← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

٤٦ - وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن (١). وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يجوز أن يكون اللذة مصدراً سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحداً في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) (٢). قال الله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، وبذلك سمي النوم (٣) الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة (٤). فعلى هذا حذف المضاف. ٤٧ - قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول (٥) سواء. وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس (٦): وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول (٧)

стр. 10782

وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس (١)، وغالني هؤلاء أي أذهبني. وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع (٢)، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال (٣). يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك (٤). وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع (٥). وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر (٦) الدنيا (٧). وهو قول الحسن قال: غول صداع (٨). وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها (٩). وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم

стр. 10783

ولا يصيبهم منها وجع (١). قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف (٢) ونزيف). ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال: لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (٣) (٤) وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا

стр. 10784

ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا (١) تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) (٢) انتهى كلامه. وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده (٣). واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين (٤). وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل (٥).

стр. 10785

٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ معني القصر في اللغة الحبس. قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة: أي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يرون غيرهم ولا يطمحن إلى غيرهم (١). وهذا كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] وأنشد لامرئ القيس (٢): من القاصرات الطرف لو دب مُحوِلٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] أي محبوسات. والطرف إطباق الجفن على الجفن. وقال الليث: (الطرف تحريك الجفون في النظر يقال شخص بصره فيما يطرف) (٣). والمعنى أنهن يحبسن نظرهن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقال أبو عبيدة: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ راضيات (٤). وهذا معنى وليس بتفسير، يعني أنهن رضين بأزواجهن حيث لم يطمحن إلى غيرهم. والمفسرون قالوا في قاصرات الطرف نحو ما ذكرنا من قول أهل المعاني.

стр. 10786

وقوله: ﴿عِينٌ﴾ قال أبو إسحاق: كبار الأعين حسانها. واحدها عيناء (١). وقال الكلبي ومقاتل: حسان (٢) الأعين. ٤٩ - قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المكنون معناه في اللغة: المستور، يقال كننت الشيء وأكننته وقد سبق (٣) الكلام فيه. وقال أبو عبيدة: (المكنون المصون وكل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته فهو مكنون) (٤). قال أبو إسحاق: (يقال كننت الشيء إذا سترته وصنته فهو مكنون) (٥). قال الحسن وابن زيد: شبههن ببيض النعام يكنها بالريش من الريح والغبار (٦). وقال الكلبي: كأنهن بيض قد خبئ من الحر والقر (٧). وذكر قوم من المفسرين في هذا التشبيه ما لا يصح ولا يكون له وجه من حيث اللفظ ما ذكره الحسن وابن زيد. قال أبو إسحاق: أي كأن ألوانهن ألوان بيض النعام يكنه ريش النعام (٨).

стр. 10787

وقال المبرد: العرب تشبه المرأة الناعمة في ضيائها وحسنها وصفوة النعمة عليها ببيضة. قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليلةٌ ومِدُ (١) وقال ابن الرقيات: واوضح لونها كبيضة ادحى ... لها في النساء خلق عميم وقال أبو داود (٢): ممكورة تجلوا الظلام ركلةٍ ... ريا العظام كبيضة النغص (٣) وقال آخر (٤): وهتكت بني الليل عن ... بيض السوالف والصفاح فكأنما ضحكت سجو ... ف الربط عن بيض الأداحي

стр. 10788

وقال امرؤ القيس (١): صادت فؤادك بالدلال جريرة ... صفراء رادعة عليها اللؤلؤ كعقيلة الأدحى بات يحفها ... ريش النعام وزال عنها الجؤجؤ أراد بعقيلة الأدحى: بيض النعام. وعلى هذا المعنى حمل [قول] (٢) الكندي (٣): وبيضة خدر لا يرام خباؤها وقال ابن زيد في هذه الآية: البيض بيض النعام أكنة الريش، فلونه أبيض في صفرة (٤). قالوا: وهذه أحسن ألوان النساء أن تكون بيضاء مشربة صفرة. وقال سعيد بن جبير والسدي: إن الله تعالى شبههن ببطن البيض قبل أن تمسه الأيدي (٥)، وليس بالوجه. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني أهل الجنة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني يتكلمون يكلم بعضهم (٦) بعضًا. وقال الكلبي: يتحدثون في الجنة عن أهل الدنيا (٧). والمعنى يسأل هذا ذاك وذاك هذا عن أحوال كانت في الدنيا. يدل عليه ما ذكر الله عن

стр. 10789

بعضهم أنه أخبر عن حال قرينه [معه] (١) كيف كانت في الدنيا وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ (٢) يعني أخًا كان له في الدنيا ينكر البعث وهو قوله: ﴿يَقُولُ﴾ أي يقول لي: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث. والمفسرون مختلفون في هذين فمنهم من قال: كانا أخوين وهو قول مقاتل والكلبي (٣). ومنهم من قال: كانا شريكين، وهو قول عطاء والسدي (٤)، وقد قص الله قصتهما في سورة الكهف وهو قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٥) الآيات. قال صاحب النظم: قوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ يقتضي مفعولًا للتصديق فلم [..] (٦) حتى قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ وهذا أيضًا يقتضى جواباً فلما قال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ كان هذا جواباً لهما على تأويل أئنك لمن المصدقين، إنا لمدينون، فيكون موضع (إنا) نصبًا وكسرت ألفها لدخول اللام في خبر إن، وهذا الذي ذكره يصح على قراءة من قرأ إنا لمدينون بغير [ألف] (٧) استفهام، فأما من قرأ بالاستفهام فمفعول التصديق

стр. 10790

مضمر على تقدير أئنك لمن المصدقين بالبعث (١)، ودل عليه ما ذكر بعده من إنكاره البعث. قال أبو إسحاق: المعنى: كان لي قرين يقول أئنك ممن يصدق بالبعث بعد أن نصير ترابًا وعظامًا (٢)، وهو قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. قوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي مجزيون ومحاسبون قاله المفسرون (٣). ومضى الكلام في الدين (٤). ٥٤ - قال مقاتل: ثم قال المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لينظر كيف (٥) منزلة أخيه، ونحو هذا قال الكلبي (٦). وروى عطاء عن ابن عباس قال: تقول الملائكة (٧): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. والظاهر هو القول الأول، وهو أن قوله: ﴿قَالَ﴾ إخبار عن المؤمن الذي قص خبره مع القرين. واطَّلع افتعل من الطلوع، يقال أطلعته على الأمر فاطَّلع عليه أي أشرف.

стр. 10791

قال كعب (١): إن بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له في الدنيا اطَّلع من بعض تلك الكوى. ونحو هذا قال مقاتل (٢). وقال قتادة (٣): بلغنا أنه سأل ربه أن يطلعه. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ قال مقاتل: أنه لما قال لأهل الجنة هل أنتم مطلعون، قالوا له إنك أعرف به منا، فاطَّلع أنت فاطَّلع فرأى أخاه في سواء الجحيم (٤). قال ابن عباس والجماعة: في وسط الجحيم (٥). قال أبو عبيدة: (سمعت عيسى بن عمر يقول: كنت أكتب بالليل حتى بنقطع سوائي أي وسطي) (٦). وقال أبو إسحاق: سواء كل شيء: وسطه (٧). وقال أهل المعاني: إنما قيل للوسط سواء لاستوائه في مكانه بأن صار بدلاً منه (٨).

стр. 10792

وروى قتادة عن خليد (١) قال: لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه، لقد تغير خيره وسبره فعند ذلك قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٢) أي ما أردت إلا أن تهلكني. قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلتك (٣). وقال الكلبي: لتغوين، تقول: اترك دينك واتبعني (٤). وقال ابن عباس: تضلني (٥). وقال أبو عبيدة والزجاج: ترديني وتهلكني (٦). والإرداء الإهلاك ردى إذا هلك، وأرديته أهلكته، والإغواء والإضلال معنى وليس بتفسير، وذلك أن من أغوى إنسانًا فقد أهلكه. ٥٧ - قوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ قال ابن عباس: يريد حيث هداني (٧).

стр. 10793

وقال مقاتل: يعني لولا ما أنعم الله علي بالإسلام (١). وقال الكلبي: لولا النعمة بالإسلام (٢). ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ قالوا جميعًا: أي معك في النار، وهو قول مقاتل (٣) وقتادة. وقال ابن عباس: من المعذبين (٤). ومعناه من المحضرين العذاب. وقال أبو إسحاق: أي أُحضَرَ العذاب كما أُحضرتَ (٥). وقال الفراء: لكنت معك في النار محضرًا (٦). وقال صاحب النظم: لما قال ولولا نعمة ربي، دلَّ هذا الإحضار ليس هو لخير إنما هو لشر، وهذا مقتضى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]، ومن قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]، ومما جاء في مثله قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧]، وهذا أيضًا مُستَدلٌ عليه بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ لأن جزاء التكذيب لا يكون إلا شرًا. وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨]، والحضور قد يكون للخير والشر إلا أن قوله: ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾ يدل على أنه للشر، ومنه قول النبي ﷺ : "إن هذه الحشوش محتضرة" (٧)، أي الشياطين تحضر من

стр. 10794

يدخلها. وكذلك قوله: "اللبن محتضر" (١)، وكذلك قول الناس: حضر فلان أي دنا موته (٢). ٥٨ - ٦٠ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ قال مقاتل: عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام، فأقبل على أصحابه فقال: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين، فقيل له: لا موت فيها. فقال عند ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وعلى هذا كان هذا المؤمن لا يعلم أن أهل الجنة لا يموتون، فاستفهم عن ذلك فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ سوى موتتنا التي حلت بنا في الدنيا، وإلا هاهنا بمعنى سوى. ونحو هذا قال الحسن (٤)، إلا أنه جعل هذا عن قول جميع أهل الجنة لا عن قول المؤمن الواحد، فقال: قالوا أفما نحن بميتين: قيل لا. قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم.

стр. 10795

وقال الكلبي (١): يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أَمِنَ أهل الجنة أن يموتوا وفرحوا بذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين. فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو النجاة. ٦١ - قال مقاتل (٢): ثم انقطع كلام المؤمن بقول الله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ النعيم الذي ذكر من قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. وبعضهم (٣) يجعل هذا من كلام المؤمن للقرين، ويجعل قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾، ابتداء من كلام الله تعالى. قال أبو عبيدة: (النزول والنزل واحد، وهو الفضل، يقال هذا طعام له نُزُل (٤) ونَزَل، أي: ريع) (٥). قال المفضل: ليس هذا موضع الفضل (٦). وكأنه رأى هذا غلطًا منه. قال أبو إسحاق: (أي أذلك خير في باب الإنزال التي يتقرب بها ويمكن معها الإقامة أم نزل أهل النار. قال: ومعنى أقمت لهم نزلهم: أقمت لهم ما يصلحهم ويصلح أن ينزلوا عليه) (٧). والنزل مما تقدم تفسيره (٨).

стр. 10796

قوله تعالى: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ لم يذكر المفسرون للزقوم تفسيرًا إلا ما ذكر الكلبي: أن ابن الزبعرى قال: أكثر الله في بيوتكم الزقوم (١). فإن أهل اليمن يدعون التمر والزبد الزقوم. فقال أبو جهل لجاريته: ويحك زقِّمينا، فأتته بزبد وتمر. فقالت: تزقموا (٢). وقال الليث: لما نزلت آية الزقوم لم يعرفه قريش، فقدم رجل من أفريقية فسئل عنه فقال: الزقوم بلغة أفريقية التمر والزبد (٣). فهذا الذي ذكروا معلوم أن الله تعالى لم يرد الزقوم هاهنا الزبد والتمر. قال أهل المعاني: الزقوم: ثمر شجرة مرة الطعم جدًا، من قولهم: تزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكرُّه ومشقَّة شديدة (٤). وقال ابن زيد: إن يكن للزقوم اشتقاق (٥) فمن التزقم، وهو الإفراط من أكل الشيء، حتى يُكره ذلك. يقال: بات فلان (٦) يتزقم. الكسائي وأبو عمرو: الزقم واللقم واحد هذا كلامهم (٧). وإذا كان الزقم بمعنى اللقم،

стр. 10797

كان معنى التزقم تناول الشيء بِكُرهٍ، والزقوم ما يكره تناوله، والذي أراد الله هو شيء مرٌ كريه يكره تناوله. وأهل النار يُكرَهونَ على تناولِهِ، فهم يتزقمونه على أشد كراهيته. ٦٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ ذكر المفسرون وجهين للفتنة في شجرة الزقوم: أحدها: أنهم أنكروا أن يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر (١). والآخر: أنهم قالوا إن الزقوم الثمر والزبد، وهذا قول قتادة ومجاهد ومقاتل (٢). قال أبو إسحاق: فتنة أي: خبرة للظالمين، افتتنوا بها وكذبوا بكونها (٣)، فصارت فتنة لهم. ٦٤ - وقال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا: أيكون في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة. فأنزل الله : ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٤). قال مقاتل: تخرج تنبت (٥). قوله: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ قال قتادة: أخبرهم أن عذابها من النار إن عذبت بالنار (٦). وقال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها (٧). وعلى ما قال قتادة الآية جواب لإنكارهم بل هي إخبار عن

стр. 10798

منبت الشجرة، وأما جواب إنكارهم فقال ابن قتيبة: (قد تكون شجرهَ الزقوم بيتًا من النار أو من جوهر لا يأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها وعقاربها وحياتها, ولو كانت على ما يعلم لم يبق على النار، وإنما دلنا الله على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة، وما في الجنة من شجرها (١) وثمرها وفرشها وجميع آلاتها على مثل ذلك) (٢). ٦٥ - قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ قال مقاتل والكلبي: ثمرها (٣). وقال ابن قتيبة: (سمي طلعها لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره) (٤). قوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ذكر الفراء والزجاج في هذا التشبية ثلاثة أقوال: أحدها: أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وبها يضرب المثل في القبح، كما قال الشاعر يذم امرأة: عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف (٥)

стр. 10799

عنجرد: سليطة وثَّابة، والحماط: شجر، وأعرف: ذو عرف. والعرب تقول إذا رأت منظرًا قبيحًا كأنه شيطان الحماطة. القول الثاني: وهو القول المعروف: أنه أراد الشياطين بأعيانها موصوفة بالقبح وإن كانت لا تُرى، والشيء إذا استقبح (١) شبه بالشياطين، فيقال: كأنه شيطان، والشيطان لا يُرى ولكنه يُستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء لو رُئي لرُئِي في أقبح صوره، قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مُضَاجِعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ (٢) ولم ير الغول ولا نابها ولكن التمثيل بما يستقبح. والقول الثالث: أن رؤوس الشياطين نبت معروف قبيح الرؤوس. قال الفراء: والأوجه الثلاثة تقرب إلى معنى واحد في القبح (٣). ٦٦ - قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ قال مقاتل: يعني من ثمرها (٤). ٦٧ - قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق: على أكلها لشوبًا (٥). الشوب: الخلط العام في كل شيء وكل شيء خلطته بشيء فقد شِبْتَهُ به. قال مقاتل وقتادة: يعني لخلطًا ومزاجاً (٦). وزاد مقاتل: يعني لشراباً،

стр. 10800

يريد أنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليه الحميم، وهو الماء الحار الذي قد انتهى خيره، فيشرب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبًا لهم. ٦٨ - قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال مقاتل: أي بعد الزقوم وشرب الحميم (١). وهذا يدل على أنهم على شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم، وهو يحتمل أن يكون الحميم، في موضع خارج عن الجحيم لشربه، كما تورد الإِبل إلى الماء ثم يردُون إلى الجحيم وهذا القول اعتمده مقاتل واحتج بقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣]. وهذه الآية تدل على المعنى الذي ذكرنا. وذُكِرَ في هذه الآية أوجه فاسدة تَركتُ ذكرها. ٦٩ - قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ قال مقاتل: وجدوا آباءهم ضالين عن الهدى. ٧٠ - قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال: يسعون في مثل أعمال آبائهم (٢). وقال الكلبي: يعملون بمثل عملهم (٣). وقال ابن عباس وقتادة: يسرعون (٤). وقال مجاهد: كهيئة الهرولة (٥). قال الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه بالرِّعدة (٦).

стр. 10801

وقال الزجاج: يتبعون آبائهم اتباعًا في سرعة، كأنهم يزعجون إلى إتباعهم، يقال: هرع وأهرع إذا استحث وأسرع (١). وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨]. قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قال ابن عباس: قبل قومك (٢). (أكثر الأولين) يريد: الأمم الخالية. قال الكلبي: من لدن آدم فهلم جرا إلى محمد ﷺ (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: فيمن مضى من الأمم (٤). ﴿مُنْذِرِينَ﴾ يريد: مرسلين (٥). قال الكلبي: معنى أرسلنا فيهم كما أرسلنا إلى قومك. قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي الذين أنذروا العذاب. قال مقاتل: يقول كان عاقبتهم العذاب يحذر كفار مكة تكذيبًا بمحمد ﷺ ، فنزل بهم العذاب في الدنيا كما نزل بالأمم الخالية (٦). ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني الأمم الموحدين، نجوا من العذاب في الدنيا بالتوحيد. قال ابن عباس: يريد الذين استخلصهم الله من الكفر (٧).

стр. 10802

قال أبو عبيدة: إلا عباد الله، نصبها الاستثناء من المنذرين (١). هذا قوله وهو كما ذكره مقاتل. ويجوز أن يكون قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (٢) قال الكلبي: يقول دعا ربه على قومه (٣). قال مقاتل: يعني قوله (٤): ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد فأجبته وعظم نفسه (٥). وقال أبو إسحاق: المعنى ونعم المجيبون نحن (٦). ٧٦ - وقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال الكلبي ومقاتل وعطاء: يريد من الغم العظيم وهو الغرق (٧). وهذا مفسر في سورة الأنبياء (٨). ٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أخرجت جميع الخلق من ذريته (٩).

стр. 10803

وروى الضحاك عنه قال: لما خرج نوح ﵇ مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساؤهم، كذلك قوله (١): ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ونحو هذا قال مقاتل (٢). قال الكلبي: إن أهل سفينة نوح ماتوا ولم يكن لهم نسل غير ولد نوح، فكان الناس من ولد نوح، يدل على صحة هذا ما روى الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "سام وحام ويافث" (٣)، فسر الذرية الباقية بهؤلاء الثلاثة ثم قال: "سام أب العرب، وحام الحبش، ويافث أب الروم" (٤). ٧٨ - قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل وابن عباس: تركنا عليه ثناءً حسنًا لا يذكره أحد إلا بخير إلى يوم القيامة (٥). وعني بالآخرين الذين يجيئون من بعده. وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ يعني بالسلام: الثناء الحسن.

стр. 10804

قال الفراء: (أي تركنا عليه هذه الكلمة كما تقول: قرأت الحمد لله رب العالمين، فتكون الجملة في معنى نصب، وإنما يرفعها بالكلام كذلك: سلام على نوح ترفعه بعلى في تأويل نصب، فلو كان سلامًا بالنصب كان صوابًا) (١). وكذا هو في قراءة عبد الله (٢). وقال أبو إسحاق: أي تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ أي: تركنا عليه في الآخرين أن (٣) يصلى عليه إلى يوم القيامة (٤). ٨٠ - قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين (٥). قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من شيعة نوح، أي: من أهل ملته ودينه ومنهاجه وسنته ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من قول قتادة ومجاهد والمفسرين (٦). وقال الكلبي: يقول من شيعة (٧) محمد ﷺ (٨)، وهذا اختيار الفراء، قال: يقول: إن من شيعة محمد ﷺ لإبراهيم، يقول على دينه ومنهاجه،

стр. 10805

فهو من شعته وإن كان سابقًا له (١). وتفسير الشيعة قد سبق عند قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] (٢) ٨٤ - وقوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: خالص من الشرك وهو قول المفسرين (٣)، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله. وقال أبو إسحاق: سليم من كل دنس (٤). وروى عطاء عن ابن عباس قال: كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم كل الناس من غشمه وظلمه، وأسلم الله بقلبه ولسانه ولم يعدل به [أحدًا] (٥) (٦). ويدل على أن المراد سلامته من الشرك أنه ذكر بعد إنكاره على قومه الشرك بالله. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا استفهام توبيخ كأنه وبخهم على عبادة غير الله. ٨٦ - فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قال المبرد: الإِفك أسوأ الكذب (٧)، وهذا مما سبق تفسيره. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ﴾ قال ابن عباس: تعبدون، وتقدير الآلهة (٨):

стр. 10806

أتأفكون إفكًا وتعبدون آلهة سوى الله (١). ٨٧ - وقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال مقاتل والكلبي: ما ظنكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره (٢). كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم، هذا قول المفسرين (٣). وذكر أهل المعاني وجهًا آخر: وهو أن المعنى أي شيء ظنكم بالله حيث عبدتم معه آلهة دونه (٤). كأنه قال أتظنون به أن عبادة غيره تجوز وأنه لا ينقم عليكم ذلك. قال أبو إسحاق: أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غيره (٥). قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه (٦). وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وأنها لا تصلح أن تعبد وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم وهو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقد

стр. 10807

ذكرنا هذه القصة عند قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] الآيات. فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله فلما نظر إليها قال: إني سقيم، أي سأسقم، قال مقاتل: أي وجع غدا من نظره إلى الكواكب (١). فاعتل بذلك ليخلفوا (٢) من بعدهم، وأكثر المفسرين على أن تفسير السقم هاهنا يريد مطعون. وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق (٣). ومطعون من الطاعون لا من الطعن. قال ابن إسحاق: كانوا يهربون من إذا سمعوا به. وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا ليبلغ من أصنامهم الذي يريد (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: كان في ذلك الزمان نجم يطلع بالطاعون، وكان إذا طعن رجل منهم هربوا منه (٥). وعلى هذا معنى قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ليريهم ذلك النجم وطلع وأنه مصاب (٦) بالطاعون. قال الأزهري: (وأُثْبِتَ لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: هو جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيده فنظر نظرة، ونظر هاهنا تفكر ليدبر حجة فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أي: سقيم من كفرهم.

стр. 10808

وقال الليث: يقال للإنسان إذا تفكر ليدبر حجة وينظر في أمرٍ كيف يدبره نظر في النجوم. قال: وهكذا ما جاء (١) عن الحسن في تفسيره، أي: فكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلفوه الخروج معهم) (٢) وعلى هذا معنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي تفكر وتدبر ولم يكن هناك نجم ولا ينظر فيه. وعلى قول الضحاك (٣) واختيار الزجاج (٤). وهذا كما أنك تقول لمريض إذا استدللت على صحته بشيء: إنك صحيح، أي: ستصح، وتقول لمن رأيته على أوقات السفر: إنك مسافر (٥)، وتأول في السقم أن كل واحد وإن كان معافاً لابد وأن يسقم ويموت قال الله [تعالى] (٦): ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أي إنك ستموت فيما يستقبل. وذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قال أبو إسحاق: (أوهمهم أن به الطاعون ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فراراً من أن يعدى إليهم الطاعون) (٧). قال ابن عباس: مدبرين هاربين (٨). وقال الكلبي ومقاتل: ذاهبين إلى عيدهم (٩). ٩١ - قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: مال إليها وهو ميل في

стр. 10809

خفية، يقال راغ إليه أي مال إليه سرًا (١). قوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الطعام الذي كان بين أيديهم (٢). وقال أبو إسحاق والكلبي: وإنما يقول هذا استهزاء بها وتحقيرًا في شأنها (٣). وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. ثم أقبل عليهم ضربًا كما قال الله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد فأقبل عليهم (٤). وهذا معنى وليس بتفسير. وتفسيره: مال عليهم بالضرب، قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة. وقال الزجاج: المعنى فمال إلى الأصنام يضربهم ضرباً (٥). وقال المبرد: مال عليهم بالضرب (٦). وقال ابن قتيبة: مال عليهم يضربهم (٧). قوله: (باليمين) قال الكلبي: يضربهم بيمينه بالفأس (٨).

стр. 10810

قال مقاتل: يعني اليمنى (١) نحو ما قال الكلبي. وهو قول أبي إسحاق والضحاك والربيع والأكثرين (٢). وقال السدي بالقوة والقدرة (٣). وذكر أبو إسحاق (٤) القولين. وذكر في تفسير اليمين هاهنا أنه الحلف الذي ذكره حين قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فجعل يضربها بتلك اليمين التي سبقت منه (٥). وروى عطاء عن ابن عباس: باليمين يريد بالحق (٦). قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال الزجاج: (يسرعون، وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء غدوه) (٧). والنعامة يقال له زفوف. قال ابن حِلِّزة (٨): بزفوف كأنها هقلة أم ... مُ رئالٍ دويَّة سقفاء

стр. 10811

وقرأ حمزة: يزفون بضم الياء، وهو قراءة الأعمش (١). قال الفراء: ولم يُسمع إلا زَفَّ، يقال للرجل: جاء يزف، ولعل قراءة الأعمش من قول العرب: أَطَرَدتَ الرجل [أي صيرته طريدًا، فيكون يزفون] (٢) أي جاءوا على هذه الهيئة وأنشد: تمنى حصين أن يسود حذاعة ... فأمسى حُصينٌ قد أذل وأقهرا (٣) أراد صار إلى [حال] (٤) قهره) (٥). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٦) في قراءة حمزة. وقال أبو عبيد: (تقول للنعامة: تَزُفُّ وهو من أول عدوها وآخر مشيها، وجاء الرجل يَزُفُّ زفيف النعامة أي من سرعته [وأنشد] (٧) للفرزدق: وجاء قريع الشول قبل إفالها ... زفيفًا وجاءت خلفه وهي زُفَفُّ) (٨)

стр. 10812

وقال أبو علي: (يقال زفت الإبل تزف إذا أسرعت. قال الهذلي: وزفت الشول من برد العشيّ كما ... زف النعام إلى حَفَّانهِ الرُّوحُ (١) وقرأ حمزة: يُزِفُّون، يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإِبل إذا حملتها على أن تزف. قال: وهو سرعة الخطو ومقاربة المشيء والمفعول محذوف على قراءته، كأنهم حملوا ظهورهم على الجد والإسراع في المشيء) (٢). هذا كلامه. ومعنى يزفون في قول أهل اللغة: يسرعون، وهو لفظ ابن زيد (٣) من المفسرين. قال ابن عباس: يمشون إليه متعمدين (٤).

стр. 10813

وقال مقاتل: يمشون إلى إبراهيم ليأخذوه بأيديهم (١). وقال الكلبي: يمشون إليه جميعًا يريدونه (٢). ونحو هذا قال السدي (٣). والإِسراع تفسير أهل اللغة، والمشي تفسير المفسرين. وقال الضحاك: يسعون (٤). ٩٥ - فقال إبراهيم لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد خلق ما تعملون فاعبدوا الذي خلقكم (٥). وقال الكلبي: وما تعملون بأيديكم (٦) وأنتم تعبدون هذه الآلهة التي جعلتم بأيديكم. وقال مقاتل: يعني وما تنحتون بأيديكم من الأصنام (٧)، فهذا يدل على أن أصنامهم كانت معمولة لهم، اتخذوها من النحاس والحديد والخشب [فأخبر الله] (٨) عنهم. وتلك الأصنام مخلوقة لله فلما لزمتهم الحجة [قالوا] (٩) قوله: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس:

стр. 10814

بنوا حائطًا من حجارة وطين طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملوه نارًا وطرحوه فيها (١). وذلك قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وهي النار العظيمة. قال أبو إسحاق: كل نار بعضها فوق (٢) جهنم. والألف واللام في الجحيم بدل عن الكناية، والمعنى: في جحمه، أي: في جحيم ذلك البنيان، وهو النار التي توقد فيه. ٩٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ قال مقاتل: شرًّا أن يحرقوه بالنار (٣). ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ قال الكلبي: المدحوض حجتهم يعني أنه علاهم (٤) بالحجة، حيث رد الله كيدهم وجعل النار عليه بردًا وسلامًا، وهذا معنى قول المفسرين. قال مقاتل: علاهم إبراهيم فسلمه الله وحجزهم عنه فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أهلكهم الله (٥). ٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: مهاجر إلى ربي، والمعنى أهجر ديار الكفر وأذهب إلى حيث أمرني كما

стр. 10815

قال الله (١): ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ قال مقاتل: يعني إلى رضاء ربي بأرض المقدس (٢). وهو أول من هاجر من الخلق (٣). وقال الكلبي: ذاهب بعبادتي إلى ربي (٤). وهذا معنى قول قتادة: ذاهب بعمله وقلبه وهمته (٥)، وعلى هذا ذهابه إليه بالعمل، وعلى القول الأول بالهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله, لأن المراد الإخبار عن هجرته أرض قومه وذهابه إلى حيث أُمِرَ من الشام. قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: سيرشدني (٦). وقال الكلبي: سينجيني منهم (٧). وقال مقاتل: سيهدين لدينه (٨). وقول الكلبي أقرب إلى المعنى, لأن المراد سيهدين إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وفي ذلك إنجاء له منهم. وقول مقاتل سيهدين لدينه فيه بعد, لأنه كان على الدين في ذلك الوقت، إلا أن يحمل على التثبيت على الدين والهداية. وقول ابن عباس يحتمل المعنيين: الإرشاد إلى الدين، والإرشاد إلى الطريق، والأولى أن يحمل على الإرشاد إلى طريق مُهَاجَرِهِ.

стр. 10816

قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه (١) الولد فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال المفسرون وأصحاب المعاني: الآية مختصرة والتقدير هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين (٢). قال الفراء: (وهذا بمنزلة قولك أدن فأصب من الطعام يجتزأ بمنْ عن المضمر) (٣). ١٠١ - فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال الكلبي: يقول بغلام في صغره حليم في كبره (٤). قال أبو إسحاق: (هذه البشارة تدل على أنه غلام وأنه يبقى حتى يوصف بالحلم) (٥)، والمعنى أنه لما بشر بغلام دل على أنه مفسر بابن ذكر، ولما وصف بالحلم دل على أنه ينتهي في السن حتى يبلغ الحلم، هذا معنى ما ذكره الكلبي وأبو إسحاق ونحو هذا قال (٦): يريد في كبره. وقال مقاتل: يعني حليمًا والحلم من موجبات العلم فهو يدل على العلم (٧). وقال أهل المعاني: الحليم المتأني في الأمر وضده السفيه، فيجوز

стр. 10817

أن يكون غلامًا حليمًا في حالة واحدة (١) ١٠٢ - قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم (٢). وهذا قول أهل المعاني. قال الفراء: يقول طاق أن يعينه على عمله وسعيه وكان يومئذٍ ابن ثلاثة عشر سنة (٣). وقال الزجاج: أدرك معه العمل (٤). وقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه (٥). وقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه (٦). وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (٧). وهو قول مقاتل (٨). وكان أبوه قد ذهب به معه إلى الجبل. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام (٩). وهذا قول الكلبي، قال في معنى السعي: إنه العمل لله (١٠). ونحو هذا قال

стр. 10818

الحسن ومقاتل وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ (١). قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات (٢). وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقوداً (٣)، وذلك أن الأنبياء لا تنام قلوبها. وقال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. وقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح (٤). فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت نذرًا فَفِ بنذرك، فلما أصبح قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة (٥). هذا كلام أهل التفسير في ظاهر [الرؤيا]، (٦). وظاهر اللفظ دل على أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، والتفسير يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أنه يذبح ابنه في اليقظة، فيكون تقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك، فموجب الذبح رُئِيَ في المنام لا الذبح، وذكر في

стр. 10819

الظاهر أنه رأي الذبح لأن موجب الذبح كأنه رأى الذبح حيث لا يجوز له أن يخالف ذلك، ألا ترى أن ابنه قال له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه. وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك (١). وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) (٢). واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم. فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام (٣). وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال (٤). وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب

стр. 10820

والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق (١). وسياق هذه الآيات تدل على أنه إسحاق لأنه قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ولا خلاف (٢) أن هذا إسحاق. قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته (٣). وقال قتادة: بعد الذي كان من أمره (٤)، غير أن محمد بن كعب احتج على أنه إسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده (٥). وقد قال أبو إسحاق: (الله أعلم أيهما الذبيح (٦).
следующие страницы →