← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب (١). قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله (٢). قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن (٣). وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة (٤)، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولاً بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات. وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ١ - ٢]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة

стр. 10747

اجتمعت فيهم هذه الصفات (١). ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات (٢)، وعلى ما ذكر أولاً يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين. وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا, لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] (٣) وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان (٤).

стр. 10748

٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس: يريد نفسه لا شريك (١) له. وقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا لمحمد: اجعل الآلهة إلهًا واحداً، فأقسم الله بهؤلاء الملائكة أنه واحد ليس له شريك (٢). ٥ - ثم (٣) نفسه عن شركهم فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من شيء من الآلهة وغيرها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي مطالع الشمس. قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقًا وكذلك المغارب عدد السنة، تطلع الشمس كل يوم في مشرق وتغرب كل يوم في مغرب (٤). ونحو هذا قال قتادة في المشارق والمغارب (٥). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثمانين ومائة مشرق في الشتاء وثمانين ومائة مشرق في الصيف؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من موضع غير الذي طلعت منه بالأمس (٦). وقال في رواية عكرمة: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مائة وستين (٧) كوة تطلع في (٨) كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك

стр. 10749

اليوم من العام المقبل (١) (٢). وأراد المشارق والمغارب فاكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. ٦ - وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قال ابن عباس: يريد التي تلي الأرض (٣). وقال مقاتل: إنما سميت الدنيا لأنها أدنى السماء من الأرض (٤). وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أن يحسنها. وقال ابن عباس: بضوئها (٥). وعلى هذه القراءة المصدر يضاف إلى المفعول به كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]. وقرأ حمزة بزينةٍ منونة وخفض الكواكب، وهي قراءة مسروق والأعمش (٦). قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة (٧). وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة (٨). وقال أبو علي: جعل الكواكب بدلاً من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبىِ عبد الله زيد.

стр. 10750

وقرأ عاصم بالتنوين في الزينة ونصب الكواكب (١). قال الفراء: بتزييننا الكواكب (٢). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلاً من قوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ في موضع نصب. (٣) وقال أبو علي: [أعمل] (٤) عاصم الزينة في الكواكب والمعنى إنا (٥) زينا الكواكب فيها، ومثله قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] (٦). وهذا شرح ما ذكره الفراء. وقال [أبو علي] (٧) صاحب النظم: التأويل إنا زينا السماء الدنيا أي بتزييننا الكواكب وتزيين الكواكب ضوئها ونورها وتأليفها في منازلها (٨). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال أبو إسحاق وغيره: وحفظناها حفظًا (٩). قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة, لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم

стр. 10751

كرامة، وكذلك لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما أي ولا أكيد ولا أهم (١) (٢). قال ابن عباس: يريد وحفظًا للسماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يريد الذي تمرد على الله (٣). وقال مقاتل: وحفظًا للسماء بالكواكب (٤). قال الكلبي: حفظًا للسموات من كل شيطان شديد متمرد، يُرمون بها ولا تُخطيهم (٥)، وذكرنا تفسير المارد عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقوله: ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الحج: ٣] (٦). ٨ - قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ المعنى لئلا يسمعون، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع. قال الفراء: ولو كان في موضع (لا) (أن) لصلح ذلك كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وكما قال: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٧). ويصلح في لا (٨) على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت الفرس لا تفلت بالجزم، وأوثقت عبدي لا يفرق (٩)، وأنشد:

стр. 10752

وحين رأينا أحسن الود بيننا ... مساكنةً لا يقرِفُ الشر قَارِفُ (١) وبعضهم (٢) يقول لا يفرق والرفع لغة أهل الحجاز وبذلك جاء القرآن) (٣). هذا كلامه، ونحو هذا قال صاحب النظم. ويجوز أن يكون هذا ابتداء إخبار (٤) عن الشياطين بأنهم لا يسمعون، ولا يحتاج إلى إضمار شيء، وذلك أنهم إذا منعوا عن السماء بالحراسة لم يسمعوا، وهذا الوجه أبين على قراءة من قرأ بالتخفيف، ومن قرأ بالتشديد لم يظهر هذا الوجه لأنهم يتسمعون ثم يمنعون بالرمي (٥). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠١]. واختار أبو عبيد (٦) التشديد في يسمعون قال: لأن العرب (٧) تسمعت إلى فلان. وقال صاحب النظم: قد يعدى السمع بإلى واحتج بقول الشاعر: اسمع إلى من يسومني العللا (٨) وقال أبو علي الفارسي: (يقال: سمعت الشيء واستمعته، كما يقال

стр. 10753

حقرته واحتقرته، وشويته واشتويته، ثم يعدى باللام وإلى [كما] (١) قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. وهذا كما تقول في الإيحاء والهداية، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] , ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ولا فصل بين فعلت وافتعلت في ذلك لاتفاقهما في التعدي) (٢)، فإذا حسن استمع إليه حسن أيضًا سمع (٣) إليه. وأما وجه القراءتين، فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في السين وهو أبلغ، إلا أنه إذا نفى التسمع عنهم فقد نفى سمعهم، وحجة من خفف قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. والسمع مصدر سمع، وهذا الوجه هو اختيار ابن عباس، روى ذلك عن مجاهد، قال: إنهم كانوا يتسمعون ولا يسمعون، يريد الشياطين، يتسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون فنفى السماع أولاً (٤) من نفي التسمع (٥). قال الكلبي: لا يسمعون إلى الملأ الأعلى لكي لا يسمعوا إلى الكتبة من الملائكة (٦).

стр. 10754

وقال السدي: الملأ الأعلى الملائكة الذين هم في السماء الدنيا (١). وقال عطاء: الملائكة الأشراف (٢). ٨ - قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل (٣) والمفسرون: ويرمون من كل ناحية. وذكرنا معنى القذف فيما تقدم (٤). والمفعول الثاني مقدر على تقدير ويقذفون من كل جانب بالشهب، يدل عليه قراءة أبي عبد الرحمن السلمي دحورًا بفتح الدال. قال الفراء: (كأنه قال يقذفون بداحِر وبما يدحر. قال: ولست أشتهي الفتح؛ لأنه لو وجه ذلك على صحته لكان فيها التاء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا تقول يقذفون الحجارة وهو جائز كما قال: نغالي اللحم للأضياف نيئا (٥)

стр. 10755

أي: يغالي باللحم (١). ٩ - قوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال الكلبي (٢): يدحرونهم فيباعدونهم عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع. وقال مقاتل: يعني طردًا بالشهب من الكواكب (٣). وقال عطاء عن ابن عباس: دحورًا بشهب النار (٤). وذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف (٥) عند قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. قال المبرد: الدحور هو أشد الصغار وأبين الذل (٦). قال ابن قتيبة: ذكرته دحرًا ودحورًا دفعته وطردته (٧). وانتصب دحورًا بالمصدر على معنى يدحرون دحورًا. ودل على المصدر الفعل قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾، وإن شئت قلت الدحور ثم حذف اللام. وقال مجاهد: دحورًا مطرودين (٨). فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر (٩) كالركوع والسجود والحصور.

стр. 10756

قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قالوا كلهم: دائم. وقد مر في سورة النحل (١). ومن فسر الواصب بالشديد والوجع، فهو معنى وليس بتفسير. قال مقاتل: يعني دائمًا إلى النفخة الأولى فهي تجرح ولا تقتل (٢). فقد بين مقاتل أن المراد بهذا العذاب عذاب الدنيا. ١٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا استثناء من قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ فيكون في موضع الرفع لأنه استثناء من النفي. قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ فصلاً مستأنفاً، ويكون ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء منه. هذا كلامه، والمعنى إذا جعلت من استثناء من يقذفون أنهم يرمون بالشهب ولا يمكنون (٣) من السمع ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال ابن عباس: اختلس الكلمة (٤). وقال الكلبي: خطف الخطفة مسارقة (٥). وقال مقاتل: يعني يخطف من كلام الملائكة (٦). وذكرنا معنى

стр. 10757

الخطف في سورة الحج (١). قال الزجاج: وهو أخذ الشيء بسرعة (٢). قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: لحقه وأصابه. قال المفسرون: لا يخطيه، يقتل أو يحرق أو يخبل (٣)، يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره، وأتبعه إذا لحقه، ومنه قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وقد مر. قوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نار مضيئًا يحرقه (٤). قال الحسن وقتادة: ثاقب مضيء (٥). قال الليث (٦): الثقوب مصدر. النار الثاقبة والكوكب الثاقب، يقال ثقب يثقب ثقوبًا وهو شدة ضوئه وتلألئه، والخشب الثاقب الصريح النقي (٧). وقال أبو عبيدة: الثاقب النير المضيء، ويقال أثقب نارًا أي أضاءها، والثقوب ما يذكى به النار، ومنه قول أبي الأسود:

стр. 10758

أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نارٍ أُوقدت بثقوبِ (١) (٢) ونظير هذه الآية قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣) [الحجر: ١٨]، وذكرنا الكلام هناك مستقصى في (٤) معنى الشهاب، ومعنى الآية. ١١ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: قل يا محمد لقومك (٥). وقال أبو إسحاق: فسألهم (٦) سؤال تقرير. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أي: أحكم صنعة ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من غيرهم، يعني من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧). وقال مقاتل: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ بعد الموت، وذلك أنهم كفروا بالبعث (٨). ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يعني السموات والأرض والجبال، وهذا قول

стр. 10759

مجاهد وسفيان (١)، والمعنى: ليس خلقهم بعد الموت بأشد من خلق السموات والأرض والجبال، وقد علموا أن الله خلق هذه الأشياء، فهو أيضًا يقدر على خلقهم بعد الموت. وقال الكلبي: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يقول: أم من عندنا من الملائكة (٢). ومَنْ على قول مقاتل ومجاهد بمعنى: ما. ثم ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ قال عطاء: يريد الذي يلصق (٣). وقال مجاهد عن ابن عباس: من طين لازب قال جيد (٤). وقال السدي: الذي يلزق بعضه ببعض (٥). وقال عكرمة: اللزوج (٦). وقال الكلبي: الطين الجيد اللاصق (٧). وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم، يقال: لازم ولازب، وهو قول أبي عبيد (٨) والفراء.

стр. 10760

وقال الكسائي: لزِب يلزِب بالكسر ولزُب بالضم لغتان لزوبًا (١). وعلى هذا يجوز أن يكون اللازب لغة بنفسه من غير أن تكون الباء مبدلة من الميم. والمعنى: قال مقاتل: فالذي خلق من الطين أهون خلقًا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض (٢). وعلى القول الأول في معنى الآية: أراد الإخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم، يعني أن هؤلاء خلقوا مما خلق منهم الأولون، فليسوا بأشد خلقًا منهم. ١٢ - قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الكلام في معنى بل قد تقدم عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٤٨] (٣)، وأما عجبت ففيه قراءتان: ضم التاء وفتحها، والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، وقراءة قراء الكوفة واختيار أبي عبيد، وكان شريح يقول: بل عجبتَ، ويقول إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كان شريح يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ: (بل عجبتُ) (٤) (٥). قال أبو عبيد: والشاهد مع هذا قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾

стр. 10761

[الرعد: ٥] أخبر ﷻ أنه عجيب، ومما يزيده تصديقًا الحديث المرفوع: "لقد عجيب الله البارحة من فلان وفلادة" (١). وقال الفراء: (العجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وليس السُخْرِيّ من الله كمعناه من العباد) (٢). وقال أبو إسحاق: (العجب من الله خلاف العجب من الآدميين هذا كما قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقال: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] , والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال عجبت من كذا وكذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله جاز أن يقول: عجبت. والله قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار والعجب الذي به تلزم الحجة عند وقوع الشيء انتهى كلامه) (٣).

стр. 10762

وقد ثبت جواز إضافة العجب إلى الله، وهو على وجهين: عجيب مما يرضى وعجب مما يكره، فالعجب مما يرضى معناه في صفة الله الاستحسان وأخبر عن تمام الرضى. والعجب بما يكره الإنكار والذم له. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز العجب في وصف الله، وقالوا في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] أي: فعجب عندكم، وقالوا في هذه القراءة: معناها أن هذه الحالة وهي إنكارهم البعث مع وضوح الدلالة عليه وهو الإبتداء والإنشاء حلت محل الشيء الذي إذا ورد عليكم عجبتم منه، ويقول سامعها عجبت كما أن قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] معناه أن هؤلاء مما [يقولون أنتم فيه هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. عند من لم يجعل اللفظ على الاستفهام، وعلى هذا النحو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (١). قالوا: ولا يجوز العجب في وصف القديم (٢) كما يكون في وصف الإنسان؛ لأن العجب منا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم ، وهذا مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن العجب قد ورد مضافًا إلى الله في كثير من الأخبار كما روى: "عجب ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له

стр. 10763

صبوة" (١) ومعناه ما ذكرنا. والعجب الذي ذكروا أنه لا يجوز في وصف الله لا نجوزه نحن، ولكن من حيث اللفظ قد ورد العجب في وصفه، وتأويله ما ذكرنا (٢). وأما معنى الآية والمفسرون على فتح التاء وذكروا فيه قولين، أحدهما: عجبت يا محمد من القرآن حين أوحي إليك ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني كفار مكة سخروا من النبي حين سمعوا منه القرآن، هذا قول مقاتل (٣). وقال قتادة (٤): عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وضلال بني آدم، والمعنى أنه ﷺ كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب

стр. 10764

محمد ﷺ من ذلك، فقال الله تعالى عجبت يا محمد من نزول الوحي وتركهم الإيمان وهو معنى قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، لأن سخرتهم من ترك الإيمان به. والقول الثاني: عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون منك ويستهزئون من تعجبك، وهذا قول الكلبي (١) ومعنى قول ابن عباس (٢) في رواية عطاء، وذكر أبو إسحاق (٣) القولين جميعاً. وعلى القول الأول: العجب من نزول الوحي وسخرتهم بالنبي ﷺ والقرآن. والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الحال، والتقدير: بل عجبت وهم يسخرون أن وقع العجب منك في هذه الحال منهم. وعلى القول الثاني: العجب من إنكارهم البعث والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الاستئناف. وأما معنى الآية على قراءة من قرأ بالضم فقد ذكرنا فيه قولين، فمن أجاز إضافة العجب إلى الله على معنى الإنكار، كان تأويل الآية أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وسخطه عليهم وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتفكرون. وعلى قول من لم يضف العجب إلى الله معنى الآية كمعناها في قراءة من قرأ بالفتح (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: إذا

стр. 10765

وعظوا بالقرآن لا يتعظون به، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر بمكة (١) ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قال أبو عبيدة (٢): يستسخرون ويسخرون سواء، وهو قول المفسرين، قالوا كلهم: يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقال ابن قتيبة: (يقال سخر واستسخر كما يقال قرَّ واستقر، وعجب واستعجب، وأنشد قول أوس: ومستعجبٍ مما يرى من أناتنا (٣) قال: ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من النبي ﷺ ، كما تقول استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته) (٤) ونحو ذلك. وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرًا) (٥). ١٦ - قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ (٦) الآية. الكلام في نظير هذه الآية قد تقدم في سورة الرعد (٧)، ثم في سورة النمل (٨)،

стр. 10766

والعنكبوت (١). قال أبو إسحاق المعنى: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا (٢)، وهذا استفهام إنكار وتعجب. ١٧ - قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ قال مقاتل (٣): أو يبعث آباؤنا. وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف. وقرأ نافع هاهنا وفي سورة الواقعة (٤) ساكنة الواو. وذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ (٥). ١٨ - قال مقاتل: فقال الله لنبيه ﷺ ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿نَعَمْ﴾ تبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون (٦)، وقال أبو عبيدة والمفضل (٧): الدخور أشد الصغار، يقال داخر صاغر، وأنشد أبو عبيدة قول ذي الرمة فقال: فلم يبق إلا داخر في مخيّشٍ ... ومنحجِرٌ في غير أرضك في حُجْرِ (٨) (٩)

стр. 10767

وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] (١). ١٩ - ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [وهي ضمير على أن شريطة التفسير] (٢) وقد مضت هذه المسألة، والمعنى وإنها قصة البعث زجرة واحدة. قال مقاتل: يعني صيحة واحدة من إسرافيل (٣). وقال ابن عباس: يريد نفخة البعث (٤). ومعنى الزجر في اللغة الصيحة التي يزجر بها، كالزجرة بالغنم وبالإبل (٥) عند الحث، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر عن الشيء كالتي في هذه الآية (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال مقاتل: ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به (٧). وقال الكلبي: إذا سمعوا بالصيحة الآخرة زجروا من قبورهم فاستووا على ظهر الأرض قيامًا ينظرون (٨) ما يؤمرون به. قال أبو إسحاق: (أي يبعثون بصراء ينظرون)، فلما عاينوا البعث

стр. 10768

ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق فدعوا بالويل. ٢٠ - ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال (١): من العذاب ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يعني يوم الحساب والجزاء، قاله الكلبي ومقاتل وعطاء (٢). وقال أبو إسحاق: يوم نجازى فيه بأعمالنا (٣). ٢١ - قال مقاتل: (فردت عليهم الملائكة فقالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ يعني يوم القضاء. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ بأنه غير كائن) (٤)، ونحو هذا قال الكلبي (٥). فيقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. وقال ابن عباس: يريد اليوم الذي يفصل بين العباد (٦). وقال أبو إسحاق: هذا يوم الفصل فيه بين المحسن والمسيء ويجازى كل بعمله (٧). ٢٢ - قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا﴾ أي: يقال في ذلك اليوم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: الذين أشركوا من بني آدم (٨). وقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالأزواج هاهنا

стр. 10769

الأمثال والأشباه والضرباء وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن زيد وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والشعبي، قالوا هؤلاء كلهم: أمثالهم وأشباههم وأشياعهم وأتباعهم وضرباؤهم (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢). كل من عمل مثل عملهم وهو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أي أشكالاً وأشباهًا، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (المعنى ونظراؤهم وضرباؤهم، تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال، وكذلك زوجان من الجفاف، أي كل واحد نظير صاحبه، وكذلك الزوج المرأة والزوج الرجل، قد تناسبا بعقد النكاح وكذلك قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] انتهى كلامه) (٣)، وعلى هذا يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء والقادة, لأنك إذا جعلت الذين ظلموا عامًا في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى. وقال ابن عباس (٤) في رواية عطاء: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناؤهم من الشياطين، وهو قول مقاتل (٥). قال: يعني الشياطين الذين أضلوهم، وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة، وقال الحسن (٦): ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: يعني ضرباؤهم من الجن.

стр. 10770

قوله : ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده (١) واحتج بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. ٢٣ - قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس: دلوهم (٢). وهو اختيار المفضل (٣) قال: المعنى اذهبوا بهم. قال أهل المعاني: وإنما استعملت الهداية هاهنا لأنه جعل الهداية إلى الجنة كما قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣١، الانشقاق: ٢٤] . فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك (٤). وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فسوقوهم (٥). وقال مقاتل والكلبي والضحاك (٦): فادعوهم، وهو معنى وليس بتفسير. وقال ابن كيسان: قدموهم (٧) وهودوهم؛ لأنه يقال هذا إذا تقدم، ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحش، ولا يقال هدى بمعنى قدم. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يقال: وقفت الدابة أقفها وقفاً فوقفت

стр. 10771

هي وقوفًا (١). قال الزجاج (٢): احبسوهم. وقال الكلبي: وقفوا قبل ذلك وحوسبوا حين قدموا على الله (٣). يعني أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأمر بوقفهم يكون قبل الأمر بسوقهم إلى صراط الجحيم، روي عن ابن عباس أنه قال: وقفوا قبل ذلك. قال المفضل (٤): يجوز أن يكون التقديم والتأخير: قفوهم واهدوهم. وقال مقاتل: فلما سيقوا إلى النار حبسوا (٥). وعلى هذا الحبس كان (٦) بعد السوق والكلام على وجهه ونظمه، كأنه قيل: واهدوهم إلى صراط الجحيم، فإذا انتهوا إلى الصراط قبل وقفوهم (٧) للسؤال على الصراط. ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم (٨). وقال مقاتل (٩): سألتهم خزنة جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١٠) [الزمر: ٧١]، ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد وهو

стр. 10772

قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: أنهم مسؤولون توبيخًا لهم فيقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (١) أي: لا تتناصرون. قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين (٢). وقال مقاتل (٣): يقول للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب. ٢٦ - قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. قال أبو عبيدة: والمستسلم الذي يعطى بيده (٤). وقال الكسائي (٥): ملقون بأيديهم. وقال المفضل (٦): أذلاء منقادون لا حيلة لهم في أنفسهم، لا العابد ولا المعبود. وقال ابن عباس: ألقوا بأيديهم وضلت حجتهم (٧). وقال أبو صالح: استسلم العابد والمعبود عند ذلك وعرفوا أنه الحق (٨). ومعنى استسلم: طلب السلامة بترك المنازعة.

стр. 10773

٢٧ - قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدهم والشياطين (١)، وقيل الرؤساء والأتباع (٢). وقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضًا، قال مقاتل (٣) والكلبي (٤): يتكلمون فيما بينهم أي يختصمون، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم والتكلم، وهو سؤال التأنيب. يقولون: غررتمونا. وتقول أولئك لهم: قبلتم منا. وقال في موضع آخر: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠]، وهذا التساؤل متضمن لمعنى التلاوم وليس ذلك تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ فهو نفس التلاوم. ٢٨ - ثم ذكر ذلك التخاصم والتلاوم وهو قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي الكفار للشياطين أو الأتباع للرؤساء: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد من قبل الحق، وهو لفظ مقاتل (٦). وقال الكلبي (٧): يقول تأتوننا من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا التي كنا عليها، ونحو ذلك قال الضحاك (٨).

стр. 10774

وقال قتادة: كنتم تفتنوننا عن طاعة الله (١). قال الفراء: (يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تخدعوننا بأقوى الوجوه، واليمين القدرة والقوة، قال الشماخ: تلقاها عرابة باليمين (٢) قال: يريد القدرة (٣) والقوة) (٤). وقال أبو إسحاق: (أي كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تعلنوننا به) (٥). فاليمين على ما ذكروا عبارة عن الحق والدين، غير أن قول أبي إسحاق غير قول الآخرين؛ لأن معنى قوله: كنتم تزينون لنا الدين الذي كنتم عليه وهو الكفر. ومعنى قول الآخرين: كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وشرح ابن قتيبة قول المفسرين في هذه الآية فقال: (يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]

стр. 10775

فشياطينه (١) تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، يعني التأكيد والإضلال، قال المفسرون: فمن أتاه الشيطان من قبل الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف من بعده، فلم يصل رحمًا ولم يؤد زكاة. فقال (٢) المشركون لقرنائهم: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الدين فتشبِّهون علينا فيه حتى أضللتمونا) (٣). وقال أبو القاسم (٤) الزجاجي: أجود ما قيل في هذا أنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال أي بالمنزلة الخسيسة الدنية (٥). فقال هؤلاء الكفار [لأئمتهم] (٦) الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوننا وترونا (٧) أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم، أي أتيتمونا من ذلك الجانب. قال: وقال بعض أصحابنا وهو قول قوي: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا (٨) لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها. فمعنى قوله: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ

стр. 10776

الْيَمِينِ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا، فقال لهم قرباؤهم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لم تكونوا على حق فنشبهه عليكم ونزيلكم عنه إلى باطل، أي ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان, أي إنما الكفر من قبلكم. ٣٠ - ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من قدرة فنقهركم ونجبركم. وقال مقاتل: يعني من ملك فنكرهكم على مبايعتنا (١). ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: ضالين (٢). ٣١ - وقال الكلبي: فوجب علينا جميعًا قول ربنا بالسخط (٣). وقال مقاتل (٤): يعني قول الله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقال أبو إسحاق: أي حقت علينا كلمة العذاب (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ أي العذاب الأليم، قاله ابن عباس (٦) ومقاتل والكلبي. وقال أبو إسحاق: أي أن الجماعة المضل والضال (٧) في النار (٨).

стр. 10777

٣٢ - قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فأضللناكم عن الهدى (١). وقال الكلبي: دعوناكم (٢) إلى ما كنا عليه فأضللناكم (٣). وقال عبد الله بن مسلم: أي بالدعاء والوسوسة. ومثله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية) (٤). ٣٣ - يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل (٥): يريد الشياطين والإنس. وقال الكلبي: هم والذين أطاعوهم في الضلالة شركاء (٦) في النار. ٣٤ - ٣٧ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء (٧)، وهو قول الكلبي (٨) وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين (٩) خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس:

стр. 10778

يريد لا يقولونها (١). وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى (٢). وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله (٣). وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله. قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي ﷺ يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك (٤) عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا ﷺ فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد ﷺ ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن (٥). وقال مقاتل: بالتوحيد (٦). ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله (٧). والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود (٨).

стр. 10779

﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك. ٤٠ - قال مقاتل: ثم (١) استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: هم الموحدون (٢)، أهل لا إله إلا الله، وهم الذين استخلصهم الله لنفسه. ٤١ - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قال الكلبي: مقدار غدوة وعشية (٣)، وليس ثم بكرة وعشية يدل على هذا قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقال مقاتل: يعني بالمعلوم حين يشتهونه (٤). وقال قتادة: الرزق المعلوم الجنة (٥). وقال غيره: رزق معلوم أي بعلم الله. ٤٢ - ثم بين الرزق فقال ﴿فَوَاكِهُ﴾ وهذا يوجب أن يكون الرزق المعلوم الفواكه؛ لأنه فسره بها، والفواكه جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وتفكه إذا أكل الفاكهة، وفكهت أي أطعمتهم الفاكهة (٦). وقال بعض أهل المعاني: الفاكهة طعام يؤكل للذة لا للقوت (٧)، والفاكه الذي كثرت فاكهه.

стр. 10780

٤٥ - قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: الكأس الإناء بما فيه (١). وقال أبو إسحاق: (الكأس الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه) (٢). والمفسرون فسروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل (٣). وقال الضحاك: كل كأس في القرآن إنما عني به الخمر (٤). وهذا منهم توسع، وذلك أنهم لما كان المراد بإدارة الكأس إدارة ما فيه لا الإناء فسروه بما هو المراد. وقوله: ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ مضى الكلام مستقصى في تفسير المعين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] (٥). قال الكلبي (٦): يطوف عليهم خدمهم بخمر بيضاء من معين، والمعين الظاهر. وقال مقاتل: من معين يعني الجاري (٧). وفي المعين قولان: أحدهما (٨): أنه الظاهر الذي تراه العيون. والثاني: أنه الجاري السايح وقد ذكرناهما.

стр. 10781

٤٦ - وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن (١). وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يجوز أن يكون اللذة مصدراً سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحداً في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) (٢). قال الله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، وبذلك سمي النوم (٣) الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة (٤). فعلى هذا حذف المضاف. ٤٧ - قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول (٥) سواء. وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس (٦): وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول (٧)

стр. 10782

وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس (١)، وغالني هؤلاء أي أذهبني. وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع (٢)، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال (٣). يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك (٤). وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع (٥). وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر (٦) الدنيا (٧). وهو قول الحسن قال: غول صداع (٨). وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها (٩). وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم

стр. 10783

ولا يصيبهم منها وجع (١). قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف (٢) ونزيف). ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال: لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (٣) (٤) وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا

стр. 10784

ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا (١) تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) (٢) انتهى كلامه. وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده (٣). واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين (٤). وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل (٥).

стр. 10785

٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ معني القصر في اللغة الحبس. قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة: أي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يرون غيرهم ولا يطمحن إلى غيرهم (١). وهذا كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] وأنشد لامرئ القيس (٢): من القاصرات الطرف لو دب مُحوِلٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] أي محبوسات. والطرف إطباق الجفن على الجفن. وقال الليث: (الطرف تحريك الجفون في النظر يقال شخص بصره فيما يطرف) (٣). والمعنى أنهن يحبسن نظرهن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقال أبو عبيدة: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ راضيات (٤). وهذا معنى وليس بتفسير، يعني أنهن رضين بأزواجهن حيث لم يطمحن إلى غيرهم. والمفسرون قالوا في قاصرات الطرف نحو ما ذكرنا من قول أهل المعاني.
следующие страницы →