعد حين من الدهر، فأشرق علي إشراق القمر عند البدر. فلقيته وقد جر على المجرة أذيالا. فقلت جل الواهب العلي وتبارك وتعالى، هكذا فيلكن الأديب الكامل وإلا فلالا. ما غادر صغيرة من المعارف ولا كبيرة إلا وحازها، وعرف حقيقتها على التحقيق وأصولها ومجازها. قد نظمها في سلك فهمه نظم الدراري والدرر، وأدرجها في درج علمه فما باهى (٢) بها ولا افتخر.
فقليلها وكثيرها عنده معدودة معهودة، وهي بانواعها المجملة
стр. 367
والمفصلة في جرابه مشدودة. وكان الاجتماع به اقصر من ليالي الوصال، وأخصر من معانقة الغيد الحسان عند معاطاة الدل والدلال. قد مرت كما يمر الطيف، فوا أسفا عليها ووا حيف. وها هو الآن نزيل بيت الفخر، وقطب ذلك القطر، كل أوقاته التي يعدها سدى، فهي في الحقيقة رشد لأرباب الكمال وهدى. فبقيت على ذلك الشوق المديد، والتوق الذي ما عليه مزيد. إلى أن ألوى عنان العزم إلى الوطن ثانيا، فقدر الله لنا به الاجتماع ثانيا.
فأطفينا بذلك غلة الشوق الملم الضافي، واكتسبنا في معاشرته سائغ الحب الهني الصافي. واستفدنا ممن أدبه الذي حواه أتم الإفادة، وأنشدنا من نظمه ما يفيد المجد وينيل السعادة.
فأما نظمه العربي فهو الزكي العاطر، وأما نثره الغريب الحكمى فهو الغمام المريع المتقاطر. فتناول من نظمه سجلا وصكا، وخذ حقا ودع من قال إفكا.
فمن نظمه العالي المستهزئ باللآلي قوله:
سال الدموع وفاضت بالبكا المقل ... فمذ تذكرت الأوطان والطلل
يا حاديا هاديا أسرع بنا فلقد ... بان التجلد إذ بانت لنا النزل
سقياً ليوم اللقاكم فيه من فرح ... يغدو فيبقى ومن هم فيرتحل
وكم يواسي قريحاً بعد أن يئست ... منه الأساة فما السلوان والأمل
стр. 368
وكم يملي أخا وجد بلثم لمى ... وباجتماع متى لا زال ينفصل (١)
وكم يبلّ غليلا بل يروي صدى ... من بعد أن كادت الأنفاس تشتعل (٢)
وكم يسر كئيبا نازحاً فإذا ... ما لاح برق ترى عينيه تنهمل
وكم يسكن من ناري هوى وجوى ... لولاه كادت بأوج الشمس تتصل
أجل وينشر ميت الهجر إذ قطعت ... منه الأماني وحالت حوله الأجل
ويجمع الشائق المسكين بكرة أن ... ضجت له العيس والأقتاب والسبل
أكرم بليلة وصل قد تساحق من ... ضيق الخناق حلي الجيد والحلل
وكدت من شدة الأشواق وهي معي ... أن اطلب القرب منها لي وابتهل
لا أنسى ما أنسى إذ جداً تعانقني ... تقول أسرفت في الهجران يا رجل
فقلت بالله خلي العتب عنك عسى ... وصل به بحديث الانس نشتغل (٣)
стр. 369
أمست تذم الليالي ثم تحمدها ... لما على الوصل والهجران تشتمل
تقول لا دَرَّ دَرُّ الدهر ديدنه ... طوراً يسر وأخرى ساءه الخصل
إقباله نوبٌ إدباره كرب ... أعماله نصب دولاته دول
لا زال يرفع ذا خفض ويخفض ذا ... رفع ونصب فتلقى حاله بدل
ومن نظمه قوله:
لست أنساها إذ تميل من ال ... أنس لدينا وتستكن نفورا
كلما رمت زورها فتأبت ... وأجابت بزخرف القول زورا
وله:
غلب النعاس جفونه فتراه من ... ألم السهاد يميل كالغصن النقي
حلو المفاصل أشنب فكأنما ... من ريقه عسال قامته سقي
وقوله أيضا (من الدوبيت):
أهواك اذا ما لمع البرق وبان ... أوغرد طائر على الأيك وبان (١)
قف ليلة وصلنا قليلا حتى ... تحكي زمن الصدود واذهب بأمان
стр. 370
ياسين المفتي ياسين المفتي بن محمود (١)
مفتي البيان، ومرجع الأعيان. الذي فاق سحنون وسحبان.
قد تطوق من الفضل طوقا وفاق أهل المعارف إدراكا وذوقا. أفتى في بلدنا سنين، وغدا للفضائل منبعا ومعين. اشتمل عليه الفضل اشتمالا، فحاز مكارم ونال كمالا. فهو الطيب الأعراق. الذي حاكى الشموس بالإشراق.
فها هو نهر أعشب المجد حوله ... وها هو بحر زاخر بالمعارف
لبس في الفضائل أنواع الحلل، وباهى بمجده الشمس فضلا عن زحل. فاعتصر الفضل من عنقود الثريا وسما. وهطل بما أودعه
стр. 371
الله من أسرار البلاغة وهمى (١). فهو السباق الذي ملأ بالمجد الآفاق، ورقى هام الفضل بطريق الاستحقاق. فوالده محمود هو المقدم وهذا هو التالي. وكلاهما بدرا سماء الفضل وفلك المعالي ومحمود هو شيخ جدنا مراد، فانه قد قرا عليه ومن فضائله استفاد.
فلهما في الكمالات آثار رشاد، ترشدك إلى تلك المعالم والعهاد، وتدلك على سوق فضلهم الذي ماله كساد. فهما في البيان، فرسان رهان.
غيوث كمال كلما غاض واحد ... همى واحد يهزو بكل سحاب
ولهذا التالي في النظم كلام، يحاكى الغيث عند الانسجام.
قد أودعت هذا الكتاب من نظمه ما يحاكي الشموس، ويوضع على الأعين فضلا عن الرءوس.
فمن نظمه في مدح الصدر الأعظم والعالم الأفخم السابق ذكره مصطفى باشا الكوبرلي ﵀ وهي:
بشرى لك يا أمور بانتظام ... مذ قام بك موفق الأحكام
طوبى لك يا زمان باعتدال ... إذ نلت على بأرشد الحكام
لا ريب لمقتديه باهتداء ... مع نيل منى بغاية الأسقام
قد آثره الإله فيما يرضى ... علم عمل شريعة الإسلام
سيف قلم كذا سداد الثغر ... عدل كرم حماية الآطام
يا من يدع الأنام في تمهيد ... يا من يخيف الأسود في الآجام
يا من نشر العلوم في الآفاق ... يا من خذل العداة بالآرام
стр. 372
يا من هو في الوغى لنا ملاذ ... يا من هو ذو الفقار باصطدام
أهتم بجري ما اقتضاه الحال ... والدهر يقول حبذا من عام
قد كان له الأوان بانتظار ... كي يوفي مرتجيه في الذمام
ما قيل لنا الأمور بارتهان ... تنفك أذن بجرية الأقلام
ما طال لنا السكوت مع ملال ... أغنى لنا عن إطالة الكلام
نرجو نظراً بأيمن الأوقات ... كي تبرا لنا مكالم الآلام
ندعو له كي يدوم لا يزال ... يطفي به عنا سورة الظلام
نسأل له أن يصيب ما يروم ... ينجا به من إزاحة الأقلام
يحفظه لنا الإله مع نجليه ... تصفو لهما نجابة الأفهام
ندعو لهما زيادة في العمر ... مع نيلهما مراتب الإكرام
ومنها في ختامها:
نقرى بدر سنا له دعاء ... نتلو به في بداية وفي اختتام (١)
مع هذا النثر
المعروض لدى الساحة العلية، والمنهي إلى الباحة السنية البهية. هو انه بينما كنا مترقبين للتلطف والأخبار، وننتظر مع كثرة الملال للتعطف والانسرار، ومتوقعاً لحلول الشفعة والاعتبار. إذ نسمت نسمة على خلاف المعتاد، بحيث اهتم لنا من سمعها في أقصى البلاد. فاعتقدنا إنها غاية الادبار، وبتلاء لنا من الملك الجبار، وجزمنا بأنها متتبعة للأنعام التام، ومستجلبة لوفور اليسر بلا كلام مستشهداً بالكلام القديم من الملك العلام، إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، حيث أنزلها على رسوله امتنانا وبشرا. لا سيما
стр. 373
إذ وردت لنا الأخبار، بانحصار الأمور فيمن كانت له بالانتظار والذي افتخارنا بالانتساب إليه، وتوقيرنا نشا من وقوفنا إليه. فوجب على كل من سمع أن يقول الحمد لله إذ هو نعمة عظمى على الملة الإسلامية والأمة. فحمدنا الله تعالى وحصل لنا السرور، وايقنا بفوزنا ونيل الحضور. فالموجود والمتوقع، والمسئول والمتضرع، أن يقرن ما عرضناه بالعفو والقبول، ويدرج ما اغتثنا به في شدة المصائب لدين الأصول. إذ هو بناء على ما اعتدنا إليه عليه من التلطف والإحسان، واجترأنا عليه من كثرة أخذه بأيدينا من أول الزمان. لا زال للمستغيثين معينا، وللملهوفين ظهيرا ونصيرا ومعينا.
وله ﵀ في هذه التهنية:
كفاني منك نيلا في ارتقاكا ... مراتب قد ورثت بها أباكا (١)
فطوبى للزمان وطيب عيش ... خصوصاً إذ نصبت به لواكا (٢)
وبشرى للأمور بنيل حق ... وعدل فيه مقتفياً أخاكا
وقرت أعين من كل خير ... أديب كامل يرجو حماكا
لقد هنيت بالعلياء طراً ... فكيف ولا يليق بها سواكا
وطابت نفس من ترجو علوا ... ويثني عزمه نحو ابتغاكا
فها هو حاصل من غير مطل ... ولا نكد يشوب ولا جفاكا
فمهما تبذل الآراء جهداً ... فما بلغت مآرب في ثناكا
فنالت اثر ظلمتها ضياء ... أنارته المطالع من لقاكا
стр. 374
فلا زالت بك الأيام تزهو ... وتوري ما توارى من سناكا
فتذهب عن قلوب ما اعتراها ... وتصفو للتمحص في دعاكا
متى ما قد دهدتني نائبات ... فما لي ملجأ إلا علاكا
فللضراء جمعا أنت ذخر ... مجيب كل مضطر دعاكا
فضاق الصدر مني من بلاء ... لعلي قبل موتي أن أراكا
لتجبر كل منكسري وتبري ... جراحاتي فيا أهلا لذاكا
فلا العافون خاب لهم سؤال ... ولا الراجون شذ لهم نداكا
كذاهم في الدعا أبداً ونرجو ... بان الله يبقيكم لذاكا
والقصيدة هذه منسوجة على عروض قصيدة القاضي الأرجاني (١) التي مطلعها:
عدتك الحادثات إلى عداكا ... فما للناس معنى ما عداكا (٢)
ولا برح المصادق والمعادي ... إذا ما ناب نائبة فداكا
فأنت سننت للناس المعالي ... وإن لم يبلغوا فيها مداكا
إذا نظر الملوك إليك يوما ... رأوك لأمر ملكهم ملاكا
فإن يك ملكهم أمسى سماء ... فرأيك لم يزل فيهم سماكا
خلقت من العلى والمجد حتى ... تضمنت الفضائل بردتاكا
فلو كان العلى والمجد شخصا ... يراه الناظرون لكنت ذاكا
стр. 375
ومنها يقول:
أحن إلى السرى وعلي قيد ... من التعويق يمنعني الحراكا (١)
فحل عقال نضو من رجان ... يسر بي من دياركم ابتراكا
فلا زال الزمان بكل حال ... يطيعك صرفه فيمن عصاكا
رأيتك في يد الإقبال سيفا ... فلو سامتك كف ما انتضاكا (٢)
ولا لقاك من ترجوه يأسا ... فانك لست تؤيس من رجاكا
وهذا نثر صاحب الترجمة مع قصيدة.
لقد رضت فكري لكي آتي بما يليق، بتهنية من هو بالتبجيل حقيق. فإذا الطبع مني قد أنكد، ونار الفكر قد انخمد. لما ألاقي من النوائب، وأقاسي من المصائب. وطالما بقيت في وادي التحير، وبان بين الإخوان مابي من التغير. زعما باني قد نسيت ومن صفحة الخاطر قد محيت. فإذا الفطانة أزعجتني، والدراية أيقظتني (٣) بأن الغيرة المصطفوية، والأخلاق المحمدية، هل تبقيك في محن البلية. أما علمت بأن الإعانة مقتضاها، والأخذ بالأيدي مبتداها ومنتهاها. فتجرأ بأن يغوص في بحر معانيه، ويفوز في ساحة معاليه. فربما يغترف نبذة من لآلئه، ويقتطف قبضة من روضة مدائنه. فإذا القعر فيه عميق لا يدرك غوره، والمكان سحيق لا يقطف نوره. فاقتطفنا من الساحل ما هو اللائق، وأخذنا من الباحة ما هو الرائق. عسى أن يصير باعثا للشفقة والحمية، لدى ذي البهجة السنية، لا زالت
стр. 376
مسبغة بالسعادة الأبدية، وفائزة بالنعم السرمدية. فالمرجو المتوقع، والمأمول والمتضرع. أن ينظر إليه بعين الشفقة والقبول. ويسامح عن قصوراته لدى الوصول. فانه موجب لا زالة الأتراح، وتبديل الكروب بالانشراح.
وفي هذا الباب أي التهاني أحسن ما ورد فيه قول الصاحب بن عباد (١) لما أتت له البشارة في سبط أبي الحسن عباد. فقال الصاحب:
الحمد لله حمداً دائماً أبدا ... إذ صار سبط رسول الله لي ولدا
فقال أبو محمد الخازن (٢) قصيدة أبدع فيها غاية الإبداع على وزن ذلك البيت ورويه وهي:
بشرى لقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلى صعدا
وقد تفرع في أرض الوزارة عن ... روح الرسالة غصن مورق رشدا
لله ما أنت شمس للعلى ولدت ... نجما وغابة عز أطلعت أسدا
وعنصر من رسول الله أوشجه ... كريم عنصر إسماعيل فاتحدا
стр. 377
وبضعة من أمير المؤمنين زكت ... أصلاً وفرعاً وصحت لحمة وسدى (١)
ومثل هذي السعادات القوية لا ... يحوزها غيره دانت له أبدا
يا دهر حقّ بأن تزهو بمولده ... فمثله منذ كان الدهر ما ولدا
تعجبوا من هلال العيد يطلع في ... شعبان أمر عجيب قط ما عهدا
فمن موال موالي الحمد مبتهلا ... ومخلص يستديم الشكر مجتهدا
وكادت الغادة الهيفاء من طرب ... تعطى مبشرها الإرهاف والغيدا
فلا رعى الله نفساً لم تسر بها ... ولا وقاها وغشاها رداء ردى
وذي ضغائن طارت روحه شفقاً ... منه وطاحت شظايا نفسه قددا
علماً بأن الحسام الصاحبي غدا ... مجرداً والشهاب الفاطمي بدا
وأنه سد شعباً كان منصدعا ... به وأمرع شعباً كان محتصدا
وارفع المجد أعيانا وأسعده ... مجد يناسب فيه الوالد الولدا (٢)
стр. 378
فليهنئ الصاحب المولود ولترد ال ... سعود تجلو عليه الفارس النجدا
لم يتخذ ولداً إلا مبالغة ... في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا
وخذ إليك عروساً بنت ليلتها ... من خادم مخلص وداً ومعتقدا
أهديتها عفو طبعي وانتحيت بها ... سحراً وإن كنت لم أنفث لها عقدا (١)
وازنت ما قلته شكراً لربك إذ ... جاء المبشر بيتاً سار واطردا
الحمد لله حمداً دائماً أبدا ... إذ صار سبط رسول الله لي ولدا
ولصاحب الترجمة في مدح شيخ الإسلام:
قد لاق بان يفوق فينا العصر ... يمتاز بأهله ويأتي النصر
إذ حل به الفيض وجل القدر ... انسر به القلب وجال الصدر
لا انفك مطاعا واليه الأمر ... يرتاح به الحال ويصفو الدهر
لا غرو أمامنا إذا تباهى ... ما فات نكاية قفاه الحبر
لا ريب لأهله بأن ينالوا ... عدلا سعة به تأتى الفخر
إذ تتبعك الرجال بانقياد ... مع نيلهم المراد زاد الهجر
تستسقى حبيك بلا ثناء ... سحبا سكبا وقد تلاه القطر
لا ينصدعن من به ولو تتالى ... هل ينفد بالغرام منه البحر
امتد بنا السكون بانهمال ... اثر العمل فقل منا الصبر
стр. 379
تجلى بسناك كل من تجلى ... فضلا أدبا قد اعتراه الستر (١)
قد نال نداك كل من يرجوه ... لا يهدمه المن ويبرى الكسر
توري بغناك كلما توارى ... رفقا كرما قد اقتضاه الذكر
ندعو لك بالخلوص كل آن ... ما دام بقاك ما احتباك القهر
سمعاً ليراعك لكي يشير ... ما اعتاد به ندى عداه القسر (٢)
تجزى نعما به ونعم العقبى ... ممن فلق الصبح وضاء الفجر (٣)
ومع هذا نثر أيضا وهو
بينما العبد مشغول بالأدعية لدوام الدولة العلية، والنصر والظفر للعساكر (٤) الإسلامية إذ وردت الأخبار، وشاع في الأمصار، انتهاء الغزاء من الأبرار. وذلك بعد بذل جهد تام، وسعي في الجهاد لتحصيل المرام. فلا شك انه مع صرف المقدور، لدى المولى مقبول ومبرور. ولا ريب بأن المسلمين بالنصر موعودون، وإنهم على الأعداء غالبون، ولفتح البلاد ميسرون. ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها، والحاجات معقودة بساعاتها. فعزمت على أن أثني بما يصل إليه فكري القاصر، وأمدح بما انتهى إليه الخاطر الفاتر. وإن لم أقدر على البلوغ إلى أدنى ما فيه، بل لا أكاد أصل إلى ما يدانيه، كما قال:
ملك مقسط وأكرم من يمش ... ي ومن دون ما لديه الثناء (٥)
إلا أنه جرأني، وأمدني وجسرني، وألح بي ما أنا عليه،
стр. 380
والعرض إلى ما بين يديه، وإن كان المخالف لما هو المعتاد اليه، وتجاوز عن حدنا فيما عزمنا وملنا إليه، اشتهاره بأكرم الخصائل.
من الحلم والانصاف، واتصافه بأحب الشمائل، من العفو والإسعاف. وانتشار لطفه ومرحمته في جميع الاطراف. لا سيما على الداعين لدوام دولته المتخلفين بالعفاف. فالمرجو المتوقع.
والمسئول والمتضرع، ان يطابق المتوسل للمأمول، ويقرن السؤال والمعروض بالإجابة والقبول. لنشتغل بالدعاء مع خلو البال، بالتخضع والابتهال. لان يصونه المولى من الأهوال في جميع الأمور والأحوال.
وله وقد أرسلها إلى محمود بن غراب البغدادي وهي:
تقارب الحدباء والزوراء ... أورثنا مودة الآباء
وكونها دار السلام وصفا ... آثرها بالخصلة السراء
فهي التي لم يأتها مصاب ... إلا نجا من ازمة ضراء (١)
لا زال من يسكنها في رفق ... منتهج الشريعة الغراء
فليقتد برسمهم سواهم ... إذ وشحوا بصائب الآراء (٢)
والممتطي بمجدهم تراه ... مستحكماً في خذلة الأعداء
طوبى لهم فانهم في صفر ... لا ينغوي بزلة الإغواء
فمجدهم بين الورى مشهور ... مداول الأمثل بالأرجاء
خصالهم مرضية بالطبع ... وفضلهم في الرتبة العلياء
كفى لهم فخراً بأن المجد ... منتسب كنسبة الأنباء
كذلك العافون حيث أغنوا ... عن سؤلهم من شدة الاعياء
стр. 381
لا سيما المحمود في أفعاله ... همته تعلو على الجوزاء
فاحمد الأوصاف في أشكاله ... أفقههم بصيغة الأسماء
وسائر الأخوة كل منهم ... متصف بشهرة الإيفاء
وظاهر اللفظ خفي المعنى ... ترومه الأفهام بالإصغاء
وعالم الأسباب بالتنزيل ... محمد الأكمل بالأنباء
والوالد القدوة للأنام ... أسلكهم طريقة الأحياء
خليلهم تحيا به المعاني ... والنحو فيهم صفوة الفراء
والخضر منهم رايق الخصال ... أنفع من في البقعة الغبراء
كذا الجعيدي نفعه قد شاعا ... مشتهر بقوة الذكاء
والخادم للمرتضى علي ... مندب إزاحة الشحناء
والأخ منهم سعيه مشكور ... تحيا به فيافة القفراء
وخادم الأعظم مقتدانا ... أظهرهم للشكر بالنعماء
والمفتى فيهم قد حوى العلوما ... مجتنب التقليد والرياء
وسادة منهم لنا أصول ... منفذو المنثور بالإمضاء
ومسلك الوالي سلوك عالي ... موثق الأحكام بالإجراء
مشيد النظام أحمد قهرا ... سطوته مالئة الهيجاء
وقائم بأمره حسين ... تجاهه نزاهة الفيحاء
وضابط الدفتر والحساب ... عشرته تغني عن الغذاء
والمقتدي بأبه مشهور ... بنقده للكتب في الإملاء
أولادهم سر أبيهم فيهم ... مغن عن التعداد في الاثناء (١)
стр. 382
وهذا النثر أيضا:
وبعد فإني رضت فكري وهو دقيق، لكي آتي بالشكر ما يليق فإذا هو ببحر الإحسان غريق. لا يقدر على التكلم بأدنى كلام.
فضلا أن يخاطب مثل هؤلاء الأعلام.
أمطر علي سحاب جودك أثرة ... وانظر إلي برحمة لا أغرق
لكن لما تطاول الانغمار، وانتشر التفقد منهم والاستفسار.
صار إلى النجاة والتشبث سبيل. وللنطق مع ما فيه من الضعف دليل. فذكرت بعض ما ينبئ عن قصور البضاعة لعدم كوننا من أهل تلك الصناعة، ورقمت ما حويناه من بعض ما سمعناه، في ذلك النادي، المفيض للأيادي، وبعض ما التقطناه من نثار ذلك الوادي، المغيث للصادي. فالمرجو والمسئول، والمتوقع والمأمول. أن يعد ما سبق من النقصان. ويقترن المجموع بالعفو والغفران. ولتعتقدوا أني منذ حصل الفراق، في أمنية التلاق، لكثرة الاشتياق. لكن الأمور مرهونة لأوقاتها، والمتولد في الساعات يترقب بتقضي آناتها. فأينما كنت افتخاري بتلقيكم إياي بالقبول وحيث ما نلت فإنه من يمنكم فترجيكم لي الحصول.
محبك حيثما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
مع إن الفطانة من كثرة الألطاف العلية، والدراية من تتالي التكريمات السنية كانت بان تتردد وتتوقف عن التراسل، ولو مع التكلف والتعسف الداعي إلى التواصل بناء على إنها صارت مصداقا لما قال المعري:
стр. 383
لو احتصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الحصر
إلا أن الغيرة الهاشمية، والانخراط في سلك الشريعة المحمدية، اهتمت لدفع العار الذي ورد بإسناده إلينا الأخيار. إذ هو شيء لا يقبله الأراذل، فكيف هو بمن قد صرف عمره بخدمة الأفاضل. واعتمدت على أن قبول العذر مقتضى سجاياهم، والإقالة عن العثرات دأبهم وفذلكة لقضاياهم. وتجرأت على الإقدام على البعث للاعتذار، وتشوقت لانتظار السرور التام إلى المباهاة والافتخار.
وقد يقبل العذر الخفي تكرما ... فما بال عذري واقعاً وهو واضح
فأجابه ذلك الفاضل على رويّه (١) فقال:
قدم الكتاب بأوضح الأنباء ... من نحوكم في أفصح الإنشاء
قد عطر الأكوان ريا عرفه ... وشذا الأريج شذاه في الزوراء
لما أتى من نحوكم متيمماً ... متيامنا من أيمن الحدباء
فجلا غمام الغم في إقباله ... كالشمس تجلو حندس الظلماء
يزهو بعين الناظرين نضارة ... كالزهر في ترف وحسن صفاء
النور من نواره متظاهر ... كالبدر لاح بليلة ليلاء
وبه استنار الأفق لما أن بدا ... فأضاء منه الكون باللألاء (٢)
وحوى الفصاحة والبلاغة كلها ... وخلا من الايطاء والإقواء
يروي حديثا فيه يروي ذا صدى ... عنكم ويطفي غلة الأحشاء
رقت وراقت منكم فقراته ... فعلا على النسرين والعواء (٣)
стр. 384
بان البيان بأوضح التبيان في ... معنى معانيه بديع ثناء
من موصل وصل البشير مبشراً ... علماً لما فيه من السجواء (١)
قبلته لما فضضت ختامه ... فوجدته كالدرة العصماء
من ماجد طلق البنان مهذب ... ذلق اللسان سلالة العلماء
العالم النحرير بالتحرير والت ... صديق والتصوير والإنشاء
الآخذ التراك والدراك لل ... معقول والمنقول في الأنباء
علامة نسابة فهامة ... في علمه والنقل والإملاء
حاز الكمال وجاز في أبوابه ... متوشحاً بالعلم والآراء
مردي الردى مفني العدى مجلي الصدا ... بحر الندى ونتيجة الكرماء
ليث الشرى علم السرى بادي القرى ... عالي الذرى في ذورة الفضلاء
مفني الظلوم بعزمة من بأسه ... مقني العلوم موفق الفتواء
ياسين طه حافظ لك حارس ... عن أعين الأعداء والرقباء
قلت المناقب والمراتب والعلى ... إرثا من الأجداد والآباء
فرفعت ما نصب العداة ببغيهم ... وخفضتهم بالجزم في الأعضاء (٢)
لا تلحق الأعداء سبقاً شأوكم ... انتم وهم كالشمس والحرباء
وورثتم الافضال من آبائكم ... والفضل منتقل إلى الأبناء
عجز اللسان بان يحدد فخركم ... إذ فخركم من سيد الشفعاء
وفني الزمان وما أحاط بوصفكم ... أيحيط فان معدم ببقاء
стр. 385
ثم السلام من السلام يخصكم ... بتعاقب الأطراف والآناء
ويخص يونس بالسلام وما حوى ... ذاك الحمى من حاضر أو نائي (١)
وكذلك الإخوان طراً كلهم ... أهدوا إليك تحية بدعاء
فالشيخ أحمد والخليل خليله ... والظاهر المشهور بالأسماء
ومحمد تاج المعارف والتقى ... وأخوه أحمد نائب القراء
ثم الجعيدي ابنه والاعظمي ... والمرتضى والخضر والإملاء
والشيخ عثمان التقي وضبنه ... طه وعبد الله بالإثناء (٢)
والدفتري علي المعروف بال ... معروف والمعدود بالصلحاء
وعلي اغا ذاك المهذب طبعه ... وأخوه محيي الدين بالإحياء
وكذلك إسماعيل ثم عليّنا ... وحسيننا وجماعة العلماء
شاهين مع طه الإمام محبكم ... أهدوا السلام لا فخر الفضلاء
يا كامل الأوصاف يا من مجده ... سام على القمرين والجوزاء
يا عالماً يا عاملا يا فاضلا ... يا فاصلا للحكم بالإمضاء
خذ بنت فكر من محب نحوكم ... جاءت تجوب فدافد البيداء
وسمت جباه الحاسدين وقد سمت ... في جبهة المريخ باستعلاء
ومنحتكم مني سلاماً وافراً ... متواتراً في بكرة وعشاء
بختام مسك فيه ألف تحية ... ممزوجة في عنبر وكباء (٣)
ثم الصلاة على النبي وآله ... مع صحبه والسادة الأمناء
стр. 386
ومع هذا النثر:
يا من سطعت شموس الافق من مطلع سنائه، وبزغت بدور الفطنة من شواكل بهائه، طالما حركني سائق الاشتياق، وهزني شمأل الأشواق، إلى الاستطلاع إلى حقيقة الحقائق، والاطلاع على رموز الدقائق. لعلمي أن تنائي الدار لا تلهي المحب عن المحبوب وتباعد الأجسام ليس له مدخل في اتفاق القلوب. فتارة اسند إلى نفسي العجز والتقصير، وطوراً استدل بتزاحم الآراء من الحذر والتحذير. إلى أن وصل هدهد سليمان الزمان، مصاحباً لمنشور الأمن والأمان. فطار من عش القلب طير الأرواح، وتلقى ما فيه من السرور والأفراح. فلم أزل أترنم بقول الشعراء، وانشده جماعة من البلغاء.
على كل عضو فيّ دارت لحاظه ... كئوس مدام قد ملئن من السحر (١)
ثملت بها وجداً ولم أصح صبوة ... فها أنا بين الصحو حيران والسكر
فلما أن حصل لي نوع من الإفاقة، قصدت الجواب بتسبب الطاقة، فرأيت قد زاحمتني بمدحك الشعراء، وتجردت لأوصافك البلغاء، فعدلت عن النظم (٢) والنثر، وترنمت بيتا من الشعر:
فالدر يزداد حسناً وهو منتظم ... وليس ينقص قدراً غير منتظم
فأنهيك، بارك الله فيك، إن المحب كما تعهده من العهد
стр. 387
الوفاق، خاليا من شواغل الشقاق، لا يفرق بين الصغرى والكبرى من الفراق، ولا يميز التصور من التصديق من شدة الاحتراق، غاية سؤله صحة ذاتكم ونهاية أمله اعتدال أوقاتكم جعلك الله مرفوعا رفع ابتداء، ومنصوبا (١) نصب التمييز على جملة الأعداء.
وخفض من افرد ضميره بالإضافة إليك، وجزم لك بالسعادة من حبي لديك. وأسألك أن لا تخيب ظني فيما أهديته لك في الخلوات. وعرضته بين يديك في أغلب الأوقات. والوصية اللازمة لاخوة المؤمنين، تقوى الله في السراء والضراء مع جماعة من المسلمين. وعليكم سلام الله وبركاته، ولمن حوى مجلسكم تحياته.
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل
ومن لطائف المكاتبات ما كتب ابو اسحاق الصابي (٢)، وهو معتقل في السجن إلى أبي الفرج الملقب بالببغاء (٣) وكان كل
стр. 388
واحد منها يتمنى لقاء صاحبه ويراسله ويئوده فاتفق أن أبا الفرج قدم مرة بغداد، وأبو اسحق معتقل فلم يصبر عنه، وزاره في محبسه (١) ثم انصرف عنه ولم يعاوده، فكتب اليه ابو اسحاق من السجن:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولم تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضى زمن تستام وصلي غاليا ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارة ... شفت كمداً من صاحب لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقا كما يستفرص السارق الفرص (٢)
وأحسبك استوحشت من طول مجلسي ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص
كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص (٣)
стр. 389
فحوشيت يا قس الطيور بلاغة ... إذا أنشد المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص (١)
ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطراد بها فقص (٢)
فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرّع الغصص
فأجابه أبو الفرج مع رسوله بقوله:
أيا ماجداً مذ يمم المجد ما نكص ... وبدر تمام مذ تكامل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلال توارى بالسرار فما خلص (٣)
برأفة تاج الملة الملك الذي ... لسؤدده في خطة المشتري حصص
تقنصت بالألطاف شكري ولم أكن ... علمت بأن الحر باللطف يقتنص (٤)
стр. 390
وصادفت أدنى فرصة فانتهزتها ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
أتتني القوافي الباهرات تحمل ال ... بدائع من مستحسن الجد والرخص
فقابلت زهر الروض منها ولم أرع ... وأحرزت در البحر منها ولم أغص (١)
فان كنت بالببغاء قدما ملقبا ... فكم لقب بالجور لا العدل مخترص
وبعد فما أخشى تقنص جارح ... وقلبك لي وكر ورأيك لي قفص
فانتهت هذه الأبيات والجواب إلى عضد الدولة (٢) فاعجب بها واستظرفها، وكان ذلك أحد أسباب اطلاق أبي إسحاق من اعتقاله ثم اتصلت بينهما المودة والمكاتبة.