بغير المواضي خفة ما تغامرت ... ولم تعبأ الهيفاء إلا العواليا
روى رقة عن خصرها بعض عذلي ... وعن قدها لينا فشدد مابيا
ولما التقينا بالعذيب وبارق ... وأسكر راح الثغر من كان صاحيا
رأتني كأيام ائتلافي متيما ... وأبصرته تهوى تلافي كماهيا
وقلت لذات الخال لم نخل ساعة ... فقالت تأهب قد أبحتك خاليا
كمنت لها بين الورود فأكمنت ... من الشعر لي بين النهود الافاعيا
ولم يحل لي إلا مرارة هجرها ... دلالا وذا حال لمن ذاق حاليا
تسعر قلبي إذ تسعر وصلها ... على ضعف حالي كم أساوم غاليا
أقيم لقولي في سلوى دلائلا ... وطول المدى دأبي أناسي اناسيا
كلانا بتذكار المحبة والع ... وما الفت منا الطباع التناسيا
ففي الدهر اما أن ألائم لائما ... واما أوري أو أقاسي القواسيا
سقتنا الرزايا حنظلا من دنانها ... فما للنوى ما زال ساق وماليا
وما استخلفت ودي سوى محنة النوى ... وفوق عليها بالخلوص التنائيا
وعهدي بقلبي لا يمر به العنا ... فأغوتهما الأيام حتى تواخيا
هجرت سويدا قلب قومي ولم يلج ... سويدا فؤادي المستهام وحاليا
وأن أعدمتني بالبصيرة ثروتي ... ومالي فما قد أعدمتني لسانيا
ولو لم أزل عني الأذى بتجاهلي ... لما كنت فيهم لا علي ولا ليا
وهبني كروض أيبس الظما زهره ... واهصر غصنا كان بالزهر زاهيا
ألا بلغا بالله مجدي وسؤددي ... وكيف الليالي بلغتني الامانيا
فلله دري إذ نجوت بمهجتي ... ولا آسف إن أتلف الدهر ماليا
اذا ما سطا عسر علي التقيته ... وجهزت في مدح الوزير القوافيا
стр. 667
وزير به الدين المبين محصن ... وكان لنا بعد النبيين هاديا
سراج منير ان دجى ليل أزمة ... يبشر ذا تقوى وينذر عاصيا
ولا ريب أن الله أرسل للندى ... حسينا رسولا فهو لا زال هاديا
إذا قابلته الشمس أبصرت نوره ... بها رائحا طبق المسير وغاديا
وقد كان مشهورا تلوح بروقه ... ومن يومه سيفا يبيد الاعاديا
وسيان فعل السيف والرسل بالعدى ... يجهز جيشا أو يراسل باغيا
وما ازداد مجدا بالوزارة حادثا ... واكسبها فخرا أعز المواليا
فما كل من نال الوزارة ضيغم ... وقد قل من أضحى وليا وواليا
نعم آل عثمان أسود وكلهم ... كأشبال من يحمي الأسود الضواريا
أبا المجد ذا العفو الذي كان نعمة ... وأن التلاقي فوق ما كنت راجيا
وهبت المعالي فاستمرت سجية ... ولم ترم العافون إلا المعاليا
وما خاب منك السائلون ولم يكن ... تخيب عبدا أم عفوك عافيا
غضبت فما يهوى الشفيقان رؤيتي ... رضيت فكان الدهر خلا موايتا
стр. 668
غضبت فأبصرت السموأل خائنا ... رضيت فوافيت ابن سلكة وافيا (١)
غضبت فأرضيت الخزائن طالما ... رضيت فأضحى من يدي المال ساعيا
سطت خيل أشعاري عليه مغيرة ... وظافرها جود يفوق الغواليا
فلم أر لا والله حلفة صادق ... ولم ير غيري في الملا لك ثانيا
فما كنت إلا ضيغما وابن ضيغم ... وأصبحت في غمد الوزارة ماضيا
ولم تبق للغر الكرام مآثرا ... كذلك لم تبق الشموس الدراريا
ولما رأتك الروم ليث كريهة ... وآلك في الحرب الجبال الرواسيا
دعتك كما يدعي الطبيب لعلة ... ويستخلص القرم الحسام اليمانيا
عقلت بعيري مخلصا متوكلا ... لعلي ألاقي منك ما كنت لاقيا
ومن الاعتذارات والاستعطاف الذي يأخذ بمجامع القلوب، ويكاد له صم الصخر يذوب، ما كتبه أبو محمد الخازن (٢)
стр. 669
إلى الصاحب بن عباد (١) وكان قد غضب عليه:
أيا من عفوه داني السحاب ... صدوق البرق ثقاب الشهاب
مديد الظل معقود الاواخي ... على الجانين مضروب القباب (٢)
فكيف حجبت عنك وأنت شمس ... تجل عن التستر بالحجاب
أيرتج باب عفوك دون ذنبي ... وعفوك لم يشن برتاج باب
وأعراض الوزير أشد بأسا ... على الأحرار من ضرب الرقاب (٣)
ثنى عزمي وذل شبا شبابي ... وصب علي أسواط العذاب (٤)
ولم تبق الليالي في بقيا ... لعتب منك فضلا عن عقابي
فهب لزيارتي خطئي وعمدي ... لقصدي واغتراري لاغترابي
فما في الأرض إلا من يراني ... بعين المختوي الضرم الضباب (٥)
كأني قد أردت بهم ذيابا ... أو استنفرت منهم أسد غاب
حصلت وكنت ضيفك في الثريا ... وصرت ولست ضيفك في التراب
أعدني للقرى واجعل جوابي ... وإيجابي جفانا كالجواب
وجد برضاك فهو العيش غضا ... وكلا فهو ريعان الشباب
стр. 670
ولو رعت الحسام العضب سخطا ... لذاب ذبابه بين القراب
أعيذك أن تصيخ إلى عدوي ... وسمعك عن هنات القول نابي
علي أني أتوب إليك مما ... كرهت فرق لي واقبل متابي
وإن لم تعف عن ذنبي سريعا ... فها أني وحق أبي لما بي
سألثم من ثراك الروض غضا ... ومن يمناك منهل السحاب
أصبت بخاطري فأتى بشعر ... عليل مسه ألم المصاب
ومالي غير مدح أو ثناء ... مشيد أو دعاء مستجاب
وله من قصيدة أخرى قال الثعالبي (١) في اليتيمة هي عندي أحسن من اعتذارات النابغة (٢) إلى النعمان بن المنذر (٣) وإبراهيم ابن المهدي (٤) إلى المأمون (٥) وابن الجهم (٦) إلى المتوكل (٧) وهي:
لنار الهم في قلبي لهيب ... فعفوا أيها الملك المهيب
فقد جاز العقاب عقاب ذنبي ... وضج الشعر واستعدى النسيب
وفاضت عبرة مهج القوافي ... وغصصها التذلل والنحيب (٨)
стр. 671
وقد قصمت عراها واعتراها ... بسخطك بعد نصرتها شحوب (١)
وقالت ما لعفوك ليس يندى ... لنا وسماء مجدك لا تصوب
ومن يك شوط همته بعيدا ... فمثنى عطفه سهل قريب
تجاوزت العقوبة منتهاها ... فهب ذنبي لعفوك يا وهوب
وأحسن إنني أحسنت ظني ... وارجو أن ظني لا خيب
أترضى أن أكون لقى مقيما ... على خسف أذوب ولا أثوب (٢)
أبيت ومقلتي أبق كراها ... وفي ألحاظها صاب صبيب (٣)
وقيذا لا يلائمني طعامي ... ولا ينساغ لي الماء الشروب (٤)
صببت علي سوطا من عذاب ... يذل لبأسه الدهر الغلوب (٥)
فأرهقني نكيرك لي صعودا ... من الأشجان ليس له صبوب
وما عوني على بلواي إلا ... رجائي فيك والدمع السكوب
فان تعطف على رجل غريب ... فإني ذلك الرجل الغريب
عليك أنيخ آمالي فرحب ... بها، وإليك من ذنبي أتوب
وأخطو ما يريب إذا دهتني ... غوامضه إلى ما لا يريب
فأي طروبة للعفو أن ال ... كريم وأنت معناه طروب (٦)
فإني نشء دارك والمغذى ... بسيبك والصنيعة والربيب (٧)
وأبت إليك من غفر مدلا ... بما يقضي علاك لمن يئوب
ولذت ببابك المعمور علما ... بأن ذراك لي مرعى خصيب
стр. 672
وأن شعابه أندى شعاب ... إليها يلجأ الرجل الأديب
وسقت بنات آمالي اليها ... وقد حفيت وأنضاها الذروب (١)
فبوئني اختصاصك حيث تجنى ... ثمار العز والعيش الرطيب
ولكن كادني خب حقود ... لعقرب كيده نحوي دبيب
وما لجموع الفته جنيب ... وما لشمال فرقته جنوب
وما يشفيه مني لو رآني ... وقد أخذت بحلقومي شعوب (٢)
بلوت الناس من ناء ودان ... وخالطني القبائل والشعوب
فكل عند مغمزة ركيك ... وكل عند مشربه مشوب
فجد لي بالرضا واقبل متابي ... وعذري، أنني آسف كئيب
طريح في فنائك مستضام ... غريب لا يكلمني غريب (٣)
أأمنع من بوادي العلم منعا ... كأني ليس لي فيها نصيب
واحرم من كلامك كل بدع ... تناهيه النواظر والقلوب (٤)
فلم لا تنتهي وتكف عني ... عقابك بعد ما انتهت الذنوب (٥)
وغاية ما يصير إليه شعر ... إذا استقصيت أو مدح مصيب (٦)
ومن سقيا سحابك جاء طبعي ... ولولا الغيث لم ينبع قليب (٧)
ومن شعر صاحب الترجمة مضمنا لبعض أبيات
نظرت ورنحت القوام لتزدري ... بين الملاح بأبيض وبأسمر
لم أنس إذ زارت لتنظر من به ... بعد النوى قلق ومن لم يصبر
стр. 673
فنضت دمقسا من حرير ازرق ... وجلت صفاء مخلخل ومسور
فرأيت في ضمن الزبرجد جوهرا ... والشعر بين مجعد ومضفر
جاءت وقد مد الظلام سرادقا ... والصبح شيء بيننا لم يذكر
في روضة ضحك الاقاح وغامزت ... أحداق نرجسها البهي المزهر (١)
فهي الجنان وماء كوثرها ال ... غدير فلا نبع نقد الهنا بمؤخر
خطرت فنم حليها ولقد أتى ... صبح الجبين بعرف مسك أذفر
هذا يتم لحارس وضياء ذا ... يهدي الرقيب وذا دليل المفتري
باتت تردد ويلها ويدي لها ... طوق وتبدي فكرة المتذكر
وغدت تنشف طرفها بيمينها ... وتحل باليسرى عقود تصبري
فرأيت ما في نحرها بجبينها ... خجلا وينثر من كحيل احور
قامت تودعني فلجلج نطقها ... خوف الرقيب كلكنة المتضجر
وتنهدت جزعا فأثر كفها ... أثرا يدل على جوى وتحسر
طبعت بمخضوب البنان علامة ... في صدرها فنظرت ما لم أنظر
أقلام ياقوت كتبن بعنبر ... بصحيفة البلور خمسة أسطر
فكأنها الحدباء بلدتنا التي ... تزهو وتزهر بالرداء الأخضر
إذ غاب عن غاباتها أسد الشرى ... نعم العرين غدت بغير غضنفر
والبصرة الفيحاء زال ظلامها ... وبها بدا نور الصباح المسفر
إذ خادم الحرمين قال بنصه ... لأبي أمين يا أمين تبصر
تبت يدا من قال لي جهلا ألا ... هن ابن أندى الخلق وأنظم وأنثر
كل الهناء لبصرة ما أبصرت ... كأبي أمين في جميع الأعصر
ولسوف يرعى ذئبها مع شاتها ... وسوادها ترعى أمام الجؤذر
стр. 674
أن كان يعقب مدها جزر ففي ... كفيه مد من ندى لم يجزر
هذا من الماء الأجاج وأن ذا ... مد تدفق من نضار أحمر
بخل البحار الجزر والمد الندى ... حاشاه في يمناه خمسة أبحر
فهو السحاب ونحن أغصان زهت ... ما بين ريان الأصول ومثمر
لو حاتم وافاه أبصر نفسه ... متساخيا ونداه بذر مبذر
أنسى أحاديث الذين تقدموا ... بشمائل ومآثر لم تحصر
وعدالة وبلاغة وجلالة ... ووسامة وديانة وتجسر
عدل ابن سابور ومجد جذيمة ... وجلالة تروي لنا عن قيصر
ودهاء قيس مع وفاء سموأل ... وسخاء معن مع جسارة عنتر
وسناء دحية مع ذكاء اياسهم ... ورياسة تروي عن ابن المنذر
هذا مثل قول البديع الهمذاني (١) من قصيدة:
فما السموأل عهدا والخليل قرى ... ولا ابن سعدى ندى والشنفري غلبا
من الأمير بمعشار إذا انقسموا ... مآثر المجد فيما أسلفوا نهبا
ولا ابن حجر ولا ذبيان يعشرني ... والمازني ولا القيسي منتدبا
هذا لركبته وذا لرهبته ... وذا لرغبته وذا إذا طربا
ومثله لأبي سعيد الرستمي (٢)
إذا عد كعب في السماح أبت له ... يمين له في كل أنملة كعب
وان الذي يرويه طي لحاتم ... إذا نحن أنشدنا فواضله ذنب
ومن القصيدة المترجمة:
الكل قطرة وابل في بحره ... أو صيغة مشتقة من مصدر
стр. 675
لو سابقوه على جياد فنوبهم ... علموا بان الفضل للمتأخر
لا زال نشوانا إذا اشتبك القنا ... وتراه في الهيجاء كالمتبختر
أيتيمة الوزراء أنت الأشهر ال ... حرم العظام وهم كباقي الأشهر
وحماك مأوى مستجير لائذ ... وغياث ملهوف ويسر المعسر
خذها من العرب الكواعب غادة ... حسناء قد جاءت برى العنبر
وله في حضرة المشار اليه أيضا يعارض قصيدة السيد علي خان (١) على هذا الوزن والروي:
خذها معتقة تروي عن السلف ... عطرا لمنتشق أنسا لمرتشف
من كف أهيف بادي الغنج مبتسم ... حلو الشمائل ظبي بين الوطف
تقول للبيض ذا فتكي لواحظه ... والقد مال لسمر الخط ذا هيفي
والبدر قد غره البدر الأغر إلى ... أن رام يحكيه لولا خجلة الكلف
عاتبته إذ أمالته الصبا هيفا ... فقال لي أي غصن غير منعطف
من ضيق عينيه لما أن رأى جلدي ... أعدى بجفنيه جسم الناحل الدنف
стр. 676
لم أنس ليلة أنس بات معتنقي ... وعنده فوق ما عندي من الشغف
سقى عقيقا بدر حين أرشفني ال ... لمى العقيق ودرا جل عن صدف
شربت من يده ما فوق وجنته ... وما بيمناه من خديه مقتطف
أحنى بقامته قدي وعانقني ... وما نهى حين ضم اللام للألف
فلم تهب حدقا بالزهر يرقبنا ... كلا ومن ألسن النمام لم تخف
والروض مكتمل بالآس عارضه ... والغصن ما بين ملوي ومنعكف
والورق يسجع بالأوراق من طرب ... ما بين متفق لحنا ومختلف
حتى تبسم ثغر الصبح عن فلق ... كأغيد بظلام الشعر ملتحف
أو قينة لقطت درا تنظمه ... وقد طوت شعرها الجعدي في كنف
كأنما الليل غمد والصباح له ... سيف الوزير حسين ذي النجا الثقف
لا عيب فيه سوى أن لا يرى سرفا ... بالجود والدين في صون عن السرف
стр. 677
وهذا البيت كقول النابغة الذبياني من قصيدة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وهذا النوع يقال له تأكيد المدح بما يشبه الذم. فإنه قال: ولا عيب في هؤلاء القوم أصلا الا هذا العيب وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة، وهذا ليس بعيب بل نهاية المدح. فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأن قوله غير أن سيوفهم يوهم أن ما يأتي بعده ذم فاذا كان مدحا فقد تأكد المدح.
يروى أن عروة بن الزبير سأل عبد الملك بن مروان أن يرد عليه سيف أخيه عبد الله بن الزبير فأخرجه إليه في سيوف منتضاة، فأخذه عروة من بينها. فقال له عبد الملك بم عرفته؟ فقال:
بقول النابغة وأنشده البيت.
وهذا النوع مستعمل جدا ومن جيده قول أبي هفان (١).
ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب
فأفنى الورى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير غائب
ولبعضهم ويسند إلى الفاضل الرومي ملا زاده:
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تلام بنسيان الأحبة والوطن
ومثله قول ابن نباتة (٢):
ولا عيب فيه غير أني قصدته ... فانستني الأيام أهلا وموطنا
стр. 678
وللصفي (١) من قصيدة:
وافى وقد عاد السماح وأهله ... رمما فكان له المسيح الثاني
فالطير تلجأ بالحصون لأنها ... بنداه لم تأمن من الطوفان
لا عيب في نعماه إلا أنها ... يسلو الغريب بها عن الأوطان
شاهدته فشهدت لقمان الحجى ... ونظرت كسرى العدل في الإيوان
وقوله أيضا:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم
وفيه لبعضهم:
لا عيب فيه سوى مكارمه التي ... نسبت لحاتم نجل كل كريم
وفيه:
لا عيب فيه غير أن يمينه ... تدع العديم مهنئاً بيساره
ومثله:
ولا عيب في معروفهم غير أنه ... يبين عجز الشاكرين عن الشكر
ولابن الرومي (٢)
ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه
وما أحسن قول ابن الحاج
أتوني فعابوا من أحب جهالة ... وذاك على سمع المحب خفيف
وما فيه عيب غير أن جفونه ... مراض وإن الخصر فيه ضعيف
стр. 679
ولأبي جعفر القرطبي:
فتى لم نسافر عنه آمال آمل ... وكان لها إلا إليه إياب
ولا عيب فيه لامرئ غير أنه ... تعاب له الدنيا وليس يعاب
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
أمنت يداه بيوتاً من خزائنه ... وإنما ساد بيت المجد والشرف
ترى لديه من العافين مزدحما ... كالمنهل العذب من حاس ومغترف (١)
كأن سائله المسئول في شرف ... هذا الكريم فلا تذكر أبا دلف
مسلسلا مسندا تروي مآثره ... بين الملا السن الأشعار والصحف
لم يخلق الله في أخلاقه ملكاً ... والله والله أني صادق الحلف
لا غرو إن فخرت فيه الملوك فقد ... أبداه خالقه فردا من التحف
ولا عجيب إذا ما خاف سطوته ... خلق وما ليس بالمخلوق كالنطف
من عصبة كنجوم الليل زاهرة ... من كل متشح بالمجد متصف
ينسى البنون أحاديث الذي سلفوا ... ونحن نروي حديث المجد للخلف
أبا مراد بنو فني متى طعنت ... صدور شعري بهذا الضرب تعترف
ما كل صهباء خمراً يستطاب به ... من الهموم وليس الدر كالخزف
لا زلت منتصفا من كل مغترف ... بدراً بلا كلف بحرا بلا طرف
стр. 680
ومن مديحه في حضرة المشار إليه أيضا:
إن أنكر القلب يوما حبكم وأبى ... لا تثبتوا نسبا لي بينكم وأبا
فما التهى وتسلى بالغضا وبه ... لقد تسلى من الأشواق والتهبا (١)
بمنحنى أضلعي ما ليس يخمدها ... عقيق دمع حكى في سفحه السحبا (٢)
لم أنس مجلس أنس حيث ما فرجت ... به الظلا ولدت شمس الضحى الشهبا
صهباء طاف بها ذو لثغة غنج ... وقد ألانت لنا منه الذي صعبا
أخذ معنى هذين البيتين الأخيرين من قول صفي الدين الحلي (٣) من قصيدة:
صعب القياد فإن راضت خلائقه ... كأس المدام ألانت منه ما صعبا
من قهوة كشعاع الشمس مشرقة ... إذا جرى الماء فيها اطلعت شهبا
ومنه أيضا للصفي من قصيدة أخرى:
عجوز إذا ما أبرزت من حجابها ... تريك نشاطاً كالغلام إذا شبا
هي الشمس إلا أنها في شروقها ... إذا مزجت في كأسها اطلعت شهبا
стр. 681
ومن القصيدة المترجمة:
تضرجت وجنتا خديه حين سقى ... من كأسه ولماه الراح والشنبا
فقلت ما في كئوس كاللجين ألم ... تخف رقيباً يراها؟ قال لي ذهبا
كأن ما فوق خديه براحته ... وكفه الغض من كلتيهما خضبا
هذا البيت قد أخذ معناه من قول السري الرفاء الموصلي (١):
وساق بحب الكأس أصبح مغرماً ... تلألأ منها مثل ضوء جبينه
سقاني بها صرف الحميا عشية ... وثنى بأخرى من رحيق جفونه
عظيم الحشى ذو وجنة عندمية ... تريك احمرار الورد في غير حينه
فأشرب من يمناه ما فوق خده ... والثم من خديه ما في يمينه
ومن هنا أخذ ابن النبيه (٢) قوله:
ساق صحيفة خده ما سودت ... عبثاً بلام عذاره أو نونه
جمد الذي بيمينه في خده ... وجرى الذي في خده بيمينه
стр. 682
ولديك الجن (١) في هذا المعنى:
وساق يكاد الكأس يخضب كفه ... فتحسبه من وجنتيه استعارها
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وفيه لابن القيم (٢):
أهلا بشمس مدام من يدي قمر ... تكامل الحسن فيه فهو تياه
كأن خمرته إذ قام يمزجها ... من خده عصرت أو من ثناياه
وفيه أيضا لأبي الفضل ابن أبي الوفا الموصلي
والراح في يد ساقيها مشعشعة ... كأن وجنة ساقيها بها نضحت
ساق إذا اغتبقت ندمان قهوته ... أضاء مبسمه الصبحي فاصطبحت
стр. 683
وقوله في الأبيات المترجمة «وكفه الغض من كلتيهما اختضبا» أخذه من قول الصفي:
فاترع الكأس حتى فاض فاضلها ... بكفه وسقاني بعد ما شربا
فمذ رأينا سرورا في أسرته ... يبدو وكفاً له بالنور مختضبا
كلنا له فضة بالكف فاضلة ... عنا وكان له من دنه ذهبا
ولبعضهم في هذا المعني من قصيدة:
بقلبي ساق رد طرفي ساهرا ... وقلبي من فرط الغرام معذبا
تبدى بكأس وردت لون خده ... فخلناه من أنواره قد تخضبا
وقابلها خد له فتشابها ... ولكن ورد الخد زاد تلهبا
يطوف بها محمولة في بنانه ... فتحسب بدر التم قارن كوكبا
وفيه أيضا:
ألا ربما ساق سقاني سلافة ... بديع التثني واضح الثغر أشنب
إذا اختضبت أطرافه من شعاعها ... رأيت لجينا بالمدام مذهب
ومن القصيدة المترجمة:
فماس من عجبه في الروض في حلل ... ليزدري غصناً مهما التوى حطبا
لم أدر من كأسه قد صب في فمه ... أو كان في الكأس ما في فيه منسكبا
стр. 684
يسوؤني اذ سقيم الفكر قد ضرب ال ... صهباء في مثل ما بالريق اضربا
سقيته خمرة من خده عصرت ... صرفاً وحيا بريق مثل ما شربا
فقال لي هاتها عذراء صافية ... واسكر بسكري كسكري وانهب اللقبا
هات اسقنيها على ناي علانية ... مع فتية يعلنون اللعب والطربا
حتى الكرى خاط جفنيه فكف يدي ... عن جيده ثم أبدى الدل والغضبا
وقد تلجلج واختلت خلائقه ... سكرا ويلحن أن غنى وأن ضربا
فقلت خذ قال لالا أستطيع لقد ... أرخى المدام يدي والنطق والركبا
ما فاز من وصله إلا فمي ويدي ... فأسال من الروض زهراً كان مرتقبا
وأكتم أخا الأنس أمري لا تبوح به ... ولا تكن لافتضاحي عامدا سببا
أن الوزير حسينا جاء منتقما ... لله منتصراً للحق مرتقبا
إن يحتم الليل فيه ما بدا فلق ... أو الصباح نجا من غاسق وقبا
стр. 685
ولصاحب النفحة (١) في هذا المعنى من قصيدة:
دعواته تجلو الكروب وعزمه ... لو يلتقيه الموت مات توهما
ولو استجار به النهار من الدجى ... لم تبصر الاحداق شيئا مظلما
متوقد كالبدر ليلة تمه ... فإذا تحرك للعطاء تبسما
وللأديب فتح الله ابن النحاس (٢) في هذا المعنى:
مجرد العزم فرنده التقى ... وغمده تبسم الاجياد
أما ولو ببابه احتمى الدجى ... لما اختشى خطب صباح عادي
أو دخل النهار تحت ذيله ... ما زحف الليل على العباد
وهذه الأبيات من قصيدة ... بديعة يمدح بها أبا الإسعاد
الوفائي ومطلعها:
قد نفدت ذخائر الفؤاد ... فلم أربي الدمع للسهاد
стр. 686
فؤاد من يحب مثل دمعه ... ودمعه مظنة النقاد
اذا هدا الليل فطفل مقلتي ... يبيت بالنزيف غير هادي
ومن بكى من النوى فقد رأى ... بعينه تقطع الأكباد
تمايلوا على الجمال ميله ... فعلموها مشية التهادي
وما سمعت بالغصون قبلهم ... مشت بها اكثبة البوادي
فإن تجد يدي على ترائبي ... فلا تقل لفيأة الفؤاد
وإنما رفعتها لأنها ... كانت لهم حمائل الاجياد
حمر الخدود ان تغب فشكلها ... بناظري داخل السواد
لأجل ذا الدمع جرى بشوقها ... فنظم الياقوت في نجاد
لا وأبي ومن يقل لا وأبي ... فقد تلي إليه الأمجاد
ما عثر الغمض بذيل ناظري ... ولا انثنت لطيفهم وسادي
وهب رشاش مقلتي حبائلا ... فأين منها زلق الرقاد
آه وآه أن تكن ملء فمي ... فإنها مضمضة الصوادي
قد نفض السمع كلام غيرهم ... كما نفضت الصبر من مزادي
أعاذلي وللهوى غواية ... بعت بها كما ترى رشادي
ولعت بي وشعلتي كمينة ... بقادح يعبث في زنادي
دع الهوى يعبث بي وأن نشأ ... فعدني من عذبات وادي
ما لحق اللوم غبار عاشق ... حدا به من المشيب حادي (١)
أما ترى الاقاح حول لمتي ... حكى ابتسام البرق في البوادي
بشرني طلوعه بان لي ... صبح وصال لدجى بعادي
ولم أقل مناصل تجردت ... واركزت بجانب الأغماد (٢)
стр. 687
كأن شيب الشعرات ألسن ... على ضياع رونقي تنادي (١)
لبست ما أضاعني فأسوتي ... كأسوة الجمرة في الرماد
وحاك في الرأس ضياء خيمة ... ذات طنابين إلى الافواد (٢)
كأنها عمامة لبستها ... من يد مولاي أبي الإسعاد
وهي طويلة كلها غرر. ومنها يقول:
كم أزرع الشكر وما لزرعه ... إذا أتى الابان من حصاد
واتبع الهوى بكل غادر ... ليس هواه في سوى عنادي
فأنفث الرقى على مخبل ... وأطلب الحراك من جماد
ولي خطوط لا تفيد جملة ... كما يخط الطفل في المداد (٣)
تشعبت مني الصبا وناصبت ... على السرى مخارم البلاد (٤)
بين هوى لخاتل ومدحه ... لباخل وفرقة لعادي
نفرت من قصائدي لأنها ... إلى الكثير سلم التعادي
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
رقى لمنزلة عذراء ما وجدت ... كفؤا إذا انتسبت إلا إذا انتسبا
وكل ما وهبت حتى كرام بني ... عبد الجليل يد بعض الذي وهبا
ولو جمعت هبات السابقين من ال ... كرام من أذخروا الأشعار والخطبا
كانت قياسا على إنعامه لمما ... وفي رياض نداه الطل والحببا
стр. 688
أو ساعة ناظر الطائي نائله ... وفي يديه كنوز الأرض لاضطربا
وأن سحبان كالأمي لو بلغت ... أدني بلاغته أذنيه ما خطبا
يظنه وهو في الهيجاء منفرد ... أخو الجسارة جيشا زاخرا لجبا
فما المراد بمدحي أن أحيط بما ... فيه من المجد أو اقضي الذي وجبا
أن يكتب الثقلان الدهر ما نفدت ... خلايق نسخت آياتها الكتبا
وللمحبي (١) قريب من هذا المعنى:
ما عسى يبلغ المديح علاهم ... لو تناهى في الحصر والإغراق
آل بيت هم معدن الجود والح ... لم وخير الأنام بالاتفاق
أن قلبي لهم مقيم على الميثا ... ق من قبل ساعة الميثاق
وانتسابي منهم لأحمد يقضي ... أنني عبده بغير شقاق
وللشاهيني (٢) في هذا المعنى:
ماذا أقول وأنت صنع الله من ... قد خص بالآراء والتسديد
أن الذي يرجو لفضلك غاية ... ليروم شيئا ليس بالموجود
стр. 689
وفيه لصاحب النفحة (١):
تحلت بنا الأعناق عقد مواهب ... إذا ما هطلن استحيت المزنة الوطفا
فما تنطق الأفواه إلا بمدحه ... ولا ترفع الآمال إلا له كفا
فديتك يا من لو صرفت بمدحه ... جميع وجودي رحت أحسبه قذفا
ومثله قول الرقباوي (٢) في مدح شريف مكة:
أنت أولى الناس بالمدح ولو ... لم يكن للبحر عن وصيفك نزح
هاك نظم الدر من معدنه ... رائق المعنى له بالمدح مدح
ضمن الدهر لها التخليد في ... صفحات الكون والأيام فسح
ومنه أيضا قول ابن الحنائي: (٣)
ومن لي بأن أحصي ثناه وقد غدا ... كمال الورى من عشر أوصافه قسطا
أمولاي أن الشعر عبد ملكته ... ففي مذهب الآداب تحرزه ضبطا
стр. 690
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
والكاتبان الكريمان اللذان على ... أعماله أبصرا من فعله العجبا
فكاتب الحسنات الخير أتعبه ... أما أخاه فما أملى ولا كتبا
هب الوزارة كالضرغام فهي له ... رأس وأضحى الذي قد نالها الذنبا
ما كل أيامنا في فضلها جمع ... ولا الشهور تضاهي الصوم أو رجبا
قليلة القدر خير في فضائلها ... من الف شهر بها كم نال من طلبا
أبا مراد أبا ليث أبا قمر ... أبا أديب أبا خير الأنام أبا
أبا أمين أبا بدر بلا كلف ... إذا بدا غار منه البدر واحتجبا
يا خير من أينعت أنواء نائله ... روض الأماني فيه وهو خير ربا
فلم يزل غيثها المنهل متصلا ... ولم نزل نزرع الآمال والاربا
فما اشتكت ظما يوما كصارمه ... ولا اشتكى الوحش في أرض العدى السغبا
بآل عثمان محمود وأنت بنا ... علا كما شرف الأتراك والعربا
لولا كما لم يك الإسلام منتصرا ... ولا ازدرى المسلم الأوثان والصلبا
مهما التوى من وزير سوط همته ... على جواد وقد جاراك فيه كبا
لو لم يكن خير من في الروم قاطبة ... ما كنت من خير من في العرب منتخبا (١)
يهنيك آلك والأشبال قد بزغت ... شمس المنى وتدانى الأنس واقتربا (٢)
هم النجوم وهم زهر الرياض وهم ... أسد العرين وهم أعلى الورى رتبا
شم الأنوف وآساد الصفوف وكم ... من مرة كشفوا الأحزان والكربا
стр. 691
بكل أنملة بحر وكل يد ... سحابة أمطرت للمرتجي النشبا
أني عقلت بعيري واتكلت لدى ... بحر وخلفت غيري يرقب القلبا
وكم جنيت عناقيد المرام وما ... جنى أخو الكيد فليستحمض العنبا
كم غارة شن حسادي على أدبي ... فما تأخر من خوف ولا رهبا
فلم يصب طاعن يوم الرهان دمي ... منها ولا ثائر من حيها السلبا
وأن أبكار فكري خرد عرب ... من أكرم العرب من أعلاهم نسبا
خذها أبا النصر بكرا بين أخبية ... لم يقطع الناقد الواعي لها طنبا
فلو رأى حليها الحلي إذ خطرت ... ما ماس منعطفا في قرطق وقبا
ان كان قبلي تثنى شاعر فلقد ... نطقت بالحق في مدحي وقد كذبا
وله وقد عرضت عليه قصيدة أنشأها أحد أدباء بغداد فكتب عليها مقرضا، وكانت تلك القصيدة في صدر كتاب:
حكيت كتابا جاء يا مدمعي نثرا ... ولم تحك ذاك النثر حسنا ولا قدرا
стр. 692
كتابا طوى نشري رقيق تغزلي ... وفاق سحيق المسك طيا كذا نشرا
وقائله ماذا تروم بمدحه ... أذلك أجراً منك قلت لها أجرا
وقالت دع الأعراض آنا وعارض ال ... أديب ولا تعجب فأوسعتها زجرا
وقالت تدفق أيها البحر إنما ... سواك سراب قلت لا تكذبي نهرا
وقلت لها هلا نهاك تعقبي ... جهارا لمن قد قال ممتدحا جهرا
ونظم عقدا من لآل ولم نزل ... نمد رقابا كي نكون لها نحرا
وزفت من الأعراب بكرا تغزلت ... وحاكت نسيما بعد أن طيبت عطرا
لقد خطرت غصنا، أضاءت غزالة ... رنت ظبية، فاحت عبيرا بدت بدرا
نعم تنظم الشعر الرحيق محسنا ... ولكن كهذا لم نكن نعلم السحرا
فلا زال من حان القريحة عاصرا ... عتيق نظام مسكر حادث عطرا
قوله: لقد خطرت غصنا إلى آخره هو كما قال أبو الطيب المتنبي.
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
стр. 693
وجارت في الحكومة حين أبدت ... لنا من حسن منظرها اعتلالا
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا
وتبعه أبو القاسم الزاهي (١) فقال:
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
وأطلعن في الاجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا
وممن نسج على هذا المنوال أبو عامر إسماعيل بن أحمد الشاشي (٢) من قصيدة:
رأيت على اكوارنا كل ماجد ... يرى كل ما يبقى من المال مغرما
ندوم أسيافا، ونعلو قواضبا ... وننقض عقبانا، ونطلع أنجما
وقال أبو الحسن الجوهري (٣) في الخمر إلا أنه ثلث التشبيه:
يقولون بغداد التي اشتقت برهة ... دساكرها والعكبري المقيرا (٤)
إذا فض عنه الختم فاح بنفسجا ... واشرق مصباحا ونور عصفرا
ولبعضهم في غلام مغن:
فديتك يا أتم الناس ظرفا ... وأصلحهم لمتخذ حبيبا (٥)
فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك متعة الاسماع طيبا (٦)
стр. 694
وسائله تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا
رنا ظبيا وغنى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا (١)
ولصاحب الترجمة في مدح الأديب عبد الرحمن بن يوسف البغدادي:
شغلتنا قلوبنا والعيون ... تلك تخفي الجوى وتلك تبين
جعفر الدمع راح يروي حديثي ... وفؤادي هو الرشيد الأمين
أسكرتني مدامة العتب حتى ... قيل لي أنت شاعر مجنون
ومعاني بديع حسن بياني ... أعربت أن ذا الجنون فنون
والصبابات من صبابات قلبي ... ناقلا هكذا الجناس يكون
ليس لي راحة مذ استخدموني ... طول عمري بشربها استعين
من أقام الجوى لقلبي فصبري ... مثل قومي مع السرور ظعين
لم يغب عن تخيلي شخص بدري ... والحشى مطلع وبرج حصين
وقريب من هذا قول الماردينلي (٢):
حبيبي لقد أودعت بالقلب جمرة ... وما ودع القلب الوداد وما قلى
وأوحشت طرفا طالما بت راتعا ... بوجه كساه الحسن من افخر الحلى
стр. 695
تنقلت من عيني إلى وسط مهجتي ... ومن عادة الأقمار أن تتنقلا
ومن أمثاله للصفي الحلي:
أيا من ضاع فيه نفيس عمري ... وصبري بين إعراض وبين
أراك ممثلا بسواد قلبي ... فما لي أن يراك سواد عيني
وللمقر اليوسفي:
حضرت فكنت في بصري مقيما ... وغبت فكنت في صم الفؤاد
وما شطت بنا دار ولكن ... نقلت من السواد إلى السواد
وفيه أيضا:
يا غائب الشخص عن عيني ومسكنه ... على الدوام بقلب الواله العاني
أضحى المقدس لما أن حللت به ... لكنه ليس فيه عين سلوان
وفيه لابن نباتة:
فديت محيا قد خلا منه ناظري ... ولم يخل منه من فؤادي موضع
مقيم بأكناف الغضا وهي مهجة ... وإلا بوادي المنحنى وهي أضلع
أطال حجاز الصد بيني وبينه ... فمقلته الحورا وجفني ينبع
واسكن قلبي فهو بيت مودة ... ولكنه بين العروض مقطع
ومنه أخذ ابن حجة قوله:
في عروض الهوى بحور دموعي ... ما أفادت قلبي سوى التقطيع
ودعوني ورجعوني عنهم ... يا أخا الوجد لا رجعت رجوعي
وصلوا بي مطولات جفاهم ... ورموني بقلبي المقطوع
стр. 696
ومنه قول القاضي الارجاني:
راع الفؤاد نوى الخليط ولم يكن ... قبل الهوى ما حادث بمروع
وأرى فؤادي في الزمان كأنه ... بيت العروض يراد للتقطيع
وتتمة الأبيات المترجمة
حسن الحاسدون بالذم شعري ... فحلا لي من العرى التحسين
ليت لو يعلم المرخص شعري ... أن دري ببحر فكري ثمين
ليت لوزف ثيبا أو عجوزا ... وقريضي المحجب المكنون
قيل لي هل تصون بالله عنا ... عينك البالغات قلت أصون
قال من ذى الورود بع يا ضعيف ... قلت للآن لم يبع ياسمين
لست ممن يبيع عينا بعين ... هكذا كل موصلي ضنين
جاءني صاحب ليخطب بكرا ... بنت يوم فقلت أين القرين
قال عبد الرحمن قلت كريم ... أنني الموصلي والمأمون
حلف البحر لم يكن غير سح ... حل يمناه حبذاك اليمين
إن أبناء يوسف كأبيهم ... وأبو يوسف الهلال الحزين
هم ظباء رعوا كناس قليبي ... واسود لهم فؤادي عرين
أو يكن بالعقيق غيري كئيب ... أن مجراه مقلتي والجفون
وعلى هذا الهموع، وذكر العقيق والدموع، يستحسن ذكر أبيات حسين العاملي (١)
ما صاح صاحي الورق في أفنانه ... إلا وأسكره بديع بيانه
стр. 697
وإذا تنازعه اللوائم في الهوى ... ذكر العقيق فسح من أجفانه
كلف إذا هبت به نجدية ... يذكر (كذا) بها ما باح من أشجانه
وللطالوي (١) في هذا المعنى من قصيدة:
ذكر العقيق فسال من أجفانه ... وأشتاقه وجداً إلى سكانه
وأشتم في ريح الصبا أرج الصبا ... فصبا حليف جوى إلى أوطانه
ولابن نباتة فيه:
إذا لم تفض عيني العقيق فلا رأت ... منازله بالقرب تنهى وتنهر
وأن لم تواصل عادة السفح مقلتي ... فلا عادها عيش بمغناه أخضر
ولطيف هنا قول الماردينمية:
وظبي افاض الدمع في يوم نفرة ... ومن خده أدمى الفؤاد بجمرة
فنار الغضا في منحنى أضلعي ذكت ... وبان عقيق الدمع من سفح مقلتي
تراسلني الحاظه بسهامها ... ومن جفنها تأتي على حين فترة
ترى خده الوردي تحت عذاره ال ... حريري يبدو حاديا كل بهجة
أقول له ياقوت قلبي لقد أبي ال ... كرى ناظري فاعطف على ابن مقلة
стр. 698
تتمة الأبيات المترجمة:
دار بدر الدجى على كل برج ... سائلا كل ما لديهم يزين
كي يرى رابع الثلاثة قدرا ... وهو والله حاجب مقرون
قلت يا بدر قد مللت تنقل ... وتكلفت أيها المفتون
لي على منبر اليراع بنان ... جامع قد أعاقه المضمون
فصفت بانة النقا تترامى ... تحت رجليه إن بدا وتلين
حاتم طيء كل نجل جواد ... حاتم العصر حين رفد معين
كل صبح مبارك عبد مولى ... وجهه الشمس والصباح الجبين
أن أبكار فكرتي جافلات ... لم تطعني لها الهموم حصون
خفقت راية المديح ووافى ... من ندى الاكرمين فتح مبين
عمر الله ساحة أينعوها ... أنها للأنام حرز مكين
وله وقد اختبره بعض الأدباء:
مالي أرى أدباء العصر قد ولعوا ... بالاختبار وأني فوق ما سمعوا
أن العيان وما يرويه منتقد ... من فتية الفضل يا أزكى الورى شرع
فلا تصدق إذا قالوا نناظره ... لا يستوي سارق منا ومخترع
أين اللآلي لدى أهليه من سبج ... أين المساجد عند الله والبيع
ما كل بيت هو البيت الحرام ولا ... جميع أيامنا في فضلها جمع
إذا تجمع قومي قلت يا أدبي ... ألق العصا تتلقف كل ما صنعوا
стр. 699
تذكرت بهذه الأبيات ما اتفق للأديب مصطفى البابي (١) مع أديب الزمان محمد القاسمي (٢). وذلك أنه وقف على قصيدة للبابي جيدة فاتهمه بها وبامتحانها. فكتب إليه البابي قصيدة وأرسلها اليه.
منها يقول:
وسل أثلات الجزع تخبرك أننا ... نعمنا بعيش في ذراهن ناعم
إذ الروض مخضر الربا وغصونه ... تقلد من قطر الندى بتمائم
وفي خلل الأغصان نور كأنه ... مجامر ند في حجور الكمائم
ومنها يقول بعد التخلص:
ولولا مقال جاءني منه أطرقت ... حياء له الآداب إطراق واجم
وقطع أمعاء القريض لهوله ... ورد القوافي وهي سود العمائم
إمام العلى إني أحاشيك أن ترى ... بديع المعاني عرضه للوائم
زعمت باني سارق غير شاعر ... صدقت بمعنى ساحر غير ناظم
لقد قالها من قبل قوم فالقموا ... بأيدي الهجا حاشاك صم الصلادم
رأوا مثل ما عاينت إبداع أحمد ... وبادرة الطائي وشعر كشاجم
стр. 700
حنانيك بعض البغي لا بدع أن أتى ... بشعر حبيب من رأى جود حاتم
وأن ندى نجل الحسام لروضة ... أينكر فيها طيب سجع الحمائم
فدونكها أبكار فكر تزفها ... يد الشوق عن ود من الريب سالم
مشيدة البنيان لا يستريبها ... حسود ولا يقوى بها كف هادم
والقصيدة المتهم بها أظن أنها هذه (١):
سرى عائدا حيث الضنى راع عودي ... سرى البدر ضيف بالدجنة مرتدي
ومنها يقول:
وعاتبته والظن أيأس طامع ... فجاوبني والقلب أطمع مجتد
ولا طفته حتى استملت فؤاده ... فيا لك صلداً بعضه لين جلمد
وبت كأن الدهر ألقى زمامه ... إلي وصافاني فأحرزت مقصدي
وحكمني من جيده وهو عاطل ... فحلاه دمعي بالجمان المنضد
إلى أن نعى بالبين صبح كأنه ... غراب النوى لكنه غير اسود
ومنها من مديحها:
أتى وظلام الظلم فيها كأنه ... وساوس شرك في فؤاد موحد
فأشرق بدر العدل في عرصاتها ... بوجه أغر مبرق العزم مرعد
стр. 701
تردت بثوب بالصيانة معلم ... وحفت ببحر بالمكارم مزبد
والبابي نسبة إلى الباب. وهي قرية من قرى حلب لها واد مشهور بطيب الهواء، ولكثرة الرياض، وتلون الأزهار، وفيها يقول الزين ابن الوردي (١).
أن وادي الباب قد ذكرني ... جنة المأوى فلله العجب
فيه روح يحجب الشمس إذا ... قال للنسمة جوزي بالأدب
طيرة معربة في لحنها ... تطرب الحي كما تحيي الطرب
مرجه مبتسم مما بكت ... سحب في ذيلها الطيب انسحب
فيه روضات أنا صب بها ... مثل ما أصبح فيها الماء صب
نهره أن قابل الشمس ترى ... فضة بيضاء في نهر ذهب
ولصاحب الترجمة قصيدة لما قصد زيارة أمير المؤمنين، ونتيجة الموحدين، وإمام المتقين، وزين الأخبار المصطفين، زوج البتول، ابن عم الرسول، حضرة أسد الله الغالب، علي بن أبي طالب، ﵁ وأرضاه، أنشأها بجواره، واستمد بإنشائها من أشعة أنواره، وهي:
نعم بلغت يا صاح نفسي سؤالها ... وليس عليها في النفوس ولا لها
فزمزم ودع ذكر المقام وزمزم ... فقد جعلت ذكر المقام مقالها
مقام هو الفردوس نعتا ومشهدا ... وجنة خلد قد سقيت زلالها
стр. 702
فياقبة الأفلاك لست كقبة ال ... مقام مقالا بل ولست ظلالها
فكم هبطت للارض منك كواكب ... لتنظم حصباء بها ورمالها
وكم ود بدر التم حين حججنها ... رجال حفاة أن يكون نعالها
فتلك سماء بالمصابيح زينت ... وأن فخرت كان الهلال هلالها
وتأمن عين الشمس كسفا ولا ترى ... اذا اكتحلت ذاك التراب زوالها
فهاتيك في وجه الوجود كجنة ... وقبر ابن عم المصطفى كان خالها
وصي وصهر وابن عم وناصر ... وحامي الورى طرا وماحي ضلالها
علي أمير المؤمنين ومن حوى ... مقاما محا قيل الظنون وقالها
فمن يوم إسماعيل جد محمد ... إذا عدت الاحساب كان كمالها
وضرغامها والمرتجى ويمينها ... وأعلامها والملتجى وشمالها
فكيف نرى مثلا لأكرم عصبة ... إذا كنت تدري بالوصي اتصالها
فلا تسم الأعصاب من صلب آدم ... وأن سمت لا تسوى جميعا عقالها
لها السؤدد الأعلى على كل عصبة ... ولم تر بين العالمين مثالها
لقد حازت السبطين بدري محمد ... وبضعتها الزهراء نوراً وآلها
стр. 703
فيا خير من أرخت أزمة نوقها ... إليه حداة زاجرات جمالها
ويا خير من حجت إليه من الورى ... بنو أمل ألقت إليه رحالها
ويا خير ثاو للنزيل وملتجى ... إذا أزمة أبدى الزمان عضالها
ألا أيها الممتاز من آل هاشم ... ومن كان فيه عزها واكتمالهما
ألا يا أبا السبطين يا خير من رقى ... لمنزلة حاشا الورى أن تنالها
أزلت ظلام الشرك يا آية الهدى ... وأفنيت أصنام العدى ورجالها
وأطلعت شمس الحق والكفر قد دجى ... ولولاك يا فخر الوجود أزالها
أتيناك نسعى والذنوب بضائع ... وقد حملت منا الذنوب ثقالها
ولما تنافسنا ببذل نفائس ... وأنفسنا أهدت إليك ابتهالها
عفا الله عني لم أجد غير مهجة ... وأدري إذا ما قد رضيت امتثالها
فو الله مهما حل حضرتك التي ... تحج بنو الآمال نال نوالها
أغثني أغثني من هوى النفس علني ... أرى للتقى بعد الشقاء مآلها
أجرني أجرني من ذنوب تراكمت ... فما لي سوى الألطاف منك وما لها
فدهم الليالي العاتيات مغيرة ... وقد أوسعت أيام عمري مجالها
وضاق فسيح الأرض حتى كأنني ... حملت على ضعفي الفلا وجبالها
стр. 704
كأن الدواهي حرة قد تزوجت ... بقلبي ولم تبذل لغيري وصالها
بذلت لها عمري صداقا ولم تلد ... سوى حرقة قد أرضعتها اشتعالها
وسوف أراها طالقا بثلاثة ... على يدهم أني اعتقدت زوالها
أبا حسن والمرتضى وحسينهم ... وفاطمة هبني لمدحي عيالها
فمن مطلعي حتى الختام بمدحهم ... نعم بلغت يا صاح نفسي سؤالها
وله لما ألوى عنان مطاياه لزيارة قبر شهيد الشهداء، وخلاصة الأتقياء، وصفوة الأولياء، نور الحق والدين، وبدر سماء الصدق واليقين، شمس أفق النبوة والرسالة، صاحب المحامد والمكارم والبسالة، أبي عبد الله الإمام الحسين بن الإمام الهمام علي بن أبي طالب، ﵄ وعن ذريتهما، وجعلنا تحت ظلالهما والويتهما، ولكونها مرثية لحضرته، رسمها على باب حجرته وهي:
قد فرشنا لوطئ تلك النياق ... ساهرات كليلة الآماق
وزجرنا الحداة ليلا فجدت ... ثم أرخت أزمة الأعناق
حبذا السير يوم قطع الفيافي ... ما أحيلي الوداع عند الفراق
والإمام الهمام نجل علي ... فخر آل البتول يوم السباق
لم تلد بعد جده وأبيه ... أمهات بسائر الآفاق
بسناء الحسين يا حبذا الخلق ... ويا حسن أحسن الأخلاق
стр. 705
أي أم تكون فاطمة الزهرا ... ء من والد على الحوض ساقي
أي جد يكون أفضل خلق الل ... هـ والمجتبى على الإطلاق
هل علمتم بما أهيم جنونا ... ولماذا تأسفي واحتراقي
يوم قتل الحسين كيف استقر ... ت هذه الأرض بل وسبع الطباق
أيها الأرض هل بقي لك عين ... ودماء الحسين بالاهراق
كيف لا تنسف الشوامخ نسفا ... وتجن الوجود للامحاق
أغرق الله آل فرعون لكن ... لم يكن عندهم كهذا النفاق
أن قلبي يقول قد كان أولى ... من سبي الغانيات بالإغراق
يا سماء قد زينت واستنارت ... وبها البدر زائد الإشراق
هكذا يوم كربلا كان يزهو ... فرقد فيك والنجوم البواقي
كيف بالله ما غدت كعيون ... سابحات بأنهر الاحداق
كيف لا تجعل النجوم رجوما ... ورميت العداة بالإحراق
جعل الرجم للشياطين لكن ... أي فرق لهم سوى الأطواق
وإحياء الزمان من آل طه ... وعتاب البتول يوم التلاقي
ما تذكرت يا زمان عليا ... كيف ترجو بان ترى لك واقي
وترى جيد ذلك الجيد يوما ... ودماء على المحاسن راقي
كل عرق فيه الهداية تزهو ... لعن الله قاطع الأعراق
أنت تدري بمن غدرت فأضحى ... بدماء مزمل بالعراق
هكذا كان لائقا مثل شمر ... يلتقي الآل بالسيوف الرقاق
حرم المصطفى وآل علي ... سائبات على متون النياق
ناثرات الشعور بين نحيب ... وافتراق من بعد حسن اتفاق
هذه تخضب البنان دماء ... ثم هاتيك أيقنت بالتراقي