← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

قوله: ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس (١) ومقاتل (٢): يعني رسولاً من أنفسهم. ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ من أهل مكة. ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾ يفرق بين الإثنين بسحره، يعني: بين الولد ووالده والرجل وزوجته يُميل أحدهما فيَميل إليه ويهجر صاحبه. ﴿كَذَّابٌ﴾ حين يزعم أنه رسول. ٥ - قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: كان لهم ثلاثمائة وستون صنفًا فلما دعاهم النبي ﷺ إلى عبادة إله واحد أنكروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (٣). والمعنى: أنهم كانوا يعبدونها مع الله، فلما أبطلها النبي ﷺ دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، تعجبوا وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحداً! أي: كيف جعل لنا إلهًا واحدًا بعد ما كنا نعبد آلهة، وليس المعنى أنه جعل جميعها واحداً، وإنما المعنى أنه أبطل آلهتنا وأثبت الإِلهية لواحد وهو الله

стр. 10887

تعالى، فقالوا: كيف جعلها واحدًا أي: كيف جعل الآلهة من الآلهة التي كنا نعبدها واحدًا وهو الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي يقول محمد من أن الآلهة واحد. ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال مقاتل (١): لأمر عجب بلغة أزد شنوءة (٢). وقال أبو عبيدة: (العرب قد تحول فعيلا إلى أفعال، وأنشد لعباس بن مرداس: أين دريد وهو ذو براعة ... تغدوا به سلهبة سراعة (٣) أي: سريعة) (٤). ونحو هذا قال الفراء (٥) والزجاج (٦) وغيرهما، قالوا: تقول العرب: رجل كريم وكُرَّام وكُرَام، وشيء كبير وكُبَّار وكُبَار، وطويل وطوّال، وطَوال وشيء عجب وعُجّاب وعُجَاب بالتشديد، وهي قراءة عيسى بن عمر (٧).

стр. 10888

٦ - قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ قال المفسرون: لما أسلم عمر ﵁ شق على قريش ذلك وفرح به المؤمنون، فانطلق الملأ منهم من قريش وهم سبعة وعشرون رجلاً من أشرافهم إلى أبي طالب وشكوا إليه ابن أخيه، فأرسل إليه أبو طالب فدعاه وعاتبه. فقال النبي ﷺ : أدعوكم إلى كلمة واحدة. قالوا: وما هي؟. قال: لا إله إلا الله، فنفروا من ذلك، قالوا: أجعل إلآلهة إلهًا واحداً، وهو معنى قول ابن عباس (١) ومقاتل (٢) وسعيد بن جبير (٣). قال محمد بن إسحاق: نزلت ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ في مجلسهم ذلك (٤). يعني: مجلس أبي طالب حين نازعوا رسول الله ﷺ ، فذلك قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد الأشراف منهم إلى أبي طالب. ﴿أَنِ امْشُوا﴾ قال: معناه: أي امشوا. وتأويله: يقولون امشوا. قال أهل المعاني (٥): أن هاهنا بمعنى أي التي للتفسير، وذلك أنه صار انطلاقهم بدلالته على المشي بمنزلة الناطق به، كقولهم: قام فلان يصلي، أي أنه رجل صالح، فهذان وجهان: أحدهما وهو ما ذكره أبو إسحاق أن التأويل يقولون امشوا، والثاني: فسر انطلاقهم بقول بعضهم لبعض: امشوا.

стр. 10889

وقال مقاتل (١): أن امشوا إلى أبي طالب. وذكر الفراء (٢) وأبو إسحاق وجهًا آخر في ﴿أَنِ امْشُوا﴾ وهو أن في موضع النصب لفقد الخافض، والتقدير: انطلق الملأ منهم بأن امشوا، أي بهذا القول. وهذا يتوجه إذا حملت الانطلاق والمشي على الخروج من عند أبي طالب والذهاب من عنده لا إليه. وقد ذكر أبو إسحاق (٣) هذا فقال: وقص هذه القصة التي ذكرناها في سبب النزول ثم نهضوا وانطلقوا من مجلسهم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم. وعلى هذا القول المعنى: اخرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا على هذا القول، وهو أن يمشوا فيصبروا على دينهم الذي هم عليه ويتمسكوا به. وقال مقاتل (٤): يعني واثبتوا على عبادة آلهتكم، كقوله في الفرقان: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:٤٢]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: لأمر يراد بنا , يعنون بإسلام عمر وزيادة أصحاب أصحاب ﷺ قاله ابن عباس (٥) ومقاتل (٦). وقال الكلبي (٧):إن هذا لشيء يراد بأهل الأرض.

стр. 10890

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات تحقيق د. على بن عمر السحيباني من أول سورة ق إلى آخر سورة الطور تحقيق د. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء العشرون

стр. 10891

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات تحقيق د. على بن عمر السحيباني من أول سورة ق إلى آخر سورة الطور تحقيق د. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء العشرون

стр. 10892

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ على بن عمر السحيباني؛ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٨٧٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٠) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٨٧٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٠)

стр. 10893

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٢٠]

стр. 10894

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 10895

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات تحقيق د. على بن عمر السحيباني

стр. 10896

تفسير سورة الزخرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١، ٢ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: قَسَمٌ من الله بالقرآن المبين (١)، يريد الذي بَيَّنَ فيه الفرائض والسنن والشرائع، قال أبو إسحاق: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبانَ طريقَ الهدى من طرق الضلالة، وأبان كلَّ ما تحتاج إليه الأمة (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: صَيَّرناه. والجَعْل يكون بمعنى (٣) التصيير، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] والمعنى: صَيَّرْنا قرآنَ هذا الكتاب عربيًّا, لأن من القرآن العبراني (٤)

стр. 10897

والسرياني، فما نقل منه إلى العربية صار عربيًا بالتصيير والنقل. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: في اللوخ المحفوظ (١). ﴿لَدَيْنَا﴾ يريد: الذي عندنا، قال مقاتل: يقول فإن نُسْخته في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ (٢). وقال أبو إسحاق: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب، وأصلُ كلِّ شيء أمُّه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، والدليل على ذلك: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٣) [البروج: ٢١ - ٢٢]. وقال عبد الرحمن بن سابط: كلُّ شيء كائن إلى يوم القيامة مكتوب في أم الكتاب (٤).

стр. 10898

قوله: ﴿لَدَيْنَا﴾ يجوز أن يكون من صفة أم الكتاب، كما ذكره ابن عباس (١)، ويجوز أن يكون المعنى: وإنه لدينا في أم الكتاب. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال قتادة: أخبر عن منزلته وفضله وشرفه (٢)، أي: إن كَذَّبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا رفيع، شريف، محكم من الباطل، قاله المفسرون (٣). وقال أهل المعاني: العلي في البلاغة المظهر ما بالخلق إليه حاجة (٤) في أحسن البيان، جهله من جهله، وعلمه من علمه. ٥ - قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قال الفراء (٥) والزجاج (٦): يقال: ضربت عنه وأضربت عنه، أي: تركته وأمسكت عنه. وقوله: (صفحًا). قال ابن قتيبة: أي: إعراضًا، يقال: صَفَحْت عن فلان، إذا أعرضت عنه، والأصل في ذلك أنك موليه صَفْحةَ عنقك. قال كُثيِّر يذكر امرأةً صفوحًا: صفُوحًا فَما تَلْقَاكَ إلا بَخِيلَةً ... فَمنْ مَلَّ مِنْها ذَلِك الوَصْلَ مَلَّتِ أي: معرضة بوجهها (٧). وقال أبو علي: وانتصاب (صفحًا) من باب: (صُنْعَ الله) لأن قوله: (أفنضرب عنكم الذكر) يدل على أصفح عنكم صفحًا (٨)، واختلفوا في

стр. 10899

معنى الذكر هاهنا، فقال أبو صالح ومجاهد: يعني: ذكر العذاب، والمعنى: يكذبون بالقرآن ولا يعاقبون (١). قال أبو إسحاق: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، قال: والدليل على أن المعني هذا قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (٢) وعلى هذا ضَرْب الذكر: رده وكفه، واختيار الفراء على هذا القول، وقال: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم, لأن كنتم قومًا مسرفين (٣). وقال آخرون: معنى: الذكر هاهنا القرآن والتذكير به، قال ابن عباس: يريد: الضرب عنكم الموعظة (٤)، وقال الكلبي: يقول الله لأهل مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحًا فلا نأمركم بشيء ولا ننهاكم (٥) ولا نرسل إليكم رسولاً أن كنتم قومًا مشركين، المعنى على هذا: أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنكم لا تؤمنون به (٦)، وهذا معنى قول قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردَّه أوائل هذه الأمة لهلكوا, ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة (٧).

стр. 10900

قال الأزهري: أفنعرض عن تذكيركم إعراضًا من أجل إسرافكم في كفركم (١). وقال أبو إسحاق مثل هذا القول أي: أنهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم (٢)، والاختيار هذا القول، وهو قول ابن زيد واختيار الجبائي (٣) لأنه أليق بما بعده من قوله: (أن كنتم قومًا مسرفين) (٤)، وقرئ ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بكسر الهمزة وفتحها، فمن فتح فالمعنى: لأن، والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدمه، مثل: أنت ظالم إن فعلت، كأنه قال: إن كنتم قومًا مسرفين نضرب (٥). وقال أبو إسحاق: من كسر فعلى معنى الاستقبال، على معنى: إن تكونوا مسرفين، وقرئ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ (٦)، وقال الفراء: ومثله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢] و (أن صدوكم) بالكسر والفتح وأنشد:

стр. 10901

أَتَجْزعُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا ... جِهَارًا وَلَم تَجْزَعْ لِقَتْلِ ابن خَازِمِ (١) قال: وفي قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ الفتح والكسر (٢) واختار أبو عبيد النصب، وقال: لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم (٣). ثم عزى نبيه بقوله: ٦ - ٨ - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦ - ٨]. قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا (٤)، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش. قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا (٥)، ونظم الكلام

стр. 10902

يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم (١). قوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد (٢). قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم (٣). وقال قتادة: عقوبة الأولين (٤). وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود (٥)، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم. قال أهل المعاني (٦): ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: ٣٩]، وكقوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 10903

أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم (١)، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء. ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال: ٩ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ قال ابن عباس: ولئن سألت قومك يا محمد (٢) ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: يريد إقرارًا منهم بعدلي وعلمي بخَلْقي، قال الكلبي: وهذا إيمان منهم وهم يخالفون فيشركون به الأصنام (٣). وقال أهل المعاني: هذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ أقروا بالله خالق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث (٤)، وقد تم الإخبار عنهم (٥) ثم ابتدأ جل وعز دالًّا على نفسه فقال: ١٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (٦) قال صاحب

стр. 10904

النظم: أخبر الله عما يقول الكفار إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض (١)، ابتدأ وصف نفسه غير حاكٍ ذلك عن الكفار فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، ولو كان منتظمًا بما قبله من كلام الكفار لوجب أن يكون نظمه: الذي جعل لنا الأرض، والمعنى العزيز العليم الذي أوموا إليه أنه خلقهن هو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، قال: ونظيره من كلام الناس: أن يسمع الرجل رجلاً يقول: الذي بني هذا المسجد فلان العالم، فيقول السامع لهذا الكلام: الزاهد الكريم، كأنه عرفه فزاد في وصفه، فيكون النعتان جميعًا لرجل واحد من رجلين مختلفين، وكذلك قوله : ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ صفة من صفات الله محكية عن الكفار. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ صفة من صفاته أضافها إلى الصفة التي حكاها عن الكفار؛ لأنها حق، وإن كان من كلام الكفار، وتفسير هذه الآية قد سبق في سورة طه [آية ٥٣]. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: تهتدون في أسفاركم إلى مقاصدكم، وهذا قول الحسن ومقاتل، والثاني: لتهتدوا إلى الحق [في بالاعتبار] (٢) الذي جعل لكم، وهذا معنى قول ابن عباس (٣). ١١ - قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد

стр. 10905

ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم وأهلكهم، بل هو بقدر حتى يكون معاشًا لكم ولأنعامكم (١). ١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي الأصناف والضروب والألوان والذكر والأنثى. ١٣ - قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ قال أبو عبيدة: التذكير لـ: ما (٢)، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند، فلذلك ذكَّر وجمع الظهور (٣). ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني النعمة بتسخير ذلك لكم، مراكب في البر والبحر، وقال الكلبي: هو أن تقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس: تذكروا كرامة ربكم إذا استويتم عليه، يعني: إكرامه إياكم بتلك المراكب (٥)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقوله: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ قال مقاتل: ذلل لنا هذا المركب (٦)، وقال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم الفلك بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] ويعلمكم إذا ركبتم الإبل أن

стр. 10906

تقولوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١). قال ابن عباس: يريد: ولا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر لولا أن الله سخره لنا (٢) ومعنى المقرن: المطيق في قول المفسرين (٣)، قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له وأنشد: ولَسْتُم للصِّعَابِ بمُقرنِينَا (٤) وقال الليث: أقرنت لهذا البرذون والبعير، أي قد أطقته، وكان اشتقاقه من قولك: صوت له قرنًا مطيقًا (٥)، ونحو هذا قال الزجاج وابن قتيبة قال: ومعنى: أنا قرن لفلان، أي: مثله في الشدة (٦). وقال صاحب النظم: هذا كله خبر عن ظاهره، ومعناه في الباطن أمر؛ لأنه لو كان خبرًا لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان والعمل به، فلما لم يكن ذلك عامًا، وكان خاصًّا في بعض، دل ذلك عليه أنه أمر أخرج مخرج الخبر، قال: وقد قيل إن معناه: ليأمركم إذا استويتم عليه أن تذكروا نعمة ربكم كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

стр. 10907

إلا لآمركم أن تعبدونِ، ولو كان على ظاهر النظم لوجب أن يعبدوه كلهم. والله أعلم. ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. قال صاحب النظم: رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم في أول السورة، فابتدأ خبرًا عنهم من غير أن يصله في المعنى بما قبله؛ لأنه لا يتصل بشيء مما تقدمه، وإن كان منسوقًا عليه بواو العطف، ومعنى الجزء في اللغة: القطعة والنصيب، وجمعه أجزاء، ويقال: جزأت الشيء بينهم وجزأته، إذا قسمته، تخفف وتثقل (١). وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: قال ابن عباس: يريد حيث جعلوا الملائكة بنات الله (٢)، وعلى هذا معنى الآية حكموا بأن بعض العباد وهم الملائكة له أولاد. فمعنى الجعل هنا الحكم بالشيء، وحُذِفَ من الكلام مفعولٌ هو مراد على تقدير: وجعلوا له من عباده جزءًا ولدًا أو بنات. القول الثاني: أن معنى الجزء هاهنا العدل والشبيه، وذلك أنهم عبدوا الملائكة والجن، فجعلوهم لله عدلًا وشبيهًا، وهذا معنى قول مقاتل وقتادة (٣)، وتقدير هذا القول كتقدير القول الأول؛ لأن المعنى: وجعلوا له

стр. 10908

من عباده جزءًا عدلاً، فحذف أحد المفعولين، وذكر أبو إسحاق في الجزء قولاً آخر فقال: أنشدني بعض أهل العلم بيتًا يدل على [أن] (١) معنى الجزء الإناث، ولا أدري البيت قديمٌ أم مصنوع وهو: إنْ أَجْزأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلاَ عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا (٢) أي: إن ولدت أنثى، قال الأزهري: واستدل قائل هذا القول بقوله : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قال: وهذا القول ليس بشيء، والجزء بمعنى الإناث غير موجود في كلام العرب، والشعر القديم الصحيح لا يعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع (٣)، ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبًا، على معنى أنهم جعلوه نصيب الله من الولد، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، أي: وصفوهم بالأنوثة، وكذبوا في المعنيين جميعًا: في قولهم إنهم بنات الله، وفي أنهم إناث. قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: إن الكافر (لكفور) لجحود لنعم الله (مبين) بيِّن الكفران، والاختيار: القول الأول لقوله:

стр. 10909

١٦ - ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهذا استفهام توبيخ (١)، يقول: اتَّخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ واختصكم وأخلصكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾ ويقال: أصفيت فلانًا بكذا، أي: آثرته به، وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] قال أهل المعاني: والحجة عليهم في هذه الآية أنه ليس يحكم من اختار لنفسه أدون المبدلين ولغيره أعلاها، ولو كان على ما يقوله المشركون من اتخاذ الولد، لم يتخذ لنفسه البنات ويصفهم بالبنين، فغلطوا في الأصل وهو: جواز [لاتخاذ] (٢) الولد، وفي البناء على الأصل وهو اتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطأ في الدين، ثم [رادا] (٣) احتجاجًا في القول عليهم بقوله. ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: بالذي وصف للرحمن شبهًا (٤)، وقال [مقاتل] (٥): بما جعل لله شبهًا (٦)، وذلك أنهم إذا أجازوا أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعلوا الملائكة شبهًا لله، وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه، وهذه الآية مفسرة في سورة النحل [آية ٥٨]. ووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية أن من اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، فهو أحق أن يسود وجهه بإضافته مثل ذلك إلى من هو

стр. 10910

أجل منه، فكيف إلى ربه . ١٨ - قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال مقاتل: ينبت في الزينة، يعني: الابنة (١) قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية يعني البنات، ونحو هذا قال الزجاج والفراء (٢)، وعلى هذا موضع (من) نصب، وهو اختيار أبي علي قال: موضع (من) نصب على تقدير: اتخذوا له من ينشأ في الحلية على وجه التقريع لهم بما افتروه (٣)، وذكر الفراء قولين قال: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع على الاستئناف، وعلى هذا يضمر الخبر، قال: وإن رددتها على أول الكلام على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ خفضتها (٤). وقرأ حمزة والكسائي: (ينشؤ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود (٥). قال أبو علي الفارسي: يقال: نشأت السحاب، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعول كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] والأكثر في الأفعال التي لا تتعدى إذا أريد تعديتها أن ينقل بالهمزة، أو بتضعيف العين نحو: فرَّحته وأفرحته،

стр. 10911

وغرَّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء عدي بتضعيف العين دون الهمز وهو قولهم: لقيت خيرًا, ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه. ومن هذا قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]. ﴿فَوَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان: ١١] فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، عدي بالهمزة دون التضعيف؛ لأنا لم نعلم نشأ، كما جاء بلغ وأبلغ، ونجَّى وأنجى، وإذا كان كذلك كان الأوجلى: أو من ينشأ من الإنشاء، ومن قال (ينشأ) فهو في القياس مثل: فرَّح وأفرح، وغرَّم وأغرم، وإن عزَّ وجود ذلك في الاستعمال. هذا كرمه (١)، وهو كما قال، فإن أحدًا من أهل اللغة لم يحكِ نشأ، ولا حكاه الأزهري عن أحد في كتابه، غير أن الكسائي قال: نشى فهو منشأ ينشأ وينشيه، واختار أبو عبيد هذه القراءة، قال: ومعناه أن الله تعالى فعل ذلك بهن (٢). قال المبرد: الفرق الذي ذكر أبو عبيد بين (ينشأ وينشا) ليس بشيء، لأنه إذا أنشئ نشأ، ولا ينشَّأ إلا أن ينشأ، وكذلك: إنك ميت، إنما هو ممات؛ لأنه لا يموت حتى يمات، وكذلك كل ما ينسب إلى العبد في خلقه (٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ يعني المخاصمة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ للحجة قاله الكلبي، وقال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها (٤)، وقال أبو إسحاق: إن الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين (٥)،

стр. 10912

والمعنى: أنهم نسبوا إلى الله ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجته أو يستوفيها، وهذا في ظاهره استفهام وهو إنكار وردٌّ، وهو الذي ذكرنا من أن المراد بالآية البنات، وهو قول جماعة أهل التفسير (١) وقد قال ابن زيد: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب وينشؤنها في الحلية ثم يعبدونها (٢)، والقول هو الأول، قال أبو إسحاق: والأجود أن يكون يعني به المؤنث (٣). ١٩ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٤)، وكلٌّ صواب، قد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ

стр. 10913

الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة (١)، واختار أبو عبيد: (عباد الرحمن) قال: وفي ذلك تكذيب لقولهم بنات الله، أخبر أنهم عبيده وليسوا بناته (٢)، واختار أبو حاتم: (عند الرحمن)، وقال: إن فيه مدحًا لهم. وقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم (٣)، لأن المعنى أن الملائكة عنده وليسوا عندهم [رواهم] (٤)، فكيف حكموا بأنوثتهم، يدل على هذا قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية (٥). واختلفوا في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠]، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء. وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و (شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله:

стр. 10914

شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ... يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها (١) وهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) [الكهف: ٥١]، فقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك (٣)، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله (٤). [فإذا شهدوا وأشهدوا، وإذا شهد فقد شهدوا] (٥). قال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم. قال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي ﷺ فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟ " قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم

стр. 10915

يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة (١). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قال الكلبي: بنو مليح (٢) من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة، قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ونحو هذا قال قتادة ومقاتل (٣). قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم (٤)، يدل على هذا قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال أصحابنا إنهم عنوا بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أنه قدرنا على عبادتها فَلَمْ يعاقبنا؛ لأنه رضي بذلك منا (٥). وذلك كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وليس تقديره الكافر على الكفر رضا منه (٦)، فذلك يدل على ذلك. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لا علم

стр. 10916

لهم بما يدَّعون، ولكنهم يخرصون في ذلك، وهذا إنكار ورد ولا يحتمل أن يكون ردًا لظاهر قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ , لأن هذا القول حق وإن كان من الكافر؛ لأن الحق حق حيث ما كان، فلا يحتمل أن يكون هذا الإنكار واقعًا إلا على ما أولناه من أن قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا؛ لأن هذا القول حق أمرنا أن نعبدهم؛ لأن هذا افتراء وكذب منهم على الله، فهذان قولان صحيحان في معنى الآية: أحدهما: وهو أن قول أبي إسحاق أن قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إنكارٌ لما ذكر عنهم من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. والثاني: أنهم [أروا] (١) بقولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك فقدرنا عليه، فأنكر عليهم، وهذه الآية كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سورة النحل [٣٥]. ٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ قالوا كلهم: من قبل القرآن، قال مقاتل: يقول هل أعطيناهم كتابًا من قبل

стр. 10917

القرآن بأن يعبدوا غير الله (١) فهم به مستمسكون. قال ابن عباس: فهم به يعملون (٢)، وقال الكلبي: يأخذون بما فيه (٣). وقال أبو إسحاق: أم هل قالوه عن كتاب، والمعنى آتيناهم كتابًا بما قالوه من عبادة غيره (٤). [ذكر أنه لم] (٥) يعبدوا غيره بكتاب [إذا] (٦) العلم بالحق لا يدرك إلا بالسمع أو بالعقل، وليس يوجب ما يفعلون عقل ولا سمع. ٢٢ - ثم ذكر أنهم لم يأتهم كتاب، فقال: ﴿بَلْ﴾ أي ما أتيناهم كتابًا ولكنهم ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. وقال الزجاج: أعلم الله أن فعلهم اتباع ضلالة آبائهم بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ (٧). وقال صاحب النظم: أي ليس لهم حجة إلا تقليد آبائهم، وقولهم: إنا وجدناهم على دين فنحن نتبعهم، ومعنى الأمة في هذه الآية: السنة والملة والدين، في قول جميعهم (٨).

стр. 10918

﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقال ابن عباس: يعنون الضلالة التي هم عليها، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين (١). ٢٣ - ثم أخبر تعالى أن غيرهم قالوا هذا القول فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي وكما قالوا ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قوله: ﴿مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ملوكها وأشرافها وجابرتها (٢)، وقال أبو إسحاق قوله: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ و ﴿مُقْتَدُونَ﴾، يصلح أن يكون جوابًا لـ: ﴿إِنَّا﴾، و ﴿عَلَى﴾ من صلته والتقدير: إنا مهتدون على آثارهم، وكذلك مقتدرون، ويصلح أن يكون خبرًا بعد خبر، فيكون (على آثارهم) خبر (إنا) ومهتدون [خبرًا ثان] (٣)، وكذلك مقتدون (٤)، فقال الله تعالى لنبيه: ٢٤ - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ قال الكلبي: بأعرف دينا وأبين صلاحًا (٥). وقال أبو إسحاق: المعنى فيه قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه (٦)؟ فأبوا أن يقبلوا ذلك ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.

стр. 10919

ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذبة تخويفًا لهم فقال: ٢٥ - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود (١)، ونحو هذا قال مقاتل (٢). ٢٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكلبي: لما خرج إبراهيم من السرب وهو ابن سبع عشرة سنة، أبصر قومه وأباه يعبدون الأصنام فقال لهم هذا القول (٣). وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكساني والفراء والمبرد: براء: مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل: عدل ورمي، تقول العرب: أنا البرآء منك والخلا، ولا يقولون: البراءان والبراءون؛ لأن المعنى: ذو البراء، وذو البراء، فإن قلت: بريء وخلى، ثنيت وجمعت (٤)، ثم استثنى خالقه من البراءة فقال: ٢٧ - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله ، ويجوز أن يكون (إلا) بمعنى لكن، فيكون المعنى لكن الذي فطرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته، قاله ابن عباس (٥). والوجهان في الاستثناء ذكرهما الزجاج (٦). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني لا إله إلا الله، وقال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد

стр. 10920

الله ويوحده (١)، والكناية على هذا في قوله (وجعلها) تعود إلى كلمة التوحيد لا إل إلا الله والمعنى: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، ولم يسبق ذكر كلمة التوحيد حتى يكنى عنها. قال صاحب النظم: قد رضيت العامة بقول المفسرين من غير وقوف على حقيقة مخرج هذه الكلمة، وإذا تأملت الآية رددتها بالاعتبار إلى تأويلها، دلت على قيام لا إله إلا الله فيها مصورة، وذلك أن النفي والتنزيه عند العرب واحد في المعنى. وقوله ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ مثل قولك: لا, لأنه يتبرأ بها من الشيء. قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كل معبود عند العرب كان يسمى إلهًا، فقد رجع تأويل هذه الآية بهذا الاعتبار أنها كناية عن الإله، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ولا يهدي ولا يفطر إلا الله ، وكأنه قال: إلا الله، وقد انتظمت الكلمتان بهذا التأويل لا إله إلا الله. وقوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ قال مقاتل: في ذرية إبراهيم، وقال الكلبي: في نسله (٢)، وقال الحسن: عقب الرجل: نسله إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس: يريد في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة (٣).

стр. 10921

قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا, ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر ﵀ أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره (١). قول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم (٢)، وقال قتادة: لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله (٣). ٢٩ - ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٤)، يعني أنه متعهم بأنفسهم وأموالهم وأنواع إنعامه عليهم، ولم يعاجلهم بعقوبة كفرهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، وقال مقاتل: يعني القرآن. وقال الضحاك: الإسلام (٥). ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مبين لهم الإعلام والأحكام، وقال مقاتل: بين أمره (٦).

стр. 10922

وقال أهل المعاني: كان من حق ما أنعم الله عليه من الانتفاع ونعته الرسول أن يطيعوه بإجابة رسوله، فلم يجيبوه وعصوا رسوله فلم يقضوا حق إنعامه وهو قوله تعالى: ٣٠، ٣١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: قال الوليد بن المغيرة، لو كان هذا القرآن حقًا لنزل عليَّ أو على [ابن] (١) مسعود: عمرو بن عمير بن عوف الثقفي جد المختار الكذاب (٢)، وكان بالطائف والوليد كان بمكة، وهما القريتان، وقال عطاء عن ابن عباس وقتادة: في عظيم الطائف إنه عروة بن مسعود (٣)، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد الثقفي من الطائف (٤). وقال أبو إسحاق: المعنى على رجل من رجلي القريتين (٥). وقال أبو علي: من إحدى القريتين (٦).

стр. 10923

٣٢ - فقال الله إنكارًا وردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: نبوة ربك، وهو قول جميع المفسرين (١)، والمعنى: أنهم [أعرضوا] (٢) على الله بقولهم لِمَ لَمْ ينزل هذا القرآن على غير محمد؟ فبين الله أنه هو الذي يقسم بفضله ورحمته لا غير، وقال مقاتل في هذه الآية: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: أنها ليست بأيديهم، ولكنا نختار لها من نشاء من عبادنا (٣). ثم قال قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرزاقهم (٤)، واختلفوا في معنى ذكر سبب قسمة المعيشة هاهنا، فقال مقاتل في هذه الآية: يقول لم أعط الوليد وأبا مسعود الذي أعطيناهما من الغنى لكرامتهما على الله، ولكنه قسمة من الله بين الخلق (٥)، فعلى هذا المعنى: نحن أعطيناهما ذلك فلا يغر بهما الغنى ولا يبطر بهما النعمة، فإن من قسمها لهما قادر على نزعها عنهما، ثم ذكر الحكمة في تفضيل بعض على بعض في الرزق في باقي الآية. وقال أهل المعاني: إن الله قسم النبوة كما قسم الرزق في المعيشة، فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، وكما فضلنا بعضهم فوق بعض في الرزق والمنزلة، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، وعلى هذا معنى الآية: إنا تولينا قسم معيشتهم، كذلك تولينا قسم النبوة بالرحمة، فلا

стр. 10924

اعتراض لأحد في قسمتنا (١) وقال آخرون: نبه الله بالأدنى على الأعلى، فذكر أنه قسم المعيشة بين عباده بتفضيله من يشاء في الرزق على غيره، وإذا كان هو المتولي لهذه القسمة، فأن يكون هو المتولي لقسمة النبوة، إذ شأن النبوة أعظم ومحلها أرفع، وكما لا يعترض عليه في قسمة الرزق، كذلك لا يعترض عليه في قسمة النبوة (٢). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني الفضل في الغنى في الحياة الدنيا (٣). ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي يستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، هذا قول السدي وابن زيد (٤)، قال الضحاك وقتادة: ليملك بعضهم بما لهم بعضًا فيتخذونهم عبيدًا ومماليك، وهذا معنى قول مقاتل والكلبي (٥). وقال ابن عباس: يُسخِّر هذا لهذا وهذا لهذا (٦). وهذا القول يحتمل القولين؛ لأن التسخير يكون بالأجر ويكون بالملك (٧)، وذكرنا معنى السخرى في سورة المؤمنين [١١٠]، وقال أبو الحسن الأخفش: اتفق

стр. 10925

القراء هاهنا على الضم لأنه من السُّخرة وانقياد بعضهم لبعض في الأمور، التي لو لم يَنْقَدْ فيها بعضهم لبعض لم يلتئم قوام العالم (١). قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الأموال (٢)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق فقال: أعلم الله أن الآخرة أحظ من الدنيا (٣)، وقال ابن عباس: والنبوة من ربك خير مما يجمعون من الدنيا، والرحمة على هذا القول: النبوة (٤) وهو أولى لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ولم يختلفوا أنها بمعنى النبوة، كذلك التي في آخر الآية، والمعنى على هذا: أن النبوة لك يا محمد من ربك خير من أموالهم التي يجمعونها. ٣٣ - ثم أعلم قلة الدنيا عنده فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال قتادة: لولا أن يكون الناس كفارًا (٥). وقال مقاتل: يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق (٦).
следующие страницы →