ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل (١)، وعلى هذا القول: معنى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلاً وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية.
٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وذلك أنهم قالوا
стр. 10957
رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، هذا معنى قول مقاتل، فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به (١).
وقال أبو إسحاق: طلب المجادلة لأنهم قد علموا أن المعني في حصب جهنم أصنامهم (٢).
وقال أبو علي: ما ضربوه إلا إرادة للمجادلة؛ لأنهم قد علموا أن المراد لحصب جهنم ما اتخذوه من الموات (٣)، وعلى القول الأول في الآية الأولى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ، قاله قتادة (٤). والمعنى: أنهم يقولون: آلهتنا خير أم (٥) فنحن لا ندع عبادتها لعبادة محمد ﷺ وهو سؤال تقرير أن آلهتهم خير.
قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي ما قالوا لك هذا القول إلا طلبًا للخصومة منه، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الخَصِم الشديد الخصومة، وكذلك الجَدِل (٦)، والقول الثاني أظهر وسياق الآيات عليه أدل وهو قوله:
٥٩ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا
стр. 10958
إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة (١).
﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال الكلبي: معتبرًا (٢).
وقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] (٣) من غير أب.
وقال قتادة: آية لبني إسرائيل (٤).
والمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] (٥) كفار مكة فقال:
٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي لو نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلكم ملائكة ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خلفًا منكم، قاله الكلبي (٦)، وقال قتادة: يخلف بعضهم بعضًا مكان ابن آدم، وقال محمد: يعمرون الأرض بدلاً منكم، وقول قتادة معنى قول ابن عباس في رواية عطاء قال: كما جعلت في ولد آدم أمة بعد أمة، وقومًا بعد قوم خلفًا من قوم (٧).
قال الأزهري: و (من) قد يكون للبدل كقوله: لجعلنا منكم، يريد بدلاً
стр. 10959
منهم (١)، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل (٢).
٦١ - ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله.
وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها (٣)، وقوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة (٤).
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها (٥)، وقال مقاتل: لا تشكوا في الساعة (٦)، وقول ابن عباس جيد؛ لأن الامتراء يوصل بفي، يقال: امترى فيه، كقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾،
стр. 10960
قال مقاتل: على التوحيد (١)، ﴿هَذَا﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه (٢) ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ من دين إبراهيم.
٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الإنجيل (٣).
﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن بعض هاهنا بمعنى الكل (٤)، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] وعلى هذا المعنى، ولأبين لكم ما تختلفون فيه، قال ابن عباس: يعني ما تختلفون فيه، يعني أحكام التوراة (٥)، وقال السدي: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، وقيل: لأبين لكم أمر دينكم دون أمر دنياكم (٦)، وعلى هذه الأقوال ليس المراد بالبعض الكل.
стр. 10961
وقال مقاتل: هذا كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] [قد مر] (١) فذكر في تفسير هذه الآية ما أحل لهم في الإنجيل مما كان محرمًا عليهم في التوراة كاللحوم من الإبل، والشحوم من كل حيوان، وصيد السمك في يوم السبت (٢).
وقال أبو إسحاق: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه (٣)، وما بعد هذا مفسر فيما مضى (٤)، إلى قوله:
٦٦، ٦٧ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قال ابن عباس: هل يرتقبون إلا القيامة (٥). يعني أنها تأتيهم لا محالة بغتة، فكأنهم يرتقبونها وإن كانوا أمواتًا، فهم يرقبونها لأنه من يكفر بالبعث والقيامة إذا مات، علم أنه حق فهو يرتقبها, ولكن لا يدري متى تفجأه فهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ﴾ في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين الذين يخال بعضهم بعضًا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وهذا معنى قول المفسرين (٦).
стр. 10962
٦٨ - ﴿يَا عِبَادِ﴾ قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ يعني من العذاب. ﴿الْيَوْمَ﴾ فإذا سمع النداء رفع الخلائق رؤسهم فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فينكس أهل الأديان رؤسهم غير المسلمين (١)،
قال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾، في موضع نصب على النعت لـ ﴿عِبَادى﴾ لأن [..] (٢) منادى مضاف (٣).
٦٩، ٧٠ - قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم (٤): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أو يكون الخبر ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا.
وقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.
٧١ - قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على القول الآخر على تأويل الذين آمنوا يقال لهم: ادخلوا الجنة، ويطاف عليهم.
وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ قال: تكرمون وتنعمون.
قال الكلبي: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه (٥). والحبرة المبالغة فيما وصف
стр. 10963
بجميل (١)، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم [آية: ١٥] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، قال مقاتل: بأيدي غلمان (٢).
﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال الكلبي: بقصاع (٣)، قال الليث: الصحيفة شبه قصعة مُسْلَنْطِحَة عريضة، والجمع الصحاف (٤).
قال الأعشى:
والمَكَاكِيكُ والصحَافُ من الفضـ ... ـضةِ والضامِراتُ تحت الرِّحالِ (٥)
قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، وأنشد لعدي (٦):
مُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْه العَبْدُ بالكُوبِ
وقال أبو عبيدة: الأكواب الأباريق التي لا خراطم لها (٧).
стр. 10964
وقال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له (١).
قال ابن عباس: هي الأباريق التي ليس لها آذان (٢)، وقال مقاتل: يعني الأكواب التي ليست لها عرا مدورة الرأس (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرئت: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الهاء، قال المبرد: الأصل إثبات الهاء والحذف استخفاف، وهو حسن كثير، كما تقول: الذي ضربت زيد، والأصل ضربته، وإنما استخفوا في هذا الموضع حذف المفعول لأن (الذي) اسم، وضربت اسم الفاعل، والهاء المفعول، فلما اجتمع ذلك استخفوا الحذف، وكان المجيء بالهاء مع (ما) أحسن منه مع (الذي)؛ لأن (الذي) أطول من (ما)، ولأن (ما) مبهمة تقع للمؤنث والمذكر، والمجيء بالهاء يفصل بينهما، والذي والتي تنبيان عن أنفسهما فيستغنى عن الهاء، وفي هذا دليل على حسن قراءة من قرأ (تشتهيه) (٤).
وقال أبو علي الفارسي: حذف هذه الهاء من الصلة في الحسن كإثباتها، إلا أن الحذف يرجح على الإثبات بأن ما كان من هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، من ذلك قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ
стр. 10965
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] و ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]. ويقوي الحذف من جهة القياس أنه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، الياء لطول الاسم، وقد جاءت مثبتة في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١).
قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ قال الكسائي: يقال للشيء: يلذ بالكسر لَذَاذًا ولذاذة بفتح اللام فيهما، فإذا كنت أنت الفاعل كان فعلت منه مكسورًا، ويفعل مفتوحًا، تقول: لَذِذْتُ الشيء أَلَذُّه، مثل استلْذَذته (٢).
قال مقاتل (٣): وفيها ما تشتهي الأنفس من شيء وتلذ الأعين، أنه ما من شيء تشتهيه نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين يستحسن بالعين أو يستطاب بالنفس، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأنها لو انقطعت لم تطب، فإن الشيء إذا طاب بعضه [بناه] (٤)، فإذا دام كان أطيب له.
٧٢ - وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ (٥) وقد ذكرنا في رواية الجنة قولين في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ وابن عباس قال في هذه الآية: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا،
стр. 10966
والكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.
٧٦ - قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، وقال الكلبي ومقاتل: وما ظلمناهم بتعذيبهم، وما عذبناهم على غير ذنب (١).
﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم لما جنوا عليها من الشرك والكفر، قال أصحابنا: ولا يتصور الظلم من الله تعالى لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق، كيف ما تصرف، وإنما الظلم أن يفعل الفاعل ما ليس له فعله و ﴿هُمُ﴾ في قوله: ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ عماد وفصل (٢).
٧٧ - ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ قال ابن عباس: يريد خازن جهنم (٣).
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال الكلبي: ليقض علينا الموت.
وقال مقاتل: لينزل علينا ربك الموت، والمعنى أنهم توسلوا بمالك إلى الله تعالى ليسأل الله تعالى ليميتهم حتى يستريحوا من شدة العذاب، فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم أربعين سنة في قول الكلبي (٤)، وألف سنة فيما روي عن ابن عباس (٥).
стр. 10967
قال القرظي: لا يجيبهم ثمانين سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، ثم يلحظ إليهم بعد الثمانين فيقول (١): ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال مقاتل: يقول مقيمون في العذاب (٢).
٧٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو من قول مالك لهم فيها فيما ذكر مقاتل، و (٣) غيره من المفسرين هو من كلام الله تعالى في مخاطبة الكفار يقول (٤): إليكم يا معشر قريش محمدًا ﷺ (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كلكم كارهون لما جاء به محمد ﷺ (٦).
٧٩ - قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ الإبرام معناه في اللغة الأحكام. يقال: أبرمت الأمر، أي أحكمته (٧)، قال مجاهد ومقاتل: أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون (٨)، والمعنى بل أحكموا أمرًا في كيد محمد والمكر به، فإنا محكمون أمرًا في مجازاتهم.
стр. 10968
قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة (١)(٢).
وهو ما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقد ذكرنا القصة (٣). قال أبو إسحاق: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر فإنا محكمون مجازاتهم (٤).
٨٠ - ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما [يسرونهم] (٥) من غيرهم مما يتناجون به بينهم. ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ من الملائكة، يعني الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
٨١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده (٦)، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] أي في
стр. 10969
قولكم، والله لا شريك له (١). والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي ليوحدون (٢)، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد (٣).
الوجه الثاني: أن يكون ﴿الْعَابِدِينَ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد (٤) وأنشد:
متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما (٥)
стр. 10970
قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب (١).
وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب (٢)، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق:
وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم (٣)
أي: آنف (٤)، ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له.
قال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو (٥).
وقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ. (٦)
وقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا (٧)، وأكثر ما يأتي
стр. 10971
الأسماء من فَعِلَ يفعل على فَعَل كالوجل والفزع، وربما يأتي عليها نحو: صدٍ صاد، وكذلك عبد وعابد.
وذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و (العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي (١) ومقاتل، والمعنى: ما كان للرحمن ولد (٢) فأنا أول العابدين، يعني: أول الموحدين من أهل مكة، واختاره ابن الأنباري فقال: معناه: ما كان للرحمن ولد، والوقف على الولد، ثم تبدأ فتقول: فأنا أول العابدين له، على أنه لا ولد له (٣)، والوقف على العابدين تام. وهذا قول الحسن وقتادة (٤).
وفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد ﷺ : قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه (٥)، أي: إن كان له ولد فأنا أول من عبده بأن له ولدا, ولكن لا ولد له، ومعنى هذا القول: لو كان له ولد لعبدته، كما تقول: لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته ولكنها لا تدعو إلى عبادة غيره، كما تقول: لو دل الدليل لقبلت به، ولكنه لا يدل، فهذا تحقيق لنفي الولد.
وقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد (٦)،
стр. 10972
وهذا كما تقول إن كنت [كاذبًا]، (١) فأنا حاسب، تريد لست أنت كذا ولا أنا، وتأويل الآية ليس للرحمن ولد كما لست أنا أول من عبد الرحمن، فقد عبده قبلي ناس، هذا وجه ما ذكره ابن عيينة، وهو حسن صحيح في معنى الآية.
٨٢ - ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قال مقاتل: عما يقولون من الكذب.
٨٣ - ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة عصوا في باطلهم ولهوا في دنياهم (٢). ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يوم القيامة.
٨٤ - قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال قتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض (٣)، قال مقاتل: يوحد في السماء ويوحد في الأرض (٤).
وقال المبرد: تأويله والله أعلم: رَبّ من هناك، ورَبّ من هاهنا كقوله: سبحان الله (٥)، ونحو هذا قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقد مر الكلام فيه مستقصى.
قال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به (إله) فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف من الصلة راجع إلى الموصول كأنه: وهو الذي
стр. 10973
في السماء هو إله، وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك، فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هذا المحذوف بالابتداء و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره والظرف الذي هو قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِلَهٌ﴾ وموضعه نصب وإن كان مقدمًا عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا كل يوم ثوب فاعمل فيه، والمعنى مقدم. والمعنى: إنما هو عن الإخبار بالآلهة لا عن الكون في السماء، أي: أنه تعالى اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض. انتهى (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ لأن خَلْق السموات والأرض يدل على الحكمة والعلم.
٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين:
أحدهما: إن الذين يدعون من دونه هم عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي، وقول مجاهد ومقاتل (٢)، وقال ابن عباس: يريد أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد بالحق (٣)، وقال مجاهد: لا يشفع عيسى ولا عزير ولا الملائكة إلا من شهد بالحق (٤).
وقال مقاتل: قال النضر بن الحرث ونفرٌ معه: إن كان ما يقول محمد حق، فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه
стр. 10974
الآية، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم لأن يشفعوا لأحد، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ (١) والمعنى على هذا القول: لا يشفع هؤلاء إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام (٢) أو يقال التقدير: إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذا على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول: شفعت فلانًا، بمعنى شفعت له، كما تقول: كلمته وكلمت له، ونصحته ونصحت له.
القول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول قتادة قال: إنهم عبدوه من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة (٣)، ومعنى ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: من شهد أنه لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا عبده ورسوله (٤)، وقال مقاتل: إلا من شهد بالتوحيد من بني آدم (٥).
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله واحد لا شريك له فيشفعون لهؤلاء، وفي هذا دليل على أنه لا تتحقق الشهادة بالعلم، وأجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما أعهده بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك لقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني شهدوا على علم وبصيرة (٦)، قال إبراهيم: يشهد وهو يعلم أنك كذلك، قال مجاهد:
стр. 10975
يعلمون أن الله ربهم (١).
٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية مفسرة في أواخر سورة العنكبوت [آية: ٦١] وفي غيرها.
٨٨ - ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان (٢)، واختلفوا في انتصاب ﴿وَقِيلِهِ﴾ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال ﴿وَقِيلِهِ﴾ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي ﷺ فانتصب ﴿وَقِيلِهِ﴾ بإضمار قال.
والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله (٣).
وقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله (٤)، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] (٥) الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله:
стр. 10976
قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا (١)
وكما أن الليان محمول على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لما كان معناه يعلم الساعة حملت ﴿وَقِيلِهِ﴾ على ذلك، قال: ويجوز أن يكون حمله على: يقول قيله، فيدل انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب:
يَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم ... إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ (٢)
وقرأ عاصم وحمزة: وقيله بالجر، قال الأخفش والفراء والزجاج: الجر على قوله: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب (٣)، والاختيار القراءة الأولى (٤)، وهو الموافق لما ذكره المفسرون.
قال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل (٥).
стр. 10977
وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن (١)، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع.
وقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٢).
قال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه, لأن حذف القول [قد كثر] (٣) حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين (٤)، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي ﷺ : "نهى عن قيل وقال" (٥).
стр. 10978
قال أبو عبيد: يقال قلت قولاً، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب (١).
وقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال (٢)، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه (٣).
قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا (٤).
وقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي (٥).
قال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك (٦)، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو
стр. 10979
كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا (١).
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم .. فسوف يعلمون) (٢) قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى.
قال ابن عباس: وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ منسوخ بالسيف (٣).
وقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام (٤).
وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم (٥).
стр. 10980
سورة الدخان
стр. 10981
تفسير سورة الدخان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١، ٢ - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن وما أنزل فيه من البيان والحلال والحرام (١)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ قال الكلبي: أقسم بـ حم والقرآن (٢) ذلك لقد أنزلناه، فجواب القسم على ما ذكر:
٣ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، وكذلك هو عند أهل التفسير.
وقال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: (إنا أنزلناه حم) فيكون تمام الكلام عند قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ وإن جعلت جواب القسم (إنا أنزلناه)، اتصل بالكلام الأول (٣).
قال صاحب النظم: لولا أن قوله (إنا أنزلناه) صفة القرآن والذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابًا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه.
стр. 10982
قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة الخير، والليلة التي أنزل فيها كتاب الله مباركة، بأن الخير ينمو فيها على ما دبره الله من علو مرتبتها بالخير الذي قسمه الله فيها، واختلفوا في الليلة المباركة فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: إنها ليلة القدر (١). نزل القرآن جملة من عند ذي العرش إلى السماء الدنيا، وقد ذكرنا كيفية ذلك عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا قول قتادة ومقاتل وابن زيد ومجاهد (٢)، وبه قال الأكثرون: واختاره الزجاج (٣) لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، قال مقاتل: كان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدرٌ من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل على النبي ﷺ في السَّنَة كلها إلى مثلها من العام المقبل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر (٤).
وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان (٥).
قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال ابن عباس: منذرين بالقرآن من عصى الله (٦).
стр. 10983
٤ - قوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ أي في تلك الليلة المباركة. ﴿يُفْرَقُ﴾ أي يفصل ويبين ويضبط، من قولهم: فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً (١) , والأمر الحكيم المحكم، يعني أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل يقضي الله في تلك الليلة ما هو كائن في السنة من الخير والشدة والرخاء والأرزاق والآجال ومحو وتثبيت ما يشاء، وهذا قول عامة المفسرين، روى مهران (٢) عن ابن عباس في هذه الآية قال: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، حتى الحُجّاج يقال: يحج فلان (٣).
وروى عنه [سعيد بن يحيى] (٤). في هذه الآية قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى (٥).
стр. 10984
٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَمْرًا﴾ نصب بيفرق، بمنزلة يفرق فرقًا, لأن أمرًا بمعنى فرقا، وهذا قول الفراء (١) ونحو هذا قال المبرد في وجه الانتصاب، إلا أنه لم يجعل في موضع مصدر ﴿يُفْرَقُ﴾ وجعله بمنزلة مصدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فقال: انتصابه انتصاب المصادر وهو في موضع قولك [..] (٢). إنزالاً، والأمر اسم مشتمل على جميع الأخبار، والتقدير: إنا أنزلناه أمرًا من عندنا، ونحو هذا قال الأخفش: إنا أنزلناه أمراً (٣).
وحكى أبو علي الفارسي عن أبي الحسن أنه حمل قوله: ﴿أَمْرًا﴾ على الحال و (ذو الحال) (٤) قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهو نكرة (٥).
قوله تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ قال المفسرون: يعني محمدًا ﷺ (٦) ، وقال صاحب النظم: يعني به الأنبياء.
٦ - قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق في انتصاب الرحمة ما ذكرنا في قوله: ﴿أَمْرًا﴾ وزاد وجهًا آخر وهو: أن يكون مفعولًا
стр. 10985
له على تقدير: إنا أنزلناه رحمة، أي: للرحمة (١)، وهذا معنى قول صاحب النظم: ﴿رَحْمَةً﴾ نصب على السبب؛ لأنه سبب لما ذكر أنه فعله.
قال ابن عباس: يريد رأفة مني بخلقي (٢).
وقال الكلبي: نعمة من ربك بما بعثنا إليهم من الرسل (٣).
وقال مقاتل: رحمة من ربك لمن آمن به من المؤمنين. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمن دعاه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه. قاله مقاتل (٤).
٧ - قوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالرفع والخفض، فالرفع على قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾، وإن شئت على الاستئناف على معنى: هو رب السموات هذا قول الفراء والزجاج (٥)، وزاد أبو علي وجهًا آخر فقال: ويكون ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ وخبره الجملة التي [عادت] (٦) الذكر منها إليه، وهو قوله: لا إله إلا هو، ومن خفضه جعله بدلاً من ﴿رَبِّكَ﴾ المتقدم ذكره (٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: يريد من الهواء وغير ذلك من خَلْق (٨). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بذلك، وهو أنه لا إله
стр. 10986
غيره، وهذه الآية مفسَّرة في سورة الشعراء [آية: ٢٤].
٩ - قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ قال ابن عباس: في ضلال يتمادون (١)، وقال مقاتل: في شك من هذا القرآن يهزؤن به لاهين عنه (٢).
١٠ - قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي فانتظر، ويقال ذلك في المكروه، والمعنى: انتظر يا محمد عذابهم، فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكره بعده عليه وهو قوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ مفعول الارتقاب (٣).
قوله تعالى: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ اختلفوا في معنى الدخان هاهنا، فالأكثرون على أن هذا الدخان كان حين دعا النبي ﷺ على قومه بمكة لما كذبوه فقال: "اللهم سبعًا كسني يوسف" (٤) فارتفع القطر، وأجدبت الأرض فأصابت قريشًا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء دخان، وهذا قول عطاء عن ابن عباس (٥) ومقاتل ومجاهد (٦) واختيار الفراء والزجاج وابن منبه، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة
стр. 10987
الجوع، كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا يرون دخانًا، فعلي هذا: الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع (١).
وذكر ابن قتيبة معنيين آخرين أحدهما: أن الجوع يقال له: دخان، ليُبْس الأرض في سنة الجدب، وانقطاع المطر وارتفاع الغبار فيه، فيشبه ما يرتفع منه بالدخان، ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء، ومنه جوع أغبر، وهذا معنى قول مجاهد في قوله: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: الجدب وإمساك القطر عن كفار قريش (٢). قال: وربما وضعت العرب الدخان موضع الشر إذا علا فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان (٣).
القول الثاني في الدخان: أنه آية من آيات الله مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الغي ويعتري أهل الإيمان منه كهيئة الزكام، وهذا قول ابن عباس [والحسين] (٤) وابن عمر وعلي (٥). روى الحارث (٦) عنه أنه قال: الدخان لم يمض بعد يأخذ المؤمنين كهيئة الزكام،
стр. 10988
وينفخ الكافر حتى يَنْقذَ (١).
١١ - قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ من صفة قوله: (بِدُخَانٍ) والناس على القول الأول في الدخان: أهل مكة. وعلى القول الثاني: عام (٢).
قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الفراء: يراد به ذلك العذاب. قال: ويقال: إن الناس كانوا يقولون لهذا الدخان: عذاب (٣)، وعلى هذا تقدير الكلام يقولون: هذا عذاب أليم، وقال صاحب النظم: (هذا) إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه، كما يقال في الكلام: هذا الشتاء فاعدد له، وهذا العدو فاستقبله، على التقريب.
١٢ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ هذا على ما ذكرنا من التقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف، وإن لم يضمروا القول هناك أضمرت هنا، والعذاب قال الكلبي: الجوع والدخان (٤) ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي: بمحمد والقرآن.
١٣ - قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، قال ابن عباس: كيف يتعظون، والمعنى أن الله أبعد عنهم الاتعاظ والتذكير بعد توليهم عن محمد وتكذيبهم إياه (٥). وهو قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بين الرسالة لم يكن عندهم بكذاب.
стр. 10989
١٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الكلام كله في موضع الحال على تقدير: كيف يتذكرون متوليين عن رسول مبين قد جاءهم. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: هو معلم يعلمه بشر.
١٥ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ التقدير: [كاشفو] (١) العذاب لأنه إخبار عما لم يمض، ولكنه خفف بحذف النون كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقد مر. قال المفسرون: يعني عذاب الجوع. ﴿قَلِيلًا﴾. قال مقاتل: يعني: يوم بدر. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أي: في كفركم وتكذيبكم (٢)، أعلمهم الله أنهم لا يتعظون، وإذا زال عنهم المكروه عادوا في طغيانهم، وهذه الآيات تدل على صحة القول الأول في الدخان (٣).
١٦ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ تفسير البطش قد تقدم [الأعراف: ١٩٥]، قال صاحب النظم: التأويل (إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (يَوْمَ نَبْطِشُ)، فقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ ظرف لقوله: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد ﴿إِنَّا﴾ لا يجوز أن يعمل فيما قبلها, ولكنه منصوب بتقدير: واذكر يوم نبطش البطشة الكبرى (٤)، واختلفوا في ذلك اليوم، فالأكثرون على أنه
стр. 10990
يوم بدر، وهو قول ابن مسعود وابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومجاهد ومقاتل وابن سيرين وأبي العالية، قالوا: إن كفار مكة لما كشف عنهم الجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر (١)، وأنا أقول هو يوم القيامة (٢).
وقال أهل المعاني: معنى البطش الأخذ بيده (٣)، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع، وأجري إيقاع الألم المتتابع مجراه.
١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس: ابتلينا (٤)، وقال أبو إسحاق: بلونا (٥)، والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم، ودعاهم إلى الحق.
قوله: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد موسى (٦)، واختلفوا في معنى الكريم هاهنا، فقال الكلبي: كريم على ربه (٧) يعني: بما
стр. 10991
استحق من الإكرام والإجلال بطاعة ربه.
وقال مقاتل: حسن الخلق (١).
وقال الفراء: يقال: كريم من قومه؛ لأنه قل ما بعث نبي إلا من سر (٢) قومه (٣).
وقال صاحب النظم: معنى هذه الآية على التقديم والتأخير والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول.
١٨ - قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال صاحب النظم: المعنى يقول لهم: أدوا إليَّ، أي: يأمرهم به.
وقال غيره: المعنى وجاءهم رسول بأن أدوا (٤)، فحذف الجار، ويستقيم الكلام من غير تقدير الجار؛ لأنك تقول: أرسلت إليه أن يفعل كذا، وهذا من قول موسى لفرعون وذويه، يقول: ادفع إليَّ بني إسرائيل ولا تعذبهم أي: أطلقهم من عذابك كما قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. وهذا قول ابن عباس والمفسرين (٥).
стр. 10992
قال مقاتل: يقول خل سبيلهم فإنهم أحرار فلا تستعبدهم (١).
وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر وهو: أن يكون ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ نصبًا على النداء، ويكون المعنى: أن أدوا إلى ما أمركم الله به يا عباد الله (٢)
وذكر الأزهري وجهًا آخر وهو: أن يكون: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ بمعنى استمعوا إلى، كأنه يقول: أدوا إلى سمعكم أبلغكم رسالة ربكم (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: ائتمنني الله على وحيه (٤).
١٩ - ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال: لا تتجبروا على الله.
وقال قتادة: لا تعتدوا على الله، وقال مقاتل: يريد وحِّدوه (٥).
﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة بينة يخضع لها كل جبار، وقال الحسن: لا تستكبروا على الله بترك طاعته، وعن ابن عباس: لا تطغوا بافتراء الكذب على الله (٦).
٢٠ - قال المفسرون: فلما قال لهم هذا، توعدوه بالقتل (٧)، فقال:
стр. 10993
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالوا: أن تقتلون، قال أبو صالح: ترجمون [بالقتل] (١) وتقولوا ساحر كذاب (٢).
٢١ - ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أي: لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ولما آتيتكم به من الحجة، فاللام في (لي) لام الأجل (٣).
﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ قال الكلبي: فاتركوني لا معي ولا علي (٤)، وقال قتادة: خلوا سبيلي (٥)، قال ابن عباس: فا عتزلوا أذاي (٦). وعلى هذا حذف المضاف.
٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قال صاحب النظم: الفاء في: ﴿فَدَعَا﴾ دليل على أنه متصل بخبر قبله لم يذكر، على تأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا، فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، قال الكلبي ومقاتل: مشركون لا يؤمنون.
٢٣ - فأجاب الله دعاءه وأمره أن يسري (٧) وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ قال مقاتل: فاستجاب الله له فأوحى إليه أن أسر بعبادي (٨) يعني من آمن به من بني إسرائيل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه، أعلمه الله
стр. 10994
تعالى أنهم سيتبعونهم، والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما أمرهم بالسُّرَى ليلاً ليكون سببًا لاتباع فرعون وقومه إياهم، فيكون ذلك الاتباع سببًا للغرق. قاله صاحب النظم.
٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ وقال أبو عبيدة: أي ساكناً وأنشد قول بشر بن أبي خازم:
فإن أَهْلِكْ عُمَيْرُ فَرُبَّ زَحْفٍ ... يُشبهُ نَقْعُهُ رَهْوًا ضَبَابًا (١)
أي: يشبه نقعه ساكنًا بالضباب، ونحو هذا قال الفراء (٢) والمبرد (٣) وابن قتيبة (٤).
قال الليث: الرَّهْو مشي في سكون (٥). يقال رَهَا يَرْهُو رهوًا فهو رَاهٍ، ومن هذا يقال: عيش راهٍ إذا كان حافظًا وادعًا، وأفعلُ ذلك سهوًا رهوًا، أي ساكنًا بغير تشدد، أبو عبيد عن الأصمعي، يقال لكل ساكن لا يتحرك ساجٍ ورَاه، والإرْها الإسكان، ومعنى الآية على هذا القول قال الليث: بلغنا أن موسى لما دخل البحر عَجلَ وأَعْجَل أصحابه، فأوحى الله إليه: واترك البحر رهوًا، أي: ساكنًا على [هِينَتِكَ (٦)، والرهو من نعت موسى] (٧)
стр. 10995
وقومه، وليس من نعت البحر، إنما هو كما تقول للرجل: رفقًا، هذا كلامه، وليس بالسائغ في معنى الآية لأنه لم يقل أحد من المفسرين ولا من أهل المعاني أن الرهو من نعت موسى، وأيضًا فإن (اترك البحر) لا يدل على معنى اعبره وجاوزه واقطعه، ومعنى الآية ما ذكره مجاهد وقتادة ومقاتل (١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿رَهْوًا﴾ قال: ساكنًا هو أي كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخله آخرهم (٢).
وقال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبع فرعون وجنوده فقيل له: (واترك البحر رهوًا) يقول: كما هو طريقاً يابساً (٣). وقال مقاتل: لما قطعوا البحر قالوا لموسى: اجعل لنا البحر كما كان، فإنا نخشى أن يقطعه فرعون في آثارنا، فأراد موسى أن يفعل ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ قال: يعني: صفوفًا (٤)، فعلى قول مجاهد معناه: اتركه ذا وهو أي: ساكنًا كما هو، وعلى قول قتادة ومقاتل: الرهو بمعنى السكون، إنما الرهو الفرجة بين الشيئين.
قال الأصمعي: [مَرَّ فالج (٥) بأعرابي] (٦) فقال: سبحان الله رهو بين