← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

في موضع أي كان صوابا، ويكون المعنى: ليتهم يعلمون بأي شيء غفر لي ربي (١). فقال الكسائي: لو كانت كذلك لكانت ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بنقصان الألف كما تقول: سل عم شئت (٢)، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال الفراء: (يجوز أن يكون تمامًا وهو استفهام، وأنشد: إنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيم يكثر القتل) (٣) وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (أي بمغفرة ربي قال: وقيل: أي ليتهم يعلمون بالعمل والإيمان الذي غفر لي به ربي. قال: وحذف الاَّلف في هذا المعنى أجود) (٤). وهذا قول مقاتل قال: يعني بأي شيء غفر لي ربي، أي: إنما غفر لي باتباعي المرسلين، فلو علموا لآمنوا بالرسل، فنصح لهم في حياته وبعد موته (٥). وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال محمد ﷺ : "نصح لقومه حيًّا وميتًا" (٦). وقال قتادة: تمنى الرجل -والله أعلم- أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وذلك قوله:

стр. 10677

﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: من المدخلين الجنة (١). قاله الزجاج (٢). وحبيب هذا الذي يقال له: صاحب يس، قال رسول الله ﷺ : "سباق الأمم ثلاثة: صاحب يس حبيب النجار [مؤمن] (٣) آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم" (٤). وروي عن علي بن زيد بن جدعان أن عروة بن مسعود الثقفي صعد سور الطائف، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرماه رجل من قومه بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صاحب يس" (٥).

стр. 10678

قال ابن مسعود: فلما قتلوا حبيبًا، غضب الله لاستضعافهم إياه غضبًا لم يبق من القوم شيئًا، وعجل الله لهم (١) النقمة بما استحلوا منه فقال قومه: ٢٨ - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: الملائكة (٢). قاله مقاتل (٣). وقال ابن مسعود: أي ما كابدناهم بالجوع، أي: الأمر أيسر علينا من ذلك (٤). وقال الكلبي: لم يبعث إليهم الملائكة (٥). وقال الضحاك: ما استغثنا بأهل السماء عليهم (٦). وقال أبو إسحاق: لم ننتصر للذين (٧) قتلوه بجند (٨). هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل العلم والتفسير. وقال مجاهد: أي لم نبعث إليهم رسالة بعده من السماء ولا أتاهم نبي (٩). والقول ما عليه الناس. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ على قوله: ﴿وَمَا

стр. 10679

أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والباقون: جعلوا هذا توكيدًا لأول الكلام (١). وأنكر صاحب النظم القولين جميعًا فقال: لا يجوز أن يكون المعنى لم ينزل على أحد جندا؛ لأنه أنزل الجند على أهل بدر وحنين، ولا يجوز أن يكون مكررًا على ما قبله؛ لأنه لا يكون نظمًا حسيا، وفيه أيضًا حمل الكلام على التكرير ولكن (ما) هاهنا اسم، والمعنى: لم ينزل عليهم حتى أهلكناهم جندًا من السماء ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ولا ما كنا ننزله على من قبلهم من الأمم، إذ أهلكناهم بمثل الماء للغرق والصاعقة والريح، وهذا في النظم كقوله: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ولا (٢) على الذي فطرنا. وعلى ما ذكر صاحب النظم ما يكون معطوفًا على قوله: من جندٍ، أي: لم ينزل عليهم [جندًا] (٣) ولا ريحًا ولا صاعقة ولا ماء، ثم بين أيش (٤) كانت عقوبتهم فقال: ٢٩ - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: كانت صيحة من جبريل، أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم صوت، مثل النار إذا أطفأت (٥). قال ابن مسعود: أهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن

стр. 10680

وجه الأرض ولم يبق منهم باقية (١). وقال قتادة: ما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم الصيحة (٢). قال الزجاج: (ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة فإذا خامدون: أي ساكتون، قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد) (٣). ٣٠ - وقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معنى الحسرة في اللغة: أشد الندامة، وذكرنا اشتقاقها فيما تقدم (٤)، وهذه نكرة موصوفة، قال الفراء: (والعرب إذا نادت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلاً كريمًا أقبل، ويا راكبًا على البعير أقبل) (٥). وقال المبرد: نصبه كنصب نداء النكرة، كقولك: يا رجلاً أقبل، ومثله قول الصلتان: فيا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُه (٦) ... جريرٌ (٧) ولكن في كليبٍ تواضعُ (٨)

стр. 10681

ومعنى نداء الحسرة تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالحسرة، كما يقال: يا عجبًا أتفعل كذا، والمعنى: يا عجيب أقبل، فإنه من أمامك، ونداء العجب أبلغ في الفائدة كذلك نداء الحسرة، وهو معنى قول أبي إسحاق (١). قال ابن عباس: يا حسرة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الرسل (٢) (٣). ثم بين سبب الحسرة فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: في الدنيا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثم خوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا ليعتبروا [فقال] (٤). ٣١ - وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (موضع كم نصب بأهلكنا؛ لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها، خبرًا كانت أو استخبارًا. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أنهم بدل من معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والمعنى: ألم يروا أن القرون التي أهلكنا أنهم لا يرجعون) (٥).

стр. 10682

والتفسير: لم يعتبروا بمن أهلكنا من قبلهم من القرون فيخافوا أن يعجل لهم في الدنيا مثل الذي عجل لغيرهم ممن أهلك، وأنهم مع ذلك لا يعودون إلى الدنيا أبدًا. ٣٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرئ: لما بالتخفيف والتشديد، فمن خفف فما زائدة (١) مؤكدة، والمعنى: وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن شدد جعل لما بمعنى إلا تقول: سألتك لما

стр. 10683

فعلته، وإلا فعلت، هذا قول الزجاج (١). وقال الفراء: (الوجه التخفيف؛ لأنها ما أدخلت عليها لام يكون جوابًا لأن كأنك قلت: وإن كل لجميع. وأما من ثقل فإنه يجعل لما بمنزلة إلا مع أن خاصة، كأنها ضمت إليها ما (٢) فصار جميعًا استثناء وخرجتا من حد الجحد إذا جمعتا فصارتا حرفًا واحدًا) (٣) هذا كلامه. ومعنى قوله: بمنزلة إلا مع أن خاصة، يعني أن إلا كلمتان أولاهما التي هي جحد بمنزلة ما ولا أيضًا جحد جمع بينهما فصارتا استثناء، وكذلك لما جحد إن اجتمعتا لم وما فتشابهتا في هذا المعنى، وهذا كلام صاحب النظم في شرح ما ذكره الفراء قال: وكان الكسائي ينفي هذا القول، ويقول: لا أعرف جهة لما بالتشديد في القراءة (٤). وقد ذكرنا استقصاء هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] وتفسير مقاتل موافق لمذهب من شدد لما؛ لأنه يقول: وما إلا جميع لدينا محضرون (٥). ومن خفف لما كان أن في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بمنزلة المشددة، ولكنها إذا خففت لم تنصب، وهذه الجملة قد أشبعنا الكلام فيها في سورة هود. قال أبو إسحاق: (تفسير الآية: أنهم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا) (٦).

стр. 10684

٣٣ - ثم وعظ كفار مكة أن يتفكروا في صنعه ليعرفوا توحيده، فقال: (١) ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾. واختلفوا في الكناية في قوله: ﴿ثَمَرِهِ﴾. فقال أبو عبيدة: (العرب تذكر الإثنين ثم تقتصر على الخبر عن أحدهما، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾. وقال الأزرق بن طرفة بن العَمرَّد (٢): رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بري ومن أجل الطوي رماني فاقتصر على خبر واحد، وقد أدخل الآخر معه) (٣). فعلى قول الكناية تعود إلى مضمر مراد في اللفظ وهو الماء؛ لأن قوله: ٣٤ - ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ تقديره: وفجرنا فيها ماء من العيون. ٣٥ - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأن الثمار لا تكون إلا من الماء وبالماء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يجوز أن تكون (٤) ما موصولة

стр. 10685

بمعنى الذي، ويكون في موضع خفض (١) عطفًا على التمر: ليأكلوا من ثمره ومما عملت أيديهم. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه قال: يريد من الغروس، يعني أن الغروس من عمل أيدينا (٢). قال صاحب النظم: المعنى ويأكلوا بما عملت أيديهم بالمقاساة بالحراثة كما قال : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحراثة إليهم. وعلى هذا العائد من الصلة إلى الموصول محذوف على قول (٣) من قرأ: عملت بغير هاء، وأكثر ما جاء في التنزيل من هذا على حذف كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ و ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ و ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ و ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. وكل هذا على إرادة الهاء وحذفها، وقد جاء الإثبات في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ويكون هذا كقول (٤) من قرأ: عملته بالهاء، في أنه ردَّ الكناية من الصلة إلى الموصول. ويجوز أن يكون في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نفيًا على معنى: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم ولكن من فعلنا. وقال الضحاك: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها (٥). قال الفراء: (إذا جعلت (ما) جحدًا لم تجعل لها موضعًا، ويكون

стр. 10686

المعنى: إنا جعلنا لهم الجنات والنخيل والأعناب، ولم تعملها أيديهم) (١) ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. ومن قدر هذا التقدير لم يكن ﴿عَمِلَتْهُ﴾ صلة، وإذا لم يكن صلة لم يقتض الهاء الراجعة إلى الموصول، ويجوز أيضًا أن تكون (ما) نافية على قراءة من أثبت الهاء في عملته، وتكون الهاء كناية عن لفظ الثمر والتمر لم تعمله أيدي الناس، إنما ظهر بقدرة الله وإيجاده. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء (٢)، والزجاج (٣)، وأبي علي (٤) ﵏. وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا يطيعون (٥). قال مقاتل: أفلا يشكرون رب هذه النعم ويوحدونه (٦). ٣٦ - ثم نزه نفسه وعجب خلقه فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: والحبوب. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الذكر والأنثى، والأزواج من النبات أجناسه، ومن الأنفس الذكر والأنثى (٧). وقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال الكلبي: من سائر الخلق (٨).

стр. 10687

وقال مقاتل: [ومما لا يعلمون من الخلق] (١) (٢). وقال الزجاج: (ومما لا يعلمون مما خلق الله من جميع الأنواع والأشباه) (٣)، والمعنى: أن الله خالق الأنواع مما يعلمون، وهو ما ذكر من النبات والأنفس، ومما لا يعلمون بما لا يقف عليها من دواب البر والبحر وغيرها من الأشياء التي لا نعلمها (٤). ٣٧ - وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: علامة تدل على قدرتنا. ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: [..] (٥) ويذهب به (٦). قال أبو عبيدة: (نخرج ونميز منه فيجيء الظلمة، يقال للرجل: سلخه الله من دينه) (٧). وقال الفراء: (معناه نسلخ عنه النهار فرمي بالنهار عنه فيأتي بالظلمة) (٨). وقال الزجاج: (نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء في ضوء النهار (٩). هذا كلامه. ومعنى السلخ في اللغة: كشطك الإهاب، ثم تستعمل فيه أشياء كثيرة تكون بمعنى الإخراج، والإنسلاخ: الخروج، كقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] وانسلخت الشمس أي استكملت أيامه (١٠). وقد مر

стр. 10688

الكلام في هذا (١). وتحقيق معنى نسلخ (٢) من النهار: أن الظلمة هي الأصل والنهار داخل عليها يسترها بضوئه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي كشط وأزيل كما يكشط (٣) الشيء الطارئ على الشيء، فجعل ذهاب الضوء ظهور الظلمة كالسلخ من الشيء فيظهر المسلوخ بعد سلخ إهابه (٤). قال أبو علي: (وآية ترتفع بالإبتداء، ولهم صفة للنكرة، والخير مضمر تقديره: وآية لهم في المشاهدة أو في الوجود) (٥). وقوله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ الآية كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفسير للوصية) [النساء: ١١] قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلمة. يقال: أظلمنا، أي: دخلنا في ظلام الليل، وجاء فلان مظلمًا أي بليل. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها (٦).

стр. 10689

قال المبرد وابن قتيبة: أي إلى مستقر لها، كما تقول: هو (١) يجري لغايته وإلى غايته (٢). واختلفوا في مستقر الشمس، فروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: "مستقرها تحت العرش" (٣) وهو قول ابن عباس قال: يريد تحت عرش الرحمن (٤). وعلى هذا هي إذا غربت كل نهار استقرت تحت عرش الرحمن إلى أن تطلع، يدل عليه ما روى أبو ذر أنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: "أتدري أين تغرب؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يذهب بها حتى ينتهي تحت العرش ثم تستأذن فيؤذن بها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها" (٥). وقال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه (٦). ونحو هذا قال مقاتل (٧)

стр. 10690

وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند إنقضاء الدنيا، وهو اختيار أبي إسحاق فقال: (لمستقرها أي: لأجل قد أجل لها) (١). وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى منازلها حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها؛ لأنها لا تجاوزه (٢). وعلى هذا (لمستقرها) أي: لمستقر لسيرها لا يزيد إذا انتهى إليه انصرف ورجع. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: ذلك الذي ذكره من أمر الليل والنهار والشمس. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بما قدر من أمرها. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ: والقمر بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: وآية لهم القمر، كما ذكرنا في قوله: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ و ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾. ويجوز أن يكون ابتداء وقدرناه الخبر، والنصب على: وقدرنا القمر قدرناه، وقد حمله سيبويه على: زيدًا أضربته، قال: وهو عربي. هذا كلام أبي إسحاق وأبي علي (٣). وقال الفراء: في القمر (٤) أعجب إلى؛ لأنه قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل، وهما آيتان مثله (٥).

стр. 10691

وقال أبو عبيدة: النصب أحب إلي؛ للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فالمتقدم قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، والمتأخر قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ والتقدير في الآية: قدرناه ذا منازل، كما ذكرنا في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (١) ثم حذف المضاف (٢). ومنازل القمر معروفة، وهي: ثمانية وعشرون منزلة، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه تم فإذا صار في آخر منازله دق وذلك (٣) قوله: (٤) ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال أبو إسحاق: (العرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، وهو فعلول من الانعراج، وإذا جف وقدم دق وصغر، يشبه (٥) به الهلال في آخر الشهر وفي أول مطلعه) (٦). واستقوس (٧) فشبه القمر ليلة ثماني وعشرين، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: فسار في منازله حتى عاد كالعرجون، ودل قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (٨) على هذا المحذوف وهو السير؛ لأن كونه ذا منازل يقتضي سيره

стр. 10692

فيها. وقال الكلبي: كالعرجون اليابس قد حال عليه الحول فتوش (١) (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣). والعرجون على ما ذكر أبو إسحاق من الثلاثي؛ لأنه (٤) جعل النون زائدة، وذكره الليث في باب الرباعي فقال: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انمحق. قال: والعرجنة تصوير عراجين النخل (٥). وقال رؤبة: في خدر مياس الدجى معرجن (٦) أي: مصور فيه صورة النخل (٧) والدمى. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال الكلبي: لا تجري الشمس في سلطان القمر فيذهب بصره. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فيجئ قبل وقته (٨). وقال مقاتل: يقول: فلا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على

стр. 10693

ضوئه (١). وحقيقة المعنى ما ذكره أبو إسحاق فقال: أي لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر (٢). وشرح ابن قتيبة معنى ما ذكره المفسرون فقال: (في هذه الآية يقول الله تعالى إنهما يسيران الدهر دائبين لا يجتمعان، فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوئه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل، وقد قال الله تعالى حين ذكر يوم القيامة: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وذلك عند إبطال هذا التدبير ونقض هذا التأليف، وكما لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، وهو قوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: هما يتعاقبان، فلا يذهب الليل قبل مجيء النهار (٣) وهذا معنى آخر سوى الأول. وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، يعني الشمس والقمر والنجوم. وقال أبو إسحاق: (أي يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك: السباحة في الماء) (٤). وسبق في سورة الأنبياء تفسير قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٥).

стр. 10694

٤١ - وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾. قال مقاتل: وعلامة لكفار مكة. ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: ذرية أهل مكة في أصلاب آبائهم وعلى هذا المراد بالذرية: الأولاد وأولادهم كانوا في أصلاب من حمل مع نوح في سفينة (١). وقال آخرون: المراد بالذرية هاهنا الآباء والأجداد، والمعنى: حملنا آبائهم الذين هؤلاء من نسلهم في الفلك المشحون. قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء، واحتج بهذه الآية (٢). وقال (٣) الفراء: جعل ذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة؛ لأنها أجل لهم (٤). وقال الزجاج: قيل لأهل مكة حملنا ذريتهم؛ لأن من حمل مع نوح فهم آباؤهم وذرياتهم (٥). فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء. وقد كشف صاحب النظم على هذا فقال: جعل الله تعالى الآباء ذرية للأبناء، وجاز ذلك. لأن الذرية مأخوذة من: ذرأ (٦) الله الخلق، فسمى الولد ذرية؛ لأنه ذرى من الأب، فكما جاز أن يقال للولد: ذرية لأبيه، لأنه ذري منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن؛ لأن ابنه ذري

стр. 10695

منه، فالفعل يتصل به من أحد الوجهين، وهذا كما تقول في المصدر فإنه سمي (١) به الفاعل مرة والمفعول أخرى، نحو: درهم ضرب الأمير، ونسج اليمن، وكقول ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] أي: غائرًا وهو كثير، وكذلك يضاف المصدر (٢) إلى الفاعل مرة ومرة إلى المفعول، لاشتماله عليهما واشتراكهما في التسمية به. والمشحون: المملوء. قال أبو عبيدة: يقال: شحنت المدينة وأشحنتها، إذا ملأتها (٣). قال مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب (٤). ٤٢ - وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد السفن مثل مركب نوح. وهذا قول مقاتل والحسن وأبي صالح والسدي عن أبي مالك. كل هؤلاء قالوا: يعني السفن الصغار، فإنها عملت بعد سفينة نوح على صنعتها (٥). وقال آخرون: يعني الإبل. وهو قول عكرمة وعبد الله بن شداد (٦). وذكر الكلبي القولين جميعًا، وقال: في البحر السفن، وفي البر الإبل (٧). والظاهر القول الأول؛ لأنه قال: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، والسفن هي التي

стр. 10696

تشبه ما عمله نوح، وهي أيضًا من الخشب الذي هو من خشب سفينة نوح. ومن ذهب إلى الإبل احتاج أن يجعل (مِنْ) زائدة، ويجعل الإبل من (١) السفينة في أنها تحمل الإنسان في البر كما تحمله السفينة في البحر، فهو مثلها في العمل والحمل لا في الصورة والخلقة، ويدل على صحة القول الأول: ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ والإغراق يكون بالماء في البحر، والمراد بهذا أن الله تعالى ذكر منته على أنه خلق لهم الخشب حتى عملوا مثل سفينة نوح وركبوه للتجارات، ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم ولو شاء أغرقهم فلم (٢) يغثهم أحد ولم ينقذهم، وهو قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: لا مغيث لهم. وهو قول الجميع (٣). والصريخ هاهنا بمعنى المصرخ. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ هو أي: من الغرق. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلصه، وتقدير قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: فليس لهم صريخ، كما تقول: إن شاء ضربك فلا ناصر لك. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ قال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من عذابي (٤). ٤٤ - وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلا أن يرحمهم (٥) ويمنعهم إلى آجالهم. قال ابن عباس: وذلك أن الكافر متعه الله في الدنيا

стр. 10697

ورزقه فيها وجعلها جنته، فإذا ركب السفينة سلمه الله ورزقه حتى يموت (١). وكل نبي إذا كذبه قومه عجل لهم العذاب، إلا محمدًا ﷺ فإنه أخر العذاب عمن كذبه إلى الموت وإلى القيامة، وهو معنى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. قال أبو إسحاق: (رحمة منصوب مفعول لها المعنى: لا ينقذون إلا لرحمة منا ولمتاع إلى حين) (٢). وهذا ليس بالظاهر القوي. قال أبو عبيدة: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ مجازها مجاز المصدر الذي فعله بغير لفظه، وأنشد قول رؤبة: إن نزارًا أصبحت نزارا ... دعوةَ أبرارٍ دعوا أبرارًا (٣) " (٤) يعني: دعوا دعوة أبرار، كذلك المعنى في الآية: إلا أن يرحمهم رحمة، والمتاع هاهنا اسم أقيم مقام المصدر كالأداء والسراج. ٤٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ اختلفوا في هذا، فقال مقاتل وقتادة: ما بين أيديكم عذاب الأمم الخالية، وما خلفكم عذاب الآخرة (٥). وعكس الكلبي فقال: ما بين أيديكم من أمر

стр. 10698

الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بما فيها من زهرتها (١). وقال مجاهد: ما بين أيديكم ما يأتي من الذنوب، وما خلفكم ما مضى منها (٢). وذكر أبو إسحاق على القلب من هذا فقال: ما بين أيديكم ومما أسلفتم من ذنوبكم، وما خلفكم وما تعملونه فيما تستقبلون (٣). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لكي ترحموا (٤). وقال أهل المعاني: لتكونوا على رجاء رحمته، وهو قول أبي إسحاق (٥). وذكرنا هذا فيما تقدم أولاً (٦)، وجواب إذا محذوف على التقدير: إذا قيل لهم هذا أعرضوا، يدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: عبرة ودلالة تدل على صدق محمد ﷺ كاشتقاق (٧) القمر وغيره من الآيات. ٤٦ - وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾. وفيه جواب لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾؛ لأن المعنى: إذا قيل

стр. 10699

لهم اتقوا أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا) (١). ونحو هذا قال الكسائي: إن هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ وفيه معنى جواب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (٢) (٣). ٤٧ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قال الكلبي: كان [من] (٤) أصحاب رسول الله ﷺ يجتمعون إليه بمكة وهم يومئذ فقراء، فيخرجون فيسألون، فيقول أهل مكة: لا والله لا نتصدق عليكم بشيء وأنتم على غير ديننا حتى ترجعوا إليه، فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: انفقوا على المساكين ما زعمتم من أموالكم أنه لله، وذلك أنهم كانوا يقولون هذا على حد الاستهزاء (٦). وذكر غيره أنهم ذهبوا في قولهم أن الله تعالى لما كان قادرًا على إطعامهم وليس يشاء إطعامهم فنحن أحق بذلك، على أي وجه قالوه فقد أخطأوا؛ لأنهم إن قالوه استهزاء فلا إيمان لهم بمشيئة الله. ويقوي هذا الوجه ما روى معمر عن الكلبي: أنها نزلت في الزنادقة (٧). وإن قالوه على

стр. 10700

أنهم يوافقون مشيئة الله، فلا يطعمون من لم يطعمها الله، فقد أخطأوا؛ لأن الله تعالى لو شاء لأغنى الخلق كلهم ولكنه قسم المعيشة بينهم، فأغنى بعضًا وأفقر بعضا؛ ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من ماله من الزكاة وندبه إليه من التطوع بالمساواة؛ ليصح التكليف والابتلاء وأن يعترض (١) على المشيئة. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريدون المؤمنين (٢). وقال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: ثم قالوا لأصحاب النبي ﷺ : ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قالوا في اتباعكم محمدًا وترك ديننا (٣). وقال الكلبي: يقول الله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي خطأ بين (٤) (٥). ٤٨ - وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال

стр. 10701

مقاتل: يعني العذاب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل (١). وقال الكلبي: متى هذا الوعد الذي تعدنا به من القيامة إن كنتم صادقين في ذلك (٢). قال أبو إسحاق: أي: متى إنجاز هذا الوعد، إن كنتم صادقين فأرونا ذلك (٣). ٤٩ - قال الله تعالى: [..] (٤) ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى (٥). والمعنى أن القيامة تأتيهم بغتة، تأخذهم الصيحة وهم يخصمون، أىِ: يختصمون. قال ابن عباس: يريد البيع والشراء (٦). قال الكلبي: يتكلمون ويتبايعون في أسواقهم (٧). وقال مقاتل: وهم أعز ما كانوا يتكلمون في الأسواق والمجالس (٨). وقال قتادة: تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه،

стр. 10702

فيصيح (١) بهم وهم كذلك (٢). وقال أبو إسحاق: تقوم الساعة وهم متشاغلون في تصرفاتهم (٣). وفي قوله: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ وجوه من القراءة، أجودها فتح الخاء مع تشديد الصاد، والأصل: يختصمون، فألقيت حركة الحرف المدغم -وهو التاء- على الساكن الذي قبله -وهو الخاء- وهذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم: ردَّ وفرَّ وغضَّ، [فألقوا حركة العين على الساكن، وذلك أن الأصل: ردد وافرر واغضض] (٤). ويلي الوجه الأول في الجودة قراءة من قرأ بكسر الخاء، ووجهه أنه حرك الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنه لم يلق حركة التاء على الفاء. وقرأ أهل المدينة بالجمع بين ساكنين والخاء والحرف المدغم. قال الزجاج: وهو أشد الوجود وأردؤها (٥). وقال أبو علي: من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان إدغامًا يعلم فساده بغير استدلال (٦). وقرأ حمزة: يخصمون، ساكنة الخاء مخففة الصاد، وهي قراءة يحيى ابن وثاب. قال الفراء: (من قرأ على قراءة يحيى فيكون تفعلون من الخصومة،

стр. 10703

كأنه قال: وهم يتكلمون. قال: ووجه آخر: وهم في أنفسهم يخصمون من وعدهم الساعة، وهم يغلبون عند أنفسهم من قال لهم أن الساعة آتية) (١). وذكر (٢) أبو إسحاق هذين الوجهين فقال: (في هذه القراءة أنها جيدة أيضًا، ومعناها أنها تأخذهم وبعضهم يخصم بعضًا. قال: ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون، فتقديره: يخصم بعضهم بعضًا، فحذف المضاف، وحذف المفعول به كثير في التنزيل وغيره. قال: ويجوز أن يكون المعنى: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به، ومعنى يخصمون يعلنون خصومهم في الخصام (٣) انتهى كلامه. والوجه الأول في معنى هذه القراءة كمعنى سائر الوجوه من القراءة؛ لأنه بمعنى يخصم بعضهم بعضًا في تخاصمهم ومكالمتهم في متصرفاتهم (٤) يغلب بعضهم بعضًا متشاغلين بكلامهم، وليس بمعنى الغلبة في الخصومة في الساعة كما ذكر في الوجه الثاني (٥). فإن قيل: إن هؤلاء الذين أخبر عنهم ما هم قالوا متى هذا الوعد انقرضوا صاروا رمادًا، فكيف يخبر عنهم بأن الساعة تقوم عليهم وهم يختصمون؟ قيل: يراد بهذا من هو على مثل حالهم من المكذبين بالساعة،

стр. 10704

والقوم إذا كان أمرهم واحداً كان الخبر عن بعضهم في ذلك الأمر كالخبر عن جميعهم. ٥٠ - ثم ذكر أن الساعة إذا (١) أخذتهم بغتة لم يقدروا على الإيصاء بشيء، فقال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ قال مقاتل: يقول عجلوا عن الوصية فماتوا (٢). وقال أبو إسحاق: لا يستطيع أحد أن يوصي وصية في شيء من أمره (٣). ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لا يلبث أن يصير إلى أهله ومنزله، يموت في مكانه. وقال مقاتل: يقول ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق (٤). وهذا قول المفسرين (٥). وقال الكلبي: ولا إلى أهلهم يرجعون الكلام (٦). وذكر الفراء هذا القول أيضًا فقال: أي لا يرجعون إلى أهليهم قولًا (٧). ٥١ - قال مقاتل: أخبرهم الله بما يقولون في النفخة الأولى، ثم

стр. 10705

أخبرهم بما يقولون في النفخة الثانية إذا بعثوا بعد الموت، وذلك قوله (١): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الثانية (٢). ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ يعني: القبور، واحدها جدث. قال أبو عبيدة: وهي لغة أهل العالية، وهي أهل نجد يقولون: جدث (٣). ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ قال مقاتل: يخرجون إلى الله من قبورهم أحياء (٤). وقال الزجاج: ينسلون يخرجون بسرعة (٥). قال المبرد (٦): يقال للإنسان إذا غدا عجلا: نسل، والريب ينسل وينسل، وأنشد الجعدي: عَسَلاَن الذئبِ أمسى قاربًا ... برد الليل عليه فَنَسلْ (٧)

стр. 10706

ابن السكيت: يقال: نسل في العدو ينسل نسلانًا (١). وقد يقال في مصدره: النسل، ومنه الحديث: شكونا إلى رسول الله ﷺ الضعف فقال: "عليكم بالنسل" (٢). وقال ابن الأعرابي: النسل ينشط، وهو الإسراع في المشي (٣). ٥٢ - قال مقاتل: فلما رأوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق (٤). فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. قال المفسرون: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون. قال مقاتل: إن أرواح الكفار كانت تعرض على منازلها من النار طرفي النهار (٥) وكل يوم، فلما كان بين النفختين رفع فرقد تلك الأرواح، فلما بعثوا في النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل (٦) فقالوا: ﴿وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. قال أبي بن كعب: ينامون قبل البعث نومة (٧).

стр. 10707

قال أبو هريرة: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر عليهم ماء من تحت العرش، فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا تكاملت أجسادهم نفخ فيها الروح، ثم تلقى عليهم نومة، فبينما هم في قبورهم إذ نفخ في الصور، فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: (١) ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. وأكثر القراء وأهل المعاني على أن الوقف تام عند قوله (٢): ﴿مَرْقَدِنَا﴾، ثم يبتدئ فيقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. قال ابن عباس: تقول الملائكة: هذا ما وعد الرحمن على ألسنة الرسل أن يبعث بعد الموت، ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ بأن البعث حق (٣). وذهب آخرون إلى أن هذا من قول المؤمنين. روي عن أبي بن كعب أنه قال: فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤). وقال قتادة: أولها للكافرين وآخرها للمؤمنين قال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون،

стр. 10708

ونحو هذا قال مجاهد (١)، واختاره الزجاج (٢). والقول الأول اختيار الفراء (٣). وهذا في موضع رفع، كأنك قلت: هذا وعد الرحمن. وذهب قوم إلى أن الوقف على قوله هذا، على أن يكون هذا من نعت مرقدنا، ثم تبتدئ: ما وعد الرحمن، حكى ذلك النحاس (٤)، وذكره الفراء (٥)، والزجاج. قال الزجاج: (إذا وقفت على قوله هذا، كان ما وعد الرحمن على ضربين أحدهما على إضمار هذا. والثاني على إضمار حق، فيكون المعنى: حق ما وعد الرحمن. قال: والقول الأول -أعني ابتداء هذا- عليه التفسير، وهو قول أهل اللغة) (٦). ٥٣ - ثم ذكر النفخة الثانية فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية، وهي ظاهرة، وكذلك ما بعدها، ثم ذكر جل وعز أوليائه فقال: ٥٤ - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة (٧). ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وقرئ: شُغْل، وهما لغتان (٨).

стр. 10709

قال ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة: يريد افتضاض العذارى والأبكار (١). وقال مقاتل: شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار، فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم (٢). وروى مجاهد عن ابن عباس: شغلوا بفضة العذارى (٣). وقال أبو الأحوص (٤): شغلوا بافتضاض (٥) الأبكار على السرر في الحجال. وقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون (٦).

стр. 10710

وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي (١). وهذان القولان عليهما أهل التفسير، ولكل منهما أصل في اللغة، فمن قال: فاكهون ناعمون (٢). فأصله من الفكيهة والفاكهة، وهي المزاح والكلام الطيب، يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهة. روى أبو عبيد عن أبي زيد: الفكه الطيب النفس الضحوك. روى شمر عنه: رجل فكه وفاكهة (٣)، وهو الطيب النفس المزاح (٤)، وأنشد أبو عبيدة: فكه العشي إذا تأدب رحله ... رَكْبُ الشتاءِ مسامح في الميسر (٥) [وأنشد أيضًا]: (٦) فكِهٌ لدى جنبِ الخِوانِ إذا أتت ... نكباءَ تقلعُ ثابت الأطنابِ (٧) قال الفراء والزجاج والكسائي: الفاكه والفكه كالحاذر والحذر

стр. 10711

والفاره والفره ولم يسمع في الثلاثي فعل (١). قال الأخفش: ولم أسمع فكه يفكه (٢). ويجوز أن تكون الفاكه كاللابن والتامر، وهو قول أبي عبيدة والأخفش. قال أبو عبيدة: (من قرأها فاكهون، معناه صاحب فاكهة، أي: كثير الفاكهة، وأنشد للحطيئة فقال: وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمر (٣)) (٤). وقال أبو الحسن: فاكهون به وفاكهة وذو الفاكهة ناعم (٥). فلذلك قال المفسرون في تفسير الفاكه: أنه الناعم، ومن قال: الفاكه المعجب، فإن العرب تقول: فكهنا من كذا، أي: تعجبنا، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أي: تعجبون (٦). ٥٦ - وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يعني حلائلهم من الحور العين [..] (٧). ومنه قوله: ﴿ظِلَالٍ﴾، قال مقاتل: يعني أكنان القصور (٨). وذكرنا

стр. 10712

معنى الظلال عند قوله: (يتفيأ ظلاله) [النحل: ٤٨]. وقرئ: ظلل، وذكرنا معناها عند قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١). وتفسير الأرائك مذكور في سورة الكهف (٢). قال أبو علي الفارسي: (الظلل جمع ظلة، مثل غرفة وغرف، والظلال يجوز أن يكون جمع ظلة أيضًا كعبلة وعلاب، [وجفرة] (٣) وجفار، وبرمة وبرام. ويجوز أن يكون جمع ظلل) (٤). قال أبو عبيدة في هذه الآية: (في ظلال واحدها ظلة والجمع الظلل، وهو الكن لا يصحوا، وقال: الأرائك واحدها أريكة، وهي الفرش في الحجال، وأنشد قول ذي الرمة: حدود جفت في السير حتى كأنما ... يباشرن بالمعزاء مس الأرائك (٥)) (٦)

стр. 10713

ونحو هذا قال أبو إسحاق (١). وأما المفسرون فإنهم قالوا في تفسير الأرائك: إنها السرر عليها الحجال، وهو قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل (٢). وقال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرًا في قبة علية شواره ومخدة (٣). وقال الكلبي: الأرائك السرر في الحجال، لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقتا فليس بأريكة (٤). ٥٧ - وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن (٥)، ونحو هذا قال ابن قتيبة (٦). والزجاج قال: هو مأخوذ من الدعا، المعنى: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم (٧). قال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون (٨). وهو قول مقاتل (٩).

стр. 10714

وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني (١). والسؤال معنى وليس بتفسير. وحقيقة تفسيره ما ذكره الزجاج: أي ما يدعونه أهل الجنة فهو لهم؛ لأن الادعا افتعال من الدعا، فيدعون بمعنى يدعون (٢). ٥٨ - وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا﴾. قال أبو إسحاق: سلام بدل من ما، المعنى: لهم سلام بقوله ﴿قَوْلًا﴾ (٣). وهذا الذي ذكره الزجاج معنى قول أبي عبيدة: سلام رفع على لهم عملت فيه، وقولًا خرجت مخرج المصدر الذي يخرج من غير لفظ فعله (٤). أي: يقولون ذلك قولًا. ونحو هذا قال الفراء والكسائي (٥). قال ابن عباس: يرسل الرحيم إليهم بالسلام (٦). وقال الكلبي: يرسل إليهم ربهم الملائكة في جناتهم بالتحف من عنده وبالسلام (٧). وقال مقاتل: إن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب، يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم (٨). فهؤلاء قالوا: إن الله يرسل إليهم بالسلام.

стр. 10715

وروى جابر عن النبي ﷺ : "إن الله يشرف على أهل الجنة فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة". فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١). وهو قول كعب القرظي (٢). ٥٩ - وقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ أي: انقطعوا وتميزوا منهم، يقال: أمزت الشيء من الشيء أميزه، إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز (٣). وقال ابن عباس: يقول تنحوا أيها المشركون (٤). وقال مقاتل: اعتزلوا اليوم -يعني: في الآخرة- من الصالحين (٥). وقال السدي: كونوا على حده (٦). وهذا قول أكثر المفسرين (٧)، واختيار أبي إسحاق قال: معناه: انفردوا عن المؤمنين (٨). وقال الضحاك: هم يفرد كل واحد من أهل النار بيتاً ويرد بابه،
следующие страницы →