← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا, ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر ﵀ أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره (١). قول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم (٢)، وقال قتادة: لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله (٣). ٢٩ - ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٤)، يعني أنه متعهم بأنفسهم وأموالهم وأنواع إنعامه عليهم، ولم يعاجلهم بعقوبة كفرهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، وقال مقاتل: يعني القرآن. وقال الضحاك: الإسلام (٥). ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مبين لهم الإعلام والأحكام، وقال مقاتل: بين أمره (٦).

стр. 10922

وقال أهل المعاني: كان من حق ما أنعم الله عليه من الانتفاع ونعته الرسول أن يطيعوه بإجابة رسوله، فلم يجيبوه وعصوا رسوله فلم يقضوا حق إنعامه وهو قوله تعالى: ٣٠، ٣١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: قال الوليد بن المغيرة، لو كان هذا القرآن حقًا لنزل عليَّ أو على [ابن] (١) مسعود: عمرو بن عمير بن عوف الثقفي جد المختار الكذاب (٢)، وكان بالطائف والوليد كان بمكة، وهما القريتان، وقال عطاء عن ابن عباس وقتادة: في عظيم الطائف إنه عروة بن مسعود (٣)، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد الثقفي من الطائف (٤). وقال أبو إسحاق: المعنى على رجل من رجلي القريتين (٥). وقال أبو علي: من إحدى القريتين (٦).

стр. 10923

٣٢ - فقال الله إنكارًا وردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: نبوة ربك، وهو قول جميع المفسرين (١)، والمعنى: أنهم [أعرضوا] (٢) على الله بقولهم لِمَ لَمْ ينزل هذا القرآن على غير محمد؟ فبين الله أنه هو الذي يقسم بفضله ورحمته لا غير، وقال مقاتل في هذه الآية: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: أنها ليست بأيديهم، ولكنا نختار لها من نشاء من عبادنا (٣). ثم قال قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرزاقهم (٤)، واختلفوا في معنى ذكر سبب قسمة المعيشة هاهنا، فقال مقاتل في هذه الآية: يقول لم أعط الوليد وأبا مسعود الذي أعطيناهما من الغنى لكرامتهما على الله، ولكنه قسمة من الله بين الخلق (٥)، فعلى هذا المعنى: نحن أعطيناهما ذلك فلا يغر بهما الغنى ولا يبطر بهما النعمة، فإن من قسمها لهما قادر على نزعها عنهما، ثم ذكر الحكمة في تفضيل بعض على بعض في الرزق في باقي الآية. وقال أهل المعاني: إن الله قسم النبوة كما قسم الرزق في المعيشة، فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، وكما فضلنا بعضهم فوق بعض في الرزق والمنزلة، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، وعلى هذا معنى الآية: إنا تولينا قسم معيشتهم، كذلك تولينا قسم النبوة بالرحمة، فلا

стр. 10924

اعتراض لأحد في قسمتنا (١) وقال آخرون: نبه الله بالأدنى على الأعلى، فذكر أنه قسم المعيشة بين عباده بتفضيله من يشاء في الرزق على غيره، وإذا كان هو المتولي لهذه القسمة، فأن يكون هو المتولي لقسمة النبوة، إذ شأن النبوة أعظم ومحلها أرفع، وكما لا يعترض عليه في قسمة الرزق، كذلك لا يعترض عليه في قسمة النبوة (٢). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني الفضل في الغنى في الحياة الدنيا (٣). ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي يستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، هذا قول السدي وابن زيد (٤)، قال الضحاك وقتادة: ليملك بعضهم بما لهم بعضًا فيتخذونهم عبيدًا ومماليك، وهذا معنى قول مقاتل والكلبي (٥). وقال ابن عباس: يُسخِّر هذا لهذا وهذا لهذا (٦). وهذا القول يحتمل القولين؛ لأن التسخير يكون بالأجر ويكون بالملك (٧)، وذكرنا معنى السخرى في سورة المؤمنين [١١٠]، وقال أبو الحسن الأخفش: اتفق

стр. 10925

القراء هاهنا على الضم لأنه من السُّخرة وانقياد بعضهم لبعض في الأمور، التي لو لم يَنْقَدْ فيها بعضهم لبعض لم يلتئم قوام العالم (١). قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الأموال (٢)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق فقال: أعلم الله أن الآخرة أحظ من الدنيا (٣)، وقال ابن عباس: والنبوة من ربك خير مما يجمعون من الدنيا، والرحمة على هذا القول: النبوة (٤) وهو أولى لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ولم يختلفوا أنها بمعنى النبوة، كذلك التي في آخر الآية، والمعنى على هذا: أن النبوة لك يا محمد من ربك خير من أموالهم التي يجمعونها. ٣٣ - ثم أعلم قلة الدنيا عنده فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال قتادة: لولا أن يكون الناس كفارًا (٥). وقال مقاتل: يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق (٦).

стр. 10926

وقال الكلبي: لولا أن يجتمعوا على الكفر (١). ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ لهوان الدنيا عليه ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال الشعبي: يعني: الجذوع (٢)، وقال مقاتل: يعني سماء البيت (٣)، وقرئ: ﴿سُقُفًا﴾. فمن قال (سَقْفًا) فهو واحد يدل على الجمع، ألا ترى أنه قد علم بقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ أن لكل بيت سقفًا، ومن قرأ: (سُقُفًا). فهو جمع سَقْف، مثل: رَهْنَ ورُهُنُ، ويُخَفَّفُ فيقال: رُهْنُ، ومثله في الصفة فَرَسٌ وَرْدٌّ، [والجميع] (٤) وُرْدٌ [وكذلك] (٥) كَثٌ وكُثٌّ، وسَهْمٌ حَشْرٌ وسِهَام حُشْرٌ، وَفُعُلٌ في الجمع يُخَفَّف نحو: أَسَدٍ و [أُسْدٍ] (٦)، قال:

стр. 10927

كأنَّ مُحَرَّباً من أُسْدِ تَرْجٍ ... ينازِلُهُ لِنَابَيْهِ قَبِيبُ (١) وهذا الذي ذكرنا هو كلام أبي إسحاق وأبي علي (٢)، ويدل على صحة قراءة من قرأ بالجمع ما روي عن مجاهد أنه قال: كل شيء من السماء فهو سَقْف، وكل شيء من البيوت فهو سُقُف بضمتين، ويشبه أن يكون اعتبر في هذا قوله (٣): ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ يعني: الدرج في قول جميعهم (٤)، وهو من عرج يعرج، وقد سبق تفسيره [السجدة: ٥] ﴿عَليهَا﴾ أي على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يرتفعون (٥)، وقال مقاتل: يرتقون (٦). وقال ابن قتيبة: يعلون، يقال: ظهرت على البيت، إذا علوت سطحه (٧)، ومنه قول الجعدي: وإنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذلك مَظْهَرا (٨)

стр. 10928

يعني مرقى ومصعدًا. قال أبو إسحاق: المعنى: وجعلنا معارج من فضة (١) (و) كذلك: ٣٤ - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ أي أبوابًا من فضة (و) كذلك ﴿وَسُرُرًا﴾ من فضة، والمعنى لولا (٢) تميل بهم الدنيا فيصير الخلق كفارًا لأعطى الله الكافر في الدنيا غاية ما يتمنى فيها لقلتها عنده، ولكنه لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة. قال الأخفش: واحد المعارج معراج، ولو شئت قلت في جمعه المعاريج (٣) وإن شئت جعلت الواحد معراجًا بفتح وكسر، كما تقول: مَرقاة ومِرْقاة. قال: وقوله: ﴿يَظْهَرُونَ﴾، يقول: قد ظهر على البيت يظهر، ويظهر ظهورًا وظهورًا، إذا علاه، وظهرت على السطح، إذا صرت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] معناه: ليُعْليه، وأظهر الله المسلمين على الكافرين أي: أعلاهم [عليه] (٤)، وأظهر على الشيء المسروق، إذا أطلع عليه (٥). ﴿وَسُرُرًا﴾ هو السرير، والعدد أسرة، والجميع السرر.

стр. 10929

قوله تعالى: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ أصله من الواو، وكان أصل اتَّكى أوتكى، ففعل به مثل ما فُعل باتّزن واتّعد، وقد مضى، ومثل الاتكاء التوكؤ، وهو التحامل على الشيء (١)، ومنه قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ تفسير الزخرف في اللغة: الزينة، وكمال الشيء فيها، ودليل ذلك قوله (٢): ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤]، ونحو هذا قال ابن عباس: يريد جمع الزينة (٣). وقال مقاتل: يقول ولجعلنا لهم كلَّ شيء من ذهب (٤). وقال الفراء: جاء في التفسير إنما نجعلها لهم من فضة ومن زخرف، فإذا ألقيت من أوقعتَ الفعلَ عليه فتنصبه، أي وزخرفها تجعل ذلك منه. قال: وقال آخرون: ونجعل لهم مع ذلك ذهبًا وغنى، وهو أشبه الوجهين بالصواب (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ القراء على تخفيف ﴿لما﴾ و ﴿مَا﴾ لغو، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، (وإن) مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَما﴾ التي تدخل لتفصل بين النفي والإيجاب في نحو قوله:

стр. 10930

هَبَلَتْكَ أمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا (١) ولم تعمل (إن) عمل الفعل لما خففتها لزوال شبهها بالفعل من أجل التخفيف، وحكى سيبويه النصب بها مخففة، والقياس أن لا تعمل إذا خففت بذلك على دخولها على الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقرأ حمزة (لمَّا) بالتشديد، جعل (لما) في معنى: إلا، وحكى سيبويه: نشدتك باللهِ لَمَّا فَعَلْتَ يعني: إلا، ويقوي هذه [القراءتان في حرف] (٢) (وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا) وهذا يدل على أن (لما) بمعنى (إلا) وأنَّ (إنْ) بمعنى (ما) (٣). وقال أبو الحسن: الوجه التخفيف, لأن (لما) في المعنى (إلا) لا يكاد يعرف ولا يكاد يُتكلم بها (٤)، وحُكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل (٥).

стр. 10931

قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد يزول ويذهب ويتغير (١)، وقال مقاتل: يتمتعون فيها قليلاً (٢)، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة لهم. ٣٦ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ قال أبو زيد وابن الأعرابي: عشى يعشو عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا أتى نارًا للضيافة، وعشا يعشو، إذا ضعف بصره (٣)، ونحو هذا قال الليث، قال: والعاشية كل شيء يعشو بالليل إلى ضوء نار من أصناف الحيوان كالفراش (٤) وغيره وأنشدوا: مَتَى تَأتِه تَعْشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ (٥) وذكر المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية قولين: أحدهما: أن المراد بقوله (يعش): يعم ويضعف بصره. والآخر: أن المعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمن، والأول قول مقاتل وابن زيد وابن عباس في رواية عطاء وأبي عبيدة وابن قتيبة. قال مقاتل: يقول: ومن يعم بصره عن ذكر الرحمن، يعني القرآن.

стр. 10932

وقال ابن عباس: ومن يعم عن ذكر الله تعالى. وقال أبو عبيدة: ومن تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة (١). والقول الثاني: هو قول قتادة، وروي ذلك عن ابن عباس وهو اختيار الفراء وأبي إسحاق (٢). وشرح الأزهري القولين وبيَّن الأصوب فقال: قال القتيبي معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي ومن يظلم بصره، قال: وهذا قول أبي عبيدة، ثم ذهب يرد قول الفراء ويقول: لم أر أحدًا يجيز عشوت عن الشيء، أي: تغافلت عنه كأني لم أره وكذلك تعاميت. قال الأزهري: أغفل القتيبي موضع الصواب، واعترض مع غفلته على الفراء يرد عليه، فذكرت قوله لأبين عواره، فلا يغتر به الناظر في كتابه، العرب تقول: عَشَوت إلى النار أعشو عَشْوًا، أي قصدتها مهتديًا بها، وعشوت عنها، أي: أعرضت فيفرقون بين (إلى) و (عن) موصولين بالفعل. قال أبو الهيثم: عشا عن كذا يعشو عنه، إذا مضى، وعشا إلى كذا يعشو إليه عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا قصد إليه مهتديًا بضوء ناره، وإنما أتى القتيبي في وهمه الخطأ من جهة أنه لم يفرق بين عشا إلى النار، وعشا عنها, ولم يعلم أن كل واحد منهما ضد الآخر في باب الميل إلى الشيء والميل عنه كقولك: عدلت إلى بني فلان، وعدلت عنهم، وكذلك ملت إليهم، وملت

стр. 10933

عنهم، ومضيت إليهم، ومضيت عنهم. وهكذا قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية كما قال الفراء (١) قال: معنى الآية: أن من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين، يعاقبه بشيطان يقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينًا له، فلا يهتدي مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين (٢). قال الأزهري: وأبو عبيدة صاحب معرفة الغريب، وأيام العرب، وهو بليد النظر في باب النحو ومقاييسه، انتهت الحكاية عن الأزهري (٣)، والقول ما اختاره؛ لأن الإعراض عن القرآن صح يعني من العمى عنه، ولهذا الوجه أدلة من التنزيل كقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: ١٧] والأول ليس ببعيد، ويحمل على أنه يعمى عن الاستدلال بحججه والتأويل في تبيانه، ونظيره من التنزيل قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ تفسير التقييض قد تقدَّم في سورة السجدة [آية: ٢٥]، قال مقاتل: يعني يضم إليه (٤). (فهو له) في الدنيا (قرين) يعني صاحبًا يزين له العمى، وقال ابن عباس: فهو له قرين: يريد في الدنيا والآخرة (٥).

стр. 10934

قوله: ﴿فَهُوَ﴾ يجوز أن يكون كناية عن الشيطان، ويجوز أن يكون كناية عن المعرض, لأن كل واحد منهما قرين لصاحبه، وفي هذا تكذيب للقدرية لأنه تعالى ذكر أنه يسلط الشيطان على الكافر حتى يضله، ويخيل إليه أنه على الهدى وهو على الضلالة، وذلك قوله: ٣٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الهدى، وذكر الكناية عن الشيطان وابن آدم بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ في مذهب جمع (١) وإن كان اللفظ على الواحد. قاله الفراء (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل: يحسب كفار مكة أنهم على هدى (٣)، وقال أبو إسحاق: الشيطان يصدهم عن السبيل، ويحسب الكفار أنهم مهتدون (٤). ٣٨ - ثم عاد إلى لفظ الواحد فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الكافر، وقرئ (جاءانا) يعني الكافر وشيطانه، قال مقاتل: يعني ابن آدم وقرينه في الآخرة جعلا في سلسلة واحدة (٥). وروى معمر عن الجريري في هذه الآية قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار،

стр. 10935

فذلك حيث يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ (١). قال مقاتل: يعني يقول يتمنى الكافر أن بينهما بعد المشرقين، وأطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة (٢). ويقال: إنه أراد المشرق والمغرب فقال: المشرقين، وهذا أشبه الوجهين بالصواب؛ لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما كما قال الفرزدق: لنا قَمَرَاها والنّجومُ والطَّوَالِعُ (٣) يريد: الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللجزيرة والموصل: الموصلان، الغداة (٤) والعصر، ومثله كثير، واختاره أبو إسحاق فقال: غلب لفظ المشرق كما قالوا سُنَّة العمرين يراد: سنة أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما (٥). قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أي: أنت، قال مقاتل والكلبي: فبئس المصاحب معه في النار في سلسلة واحدة (٦)، ويقول الله للكافر في ذلك اليوم. ٣٩ - ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: أشركتم في الدنيا، قاله ابن عباس ومقاتل.

стр. 10936

قال عطاء: لن ينفعكم اليوم هذا الكلام، يعني قوله: يا ليت بيني وبينك، وقال مقاتل: لم ينفعكم اليوم في الآخرة الندم والاعتذار (١)، وهذا إنما يصح أن لو قرئ: (إِنكم في العذاب) بكسر الهمزة على الابتداء، وإذا فتحت الهمزة تفسير للذي لا ينفعهم، وهو اشتراكهم مع شياطينهم في العذاب. وذكر ابن مجاهد أن ابن عامر قرأ ﴿إِنَّكُمْ﴾ بكسر الألف (٢)، وهو صحيح على ما ذكرنا من قول ابن عباس ومقاتل، وهو على إضمار فاعل ينفعكم، والفاعل ما ذكراهما، والمعنى: ولن ينفعكم اليوم التبرؤ إذ ظلمتم أمس، ودل على التبرؤ قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ والفاعل قد يضمر إذا دلت عليه الحال كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، وعلى هذه القراءة ﴿إِنَّكُمْ﴾ ابتداء كلام، ومن إضمار الفاعل في التنزيل قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي زادهم قولُ الناس إيمانًا، وقرأه العامة: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بفتح الهمزة. قال المفسرون: لا يخفف الاشتراك عنهم؛ لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب (٣). قال المبرد فيما حكى عنه الزجاج: أنهم مُنِعوا روح التأسي، [لأن التأسي] (٤) يسهل المصيبة، فأعْلموا أنه لن ينفعهم الاشتراك في العذاب، فإن الله لا يجعل لهم فيه أسوة (٥).

стр. 10937

ومما يدل على أن التأسي يخفف قول الخنساء: ولولا كَثْرةُ البَاكِينَ حَوْلي ... على إخْوَانهم لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولكِن ... أعَزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي (١) وقال آخر: وهَوّنَ وَجْدِي عن خَلِيلِي أنني ... إذا شِئْتُ لاقيت امرأ ما صاحبه (٢) وذكر أبو علي نحو هذا فقال: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم، وفي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة يسلبها الله أهل النار، ليكون أشد لعذابهم، ألا ترى أن التأسي قد يخفف كثيرًا من الحزن عن المتأسي كما جاء: ولكن أُسَلَّي النفْسَ عنه بالتَّأسَّي (٣) ٤٠ - ثم ذكر الله تعالى أنه لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعقلون ما جئت به ولا يبصرونه, لأن من أعميت قلبه فلا هادي له (٤) ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يريد بانت ضلالته بتكذيب الصادق الأمين. ٤١ - قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الموت (٥)، قال مقاتل: يعني: فيميتك (٦).

стр. 10938

وقال الكلبي: يعني: قبل أن يريك النقمة في كفار مكة (١)، فإنا منهم منتقمون بالقتل بعدك، يعني: ينتقم منهم بأن كذبوك بعدك (٢). ٤٢ - ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل. ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ قالوا: وقد أري ذلك يوم بدر (٣) والمعنى: أن الله تعالى يقول لنبيه مطيبًا قلبه: إن ذهبنا بك انتقمنا لك منهم بعدك، أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من العذاب على تكذيبك ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ متى شئنا عذبناهم، ثم عذبوا يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٤). وذهب قوم من المفسرين إلى أن هذا في المسلمين وهو مذهب قتادة والحسن، قال قتادة: أكرم الله نبيه وذهب به ولم ير في أمته ما كان من النقمة بعده (٥)، والقول هو الأول لأنه في ذكر المشركين قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ الهاء كناية عن الذي أوحي إليه، وهو القرآن في قوله:

стр. 10939

٤٣، ٤٤ - ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ (١) ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ قالوا لشرف لك كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]. قوله تعالى: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لمن آمن منهم، والقوم يحتمل كل من بعث إليه من الناس، ويحتمل أن يراد به قريش و [(٢)] ابن عباس ومقاتل: المؤمنين (٣)، ويكون المعنى على هذا: القرآن شرف لك بما أعطاك الله من الحكمة ولقومك المؤمنين بما عوضهم من إدراك الحق به، وإن قلنا: المراد بالقوم: قريش فشرفهم بالقرآن أنه أنزل على رجل منهم. وروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش (٤)، وهذا يدل على أن ﷺ فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، وقال مجاهد: هو أن يقول الرجل لأخيه: ممن الرجل؟ فيقول: من العرب، فيقول: من أي العرب؟، فيقول: من قريش، فيقول: من أي قريش؟ فيقول: من بني هاشم (٥)، هذا والله هو الذِّكر والشرف، وعلى هذا

стр. 10940

القول: القرآن شرف لمحمد وهو شرف للعرب، ثم للأخص فالأخص من قومه، ولما كان شرف قومه به وشرفه بالقرآن، كان القرآن شرفًا للجميع. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: أي عن هذا الشرف هل أديتم شكره (١). وقال مقاتل: يعني من كذب به، كأن يسأل: لم كذب به؟ (٢) فيسأل سؤال توبيخ. وقال أبو إسحاق: سوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف (٣)، وقال غيره: تسألون عن القرآن وعملكم بما أمرتم به فيه، وعما يلزمكم من القيام بحقه (٤). ٤٥ - قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية، فذهب طائفة إلى أن المعنى: واسأل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء، هل جاءتكم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والمقاتلين، واختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة (٥).

стр. 10941

قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا (١)، وعلى هذا فقد حذف المضاف، وقال الفراء: هو أن تسأل التوراة والإنجيل، [فيخبروه أنه كتب] (٢) الرسل، فإذا سأل الكتاب فكأنه سأل الرسل (٣). وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: واسأل من أرسلنا، يعني: أهل الكتاب (٤). قال ابن الأنباري (٥): وهذا خطأ في النحو؛ لأنه لا يصلح إضمار (إِلَيْهِ) اتفق النحويون أنه لا يجوز: الذي جلست عبد الله، على معنى: الذي جلست إليه؛ لأن (إليه) حرف منفصل، والمنفصل لا يضمر في صلة الموصول لانفصاله من الفعل؛ لأنه يجري مجرى المظهر. كما أنك إذا قلت: الذي أكرمك أبا عبد الله، لم يجز أن يضمر أباه، وإنما يحسن الإضمار في الهاء المتصلة نحو: الذي أكلت طعامك إذا أكلته، فحذف الهاء تخفيفًا لطول الاسم؛ لأن (الذي) و (أكلت) حرف واحد، ومعنى الآية: تِبَاع من أرسلنا (٦) فيكون هذا من باب حذف المضاف، ومعنى هذا الأمر بالسؤال التقدير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله.

стр. 10942

وقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى، آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد [...] (١) قبلك من رسلنا، الآية فقال رسول الله ﷺ : "لا أسأل قد اكتفيت" (٢). وهذا قول سعيد بن جبير والزهري، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم، فلم يشكك ولم يسأل (٣). وذكر أبو إسحاق قولاً ثالثًا وهو: أن يكون الخطاب للنبي ﷺ والمراد: الذين بعث إليهم، كأنه قيل لهم: سلوا الذين أرسلنا إليهم الرسل قبل محمد، هل أتوا بدين غير التوحيد؟ ولكن الكلام خرج على مخاطبته ﷺ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] (٤). وذكر صاحب النظم وجهًا آخر [حلفًا فاسدًا] (٥) فقال: المعنى سل الأنبياء الذين أرسلناهم من هم لتعرفهم، كما تقول: سل من هذا، أي:

стр. 10943

سل الناس من هذا الرجل، فكأنه قال: سلنا من أرسلنا (١)، وتم الكلام (٢)، ثم قال مبتدئًا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ على معنى الإنكار أي: ما جعلنا ذلك، فيكونان خبرين لا خبرًا واحداً، وهذا مما لا يُعرَّج عليه لأن النظم ومعنى الخطاب لا يحتمله. ٤٦ - قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ قال الكلبي: ألقى عصاه لهم فإذا هي ثعبان مبين فضحك القوم وهزئوا به وقالوا: هل يأته غير هذه؟ قال: نعم، فأراهم يده لها شعاع كشعاع الشمس يضيء لها الوادي فضحكوا منه وهزئوا (٣). ٤٨ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ قال الكلبي: من التي كانت قبلها (٤). قال مقاتل: كانت اليد أكبر من العصا، وكان موسى بدأ بالعصا فألقاها ثم أخرج يده فلم يؤمنوا ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس (٥). وذهب قوم إلى أن المعنى في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾: هي العصا واليد والطوفان والجراد إلى الدم، فكانوا يكذبون ويهزؤن وهي تترادف عليهم التالية أكبر من السابقة، وهي العذاب المذكور في قوله: (وأخذناهم

стр. 10944

بالعذاب) لأنهم عذبوا بهذه الآيات فكانت عذابًا لهم ومعجزات ودلالات لموسى، فغلب عليهم الشقاق [لم] (١) يؤمنوا. ٤٩ - ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ قال ابن عباس: يقولون أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا يعظمونه ويعزونه ولم يكن صفة ذم (٢)، وقيل: إنهم قالوا ذلك جهلاً منهم بصفته. وقال أبو إسحاق: إنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، ولم يناقشهم موسى في مخاطبتهم إياه بذلك رجاء أن يؤمنوا، قوله تعالى: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فيمن آمن به من كشف العذاب عنهم (٣). قوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: مؤمنون بك، قاله ابن عباس (٤) ومقاتل قال: وكان الله عهد إلى موسى لئن آمنوا كشفت عنهم العذاب، فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا فذلك قوله: ٥٠ - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي: العهد الذي عاهدوا عليه موسى (٥) وهو مذكور في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الآية من سورة الأعراف [آية: ١٣٤]. ومعنى ذكر هذه القصة هاهنا: أن حال موسى مع قومه كحال محمد ﷺ وأن أمره يؤول إلى الاستعلاء كما آل أمر موسى.

стр. 10945

٥١ - قوله تعالى: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعني: أنهار النيل، في قول المفسرين تجري من تحتي، قال مقاتل: يعني: أسفل مني (١)، كأنه أراد من تحت قصوره، وهو معنى قول الكلبي: حولي (٢)، وقال قتادة: بين يدي في جناتي (٣). وقال الحسن: بأمر (٤)، وعلى هذا معناه: تجري تحت أمري، وهو معنى قول عطاء: في قبضتي وملكي (٥). قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تبصرون ما أنا فيه من النعم والخير، وما فيه موسى من الفقر، افتخر عدو الله بملكه (٦). ٥٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير (٧)، وعلى هذا تمام الفصل عند قوله: أفلا تبصرون (٨) ثم ابتدأ فصلاً آخر فقال: (أم أنا خير) على تأويل: أنا خير، وهذا قول مقاتل، قال: ليس باستفهام يعني: بل أنا خير، ونحو هذا قال السدي (٩).

стр. 10946

وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿أَنَا﴾ بأم على ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء (١)، وهذا فيه بعض الغموض، ولا يقف عليه إلا من تأمل وتفكر. وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم (٢). وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿مِنْ هَذَا﴾ يعني: موسى ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني: ضعيف ذليل (٣)، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه (٤)، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف (٥). وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو

стр. 10947

فعيل من المهانة (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام (٢)، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته (٣)، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه (٤)، وقال الزجاج: يعني اللثغة (٥) التي كانت بلسان موسى (٦). فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ (٧) من لسانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨] أعطاه ذلك بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل (٨).

стр. 10948

والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ. ويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به. واختلف القراء في ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد (١). وقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها (٢)، وأسورة جمع سوار مثل: سقاءٍ وأَسْقِيَةٍ، وإزارٍ وآزِرَة، وخوانٍ وأَخوِنَةٍ، وأساورة جمع أسوار، وألحق الهاء في الجمع عوضًا من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع أسوار، على حد إعصار وأعاصير، كذلك أسوار وأساور، ثم يقال: أساورة، ويجوز أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، وهذا كلام أبي علي (٣).

стр. 10949

وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول (١)، وقال الكلبي: كان الرجل إذا ارتفع سوّروه (٢). وقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته (٣). قال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده (٤). ٥٣ - قوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال قتادة: متتابعين (٥)، وقال ابن عباس: يعاونونه على من خالفه (٦)، وقال مقاتل: يعينونه على أمره الذي بعث له (٧)، وقال الكلبي: مصدقين له بالرسالة (٨). وقال أبو إسحاق: أي يمشون معه فيدلون على صحة نبوته (٩)، وقد جمع بين هذه الأقوال كلها لأنه فسر الاقتران وموجبه. ٥٤ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ يقال: استخفه الفرح،

стр. 10950

إذا أزعجه وأقلقه، واستخفه إذا حمله على الجهل (١)، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أي [لا يحميك] (٢) على الجهل والميل إليهم، قال مقاتل: فاستفز قومه القبط (٣)، وهو قول الفراء: استفزهم (٤)، والمعنى أزعجهم وحملهم على صفة الجهل بكيده وغروره، وقوله لهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩]. ومن قال هاهنا في تفسير (استخفهم): وجدهم جهالاً خفاف الأحلام (٥)، فليس بالوجه لقوله: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ وهذا يوجب أنه أمرهم بشيء فيه إزعاجهم فأطاعوه، ولا يقال وجده خفيفًا فأطاعه, لأنك قد تجد إنساناً خفيف العقل فلا يطيعك, لأنك لم تأمره أو لم يرد هو طاعتك، ويحتاج في هذا التفسير إلى إِضْمارٍ لا يجوز، هو أن يكون التقدير: وجده خفيفًا فدعاه إلى الغواية فأطاعه، وإذا قلت: أزعجه فأطاعه، لم يحتج إلى إضمار. ومعنى ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: قال ابن عباس ومقاتل: على تكذيب موسى (٦)، والمعنى أنه حملهم على الجهل فقبلوا قوله وكذبوا موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قالا: عاصين لله (٧).

стр. 10951

٥٥ - قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: غاظونا، وقال في رواية الكلبي: أغضبونا، وهو قول مقاتل وقتادة ومجاهد وغيرهم (١)، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]، قال عبد الرزاق: غضب ابن جريج في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا. ونحو هذا روي أن وهب بن منبه كان عند عروة بن الزبير وشكا إليه عامل له فأكثروا عليه (٢) فقالوا: فعل وفعل وثبتت البينة عليه، فلم يملك وهب نفسه، فضربه على يديه بعصا، فإذا دماء يشخب، فضحك عروة واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبيد الله الغضب في حكمته وهو يغضب. فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب خالق الأحلام. إن الله يقول (٣): ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يقال: سلف يسلف، إذا تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو ولد، قرضا وقرض فهو سلف. وهذا وجه واحد، ويقال في جمعه الأسلاف، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك، واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه:

стр. 10952

مَضَوْا سلَفًا قَصْدُ السبيلِ عَلَيْهم ... وصَرْفُ المنايا بالرَّجَالِ [سلف] (١) وذكر الليث: سلُف بضم اللام يسلُفُ سُلُوفًا فهو سليف، أي تقدم (٢)، قال الفراء والزجاج: يقول جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون (٣). وقال ابن عباس: يريد مضوا إلى النار (٤). وقال مجاهد وقتادة: جعلناهم سلفًا لكفار أمة محمد ﷺ إلى النار (٥)، وأكثر القراء قرؤوا ﴿سَلَفًا﴾ بالفتح، وهو جمع سالف كما ذكرنا. قال أبو علي: وفَعَل قد جاء بحروف يراد به الكثرة، وكأنه اسم من أسماء الجمع كقولهم: خادِم وخَدَم، وطالب وطَلَب، وحارِس وحرَس، وحكى أحمد بن يحيى: رائِح وَرَوح. وقرأ حمزة والكسائي (سُلُفًا) بالضم، وهو جمع سليف من سلُف بضم اللام (٦). ذكره الفراء والزجاج (٧)، وقال المبرد: سُلُف يمكن أن يكون جمع سَلَفٍ كقولك: أَسَد وأُسُد، ووثَن ووُثن، وزاد أبو علي: ومما لحقته هاء التأنيث، من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن (٨).

стр. 10953

وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس ومقاتل: يريد عظة لمن بقي بعدهم (١) وآية وعبرة، والمعنى: أن حال غيرهم من المشركين يقاس بحالهم ويجروا مجراهم إذا ماتوا على الطغيان. قال أبو علي: والمثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، ويدلك على وقوعه أكثر من واحد. قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ [النحل: ٧٥]، فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشد سيبويه: وَسَاقِيَيْنِ مِثْلِ زَيْدٍ وجُعَلْ (٢) وقد جمع المثل في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [الحشر: ٢١] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وأفرد في قوله (٣): ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لما ذكر عيسى، وقدرة الله تعالى فيه وخلقه إياه من غير ذكر، وما كان يفعل من إحياء الموتى وغير ذلك إذا قومك منه يصدون يريد: يضجون كضجيج الإبل بالأثقال (٤). وقال مجاهد في هذه الآية: قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ

стр. 10954

قومُ عيسى عيسى (١). وقال قتادة: لما ذكر عيسى بن مريم جزعت قريش من ذلك وقالوا: ما يريد محمد إلا أن يصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم (٢). هذا قول هؤلاء، وأريد بهذا المثل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وهي مذكورة في آل عمران بعد ما ذكرت أحوال عيسى، وما أظهر الله على يده من المعجزات ومعنى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما شبه عيسى في إحداث الله إياه من غير فحل بآدم أو خلق من غير أب ولا [آدم] (٣) إذا قومك منه يصدون، أي يضجون ويقولون: ما يريد محمد إلا أن نعبده (٤)، والمعنى على أنهم لما سمعوا ذكر عيسى ظنوا أن محمدًا إنما يذكره بأوصافه ليصنع به قومه ما صنع قوم عيسى بعيسى فلذلك ضجوا. وفي: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قراءتان: ضم الصاد وكسرها. قال الأخفش والكسائي: هما لغتان قريبتان لا تختلفان في المعنى، ونحو ذلك ذكر الفراء، قال الزجاج: ومعناهما جميعًا يضجون (٥). قال: ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون (٦).

стр. 10955

قال الأزهري: وإذا كان بمعنى يضجون (١)، فالوجه الكسر في يصدون، وبه قرأ ابن عباس وفسره يضجون (٢). واختاره أبو عبيدة قال: ونرى مَنْ ضمها أراد الصدود عن الحق ولو كان من هذا القبيل [..] (٣) ﴿عَنْهُ﴾ يصدون ولم يكن ﴿مِنْهُ﴾ ولكنه عندنا على ما فسره ابن عباس يضجون. وقال أبو عبيدة: يصدون يضجون، ومن ضمها أراد يعدلون (٤) ويريغون (٥) وأما تعلق أبي عبيدة بقوله: (منه) ولم يقل عنه، فذلك لا يدل على ترجيح الكسر؛ لأن من ذهب في (يصدون) إلى الضم بمعنى: يعدلون، كان المعنى إذا قومك منه، أي: من أجل المثل يصدون، ولم يصل يصد بـ (من) ومن قرأ بالكسر جعل (من) متصلة به كما تقول: ضج من كذا، وذكر ذلك أبو علي (٦). وذكر أكثر المفسرين (٧) أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعرى مع النبي ﷺ لما نزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقد

стр. 10956

ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل (١)، وعلى هذا القول: معنى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلاً وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية. ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وذلك أنهم قالوا

стр. 10957

رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، هذا معنى قول مقاتل، فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به (١). وقال أبو إسحاق: طلب المجادلة لأنهم قد علموا أن المعني في حصب جهنم أصنامهم (٢). وقال أبو علي: ما ضربوه إلا إرادة للمجادلة؛ لأنهم قد علموا أن المراد لحصب جهنم ما اتخذوه من الموات (٣)، وعلى القول الأول في الآية الأولى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ، قاله قتادة (٤). والمعنى: أنهم يقولون: آلهتنا خير أم (٥) فنحن لا ندع عبادتها لعبادة محمد ﷺ وهو سؤال تقرير أن آلهتهم خير. قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي ما قالوا لك هذا القول إلا طلبًا للخصومة منه، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الخَصِم الشديد الخصومة، وكذلك الجَدِل (٦)، والقول الثاني أظهر وسياق الآيات عليه أدل وهو قوله: ٥٩ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا

стр. 10958

إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة (١). ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال الكلبي: معتبرًا (٢). وقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] (٣) من غير أب. وقال قتادة: آية لبني إسرائيل (٤). والمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] (٥) كفار مكة فقال: ٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي لو نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلكم ملائكة ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خلفًا منكم، قاله الكلبي (٦)، وقال قتادة: يخلف بعضهم بعضًا مكان ابن آدم، وقال محمد: يعمرون الأرض بدلاً منكم، وقول قتادة معنى قول ابن عباس في رواية عطاء قال: كما جعلت في ولد آدم أمة بعد أمة، وقومًا بعد قوم خلفًا من قوم (٧). قال الأزهري: و (من) قد يكون للبدل كقوله: لجعلنا منكم، يريد بدلاً

стр. 10959

منهم (١)، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل (٢). ٦١ - ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله. وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها (٣)، وقوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة (٤). ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها (٥)، وقال مقاتل: لا تشكوا في الساعة (٦)، وقول ابن عباس جيد؛ لأن الامتراء يوصل بفي، يقال: امترى فيه، كقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾،

стр. 10960

قال مقاتل: على التوحيد (١)، ﴿هَذَا﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه (٢) ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ من دين إبراهيم. ٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الإنجيل (٣). ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن بعض هاهنا بمعنى الكل (٤)، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] وعلى هذا المعنى، ولأبين لكم ما تختلفون فيه، قال ابن عباس: يعني ما تختلفون فيه، يعني أحكام التوراة (٥)، وقال السدي: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، وقيل: لأبين لكم أمر دينكم دون أمر دنياكم (٦)، وعلى هذه الأقوال ليس المراد بالبعض الكل.
следующие страницы →