← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

والفاره والفره ولم يسمع في الثلاثي فعل (١). قال الأخفش: ولم أسمع فكه يفكه (٢). ويجوز أن تكون الفاكه كاللابن والتامر، وهو قول أبي عبيدة والأخفش. قال أبو عبيدة: (من قرأها فاكهون، معناه صاحب فاكهة، أي: كثير الفاكهة، وأنشد للحطيئة فقال: وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمر (٣)) (٤). وقال أبو الحسن: فاكهون به وفاكهة وذو الفاكهة ناعم (٥). فلذلك قال المفسرون في تفسير الفاكه: أنه الناعم، ومن قال: الفاكه المعجب، فإن العرب تقول: فكهنا من كذا، أي: تعجبنا، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أي: تعجبون (٦). ٥٦ - وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يعني حلائلهم من الحور العين [..] (٧). ومنه قوله: ﴿ظِلَالٍ﴾، قال مقاتل: يعني أكنان القصور (٨). وذكرنا

стр. 10712

معنى الظلال عند قوله: (يتفيأ ظلاله) [النحل: ٤٨]. وقرئ: ظلل، وذكرنا معناها عند قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١). وتفسير الأرائك مذكور في سورة الكهف (٢). قال أبو علي الفارسي: (الظلل جمع ظلة، مثل غرفة وغرف، والظلال يجوز أن يكون جمع ظلة أيضًا كعبلة وعلاب، [وجفرة] (٣) وجفار، وبرمة وبرام. ويجوز أن يكون جمع ظلل) (٤). قال أبو عبيدة في هذه الآية: (في ظلال واحدها ظلة والجمع الظلل، وهو الكن لا يصحوا، وقال: الأرائك واحدها أريكة، وهي الفرش في الحجال، وأنشد قول ذي الرمة: حدود جفت في السير حتى كأنما ... يباشرن بالمعزاء مس الأرائك (٥)) (٦)

стр. 10713

ونحو هذا قال أبو إسحاق (١). وأما المفسرون فإنهم قالوا في تفسير الأرائك: إنها السرر عليها الحجال، وهو قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل (٢). وقال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرًا في قبة علية شواره ومخدة (٣). وقال الكلبي: الأرائك السرر في الحجال، لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقتا فليس بأريكة (٤). ٥٧ - وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن (٥)، ونحو هذا قال ابن قتيبة (٦). والزجاج قال: هو مأخوذ من الدعا، المعنى: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم (٧). قال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون (٨). وهو قول مقاتل (٩).

стр. 10714

وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني (١). والسؤال معنى وليس بتفسير. وحقيقة تفسيره ما ذكره الزجاج: أي ما يدعونه أهل الجنة فهو لهم؛ لأن الادعا افتعال من الدعا، فيدعون بمعنى يدعون (٢). ٥٨ - وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا﴾. قال أبو إسحاق: سلام بدل من ما، المعنى: لهم سلام بقوله ﴿قَوْلًا﴾ (٣). وهذا الذي ذكره الزجاج معنى قول أبي عبيدة: سلام رفع على لهم عملت فيه، وقولًا خرجت مخرج المصدر الذي يخرج من غير لفظ فعله (٤). أي: يقولون ذلك قولًا. ونحو هذا قال الفراء والكسائي (٥). قال ابن عباس: يرسل الرحيم إليهم بالسلام (٦). وقال الكلبي: يرسل إليهم ربهم الملائكة في جناتهم بالتحف من عنده وبالسلام (٧). وقال مقاتل: إن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب، يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم (٨). فهؤلاء قالوا: إن الله يرسل إليهم بالسلام.

стр. 10715

وروى جابر عن النبي ﷺ : "إن الله يشرف على أهل الجنة فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة". فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١). وهو قول كعب القرظي (٢). ٥٩ - وقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ أي: انقطعوا وتميزوا منهم، يقال: أمزت الشيء من الشيء أميزه، إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز (٣). وقال ابن عباس: يقول تنحوا أيها المشركون (٤). وقال مقاتل: اعتزلوا اليوم -يعني: في الآخرة- من الصالحين (٥). وقال السدي: كونوا على حده (٦). وهذا قول أكثر المفسرين (٧)، واختيار أبي إسحاق قال: معناه: انفردوا عن المؤمنين (٨). وقال الضحاك: هم يفرد كل واحد من أهل النار بيتاً ويرد بابه،

стр. 10716

فيكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى. وعلى هذا امتيازهم: أن يمتازوا بعضهم من بعض (١). ٦٠ - وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: ألم آمر ولم أوص، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] وقد مر. قال ابن عباس: ألم أقدم إليكم (٢). وقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم، يعني على لسان الرسل (٣). ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال (٤). ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا يطيعوا إبليس في الشرك. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ من العداوة إخراج أبويكم من الجنة. قاله ابن عباس (٥). قال سعيد بن جبير والكلبي: من أطاع الشيطان فقد عبده (٦). ٦١ - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني. قال ابن عباس: أطيعوني (٧). وقال مقاتل: وحدوني (٨). ﴿هَذَا﴾ يريد الذي جاء به محمد ﷺ . ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٩) يعني: دين الإسلام. ثم ذكر عداوته لبني

стр. 10717

آدم فقال: [..] (١) ٦٢ - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ أي: عن الهدى. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ فيه وجوه من القراءة: جُبُلًا وجُبْلَّا بالضم وتشديد اللام قال: وجبل وجِبِلَّة لغات كلها (٢). ونحو هذا قال أبو عبيدة، قال: ومعناها: الخلق والجماعة (٣). وقال الليث: الجبلة الخلق خلقهم الله فهم مجبولون، وأنشد: بحيث شد الجبابل المجابلا (٤). أي: حيث شد أسر خلقه (٥). وجبل الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع، فهو مجبول عليه. قال ابن عباس ومجاهد والمفسرون: خلقًا كثيرًا (٦). قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد ما رأيتم من الأمم قبلكم ألم تعقلوا فتعتبروا بما رأيتم من الأمم قبلكم (٧).

стр. 10718

٦٣ - قال مقاتل: فلما دنوا من النار، قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا فتكذبون (١). ٦٤ - ﴿اصْلَوْهَا﴾: قاسوا حرها وشدتها. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم بما كان في الدنيا. ٦٥ - وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾. قال مقاتل والكلبي: وذلك أنهم أنكروا الشرك والتكذيب، فيختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بإذن لها في الكلام، فشهدت عليهم بما عملوا (٢). ٦٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس (٣). قال أبو عبيدة (٤) والمبرد (٥) والزجاج (٦) في هذه الآية: يقال: عين طمس ومطموس، وهو الذي لا يرى شق عينه ولا يتبين جفنه. وذكرنا في تفسير هذه الآية قولين. قال مقاتل: يقول: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا طريق الهدى، ثم

стр. 10719

قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟ (١). ونحو هذا قال الكلبي (٢). القول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ وهذا قول الحسن وقتادة والسدي (٣). وهو الاختيار لأن الله تعالى يهددهم بهذه الآية كالتي بعدها كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. وهذا القول اختيار المبرد والزجاج. قال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟ (٤). وقال الزجاج: أي لو (٥) نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الطريق، فمن أين (٦) يبصرون؟. وذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]. والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم. قال الأزهري: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف

стр. 10720

من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة (١) هذا كلامه ويدل على صحته قول أبي إسحاق (٢): عدلوا عن الطريق [في هذه الآية] (٣) ومعنى عدلوا عن الطريق ما ذكره الأزهري: جازوا الصراط وخلفوه. ويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى (٤). ومعنى الاستباق في هذا القول ما ذكروا في القول الأول معناه: فاهتدوا الطريق. قال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم (٥). وفي هذا القول عدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله (٦): ٦٧ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد لمسخت أبا جهل وكل من معه، على مكانتهم: يريد بالموضع الذي كانوا فيه قعودًا (٧).

стр. 10721

قال أبو عبيدة (١) والزجاج (٢): المكانة والمكان واحد. وهذا مما تقدم القول فيه. وقال مقاتل: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: يقول لا يتقدمون ولا يتأخرون (٣). وقال ابن عباس: لم يتقدموا ولم يتأخروا (٤). وقال أبو إسحاق: أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء (٥). هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير الآية، وقال قتادة: يقول لو نشاء لجعلناهم كسحا لا يقومون (٦). والكسح جمع الأكسح، وهو المقعد. والقول هو الأول؛ لأن معنى المسخ تحويل الصورة إلى صورة ذي روح كالقرد والخنزير، ولم يصح عنده هذا المسخ في الآية مع قوله: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ فعدل إلى المسخ بالإقعاد، وليس كما ظن فإنه؛ يقال: مسخه الله حجرًا، وقد أوضح ذلك مقاتل. ٦٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ وقرئ: نُنَكَّسه، بالتشديد، يقال: نَكسته (٧) أنكسه وأنكسه، ونكسته

стр. 10722

أنكسه (١). وقد ذكرنا معنى النكس عند قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء. ٦٥] (٢). قال الأخفش: ننكسه هو كلام العرب، ولا يكادون يقولون: نكسته، إلا لما يقلب فيجعل (٣) رأسه أسفله (٤). قال مقاتل: يعني أدرك العمر (٥). وقال أبو إسحاق: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة ضعفًا وبدل الشباب هرمًا (٦). وهذا معنى قول قتادة: هو الهرم يتغير بصره وقوته، كما رأيت قوله في رواية معمر (٧). وهذا عام في كل من يهرم، تتراجع قوته ويتغير عما كان عليه في شبابه. وقال الكلبي (٨): من نعمره حتى يدركه الهرم يرده في الخلق الأول الذي كان لا يعقل فيه شيئًا. وروي ذلك عن قتادة (٩) قال: ننكسه في الخلق لكي لا يعلم بعد علم شيئًا، يعني: الهرم. وهذا لا يعم؛ لأنه ليس كل من عمر صار إلى الفند، على أن ابن عباس خص الآية بالكافر فقال في رواية

стр. 10723

عطاء: ومن نعمره يريد المشركين، نرده إلى ذهاب العقل، كما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] يريد الكافرين من ولد آدم (١). فالنكس على هذا القول ردّه من حالة العلم إلى حالة الجهل، وعلى القول الأول من القوة إلى الضعف ومن الشباب إلى الشيب، ومن الزيادة إلى النقصان. وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: فليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان، قدر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء، فلقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾. ٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي (٢) ومقاتل (٣): نزلت في مشركي مكة، حين قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر ساحر كذاب، فقال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال ابن عباس: يريد ما (٤) ينبغي له الشعر، ما كان يروي بيت شعر ولا يقومه مستقيماً (٥). قال أبو إسحاق: وما يتسهل ذلك (٦). وأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر (٧). وكان

стр. 10724

النبي ﷺ بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسراً، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة (١) وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس (٢) يقول: كلي (٣) الإسلام والشيب للمرء ناهيًا (٤) وكان يتكلم ببيت طرفة فيقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار (٥)

стр. 10725

فيعاد عليه مستويًا فيقول: إني "لست بشاعر ولا ينبغي لي" (١). والمفسرون ذهبوا إلى أنه ما كان يتسهل له أن يأتي ببيت موزون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. وما روي عنه من الأراجز كقوله: "هل أنت إلا أصبع دميت" (٢). وقوله: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" (٣).

стр. 10726

فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر (١). وقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي ﷺ لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) (٢). وعلى ما ذكر قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه. قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ قال مقاتل: القرآن (٣). ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال ابن عباس: موعظة. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام (٤). ٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: القرآن، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي ﷺ

стр. 10727

أي: لتنذر يا محمد بما في القرآن من الوعيد (١). ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال ابن عباس: يريد مؤمنًا (٢). وقال مقاتل: من كان مهتديًا في علم الله (٣). وقال أبو إسحاق: أي من يعقل ما يخاطب به، فإن الكافر كالميت، وإنه لا يتدبر (٤). وقال أبو علي الفارسي: (يعني المؤمنين؛ لأن الكفار أموات كما قال ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ﴿النحل: ٢٦﴾. وقال: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا لِيُنْذِرَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]) (٥). وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: ويجب الحجة بالقرآن على الكافرين، ثم وعظهم ليعتبروا فقال: [..] (٦) ٧١ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما تولينا خلقه. ﴿أَيْدِينَا﴾ بإبداعنا وإنشائنا واختراعنا، لم نشارك في خلقه ولا خلقناه بإعانة معين ولا إرشاد دليل. وذكر الأيدي هاهنا يدل هذه المعاني التي (٧) ذكرنا وإنما خاطبنا بما نعقل، والألفاظ التي تستعمل نستعملها في مخاطبتنا، والواحد منا إذا قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على توليته

стр. 10728

بعمله وانفراده به (١). وأراد بالأنعام: الإبل والبقر والغنم. وقال المفسرون في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: عملناه. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال مقاتل: يعني لضابطين (٢). وقال الزجاج: (مالكون ضابطون؛ لأن القصد إلى أنها ذليلة لهم، ألا ترى إلى قوله: ٧٢ - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، ومثله قول الشاعر: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير ان نفرا (٣) أي: لا أضبط رأس البعير) (٤). وقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال الليث: الركوب بفتح الراء كل دابة نركب، والركوبة اسم يجمع ما يركب، كالحمولة والركوبة والحلوبة (٥). وقال أبو عبيدة: ركوبهم ما ركبوا، والحلوبة ما حلبوا (٦). قال الأزهري (٧): فعول أكثر ما يجيء الفاعل كالمغفور والشكور،

стр. 10729

ويجيء بمعنى مفعول كالركوب والحلوب، وربما أدخلوا الهاء في هذا الباب، وقد يجيء اسمًا لا صفة كالذنوب، وهو النصيب أو الدلو، وقد يجيء مصدرًا كالقبول والولوغ والزروع [والوزوع] (١). قال مقاتل: (فمنها ركوبهم، يعني: حلوبتهم الإبل والبقر، ومنها يأكلون: الغنم) (٢). ٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يعني بالركوب والحمل والأصواف والأوبار والأشعار والسحال (٣) والفصلان ومنافع كسبها وظهورها (٤). ﴿وَمَشَارِبُ﴾ من ألبانها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ رب هذه النعم فيوحدونه. ٧٤ - ثم ذكر جهلهم وغرتهم (٥) فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٦) أي: لعلهم يمنعون من العذاب باتخاذ الآلهة. ٧٥ - ثم بين أن الأمر ليس على ما يقدرون فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.

стр. 10730

قال ابن عباس: يريد أن الأصنام لا تقدر على نصرهم (١). وقال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمنعهم من العذاب (٢). ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ الآلهة. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. وقال ابن عباس ومقاتل: وهم لهم جند يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا (٣). وهذا قول قتادة والحسن، واختيار أبي إسحاق. قال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم (٤) خيرًا ولا تدفع عنهم شرًّا إنما هي أصنام (٥). وقال الحسن: محضرون لآلهتهم يدفعون عنهم ويمنعونهم (٦). وقال أبو إسحاق: أي هم للأصنام ينتصرون، والأصنام لا تستطيع نصرهم (٧). وهذا القول هو الاختيار (٨). وفيه قول آخر، وهو أن المعنى: والآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، يريد أن العابدين والمعبودين كلهم مجتمعون في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض ولا ينتفع الكفار بعبادتهم ورجائهم نصرتهم. وهذا معنى قول الكلبي، (٩) ورواية معمر

стр. 10731

عن الحسن (١). وعلى هذا القول ﴿هُمْ﴾ كناية عن الآلهة، والكناية في هم الكفار والخلق لفظ للجند على الآلهة بزعمهم، وعلى ما كانوا يقدرون من أنها لهم جند تمنعهم، فقيل: إنهم لهم جند محضرون معهم النار. ثم عزى نبيه ﷺ فقال: [..] (٢) ٧٦ - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في ضمائرهم من الشرك والتكذيب. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ومعنى أنا نعلم ذلك، ثم إذا علم أثاب نبيه على صبره على أذاهم وجازاهم بسوء صنيعهم، وكأنه قال: لا يحزنك ما يقولون، فإنا نثيبك ونجازيهم. ٧٧ - وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد أبي ابن خلف. وهو قول مقاتل (٤)، والأكثرين (٥). وقال سعيد بن جبير (٦): هو العاص بن وائل. وقال الحسن (٧): هو أمية بن خلف، خاصم النبي ﷺ في إنكار البعث، وأتاه بعظم حائل ففته بين يديه، وقال (٨): أيحي هذه الله بعدما

стр. 10732

رم (١) وبلي فأنزل الله [وقوله] (٢): ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة ثم هو يخاصم، وهذا تعجب من جهله وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته (٣). وهذا كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]. وقد مر تفسيره. ٧٨ - ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال مقاتل (٤): وصف لنا شبها، يعني: أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم الحائل، ففته وبذره وينكر إحيائه بعد بلائه ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه. فهذا معنى ضرب المثل هاهنا، وهو أنه بين بما فعله إنكار البعث واعتقداه في استحالة الإعادة، وكان ذلك ضرب مثل الله. أي: فإن قدر على الإحياء والإعادة فليحي هذا العظم. قوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. قال مقاتل: يقول: وترك النظر في خلق نفسه ءأذا خلق من نطفة ولم يك قبل ذلك شيئاً (٥). ثم بين أيش (٦) كان ذلك

стр. 10733

المثل بقوله [..] (١): ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال أبو عبيد: الرميم مثل الرمة، يقال منه: رم العظم، وهو يرم رما، وهو رميم (٢). وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت (٣). وقال أبو عبيدة: الرميم الرفات (٤). وإنما قال رميم بغير هاء، وهو صفة العظام؛ لأنه منقول عن فاعل، فهو غير مبني على الفعل، وإذا لم يبن على الفعل لم يدخله عليه علامة التأنيث. ٧٩ - ثم ذكر جواب المنكر بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ابتدأها أول مرة (٥). قال أبو إسحاق: والقدرة في الإبتداء أبين من الإعادة (٦). وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد حين ابتدأه وحين يعيده (٧). وقال مقاتل: عليهم بخلقهم في الدنيا وعليم بخلقهم بعد الموت (٨). ٨٠ - ثم زاد في البيان وأخبر عن عجيب صنعه مما يشاهدون؛ ليعتبروا ويستدلوا فقال: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. قال

стр. 10734

الكسائي والفراء (١): ذكر الشجر هاهنا، وفي قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ [الواقعة: ٥٢] ذكرها بالتأنيث، ثم ذكر أيضًا في قوله: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، والشجر يؤنث ويذكر كالنخل و [(٢)] قد تقدم الكلام فيه (٣). وقوله: ﴿نَارًا﴾ يعني: ما جعل من النار في المرخ والعفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب وقودها منهما. وقال ابن عباس: ليس من شجر إلا وفيها نار إلا الشجرة (٤) التي كلم الله موسى منها، وهي العناب (٥). وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: تقدحون النار وتوقدونها من ذلك الشجر. قال مقاتل: والذي يخرج من الشجر نارًا وأنتم تبصرونه، والنار تأكل الحطب، فهو قادر على البعث (٦). ومعنى الآية أنه يدلهم على قدرته على البعث بخلقه النار في الشجر الأخضر، ثم إيقادهم النار من الشجر الأخضر. قال مقاتل: ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من الإنسان (٧)، فقال: [..] (٨) ٨١ - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى﴾

стр. 10735

هذا استفهام معناه التقرير، يقول: أو لا يقدر من خلق السموات والأرض على أن يخلق مثلهم. قال مقاتل: أن يخلق في الآخرة مثل خلقهم في الدنيا (١). وعلى هذا المضاف مقدر، وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]. ثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: ﴿بَلَى﴾ أي: هو قادر على ذلك. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ خلقهم في الدنيا ويخلقهم في الآخرة خلقًا جديدًا. ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: بجميع ما خلق (٢). ثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء فقال: [..] (٣) ٨٢ - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وهذا كقوله في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل ٤٠] (٤) الآية وقد تقدم الكلام فيها. ٨٣ - ثم نزه فيها نفسه عن قولهم أنه لا يقدر، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ﴾. قال أبو إسحاق: أي تنزيه من السوء، ومن أن يوصف بغير القدرة (٥). ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مقاتل: يعني خلق كل شيء (٦). قال عطاء: ملك كل شيء (٧).

стр. 10736

وقال الزجاج: أي القدرة على كل شيء (١). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو يبعثكم بعد موتكم. وقال عطاء: يريد مصير عبادي إلى (٢). والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. [والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا] (٣).

стр. 10737

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار من أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى تحقيق د. على بن عمر السجيباني أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهول العتيبي الجزء التاسع عشر

стр. 10738

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار من أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى تحقيق د. على بن عمر السجيباني أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهول العتيبي الجزء التاسع عشر

стр. 10739

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي , علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ محمد بن عبد الله بن سابح الطيار؛ علي بن عمر السحيباني، الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٨٧٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٩) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٨٧٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٩)

стр. 10740

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [١٩]

стр. 10741

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 10742

التَّفْسِيرُ البَّسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار من أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى

стр. 10743

تفسير سورة الصافات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ قالوا جميعًا: يعني الملائكة. وهو قول عبد الله ومسروق ومجاهد وقتادة ومقاتل (١). قال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفًا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله (٢). وقال الكلبي: الملائكة صفوف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة (٣). وذكرنا معنى الصف عند قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وهذا قَسَمٌ أقسم الله تعالى بالملائكة التي تصف (٤) نفسها صفًّا. قال أبو إسحاق: أي هم مصطفون (٥) في السماء (٦).

стр. 10744

وذكر أهل المعاني في القسم (١) وجهين، أحدهما: أن القسم بالله على تقدير ورب الصافات كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ إلا أنه حُذِفَ لما في العلم من أن التعظيم بالقسم لله. والثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه. وذكر أيضًا في التفسير أن المراد بهذا الصف أن الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة لأمر الله حتى يأمرها بما يريد (٢) . والصافات: جمع الصف، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ قال الليث: زجرت البعير فأنا أزجره زجرًا، إذا حبسته ليمضي، وزجرت فلانًا عن سوء فانزجر، أي نهيته فانتهى (٣). قال الشاعر: وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجرُ (٤) فالزجر للإنسان كالنهي وللبعير كالحث. ويقال: زجرته وازدجرته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]. قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ومقاتل: يعني الملائكة (٥). قال ابن عباس: يريد ملائكة وكلوا بالسحاب يزجرونها. ونحو هذا

стр. 10745

قال الكلبي ومقاتل والسدي (١): إن هذا الزجر للسحاب في سوقه وتأليفه. وقال أهل المعاني: الملائكة تزجر عن المعاصي زجرًا، يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف (٢). وقال قتادة: الزاجرات زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى وبزجر عن القبيح المحظور (٣) . ٣ - قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة (٤). قال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله (٥). وقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء (٦). وعلى هذا المراد جبريل، وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، فهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه وينزلون بنزوله (٧). وقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء (٨).

стр. 10746

وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب (١). قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله (٢). قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن (٣). وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة (٤)، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولاً بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات. وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ١ - ٢]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة

стр. 10747

اجتمعت فيهم هذه الصفات (١). ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات (٢)، وعلى ما ذكر أولاً يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين. وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا, لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] (٣) وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان (٤).

стр. 10748

٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس: يريد نفسه لا شريك (١) له. وقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا لمحمد: اجعل الآلهة إلهًا واحداً، فأقسم الله بهؤلاء الملائكة أنه واحد ليس له شريك (٢). ٥ - ثم (٣) نفسه عن شركهم فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من شيء من الآلهة وغيرها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي مطالع الشمس. قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقًا وكذلك المغارب عدد السنة، تطلع الشمس كل يوم في مشرق وتغرب كل يوم في مغرب (٤). ونحو هذا قال قتادة في المشارق والمغارب (٥). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثمانين ومائة مشرق في الشتاء وثمانين ومائة مشرق في الصيف؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من موضع غير الذي طلعت منه بالأمس (٦). وقال في رواية عكرمة: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مائة وستين (٧) كوة تطلع في (٨) كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك

стр. 10749

اليوم من العام المقبل (١) (٢). وأراد المشارق والمغارب فاكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. ٦ - وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قال ابن عباس: يريد التي تلي الأرض (٣). وقال مقاتل: إنما سميت الدنيا لأنها أدنى السماء من الأرض (٤). وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أن يحسنها. وقال ابن عباس: بضوئها (٥). وعلى هذه القراءة المصدر يضاف إلى المفعول به كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]. وقرأ حمزة بزينةٍ منونة وخفض الكواكب، وهي قراءة مسروق والأعمش (٦). قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة (٧). وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة (٨). وقال أبو علي: جعل الكواكب بدلاً من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبىِ عبد الله زيد.

стр. 10750

وقرأ عاصم بالتنوين في الزينة ونصب الكواكب (١). قال الفراء: بتزييننا الكواكب (٢). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلاً من قوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ في موضع نصب. (٣) وقال أبو علي: [أعمل] (٤) عاصم الزينة في الكواكب والمعنى إنا (٥) زينا الكواكب فيها، ومثله قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] (٦). وهذا شرح ما ذكره الفراء. وقال [أبو علي] (٧) صاحب النظم: التأويل إنا زينا السماء الدنيا أي بتزييننا الكواكب وتزيين الكواكب ضوئها ونورها وتأليفها في منازلها (٨). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال أبو إسحاق وغيره: وحفظناها حفظًا (٩). قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة, لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم
следующие страницы →