← Тараджим

Тараджим · id 13226

الروض النضر في ترجمة أدباء العصر

عصام الدين العمري

Полный текст (1 258 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومع هذا النثر: يا من سطعت شموس الافق من مطلع سنائه، وبزغت بدور الفطنة من شواكل بهائه، طالما حركني سائق الاشتياق، وهزني شمأل الأشواق، إلى الاستطلاع إلى حقيقة الحقائق، والاطلاع على رموز الدقائق. لعلمي أن تنائي الدار لا تلهي المحب عن المحبوب وتباعد الأجسام ليس له مدخل في اتفاق القلوب. فتارة اسند إلى نفسي العجز والتقصير، وطوراً استدل بتزاحم الآراء من الحذر والتحذير. إلى أن وصل هدهد سليمان الزمان، مصاحباً لمنشور الأمن والأمان. فطار من عش القلب طير الأرواح، وتلقى ما فيه من السرور والأفراح. فلم أزل أترنم بقول الشعراء، وانشده جماعة من البلغاء. على كل عضو فيّ دارت لحاظه ... كئوس مدام قد ملئن من السحر (١) ثملت بها وجداً ولم أصح صبوة ... فها أنا بين الصحو حيران والسكر فلما أن حصل لي نوع من الإفاقة، قصدت الجواب بتسبب الطاقة، فرأيت قد زاحمتني بمدحك الشعراء، وتجردت لأوصافك البلغاء، فعدلت عن النظم (٢) والنثر، وترنمت بيتا من الشعر: فالدر يزداد حسناً وهو منتظم ... وليس ينقص قدراً غير منتظم فأنهيك، بارك الله فيك، إن المحب كما تعهده من العهد

стр. 387

الوفاق، خاليا من شواغل الشقاق، لا يفرق بين الصغرى والكبرى من الفراق، ولا يميز التصور من التصديق من شدة الاحتراق، غاية سؤله صحة ذاتكم ونهاية أمله اعتدال أوقاتكم جعلك الله مرفوعا رفع ابتداء، ومنصوبا (١) نصب التمييز على جملة الأعداء. وخفض من افرد ضميره بالإضافة إليك، وجزم لك بالسعادة من حبي لديك. وأسألك أن لا تخيب ظني فيما أهديته لك في الخلوات. وعرضته بين يديك في أغلب الأوقات. والوصية اللازمة لاخوة المؤمنين، تقوى الله في السراء والضراء مع جماعة من المسلمين. وعليكم سلام الله وبركاته، ولمن حوى مجلسكم تحياته. بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل ومن لطائف المكاتبات ما كتب ابو اسحاق الصابي (٢)، وهو معتقل في السجن إلى أبي الفرج الملقب بالببغاء (٣) وكان كل

стр. 388

واحد منها يتمنى لقاء صاحبه ويراسله ويئوده فاتفق أن أبا الفرج قدم مرة بغداد، وأبو اسحق معتقل فلم يصبر عنه، وزاره في محبسه (١) ثم انصرف عنه ولم يعاوده، فكتب اليه ابو اسحاق من السجن: أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولم تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص مضى زمن تستام وصلي غاليا ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص وآنستني في محبسي بزيارة ... شفت كمداً من صاحب لك قد خلص ولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقا كما يستفرص السارق الفرص (٢) وأحسبك استوحشت من طول مجلسي ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص (٣)

стр. 389

فحوشيت يا قس الطيور بلاغة ... إذا أنشد المنظوم أو درس القصص من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص (١) ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطراد بها فقص (٢) فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرّع الغصص فأجابه أبو الفرج مع رسوله بقوله: أيا ماجداً مذ يمم المجد ما نكص ... وبدر تمام مذ تكامل ما نقص ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلال توارى بالسرار فما خلص (٣) برأفة تاج الملة الملك الذي ... لسؤدده في خطة المشتري حصص تقنصت بالألطاف شكري ولم أكن ... علمت بأن الحر باللطف يقتنص (٤)

стр. 390

وصادفت أدنى فرصة فانتهزتها ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص أتتني القوافي الباهرات تحمل ال ... بدائع من مستحسن الجد والرخص فقابلت زهر الروض منها ولم أرع ... وأحرزت در البحر منها ولم أغص (١) فان كنت بالببغاء قدما ملقبا ... فكم لقب بالجور لا العدل مخترص وبعد فما أخشى تقنص جارح ... وقلبك لي وكر ورأيك لي قفص فانتهت هذه الأبيات والجواب إلى عضد الدولة (٢) فاعجب بها واستظرفها، وكان ذلك أحد أسباب اطلاق أبي إسحاق من اعتقاله ثم اتصلت بينهما المودة والمكاتبة.

стр. 391

ونظير هذه المكاتبة ما كتب الشيخ صلاح الدين الصفدي (١) إلى ابن نباتة (٢) معاتبا له ومضمنا من قصيدة امرئ القيس وهي: أفي كل يوم منك عتب يسوءني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وترمي على طول المدى متجنيا ... بسهميك في أعشار قلب مقتل فأمسى بليل طال جنح ظلامه ... علي بأنواع الهموم ليبتلي وأغدو كأن القلب من وقدة الجوى ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل تطير شظاياه بصدر كانما ... بارجائه القصوى انابيش عنصل (٣) وسالت دموعي من همومي ولوعتي ... على النحر حتى بل دمعي محملي إذا عاين الأصحاب مابي من الجوى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل ترفق ولا تجزع على فائت الوفا ... فما عند رسم دارس من معول (٤)

стр. 392

ولي فيك ود باقي (كذا) قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافا من رحيق مفلفل كأن أمانيها كئوس مدامة ... غدا ونمير الماء غير محلل سلوت غوايات الشبيبة والصبا ... وليس فؤادي عن هواها بمنسل وأجلو محيا الود فيك لأهله ... متى ما ترق العين فيك تسهل فكر على جيش الخيانة عائدا ... بمنجرد قيد الاوابد هيكل (١) تجد خفرات الأنس منى كواعبا ... ترائبها مصقولة كالسجنجل (٢) وخل الجفا وارجع إلى معهد الوفا ... وان كنت قد أزمعت صرمي فاجمل (٣) فأجابه الشيخ جمال الدين ابن نباتة متهكما في المطلع بما لا يخفى بقوله: فطمت ولائي ثم أقبلت عاتباً ... أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

стр. 393

بروحي ألفاظ تعرض عتبها ... تعرض أثناء الوشاح المفصل فأحييت وداً كان كالرسم عاتيا ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل (١) تعفي رياح العذر منك رقومها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل (٢) نعم قوضت منك المودة وانقضت ... فيا عجبا من رحلها المتحمل أمولاي لا تسلك من الظلم والجفا ... بباطن خبت ذي قفاف عقنقل (٣) ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... بجيد معم في العشيرة مخول وحاولت من إدناء ودك ما نأى ... فأنزلت منه العصم من كل منزل (٤) بقلب إلى وجدي به سوط سابق ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٥)

стр. 394

فكم خدمة عجلتها وسجية ... تمتعت من لهو بها غير معجل وكم أسطر مني ومنك كأنها ... عذارى دوار في ملاء مذيل وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت ... علي وآلت حلفة لم تحلل ولحية لاح غاضها ضحكا على ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل (١) نزعت سلوي ساحباً عن صبابتي ... على أثرنا أذيال مرط مرحل (٢) وقلت خليل ينشد الود همه ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجل (٣) إلى أن تبدى عذره متمطيا ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل (٤) ولا طفته في حالتيه ولم أقل ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (٥)

стр. 395

ويقرع سمعي من معاريض لفظه ... مداك عروس أو صلابة حنظل وعدنا لود يملأ القلب عوده ... بشحم كهداب الدمقس المفتل أعدت صلاح الدين عهد مودة ... بكل مغار الفتل شدت بيذيل فدونك عتب اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل وعادات حب هن أشهر فيك من ... قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ومن ظريف المكاتبات ما كتب فخر الدين ابن مكانس (١) إلى بدر الدين البشتكي (٢) على طريق المداعبة وكان قد دار دولاب الهمائل (٣):

стр. 396

دورة البدر في سواقي الهمائل ... تركت أدمع العيون هوامل آه من للرياض نور أديب ... مظهر في كلامه سحر بابل فاق سعياً على بني عجل في الجو ... د وأغنى عن الولي الهاطل قد أعار الجناس منه توار ... وأنت تورياته وهو كامل يا سعيداً أثرى من النظم والنث ... ر فأنسى الورى زمان الفاضل قد سقيت الرياض يا شيخ بالد ... ر فها غصنها من السكر مايل لم تجد من نباتة لم تجدها ... فابنها بالثنا عليك يواصل وابن قابوس كان طالع في ... خدمتك اليوم بالأوامر نازل وغدا بالظلال كل أديب ... في هجير الرمضا بفضلك قائل وبروحي عيون نرجس دوح ... تغزل الحسن بالندى وتغازل أنت سقيتها بشعرك زهرا ... وبعثت المياه فيها خلاخل كم غصون أينعتها فعليها ... هاج للطير والمحب بلابل أنت في الحالتين تصريفك الأح ... دب أو كيمياء ذهنك واصل أنت لو لم تكن بحور علوم ... ما جرت في الرياض منك جداول كنت عندي أجل قدراً وقد در ... ت من الثور للوجود الخامل وغدا قس بين لفظك والرو ... ض على الحالتين عندك باقل أنت يا بدر فقت بدر الدياجى ... فلهذا تبدو وذلك آفل يا خليا إنه الشجون فان لم ... تك عيني كدمع عيني سائل فالأديب المحب يشكو هواه ... للأديب المحب عند النوازل أنا مغرى بحب أحور ألمى ... بفتى يزدري بغصن الخمائل من بني الترك قده اللدن واللح ... ظ كلا الفاتنين أصبح ذابل

стр. 397

أعين الزهر والغصون تراها ... شاخصات إذا مشى وموائل لا تقل لي الأعراب تحكيه لحنا ... ما ترى للأعراب هذي العوامل ماسى عجبا وقصده يقتل الخل ... ق دلالا وللدلال دلائل لا تلم في عذاره هتك شيبي ... أنا قد بعت آجلي بالعاجل ولئن كنت عاقلا إن لي من ... صبوتي في الهوى عن العقل عاقل ولعمري أنت الذكي ولكن ... أنت والله عن غرامي غافل هاك حالي شرحته فأغثني ... إن تكن يا أخي لهمي حامل واطرح عتبها فعيش المحبي ... ن مجون والعيش كالظل زائل دمت يا جامع المحاسن والشم ... ل ولا زال غيث فضلك شامل أنت بدر أم أنت شمس فأنا ... قد رأيناك غرة في الأصائل وكفيت الحرام يا أشرف القو ... م ومن جوده ينسي الباخل فأجابه الشيخ بدر الدين البشتكي: هذه وصفة وإلا بلابل ... حركت في القلوب منا بلابل حرت ما بين لفظها والمعاني ... أين زهر الربى وزهر الخمائل أقسم البدر ما لنظم الدراري ... مثل نظم أزرى بسحبان وائل أين فعل المدام أين الأغاني ... أين لحظ المها وصنعة بابل ما لنظم الحباب بين الندامى ... حسن هذا القريض بين الأفاضل (١) طالعات أبياته كنجوم ... تركت في العدى بيوتي نوازل (٢) قل لمن قاسه بشعر سواه ... هل تساوي بالله حقا وباطل

стр. 398

إن هذى لكيمياء معان ... مالها غير حسن رأيك واصل أيها الفاضل الذي لو رآه ... ابن هاني أنساه روح الفاضل ولعمري أنا البعيد وقد كا ... تبتني بالولا وضدي خامل كل من فاق في مقال وفعل ... وهو يفديك من مجد وهازل (١) أشرقت رتبة الوزارة كالشم ... س بهم فاعجبوا لها في الأصايل ولهم بعد ذا وحقك فخر ... ماله في زمانه من مماثل ما جد قد قصرت روحي عليه ... حين نادى علاه هل من مطاول قد طوى حاتماً ربيع نداه ... فجنيت في وصفه وهو قابل (٢) لست أنسى مداعبات تقضت ... بيننا في الرياض فوق الخمائل درت قدما دواون الشعر حتى ... كدت من دورها أرى في سلاسل ثم ناظرت في المياه أبا ثو ... ر لعمري وذاك خير مماثل أنا بدر حللت في برج ثور ... وتنزلت مذ رأيت المنازل فابن قابوس لو أتاه جدالي ... كان يملي من الدموع الجداول أو صريع الدلا لكان ينادي ... من يساجله ماجداً فليساجل (٣) أو يعد نفسه صريع الغواني ... بلحاق نادوه يا غير عاقل (٤)

стр. 399

ونداماي سادة قد تحلى ... دهرنا منهم وقد كان عاطل أنا في ظلهم وفي مدح عليا ... هم على الحالتين أكرم قائل كلما جارت الكؤوس عليهم ... لم يميلوا إلا إلى قد عادل وغرير اللحاظ أسمر ألمى ... فوّق اللحظ ما تعدى المقاتل عامل قده على الميل عني ... صدق القائلون في القد عامل هازئ في اعتداله بغصون ... لا قصيراً جداً ولا متطاول لم أطل نظرة إلى جسمه الغض ... لئلا يلفى بذلك ذابل وإذا ما العيون أثرن فيه ... ليت شعري فكيف حال الغلايل كلما قلت وجهه نسخة الحس ... ن ينادي يا بدر هل من مقابل مبدع في الطباق قد خف خصراً ... وغدا طود ردفه متثاقل كم حملنا فيه الملام وكم با ... ت من الفخر داجي الليل حامل يا وزيراً وعالماً وأديباً ... وخليعا ينسى الخليع وفاضل (١) دمت في ارغد السرور بإخوا ... نك أكرم بهم وظلك شامل وبقيتم بقاء نجم الثريا ... ونجوم الأعدا لديكم أوافل وتكلفت بالمدائح فيكم ... داعيا والالتزام بالحج كامل

стр. 400

يوسف النائب (١) وممن يعد من ذلك البيت يوسف النائب، والشهاب الثاقب. عزيز مصر الكمال الذي تجري من تحته انهار الفضائل. والراقي إلى سرير المعال، الذي لم يكن له في سلطنة المعارف مماثل. تملك خزائن المعالي في الأرض، ونشر ألوية المجد في الطول والعرض. فجاءته سيادة الأدب فأدلت دلوها إليه، وأسرت بضاعة فضلها التي انتشرت لديه، وشروا متاع أدبه بثمن غير معدود، وأكرموا مثوى كماله الذي هو لجميع الأنام مشهود. فمكنه في أرض الأدب علو شأنه، فآتاه الله حكما وعلما جزاء لفضله وإحسانه، عصر من خمرة الأدب ما يخامر العقول، وحصد من سنبل الكمال ما يعجز البلغاء ويعيي الفحول. دخل مدينة الأدب من أبواب متفرقة، فكانت أنواع المعارف إليه نازلة ولديه متطرقة.

стр. 401

جهز أرباب الفضل بجهازهم، وعرف أصحاب المكارم بحقيقتهم ومجازهم. فما بقي حاجة من الفضل في نفسه إلا وقضاها، ولا صحيفة من الأدب إلا وختمها وأمضاها. فآوى إليه أخاه الكمال، وأخذ عليه موثقا أن لا يتجاوزه معال. فخرت إليه أرباب الأدب سجدا، واتخذوا فناء داره معبدا، وحلبة مجده مسجدا. فهو الفريد العصر، والمد الذي ماله جزر. طويل الباع، البديع اليراع. قضى عمره بالتدريس والنيابة، ولم يبق من الكمال شيء حتى أحرزه وأصابه. تفرد في كل باب، وأخذته المنية ولم تهاب، وان في ذلك لعبرة لأولي الألباب. انطوت صكوك علمه في سجل عمره كانطواء الكتاب، فكان محصوله من متاع الدنيا ما يحسبه الظمآن ماء فإذا هو سراب. ليبك عليه خطه وبنانه ... فذا مات واشيه وذا مات ساحره

стр. 402

حسن النائب (١) نجله النائب حسن: ناب مناب والده، وورث جميع مكارمه ومحامده. ارتفع بالعلم أمره، وعلا بالكمال قدره. فهو البدر اللائح، والعطر الفايح. منار الأنوار، ومدار الفخار. الذي اقتبست أنواره، وأشرقت للأنام آثاره، حتى غدا في الآداب كالبحر، وللعقود واللآلي كالنحر. أقعد في الفضل واقام، واشتهر في الكمال بين الأنام. غاص في بحر الفكر، واستخرج ما شاء من الدرر. وورث ذلك الفضل السابق، فكان هذا المعنى لذلك اللفظ مطابق. دخل مدينة الفقه من كل باب، وشحن بقياسات الأذهان والألباب. رحب الذراع طويل الباع متضح ... كأن غرته نار على علم

стр. 403

طلع في سماء الفضل نجما، واشتهر في معالم المعارف اسما. وهب للفضائل كريح صرصر، وعبق بما هو أضوع من المسك والعنبر. فهو النقاد، الذي لا يعتريه في تحصيل النوادر سهاد. وهو الهلال الذي تزهو أقماره، ولا تسعه أضواؤه وأنواره. أتحفني من سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وأجاد فأروى. حيث قرأت عليه، واستفدت بعض مالديه. فتجارته في الأدب لا تبور، وهو الحسنة الباقية في جبهة الأيام والشهور. كأنه الشمس في البرج المنيف به ... على البرية لا نار على علم

стр. 404

محمد امين الطبيب محمد أمين بن إبراهيم بن يونس بن ياسين المذكور (١) سراج ذلك الربع وبدرها المستغني عن القنديل والشمع، والنازل بها منزلة البصر والسمع. نادرة ذلك البيت الذي باهت به رجالها، واتممت بادبه أدبها وكمالها. فهو بحر فلكهم، وعقود سلكهم.

стр. 405

بل وقاعدة تلك المعاقل، وقمر هاتيك المنازل، وآية نهارها وأشعة أقمارها، وديمة فضائلها، ونمو أعضائها، ونجم أفقها، وضوء فرقها، الذي هو لطلعتها غرة، ولعيونها قرة. ولزهرها نماء، ولدارها فناء، ولشهبها سماء. ولوهادها علم، ولإملائها قلم. ذو الحرم الأمن، والأدب الكامن. والأمن والأماني، والبشر والتهاني. رئيس الأدباء، علامة الأطباء. بقراط الأدب، وردة ذلك البيت والنسب. الذي خاطبه الزمان، بأفصح لسان. بقوله: أو لست رسطا ليس إن ... ذكر الفلاسفة الأكابر وكذلك ان ذكر الخليل ... فأنت نحوي وشاعر من هرمس من سيبويه ... من ابن فورك إذ تناظر (١) أليف الصبا وعصر الشباب، والواحد الذي لم يعتره ارتياب. تقضت لنا معه أيام، أربت بلذاتها على الخمور والمدام. كلها أعياد ومواسم قرب واتحاد. لو ذكرت لكانت بردا محبرا. وعبقت لكانت مسكا وعنبرا. وهي كما قال الوزير الصاحب (٢)

стр. 406

أبو القاسم، في مثل هذا اليوم الذي هو للأعياد مواسم. ويوم ظللنا والمنى تحت ظله ... تدار علينا بالسعادة أفلاك بروض سقته الجاشرية مزنة ... لها صارم من لامع البرق بتاك (١) توسد بالصهباء اضغاث آسه ... كانا على خضر الأرائك أملاك وقد نظمتنا للرضى راحة الهوى ... فنحن اللآلي والمودات أسلاك تطاعننا فيه ثدي نواهد ... نهدن لحربي والسنور أنباك (٢) وتجلى لنا فيه وجوه نواعم ... يخلن بدوراً والغدائر أحلاك مضت أيامنا على هذا الحال ... من غير ريب واختلال. تهزا (٣) بالربيع وأنواره، والرياض وأزهاره. ونحن الآن، على ما كنت وكان وكيف لا وهو الأديب الذي ليس فيه شك، والمتودد الذي لم يطر على خلوصه فك. له في الطب والأدب أبواب، لم يكن لغيره إلى تلك الدور دخول ولا إلى تلك المعالم انسياب. له من النظم ما هو كالعقود والجوهر، ومن النثر ما هو في المذاق كالسكر المكرر. قد أثبت منه ما يستحلى، وإلى أهل الأدب من عطارد يستملى. فمن هطل ذلك السحاب، قوله لما سمع بجمع هذا الكتاب وهو: لله روض نضير جل عن شبه ... قد حاز منتخب الآداب والكتب مستظرف لجميع الفضل مشتمل ... على غريب بديع النظم والأدب قد ضم أبكار أشعار محاسنها ... قد أخجلت قاصرات الطرف من عرب

стр. 407

وقد حوى كل فن في القريض كذا ... جمع العلوم وأنواعاً من النسب وأبكم الفصحاء اللسن في حكم ... مخدرات عن الأفهام في حجب لا تنكروا فضله إذ جاء تاليهم ... «فإن في الخمر معنى ليس في العنب» كذا مصنفه الفرد الجواد بدا ... لقمع داء الدواهي الدهم منتدب (١) الوارث المجد عن آبائه الفضلا ... فليس إن فاق أهل العصر بالعجب إن جاد فالبحر لا يوفي بنائله ... وإن سطا أهلك الأعداء بالعطب إن أمه طالب أكفاه حاجته ... بالثوب والزاد ثم الشمع والحطب ما جاءه قاصد يشكو ملمته ... إلا أزال العنا عن ذلك الكئب وإن تمردت الأعداء قال لنا ... «السيف أصدق أنباء من الكتب» لا عيب فيه سوى جود براحته ... قد فاق بالحلم أهل الفضل والحسب شريف ذات زكي الأصل ذو همم ... بهي خلق جميل الخلق والنسب

стр. 408

ذو همة قد بدت فوق السماك علت ... قد أذهبت زلل الاكدار والكرب سمي عثمان ذي النورين كنيته ... أبا شفيقة ثبت الجأش في النصب (١) يكفيك فضلا أبا نعمان يا ثقتي ... أن قد تفردت بالآداب والأرب وفقت كل الورى طراً بمعرفة ... وحكمة وسخا يغني عن السحب رقيت للمجد من درج إلى درج ... حتى رقيت السها بالعز والرتب لا زلت في رفعة تسمو على شرف ... ما غرد الأيك والورقاء من طرب وله مخمساً: عذراء في مهد الدلال رباها ... تلفت حشاشة مهجتي بهواها لا بد لي من وصلها وقراها ... قسماً بشمس جبينها وضحاها وبليل طرتها إذا يغشاها ... منعوتة في خدها ذاك البهي موصوفة في ريقها العذب الشهي ... لا انتهي عن حبها لا أنتهي إن النفوس لغيرها لا تشتهي ... أبداً ولا تهوى القلوب سواها يئس المحب من الملال بقربها ... ثم استجار بمن يجير بعربها لما رأوه عائذاً من عجبها ... قالت محاسنها لوجه محبها لنولينك قبلة ترضاها

стр. 409

مصطفى الغلامي (١) بيت الغلامي رئيس ذلك البيت مصطفى المفتي رجل تطعمه الزمان فجاءه ... طرفين في الإحلاء والإمرار رفيع المجد، وري الزند، ماضي الحد، سني المجد، عالي المقام بعيد المرام، واضح الرسم، غريب النظم. ثابت الأصول، فائق الفصول، طيب النشر، بديع النثر. فسيح الرحاب، شامخ

стр. 410

الهضاب. الطالع من كل ثنية، والواصل بكل أمنية. ذو الفضل الوارف، والكمال والمعارف. عماد الإفتاء، التي باهت به الجوزاء. سباق الغايات، الناصب للكمالات رايات. فكم قد أبرى للفضائل أعواد، وأورى للمكارم زناد. فهو الأديب المعظم، والأريب المقدم. المتميز بين اترابه، والمتفوق على أقرانه وأريابه. وهو المنيع الذرى، البعيد عن أن يلاحظ أو يرى. قضى عمره في تعاطي أنواع التدريس، وأفتى على مذهب الإمام ابن إدريس. فركب في ذلك صعاب المسائل فذللها، ورقى هام الثريا فانتعلها. فحاز أنواع المحامد والمجد، والآداب الراقية التي لا تحد. فلم يحتمل قال وقيل، ولم يأت له الدهر بمثيل. بآرائه البيض ارتقى درج العلى ... وحل ذرى العليا براياته الخضر كانت صحبته مع الوالد والعم اكيدة، والمحبة بينهم في الغاية سديدة. فكنت أراه وهو في مجلس الوالد، قد جمع لأنواع المحاسن والمحامد. وأنا إذ ذاك صغير، أتطلع لاستنشاق ذاك الرند والعبير. وهو في صدر المجلس قد نصب للفضل لواء، وألقى على أقمار المجلس بهجة وضياء. وقد أثبت للأدب إجلالا، وشيد للمكارم معارف وأفضالا. ينطق ببيان، وينظم لجواهر الألفاظ معان. والوالد ينسر بسبقه، ولا ينكر لمقدم حقه، ويحبه الحب الشديد، الذي ما عليه من مزيد.

стр. 411

وقد اتفق له مع العم عبد الباقي (١) رسائل أدب، تهزأ بالشهد والضرب. فهي الشموس، التي ترتاح بسماعها الأرواح والنفوس. بل هي سمر الأحباب، التي لم يرد مثلها في هذا الباب. قد نظم درا، وحلى نحرا تخال أزاهير الرياض خلالها ... مصابيح ليل ما لهن فتائل فمن أقحوان ثغره متبسم ... وورد على أكنافه الطل حائل فمما أرسله إلى العم قوله: أفديه إذ بالقد والأطراف ... ألقى الرماح وسطوة الأسياف ريم اللواحظ بالجمال موشح ... طاوي الحشاء مرخم الأعطاف سهران لا عن ترك نوم جفونه ... سكران لا من حسو كأس سلاف من فوق طرته الشعور كأنها ... قرص الغزالة تحت جنح غداف (٢) إن جاء يا للاعتدال بقده ... أوسار يا للموت بالأرداف ظبي من الأعراب إن ناسبته ... يعزى بإسناد لعبد مناف بدر إذا ما رمت تنظر وجهه ... يغشيك نور جماله الشفاف حاوي الدلال جميعه فوصاله ... حسد يضيع وقلة الإنصاف تصغي السماع لقوله فكأنه ... يتلو لها ضربا من الأوصاف أوصاف عبد الباقي الحبر الذي ... أنجى المجير واقرأ الأضياف (٣) الجاعل العلياء ثوبي لبسه ... ما دام ثوب ندى وثوب عفاف الساعي في كسب الثناء فشأنه ... مغني الالوف وموهب الآلاف

стр. 412

ما أقشعت ديم الندى في أرضنا ... إلا كفاها بسيله الوكاف (١) يجد المقل إذا ألم بربعه ... فكأن أرسل للأنام مكافي شرفت بك الحدباء يا عمري كما ... شرف الثرى بأصولك الأشراف دم باقيا وأمشي على جيد العدى ... تفنى الزمان وتحصى الأحقاف (٢) وله ﵀ فيه: ولقد لممت بربع باق ضالعا ... فأزال عن هام الهموم صعاصعا (٣) وبه لقيت الاستقامة بعد ما ... ولدتني أيام احتياجي اكتعا (٤) وأباحني ثدي النوال وطالما ... غذى المقل به وأرضى طامعا يا باقياً جعل العطاء بما له ... دينا ندى عبد وسهما شايعا ما للغمام وراحتيك تماثلا ... إذ عد وابلها أنالت أصوعا فيه رائحة من قول رشيد الدين الوطواط (٥): ما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء وفي البيت من أنواع البديع التفريق، وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع في المدح أو غيره كقول بعضهم فيه:

стр. 413

حسبت جماله بدراً منيراً ... وأين البدر من ذاك الجمال وقول الآخر: قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف هذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف وقد تلاعب الشعراء في معني أبيات الوطواط. فللوأواء الدمشقي (١): من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف بالحكم بين شكلين أنت إذا جدت ضاحكا أبداً ... وهو إذا جاد دامع العين ولبعضهم فيه: من قاس جدواك يوما ... بالحسب أخطأ مدحك السحب تعطي وتبكي ... وأنت تعطي وتضحك ولأبي الفتح البستي (٢): يا سيد الأمراء يا من جوده ... أوفى على الغيث المطير إذا همى الغيث يعطي بالحيا متجهما ... ونراك تعطي ناظرا متبسما

стр. 414

وقول الأديب يعقوب النيسابوري (١) في أبي الفضل الميكالي (٢) رأيت عبيد الله يضحك معطيا ... ويبكي أخوه الغيث عند عطائه وكم بين ضحاك يجود بماله ... وآخر بكاء يجود بمائه وما أبدع قول البديع الهمداني (٣) مع زيادة في المعنى ومبالغة في الغلو. وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا وقول ابن بابك (٤) يمدح نظام الملك: يقولون أن المزن يحكيك صوبه ... محاكمة فيها شهدت وغابا وكم عزمة عم البرية بؤسها ... فهل ناب عنها عن يديك منابا همت صيبا فيها يداك عليهم ... وضلت يداه ان ترش ذهابا

стр. 415

وقول ابن اللبانة (١) في المعتمد بن عباد (٢): سألت أخاه البدر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه البارد العذب لنا ديمتا ماء ومال وديمتي ... تماسك أحيانا وديمته سكب إذا أنشأت تبرية فله الندى ... وإن أنشأت بحرية فله العجب ومن تتمة القصيدة المترجمة: أم أين للعضب اليماني نسبة ... ويكون عزمك في المواقع أقطعا سالت أناملك النوال فكاد من ... فرط التدفق دهرنا أن يكرعا آلت يمينك لم تزل عن بذلها ... حتى ترى المعتر فيها قانعا أغدقت يا غيم الجوائز منة ... وأبيت عن أرض الرجا أن تقشعا أتعبت نفسك في اكتساب ثنائنا ... فلنصنعن الحمد ذاك مصانعا مالي ولا أثني عليك وأنت لي ... عضب به ألقى الحمام الناقعا أبقيت ربح مديحتي أو كيف لم ... تربح وقد زرعت شباط أبدعا دم باقيا في الدهر صدراً ماجدا ... نلقاك ما دمت الأعز النافعا فأرسل إليه العم عبد الباقي هذه الأبيات: يا خبيراً بكل معنى بليغ ... وبصيراً بكل نظم ونثر فلقد ضاع شعركم وطفقنا ... نسأل الركب هل سمعتم بشعر

стр. 416

فأرسلوا نظمكم لكي نتداوى ... به حقاً فلا برحت كبدر لا تقل إنه عليم بهذا ... لست اعرفه لا ولا به أدري إنما نحن بالقريض كواو ... «ألحقت بالهجاء ظلماً بعمرو» (١) وأنا باقي على العهد دوما ... بصفاء الوداد ما دام دهري فأجابه المذكور بقوله: يا كبيراً على الكبار مجيداً ... يا أميراً لكل عبد وحر إن ترم قول أبكم مستحيل ... هل زمين على الحدادة تجري (٢) شرف العبد في الخطاب بادعو ... وبياء النداء قد زيد قدري أنت للشعر فاء أما فأما ... هل تلقى بغيرها يا لعمري إن تكن باقيا على العهد دوما ... فأنا مصطفى لمدحك عمري فراجعه العم بقوله: شرف المشرف الكريم فخلنا ... لؤلؤاً في العقود أو سلك در يا له من نظام سمط بديع ... فاق سحبان والعلاء المعري (٣) لو رأى سحر لفظه المتنبي ... آل ما دام لا يفوه بشعر (٤) خمر العقل في معانيه حتى ... ظن أني شربت كاسات خمر فغدا الفكر قائلا فيه تيها ... ولعمري أظن هذا بسحر دم بعز وبهجة وسرور ... ما شدا الأيك أو تغرد قمري

стр. 417

وأرسل إليه العم هذه الأبيات: أيا من له في كل فن نتايج ... وأضغرها أعيت لمن هو صادح ومن عجزت عنه المذاود أن ترى ... فخاراً وكادت أن تنوء المدايح (١) ومن ليس في ذا العصر ضد مضادد ... لبعض الذي يأتيه والجد فاتح ومن قد غدت منذ استطابت باسمه ... تفيد سعوداً في البوادي البوارح إليك أتت تقرى المسائل في العلى ... وحثت باجواز الفلاة المنائح (٢) فلو علم العافون أن مقامكم ... بديع لما كان البيان يجانح فإن أطنبت في مدحه لم تكن تفي ... بمعشار ما فيه العلوم الصوادح لقد أسمع الصادي الفؤاد أو ان ما ... تفارق منكم سائل المحن قادح وقد كان في تجهيز ما هو قائل ... بإرساله في الأمس والعلم فايح فأوحيت ما فيه ولكن ظننته ... خلافا فارسالى إليكم تسامح

стр. 418

وذلك بيتان وظني فيهما ... سؤال لأرباب الجهالة فاضح لنا ابل ما روعتها الصفائح ... ولا نفرتها بالصياح الصوائح إذا سمعت أضيافنا من رعاتها ... أتين سراعا يتبدرن الذبائح فما الوجه في رفع الذبائح فيهما ... ووجه وجوب النصب فيهن لائح (١) فأرسل جواباً عن سؤالي وأن يكن ... وضيح لديكم لا يليه الجوامح وما قلته من بعد هذا فإنني ... لمرسله ما دام صفو وصالح وكن مرسلا لي ما يكون جوابه ... شديداً فاني باقي الود كادح فأجاب صاحب الترجمة بقوله: أزال ستار الصمت بالنطق فابتدت ... فوائد بحر لم تنلها السوابح وأسجع من فرط البلاغة منطقا ... فحزت شحارير الكلام الصوادح وأبدع تصوير المعاني فصاحة ... فزالت بها حسنا عقول رواجح

стр. 419

وكاد سنا برق النظام لحسنه ... يضيء مداداً مذ حوته الصفائح فشق سماع القوم ثوب صماخه ... إليها وتاهت في تلاها الجوارح واعتبقت منها النفوس لطافة ... وفاحت الى التنشيق منها نفائح ألا وهو الخلم الحسيب ومن به ... لكل مغاث قد تجلت طوائح (١) فشرفنا منه السؤال وقد درى ... بنا وبما جادته منا القرايح فدم باقياً لا زلت في العهد إنني ... مصيطف ود للأحبة مادح فراجعه العم بقوله أيضا: ألا يا بديع الفضل في كل ما نحت ... إلى نحوه أهل البيان من الغض ومن هو في هذا الزمان بفعله ... لفاعل نصب المنتمين من القرض لأنت وحق الله بين أولى النهي ... لبرهان حق لا يدنس بالنقض (٢)

стр. 420

وكاشف عن حجب الدقائق بالحجا ... ومغلق أبواب النقائص والخفض لك الله من صدر كأن ذكاءه ... سناء ذكا أو جذوة في لظى الرمض (١) كأن إذا ما أجرضته عنودة ... من الوحي أمضاها بصارمة المحض كأن له ما بين ضحضاح علمه ... لغمر إذا ما جف حول بالنض كأن إذا ما شاء تقرير لفظه ... تكاد له صم الصياخد أن تغضي كأن إذا ما كان ينظم غائصا ... إلى اليم يستملي اللآلي ويسترضي كأن الصحاح الجوهري في لغاته ... وقاموس بحر في الخضم من البرض (٢) كأن قوافي الشعر تحت لسانه ... جواد فيلويه لما شاء بالركض كأن يرى في فكره إن أجاله ... سنا البرق أو أسنى سناء من الرمض كأن مقالي هو وقس كباقل ... لديه ولكن غيره فيه ذو رحض (٣)

стр. 421

كأن نظامي هل من نحو شرقه ... ونور قريض المستهل من البعض كأن حديثي حيث ما كان مرسلا ... لديه ضعيف ليس من سنة الفرض فيا من له دانت مسائل علمنا ... وكان لنا فيها سهاد من الغمض إليك نحا سؤلي وأنت مميزاً ... بآية كبرى أعجزت كل ذي نبض (١) وما هي إلا استطعما أهلها فقد ... ترى استطعماهم مثل ذلك مستقضي فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير فاحكه أيها المرضي وما الوجه في هذا العدول ابنة لي ... فانك في ذا العصر أوحده المحض فلا زلت طوداً شامخاً في ذرى العلى ... مقيماً وباق بالسمو وبالارض (٢)

стр. 422

الشيخ علي مفتي الشافعية (١) المفتي الشيخ علي، صاحب الأدب الواضح الجلي هذا الهمام، شبل ذلك الضرغام، ملاذ أهل القريض الفائق بآثاره، ومطلع شمس الكمال الرائق باقماره، ذو الأدب الوافر العامر، والحسب الزاهر الفاخر، والرجا والأرب والأمل، والظبا والقنا والأسل. والفضل والسعد، والحل والعقد. أديب واحد قمر منير ... ونهر في المعالي له خرير فريد مفرد بحر عظيم ... أديب بارع غيث مطير فهو الواحد الرحب الساحة، الحاوي لأنواع المكارم والسماحة. ذو اللسان العذب الطلق، والبيان الزاهر اليقق. والكمال الشائع السائر، والنوال الرائع الباتر. مقدم الاعيان، الثابت القلب والجنان. ملاذ القاصدين، معاذ الوافدين. الطلق الوجه والصباح، والحامل المجد والسماح. والسني السناء والمناقب، والرحيب الفنا

стр. 423

والمواهب. الذي ابرق وأرعد، وأسهر وأرقد. وقرب وأبعد، وأقام وأقعد. فانه الواحد المصفى ... من جوهر الفضل والمعالي فريد علم ومجد ... كالبدر في ظلمة الليالي (١) فها هو الشمس حقاً ... قد ساد في الفضل والكمال فانه الطود الشاهق، والومض البارق، واللمع الشارق. والمجد الواضح والعطر الفايح، والكمال اللائح. الذي اتخذه الأدب منارا، وجعله الكمال بهجة ووقارا. وصيره للمحامد مراحا، وللفضائل إزاراً ووشاحا. قد أحرز لأنواع المعال، واكتسب أصناف الكمال، فيراعه دوحة المعارف، وبنانه قمري ساحة

стр. 424

اللطف واللطائف. لم يحتج إلى البيان، فقد سارت بحديثه الركبان. من كان كالبدر يزهو حسن بهجته ... فليس يلحقه نقص ولا خلل فمعارفه كالأهلة تتوقد، وفواضله على مرور الأيام تزهو وتتجدد. له نظم أرق من الخيال، وآنق من مواصلة ذوات الحجال. قد اثبت من نظمه ما هو كالرحيق الرائق، وذكرت من شعره ما هو الأنيق الفائق. فمن منظوماته، وعذب أبياته، قوله مضمنا لبعض من أبيات الحماسة في مدح محمد أمين (١) باشا. وهي: تقول فتاة الحي وهي تلومني ... أمالك عن دار الهوان رحيل فان عناء المستنيم إلى الأذى ... بحيث يذل الأكرمين طويل فثب وثبة فيها المنايا أو المنى ... فكل محب للحياة ذليل فان لم تطقها فاعتصم بابن حرة ... لهمته فوق السماك مقيل يعين على الجلى ويستمطر الندى ... على ساعة فيها النوال قليل فقلت ومن ذا فأرشديني فإنني ... إلى مثله بادي الركاب عجول فقالت أمين غصن جرثومة الندى ... ألوف العطا للمكرمات فعول (٢) تدرع ثوب المجد والحزم يافعا ... فحطت شباب دونه وكهول له الهمة القعساء والرتبة التي ... تعز على من رامها وتطول (٣) بدا في سما العليا بالعز شارقا ... جري السنا لا يعتريه أفول

стр. 425

فليس يشد الرحل إلا لربعه ... فحسبك ربع للعفاة ظليل (١) ففي بابه تحوى المراد وغيره ... يرد إليك الطرف وهو كليل والأبيات المذكورة المضمنة من الحماسة للسموأل بن عاديا (٢) وهي: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل تعيرنا أنا قليل عديدنا، ... فقلت لها إن الكرام قليل وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول (٣) وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل (٤) هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعز على من رامه ويطول وأنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليس على غير الظباة تسيل (٥) صفونا ولم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملها وفحول (٦)
следующие страницы →