← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه (١) الولد فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال المفسرون وأصحاب المعاني: الآية مختصرة والتقدير هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين (٢). قال الفراء: (وهذا بمنزلة قولك أدن فأصب من الطعام يجتزأ بمنْ عن المضمر) (٣). ١٠١ - فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال الكلبي: يقول بغلام في صغره حليم في كبره (٤). قال أبو إسحاق: (هذه البشارة تدل على أنه غلام وأنه يبقى حتى يوصف بالحلم) (٥)، والمعنى أنه لما بشر بغلام دل على أنه مفسر بابن ذكر، ولما وصف بالحلم دل على أنه ينتهي في السن حتى يبلغ الحلم، هذا معنى ما ذكره الكلبي وأبو إسحاق ونحو هذا قال (٦): يريد في كبره. وقال مقاتل: يعني حليمًا والحلم من موجبات العلم فهو يدل على العلم (٧). وقال أهل المعاني: الحليم المتأني في الأمر وضده السفيه، فيجوز

стр. 10817

أن يكون غلامًا حليمًا في حالة واحدة (١) ١٠٢ - قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم (٢). وهذا قول أهل المعاني. قال الفراء: يقول طاق أن يعينه على عمله وسعيه وكان يومئذٍ ابن ثلاثة عشر سنة (٣). وقال الزجاج: أدرك معه العمل (٤). وقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه (٥). وقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه (٦). وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (٧). وهو قول مقاتل (٨). وكان أبوه قد ذهب به معه إلى الجبل. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام (٩). وهذا قول الكلبي، قال في معنى السعي: إنه العمل لله (١٠). ونحو هذا قال

стр. 10818

الحسن ومقاتل وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ (١). قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات (٢). وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقوداً (٣)، وذلك أن الأنبياء لا تنام قلوبها. وقال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. وقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح (٤). فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت نذرًا فَفِ بنذرك، فلما أصبح قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة (٥). هذا كلام أهل التفسير في ظاهر [الرؤيا]، (٦). وظاهر اللفظ دل على أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، والتفسير يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أنه يذبح ابنه في اليقظة، فيكون تقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك، فموجب الذبح رُئِيَ في المنام لا الذبح، وذكر في

стр. 10819

الظاهر أنه رأي الذبح لأن موجب الذبح كأنه رأى الذبح حيث لا يجوز له أن يخالف ذلك، ألا ترى أن ابنه قال له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه. وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك (١). وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) (٢). واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم. فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام (٣). وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال (٤). وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب

стр. 10820

والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق (١). وسياق هذه الآيات تدل على أنه إسحاق لأنه قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ولا خلاف (٢) أن هذا إسحاق. قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته (٣). وقال قتادة: بعد الذي كان من أمره (٤)، غير أن محمد بن كعب احتج على أنه إسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده (٥). وقد قال أبو إسحاق: (الله أعلم أيهما الذبيح (٦).

стр. 10821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 10822

قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ وقرأ حمزة والكسائي: تُري بضم التاء

стр. 10823

وكسر الراء. قال إبراهيم: ماذا تُرى تأمر وماذا تَرى تشير) (١). قال أبو علي الفارسي: (من فتح التاء كان مفعول ترى أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونان في موضع نصب بأنه مفعول ترى، والآخر أن يكون ذا بمنزلة الذي، والهاء محذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذه القراءة الذي معناه الرأي وليس إدراك المرى (٢) كما تقول فلان يرى ما رأى أبو حنيفة (٣). والتقدير ما الذي تراه، فتصير ما في موضع ابتداء، والذي في موضع خبره، ويكون المعنى: ما الذي تذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم وتتلقاه بالقبول أو تأتي غير ذلك. وأما قول حمزة: ماذا تُري فإنه يجوز أن يكون ماذا بمنزلة اسم واحد، ويكون في موضع نصب، والمعنى: أجَلَدًا ترى على ما تُحملُ عليه أم خَوَاراً (٤). ويجوز أن يجعل ما مبتدأ وذا بمنزلة الذي ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء وأريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك) (٥). وقال الفراء: ماذا ترى معناه ماذا ترى من خبرك أو جزعك (٦). وقال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا قال هذا، وفي كل التفسير ماذا

стр. 10824

ترى ماذا تشير (١). واختار أبو عبيدة القراءة الأولى. وقال: لا يعلم أحدًا قال في موضع المشورة والرأي ما ترى في كذا وكذا، وإنما يقولون هذا في رؤية العين، ولا موضع لرؤية العين هاهنا (٢). وأما وجه مشاورته الابن فيما أمر به، فيجوز أن يكون أمر بأن طلع ابنه على ذلك ويشاوره ليعلم صبره لأمر الله، فيكون في ذلك قرة عين لإبراهيم حيث يرى من ابنه طاعته في أمر الله وصبره على أعظم المكروه، وهو القتل في رضا الله ورضا أبيه. ويكون فيه أيضًا ثواب للابن وثناء حسن يبقى له، حيث قال في جوابه لأبيه (٣): ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أوحي إليك من ربك (٤). قال أبو علي: (التقدير ما تؤمر به، فحذف الجار فوصل الفعل إلى الضمير، فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء من الصلة كما حذفت من قوله (٥): ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] أي اصطفاهم) (٦). ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على بلاء الله. ١٠٣ - قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قال المبرد: استسلما لأمر الله وأذعنا

стр. 10825

له (١) (٢). قال ابن قتيبة نحوه، قال: ومثله سلما (٣). وقال الفراء: فوَّضا وأطاعا. وفي قراءة عبد الله: فلما سلما) (٤) وقال أبو إسحاق: استسلم للذبح واستسلم إبراهيم لذبحه (٥). قال مقاتل: يقول سلما لأمر الله (٦). وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فلما سلما وأسلم الأمر لله، بمعنى سلم (٧)، كما تقول إذا أصابك مصيبة: فسلم لأمر الله، أي: فارضى به، ويكون أسلم بمعنى استسلم أي دخل في السلم، كأنه انقاد ورضي. وقال ابن عباس في رواية عطاء: أسلم إسماعيل صحبته ونفسه لله وأسلم إبراهيم ابنه وبكره واحده (٨) لله، وعلى هذا الإسلام بمعنى الترك. وقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قال أبو عبيدة: (أي صرعه، وللوجه جبينان

стр. 10826

والجبهة بينهما، ونحو هذا قال المبرد، وأنشد: شككت له بالرمح جنبي قميصه ... فخر تليلًا لليدين وللفم) (١) (٢) وقال ابن قتيبة: صرعه على الأرض على أحد جنبيه (٣). وقال ابن الأعرابي: التليل والمتلول المصروع، والمتلى الذي يتلى به أي يصرع (٤). قال ابن عباس: أضجعه على جنبيه على الأرض (٥). وهو قول قتادة (٦). وقال مقاتل: كبه لجبهته (٧). وقال مجاهد وابن جريج: وضع وجهه للأرض (٨). والصحيح أنه أضجعه على أحد شقيه؛ لأن الجبين غير الجبهة كما ذكرنا. ١٠٤، ١٠٥ - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ هذا جواب فلما عند الفراء والكوفيين، والواو مقمحة زائدة. وعند البصريين لا يجوز ذلك. والجواب مقدر على تقدير: فلما فعل ذلك سَعُدَ وأتاه الله نبوة ولده،

стр. 10827

وأجزل له الثواب في الآخرة. وذكر (١) ذلك أبو إسحاق (٢). وهذه المسألة ذكرناها في مواضع. قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. قال مقاتل: عرف الله منهما الصدق (٣). يعني أن إبراهيم قصد الذبح بما أمكنه، وابنه طاوعه ومكن من الذبح، وعرف الله منهما الصدق فلذلك قال: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإن لم يتحقق الذبح (٤). وقال قوم إنه [رأى في] (٥) المنام معالجة الذبح من شد اليدين والرجلين وإمرار السكين على الحلق، وفعل في اليقظة ما رأى في النوم (٦) فلذلك قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فهذان وجهان في قوله: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. وذكر أهل المعاني أوجهًا منها: أنه أمر في المنام أن يقعد منه مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح، ففعل ما رأى في منامه، وهو أنه أمر بذلك على شرط التحلية والتمكين وقصد ذلك ولكن لم يمكن منه (٧). قال السدي: ضرب الله على قفاه صفحة نحاس فجعل يحز ولا يقطع

стр. 10828

شيئًا ونودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا (١). وقال محمد بن إسحاق: لم يحك السكين وانقلبت من حدة (٢) إلى مثنة (٣). ومنها أنه ذبح ووصل الله ما قرى بلا فصل (٤). وهذا أضعف الوجوه: لأنه لم يثبت بهذا رواية (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ ابتداء إخبار من الله، وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي نودي به إبراهيم. والمعنى: أنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه وطاعته في أمر الذبح ومضيه على أمر الله العفو عن ابنه إسحاق (٦). ١٠٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختيار

стр. 10829

الظاهر، حيث أخبره بذبح بكره وواحده، وهذا معنى قول ابن عباس وغيره، جعلوا النبلاء هاهنا بمعنى الاختبار (١). وقال مقاتل: النبلاء النعمة، وهو أن كف عن ولده وفدي بالكبش (٢). ولقد ذكرنا معنى البلاء عند قوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] (٣). ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه من الذبح، والذبح مصدر ذبحت، والذبح ما يذبح. واختلفوا في هذا الذبح، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل (٤). وقال آخرون: أرسل إليه كبشًا من الجنة قد رعى أربعين خريفًا، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا وهو قول معمر وقتاد (٥). وروى جعفر بن إياس (٦) عن ابن عباس قال: خرج عليه كبش من

стр. 10830

الجنة وقد رعاها قبل ذلك بأربعين خريفًا (١). وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عند ذلك إبراهيم فأخذه وذبحه وخلى عن ابنه، وأعتق ابنه وقال: يا بني اليوم وُهِبتَ لي. قال: وبلغنا أن الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً (٢). وقال مقاتل: وكان رعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وكان من غير نسل (٣) وقال آخرون: كان ذلك الذبح، وعلا انحط عليه من الجبل. قال الحسن: ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى، انحط عليه من جبل ثبير (٤)، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه (٥)، فضحوا عباد الله وأعلموا أن الذبح يدفع منية السوء. وروي عن علي ﵁ أنه قال في قوله: (بذبح) قال: كبشٌ أعين أقرن أملح مربوط بسمرة في بثير (٦). وهذا قول الكلبي في رواية أبي صالح عن

стр. 10831

ابن عباس (١). وقوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ قال مجاهد: متقبل (٢). وعلى هذا سمي عظيمًا لعظم قدره، حيث قبل فداء عن إبراهيم. وعند غيره سمي عظيمًا لعظمه وسمنه. قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيمًا وقد رعى في الجنة أربعين خريفًا (٣). ١٠٨ - قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ مفسر في قصة نوح (٤) إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وقد ذكرنا في هذه القصة ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، والمراد بذلك جزاء إبراهيم وابنه حين أطاعا فيما ابتليا به، فجوزيا بالعفو والفداء. والمراد بقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ جزاء إبراهيم وحده. قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في الناس (٥). ١١٢ - قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، من جعل الذبيح إسماعيل جعل معنى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أن الله تعالى بشره بولد نبي بعد هذه القصة جزاءً لطاعته. ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر بنبوته. وهذا قول عكرمة (٦).

стр. 10832

ونحو ذلك قال مقاتل (١): بشر إبراهيم بنبوة إسحاق بعد العفو عنه. قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلها. قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أي: أنعمنا عليهما بالنبوة، قاله مقاتل (٢) وغيره (٣). وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أكثر المفسرين على أنه الغرق، أغرق الله فرعون وقومه ونجى بني إسرائيل. ويذهب بعضهم إلى أنه نجاهم من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء (٤)، وهو قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. ١٢٣ - قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر أهل التفسير على أن إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: (وإن إدريس) وقال: إلياس هو إدريس (٥) نحو إسرائيل ويعقوب. وهذا قول عكرمة (٦). وقرأ ابن عامر: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ بغير همز، وله وجهان، أحدهما: أنه حذف الهمزة من إلياس حذفًا كما حذفها ابن

стр. 10833

كثير من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] وكقول الشاعر: ويلُمِّها في هواء الجو طالبةً (١) وسنذكر الكلام هناك إن شاء الله تعالى (٢). والآخر: أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله: (وليسع). والوجه قراءة العامة؛ لأن إلياس ليس بموضع تحذف فيه الهمزة، إنما هو موضع تجعل فيه بين بين في التخفيف كما يخفف سئم وبئس، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ويقوي ثبات الهمزة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، فهذا يدل على أن الهمزة ثابتة في إلياس بثبوتها في آل ياسين (٣). ١٢٤ - قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، إذ يتعلق بمحذوف، كأنه قيل لمحمد ﵇: اذكر لقومك إذ قال لقومه ونحو هذا كثير، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، الآية. قال ابن عباس: ألا تخافون الله (٤). وقال مقاتل: ألا تعبدون الله (٥).

стр. 10834

وقال الكلبي: ألا تتقون عبادة غير الله (١). ١٢٥ - ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كان لهم صنم يعبدونه (٢). وقال مقاتل: وكان من ذهبٍ ببعل بك (٣) من أرض الشام، كسره إلياس ثم هرب منهم (٤). والأكثرون من المفسرين قالوا: البعل: الرب، ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: ربّا، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة (٥). وروى قيس (٦) عن ابن عباس أنه سمع رجلاً وضلت له جارية وهو يقول: أنا بعلها. قال ابن عباس: هذا من قول الله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (٧)، فالبعل الذي

стр. 10835

ذكره أهل اللغة بمعنى المالك والسيد والرب، ومنه سمي الزوج بعلًا (١). ويقال أنا بعل هذه الدابة. قال مقاتل: وهي بلغة اليمن (٢).ويمكن أنهم سموا صنمهم بعلًا لهذا المعنى، فيكون في هذا جمع بين القولين في البعل. قوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ قال مقاتل: وتذرون عبادة أحسن الخالقين فلا تعبدونه (٣). ١٢٦ - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، قرئ بالرفع على الاستئناف لتمام الكلام الأول، والمعنى: أنه خالقكم ورازقكم، فهو الذي تحق له العبادة دون من لا يبصر ولا يسمع ولا يغني عن أحد شيئًا. وقرئ بالنصب على صفة أحسن الخالقين، ليكون الكلام فيه وجه واحد (٤). ١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: لمحضرون النار غدًا (٥). وقد ذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ

стр. 10836

الْمُحْضَرِينَ﴾ (١). ١٢٨ - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني المصدقين الذين لم يكذبوا، فإنهم لا يحضرون النار. ١٣٠ - قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إليالس ومن معه (٢). قال الفراء: (إن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعًا، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسهم المهلب: قد جاءكم المهالبة والمهلبون، فيكون بمنزلة قوله الأشعرين بالتخفيف والسعدين. قال: أنا ابن سعد سيد السعدينا (٣) قال: ويجوز أن تجعله واحدًا بمنزلة إلياس، والعجمي من الأسماء قد تفعل العرب به هذا، تقول: ميكال وميكائيل وميكاين، وهي في بني أسد، يقولون: هذا إسماعين قد جاء، بالنون، وأنشدني بعض بني نمير: (٤)

стр. 10837

هذا ورب البيت إسماعينا (١) ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٢) سواء، واختار أبو علي القول الأول وشرحه فقال: (إلياسين جمع معنى واحده الإضافة بالياء، نحن تميمي وبكري، والقول فيه أن لا يخلوا لا من أن يراد به الجمع الذي على حد مسلم ومسلمون، وزيد وزيدون، أو الذي واحده يراد به النسب، فمن البيِّن أنه لا يجوز أن يكون على حد مسلم ومسلمون, لأنه ليس كل واحد منهم اسمه إلياس، وإنما إلياس اسم نبيهم، فإذا لم يكن على هذا علم أنه على إرادة النسب بالياء، إلا أن الياءين حذفتا في جميع هذه الأسماء على التصحيح كما حذفت ياء النسب في التكسير، وذلك نحو: المسامعة والمهالبة والمناذِرة، وإنما هذا على أن كل واحد منهم مسمعي ومهلبي، فحذف في التكسير الياءات كما حُذفت في التصحيح، ومما يدل على ذلك قولهم: فارسي وفرس، فليس الفرس جمع فارس وإنما هو جمع فارسي، حذف منه ياء النسب ثم جمع الاسم بعد على حد باذلٍ وبدلٍ، ونحو هذا قولهم: الأعجمون، ألا ترى [أنه] (٣) لا يخلو من أن يكون جمع أعجم أو عجمي، فلا يجوز أن يكون جمع أعجم لأن هذا الضرب من الآحاد التي هي صفات لا تجمع بالواو والنون، كما أن مؤنثه لا يجمع بالألف والتاء، لا يقال في الأحمر: الأحمرون، فإذا لم يجز ذلك علم أنه جمع أعجمي، وعلى هذا قالوا: النميرون والهبيرات (٤)، وكذلك الياسين تقديره: الياسيين

стр. 10838

فحذف كما حذف من سائر هذه الكلم. قال: ولا يجوز أن يكون الياسين بمعنى إلياس، نحو: ميكال وميكائيل؛ لأن ميكال وميكائيل لغتان في اسم واحد، وليس أحدهما مفردًا والآخر جمعًا كإدريس وإدراسين (١)، وإلياس وإلياسين، وفي حرف عبد الله بن سلام على إدراسين، أراد إدريس ومن كان من شيعته وأهل دينه، ولم يقل إدريسين لأن إدريس وإدراس كإبراهيم وإبراهام (٢). وقرأ نافع: سلام (٣) على آل ياسين، وحجته أنها في المصحف مفصولة من يس، ولو كانت الألف والنون واللام التي للتعريف أوصلت في الخط ولم تفصل، فمن فصل ذلك في الكتاب دلالة على أن الذي تصغيره أهيل) (٤). واختار أبو عبيدة القراءة الأولى، وقال: الياسين اسم إلياس، مثل إبراهام في إبراهيم، ألا تراه أنه لم يقل في شيء من السورة على آل فلان وآل فلان، إنما جاء بالاسم وكذلك الياسين (٥). وقال الفراء: القراءة الأولى أشبه بالصواب؛ لأن في قراءة عبد الله: (وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين) (٦). والسدي يقول في إلياس والياسين: إنه إدريس (٧).

стр. 10839

قال الفراء: (ويشهد على صواب القراءة الأولى قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ثم قال في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] وهو في معنى واحد وموضع واحد) (١). فقد ظهر أن الصحيح قراءة العامة؛ لأن إلياسين إنما هو بمعنى إلياس أو بمعنى إلياس وأتابعه، وأريد به إدريس على ما ذكره عكرمة والسدي: فأما أن يكون الذي هو أل (٢) تصغير أهيل فهو مستبعد. وقد ذكر الكلبي في تفسيره ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يقول: سلام على آل محمد. وهذا بعيد؛ لأن ما قبله من الكلام وما بعده لا يدل عليه (٣). ١٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ إذ لا يتعلق بما قبله؛ لأنه لم يرسل وإن نجى، ولكنه يتعلق بمحذوف كأنه قيل: واذكر يا محمد إذ نجيناه. وعند أبي عبيدة: إذ زائدة (٤). وقد ذكر هذا في سورة البقرة. وهذه الآيات مفسرة في سورة الشعراء (٥) إلى قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾، أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام للتجارة على قراهم وآثارهم ومنازلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: نهاراً (٦).

стр. 10840

١٣٨ - ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾، أي: غدوة وعشيًا، تارة تمرون على ديارهم نهارًا وتارة ليلاً. وهي ما بين مكة والشام، هذا قول ابن عباس ومقاتل (١). وتم الكلام هاهنا ثم قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعتبرون. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ الكلام في إذ كما ذكرنا في القصتين قبل هذه. وأبق من إباق العبد، وهو هربه من سيده. قال مقاتل: يعني إذ فر (٢). وقال عبد الله: عبد أبق من ربه. ونحو هذا قال ابن عباس (٣). قال المفسرون: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشوز عنهم، فقصد البحر وركب سفينة (٤)، فذلك قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ونحو هذا قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد مر الكلام فيه مستقصى. وقال أهل المعاني: يَفِرُ من ربه كما يَفِرُ العبد من سيده لأنه يعلم أن ربه يقدر عليه أين ما كان من بر وبحر، ولكنه بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه فقال: ﴿أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ فزع إليه (٥). قال المبرد: تأويل ابن تباعد أي ذهب (٦) إليه، ومن ذلك قولهم: عبد آبق. قوله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مفسر في سورة يس (٧). قال

стр. 10841

مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب (١). وقال سعيد بن جير: ركب يونس السفينة في البحر حتى إذا توسطت بهم ركدت فتوقفت، لا ترجع وراءها ولا تتقدم أمامها، فقال أهل السفينة: إن لسفينتنا لشأنًا. قال: قد والله (٢) عرفتُ شأنها. قالوا: وما شأنها. قال: ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة. قالوا: ومن هو. قال: أنا فاقذفوني في البحر من سفينتكم وانطلقوا لشأنكم، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا [حتى] (٣) نعذر في شأنك. قال: فاستهموا حتى تروا على من يقع السهم، فاقترعوا بسهامهم فأدحض سهمه. قال: قد أخبرتكم، فقذفوه منها (٤)، فذلك قوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وقال وهب: لما احتبست السفينة قال: هاهنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها لا تجري، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق وزج نفسه في الماء (٥). قال المفسرون: ﴿فَسَاهَمَ﴾: فقارع (٦).

стр. 10842

قال المبرد: وإنما أخذ من السهام التي تحال للقرعة (١). ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي المغلوبين (٢) المقروعين المسهومين، ققال ابن عباس (٣) والمفسرون. قال ابن قتيبة. (يقال: أدحض الله حجته فدحضت، أي: أزالها فزالت) (٤). وأصل الحرف من الدحض الذي هو الزلق يقال: دحضت رجل البعير إذا زلقت (٥). قال سعيد بن جبير: لما استهموا في السفينة جاء حوت إلى السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا قذفوه منها أخذه الحوت، فذلك (٦) قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾. وقال النبي ﷺ : "لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا ولا تكسر له عظمًا" (٧). وقال المفسرون في قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: التهمه وابتلعه (٨). يقال لقمت اللقمة وألقمتها غيري. قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، يقال: ألام إذا أتى ما يلام عليه (٩).

стр. 10843

قال مقاتل: يعني استلام إلى ربه (١). وقال الكلبي: يقول مذموم (٢). وقال قتادة عن ابن عباس: مسيء (٣). وقال إسماعيل بن أبي خالد: مذنب (٤). قال أهل المعاني: كان يونس قد خرج قبل أن يأمره الله، وكان أذنب ذنبًا استحق به التأديب ليستمر على طريقة التهذيب (٥). ١٤٣ - قوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ قال مقاتل: فلولا أنه كان في الرخاء قبل أن يلتقمه الحوت، ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وكان في زمانه كثير الصلاة والذكر لله، لولا ذلك ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ عقوبة [له] (٦) (٧). وكان قبره إلى يوم يبعث (٨) الناس من قبورهم. ونحو ذلك قال الكلبي (٩) سواء. وروى أبو زيد عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ من المصلين (١٠).

стр. 10844

وقال قتادة: كان يكثر الصلاة في الرخاء (١). وقال الربيع بن أنس: كان خلاله عمل صالح للبث في بطنه (٢). وقال الضحاك بن قيس (٣) (٤): اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الآية. وإن فرعون كان عبداً طاغيًا ناسيًا ذكر الله فلما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] الآية) (٥). وقال قتادة في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه كلما عثر وجد متكئًا (٦).

стр. 10845

وقال ابن جريج والسدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يومًا (١). وهو قول الكلبي (٢). وقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام (٣). وقال عطاء: سبعة أيام (٤). وقال الضحاك: عشرين يومًا (٥). وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ قال: يريد في بطن الحوت (٦). وقال سعيد بن جبير: يعني قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. (٧). فعلى هذا تسبيحه كان في بطن الحوت. وعلى القول الأول تسبيحه كان قبل ذلك. قال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً (٨). وقال: ولم يلبث إلا قليلاً وأخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقمه فيه (٩). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "سبح يونس في بطن الحوت

стр. 10846

فسمعت الملائكة تسبيحه. فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفته في الساحل" فذلك قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١). يعني العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: (وإنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، وأنشد فقال: فرفعت رجلاً لا أخاف عِثارها ... ونبذت بالبلد العراءِ ثيابي (٢) (٣) وقال الليث: (العراء: الأرض الفضا التي لا تستر بشيء وثلاثة أعرية وأعراء الأرض ما ظهر من متونها وأنشد: وبلدة عارية اعراؤه (٤) يعني بارزه طهوره) (٥).

стр. 10847

وقال مقاتل: يقول البراري من الأرض التي ليس فيها نبت (١). وقال الكلبي: يعني وجه الأرض (٢). وقال ابن حيان: يعني ظهر الأرض (٣). وقال ابن عباس: يريد على ساحل قرية من الموصل (٤). قوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: قد بلى لحمه وكل شيء منه مثل الصبي المولود (٥). وقال ابن مسعود: [كهيئة الفرخ الممعط] (٦) ليس عليه ريش (٧). وقال مجاهد: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: مكتئب (٨). وروى أنس عن النبي ﷺ قال: "أمر الله الحوت فلفظه كهيئة الصبي في أصل يقطينة، وهي الدبا يستظل بظلها، وهيأ الله له أروبة من الوحش تروح [عليه] (٩) بكرة وعشية، فتفشخ عليه فيشرب من لبنها حتى نبت اللحم" فذلك (١٠) قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.

стр. 10848

قال أبو عبيدة (١) والمبرد (٢) والزجاج (٣) وابن قتيبة (٤): كل شجرة لا تقوم على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض، فهو يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ. قال أبو إسحاق: وأحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به. وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل يقطين (٥). وقال ابن قتيبة: وزنه تفعيل (٦). قال الفراء: (قيل عند ابن عباس: هو ورق القرع. فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطينًا كل ورقة اتسعت وسترت [فهي] (٧) يقطين) (٨). قال مقاتل: يعني القرع يأكل منها ويستظل بها (٩). وهو قول ابن مسعود (١٠) ومجاهد (١١). وكل شيء ذهب بسطًا في الأرض يقطين. قال الكلبي: ومنه القرع والبطيخ والقثاء والشرى (١٢).

стр. 10849

وقال سعيد بن جبير: كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يقطين (١). والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله. والآخر: أن اليقطين كان [معروشًا ليحصل] (٢) له ظل؛ لأنه لو كان منبسطًا على الأرض لم يكن أن يستظل به. وقد قال أمية بن أبي الصلت في هذه القصة: وأنبتت يقطينًا عليه برحمة من الله لولا الله أُلقي ضاحيا (٣) ١٤٧ - قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال مقاتل: وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت (٤). وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام فالمراد به التقديم، والواو معناها الجمع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين أو الأشياء قبل الآخر. وروي عن ابن عباس أنه قال: كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (٥). وعلى هذا يجوز أنه أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأُوَلْ، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانيًا بشريعة فآمنوا بها. وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: (أو هاهنا ليس بشك، وقالوا هي في موضع الواو وأنشد لجرير:

стр. 10850

أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طُهيَّة والخشابا (١) [وأيضًا] (٢): [إن] بها أكتل أو رزاما ... خُوَيرِبين ينفقان الهاما (٣) قال: ولو كان شكًا ما قال خويربين وإنما هو أكتل ورزام) (٤). وقال ابن الأحمر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى داكما ما غيبتني غيابيا (٥)

стр. 10851

وهذا قول قطرب واختيار أبي قتيبة فقال: (أو ربما كانت بمعنى واو النسق كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. قال: وهذا كله عند المفسرين بمعنى واو النسق. قال: ونحو هذا قال: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١) [النجم: ٩]. وقال: وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى بل في هاتين الآيتين وفي قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ على مذهب التدارك، وليس كما تأولوا، وإنما هي في جميع هذه المواضع بمعنى واحد: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وأنشد بيت ابن الأحمر الذي أنشده أبو عبيدة، وقال: هذا البيت يوضح لك معنى الواو؛ لأنه أراد شهرين ونصف شهر ثالث) (٢). وقال الفراء: أو هاهنا بمعنى بل كذلك جاء في التفسير مع صحته في العربية (٣). وهذا الذي قاله الفراء قول مقاتل (٤) والكلبي (٥). وأنكر البصريون القولين (٦) جميعًا.

стр. 10852

قال الأخفش في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ يقول: كانوا كذلك عندكم (١). وشرحه الزجاج فقال: (معناه: أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة. وهذا هو القول لأنه على أصل أو. وقال: ولا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن الواو للاجتماع وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر، وأو معناها إفراد أحد الشيئين أو أشياء) (٢). وزاد أبو الفتح الموصلي بيانًا لمذهب البصريين فقال: (ومعناه: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه قلتم أنتم فيهم هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فهذا الشك إنما دخل في الكلام على حكايته قول المخلوقين؛ لأن الخالق ﷻ لا يعترضه الشك في شيء من خبره، ومثل هذا في المعنى كثير في التنزيل كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا) (٣)، وقد ذكرنا قبل هذا في مواضع من هذا الكتاب. قال أبو الفتح: (ألطف وأوضح من قول قطرب أن أو بمعنى الواو) (٤). قال الفراء (٥): إن أو بمعنى بل.

стр. 10853

وقال المبرد: (معناه أرسلناه إلى مائة ألف، فهم فرضه الذي عليه أن يؤديه، فإن زاد بالأولاد فعليه أيضًا دعاؤهم نافلة غير فرض) (١). واختلف المفسرون في الزيادة على المائة ألف. فقال الكلبي ومقاتل: يزيدون عشرين ألفًا، وهو قول السدي (٢). وروى مولى لابن عباس عنه قال: مائة ألف وبضعة (٣) وثلاثون ألفاً (٤). وهو قول الحسن والربيع (٥). وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا (٦). ١٤٨ - (فآمنوا) بمعنى: المائة ألف والزيادة الذين أرسل إليهم يونس، آمنوا أي: صدقوا بتوحيد الله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، متعناهم في الدنيا إلى منتهى آجالهم. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل (٩). ١٤٩ - قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس (١٠) ومقاتل (١١): فاسئل

стр. 10854

أهل مكة. قال أبو إسحاق: فسألهم مسألة توبيخ وتقرير (١). قال مقاتل: فسألهم النبي ﷺ في والنجم وهو قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم: ٢١] الآية (٢). قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال المفسرون: وذلك أن قريشًا وأحياء من العرب: جهينة (٣) وبني سلمة (٤) وخزاعة (٥) وبني مليح (٦)، قالوا: الملائكة بنات الله (٧). قال الكلبي: لا يرضى أحدكم أن يكون له بنت، فكيف يرضى لله ما لا يرضى لنفسه (٨). ١٥٠ - قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ معناه: بل أخلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون حاضرون خلقنا إياهم، كقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ثم وهذا إنكار عليهم يقول: كيف

стр. 10855

جعلوهم إناثًا ولم يشهدوا خلقهم. ١٥١ - ثَمَّ أخبر عن كذبهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ يعني حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم. ١٥٣ - قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من أصطفي على معنى أأصطفي ثم يحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]. فكما أن هذه المواضع كلها استفهام كذلك [في] (١) هذه الآية. وقرأ نافع في بعض الروايات: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ موصولة بغير استفهام. وإذا ابتدأَ كَسَر الهمزَة على وجه الخبر كأنه اصطفى البنات فيما يقولون، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، أي: فيما كنت تقوله وتذهب إليه، وكقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، أي: فيما يقول هو ومن يتبعه. ويجوز أن يكون اصطفى تفسيرًا لكذبهم الذي نسب إليهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما أن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ (٢) تفسير للوعد (٣).
следующие страницы →