← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ﴾ أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال مقاتل: يعني كقول كفار مكة لمحمد ﷺ . يقول الله تعالى: ٥٣ - ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي بهذا القول. قال مقاتل: يعني أوصى الأول الآخر يقول ذلك لرسوله (١). وقال قتادة: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب (٢). قال الزجاج: والألف فيه للتوبيخ (٣). قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني أهل مكة طاغون. قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك (٤). والمعنى ما أوصى أولهم بذلك، ولكنهم قوم خارجون عن الحد في العصيان. ٥٤، ٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ (٥) أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان:

стр. 11342

أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم (١). القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم (٢). وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها (٣). والآية فيها مذاهب للمفسرين. أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون (٤). وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن

стр. 11343

فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك (١). وقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... (٢) لأهل القدر حجة وقد فُسِّر. وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين (٣). واحتج (٤) هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... (٥) (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) (٦) معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين (٧) ... ﵁، ومقاتل، واختيار الزجاج. قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... (٨).

стр. 11344

وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي (١). هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... (٢) العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... (٣) هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته (٤). واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] (٥). قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به. المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي (٦) هذا جملة أقوال المفسرين.

стр. 11345

وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية: أحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد (١). القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة (٢)، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له (٣). وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٤). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ما أريد أن يرزقوا من خلقي أحدًا، ونحوه قال مقاتل، والزجاج. وقال الكلبي: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ أن يرزقوا أنفسهم. ونحوه قال

стр. 11346

الفراء (١). وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال ابن عباس: أن يطعموا لي عبدًا. وهو قول الفراء والزجاج. قالا: أن يطعموا أحدًا من خلقي (٢). والآخرون قالوا: أن يرزقوني. ومرادهم أن يرزقوا عبادي؛ لأن الله تعالى غير مرتزق ولا طاعم، ويستحيل في وصفه الاستطعام وسؤال الرزق، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم فقد أطعمه ورزقه (٣). وهذا كما قال ﷺ فيما يخبر به عن ربه أن الله تعالى يقول: "عبدي استطعمتك فلم تطعمني" (٤)، والمعنى: لم تطعم عبدي. والآية محمولة على أنه ما أوجب ذلك على عباده، ولم يكلفهم القيام برزق الخلق والإطعام، وإن كان قد ندب إلى إطعام الجائع وذي الحاجة إلى الطعام. ٥٨ - ثم بين أن الرزاق هو لا غيره. فقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ قال ابن عباس: الرزاق لجميع خلقه. ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ على جميع ما خلق (٥). وقال مقاتل: يعني: ذو البطش (٦).

стр. 11347

وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ معناه في صفة الله القوي (١). وقد مَتُنَ شأنه، إذا قوي (٢)، ثم ذكر أن لمشركي مكة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة وهو قوله: ٥٩ - ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال مقاتل: يعني مشركي مكة (٣). ﴿ذَنُوبًا﴾ الذَّنوب في كلام العرب: الدلو العظيم. أنشد الفراء: إنَّا إذا نَازَعَنَا سَرَيْت ... لنا ذَنُوبٌ من نَدَاك ذنوب (٤) وأنشد المبرد لعلقمة بن عبدة: وفي كلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ... فحُقَّ لِشَأسٍ من نَداك ذَنُوبُ (٥) قال ابن قتيبة: كانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب، فحمل الذنوب مكان الحظ والنصيب (٦)، وبهذا جاء التفسير. قال أبو إسحاق: يعني: نصيباً من العذاب، مثل نصيب أصحابهم الذين أهلكوا نحو قوم نوح،

стр. 11348

وعاد، وثمود (١). وعبارة المفسرين مختلفة في تفسير الذنوب، والأصل ما ذكرنا، قال قتادة، ومقاتل، وأبو العالية: عذابًا مثل عذاب أصحابهم (٢). وقال مجاهد: سجلاً. وقال إبراهيم: طرفًا (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي بالعذاب، يعني أنهم أخِّروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله: ٦٠ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قال الكلبي، وعطاء، ومقاتل: يعني يوم القيامة (٤).

стр. 11349

سورة الطور

стр. 11350

تفسير سورة الطور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالطُّورِ﴾ ذكرنا تفسير الطور في سورة البقرة (١). قال عامة المفسرين (٢): أقسم الله بالجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران ﵇ وهو بمدين (٣) واسمه زبير. ونحو هذا قال الفراء والزجاج وابن قتيبة (٤). ٢ - قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ المسطور معناه المكتوب من قولك: سطر يسطر سطرًا. وذكرنا هذا عند تفسير الأساطير (٥). وأكثر المفسرين

стр. 11351

على أن المراد بالكتاب هاهنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والكلبي، والزجاج (١). وذكر فيه أنه (٢) اللوح المحفوظ (٣) . وقيل: هو ما كتبه الله لموسى من التوراة (٤). والصحيح هو القول الأول لقوله (٥) تعالى: ٣ - ﴿في رَقٍّ مَنْشُور﴾ ولم يثبت أن اللوح المحفوظ من الرق. ولا أن ما كتب لموسى كان على الرق. والمراد بالكتاب، المكتوب، سُمّي بالمصدر. والرق مما كتب فيه. قال أبو عبيدة: الرق الورق (٦). وقال الليث: الرَّقُّ الصحيفة البيضاء (٧).

стр. 11352

وقال المبرد: الرق، ما رُقّق من الجلد ليكتب فيه. والمنشور: المبسوط يتباعد أطرافه (١). قال مقاتل: يخرج إليهم أعمالهم يومئذٍ في رق، يعني أديم الصحف (٢). ونحو هذا قال الكلبي. قال الفراء: الرق الصحائف التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ بشماله (٣). وهذا كقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسر اء: ١٣]. ٤ - قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ روى أنس عن النبي ﷺ قال: "البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة" (٤). وقال ابن عباس: البيت المعمور في السماء بحيال الكعبة، يحجه كل يوم سبعون ألف (٥) ملك يسمى الصُّراح (٦). ونحو هذا قال جماعة المفسرين (٧)، إلا الحسن فقد روي عنه أنه قال: هو الكعبة. ومعنى

стр. 11353

﴿الْمَعْمُورِ﴾ أنه معمور بكثرة الغاشية والزائرين (١). قال مقاتل: عمارته أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه (٢). وقال الكلبي: المعمور بالملائكة. قال: وهو بيت في السماء السادسة، بناه آدم فرفع أيام الطوفان (٣). وروى عطاء عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا (٤). قال: وكان ابن عباس يقول: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتًا، كل واحد يحاذي صاحبه، سبعة على الأرضين وسبعة في السموات. والكعبة الخامس عشر (٥) . ٥ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال علي ﵁: يعني السماء. وهو قول قتادة، ومجاهد، والجميع (٦). قال مقاتل: المرفوع من الأرض مسيرة خمسمائة عام (٧). وسَمَّى السماء سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف. وقد قال عَزّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وروى عطاء عن ابن عباس قال: السقف المرفوع هو العرش، وهو سقف الجنة (٨).

стр. 11354

٦ - وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال الفراء: المسجور في كلام العرب المملوء (١). يقال: سجرت الإناء، إذا ملأته. قال لبيد: فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلاَّمُهَا (٢) وقال المبرد: البحر المسجور المملوء عند العرب، وأنشد هو وأبو عبيدة للنمر بن تَوْلَبْ يصف وعلاً: إذا شَاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسَمَا (٣) يريد: به عينًا مملوءة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، ومقاتل قالوا: الممتلئ. وقال قتادة: المملوء (٤). روى النزَّال بن سَبْرة عن علي ﵁ قال: هو بحر تحت العرش فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة

стр. 11355

الأولى منه أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم (١). وهذا قول الكلبي، ومقاتل، قالا: يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين (٢). وقال مجاهد ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الموقد (٣). قال الليث: السجر إيقادك في التنور تسجره بالوقود سجرًا. والسَّجُورُ اسم الحطب (٤). وهذا قول الضحاك وشَمِر بن عطية، وكعب. قالوا: البحر المسجور يسجر فيزاد في نار جهنم (٥). وقد روي هذا في الحديث: أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارًا فتجعل نار جهنم (٦). قال المبرد: وهذا القول يرجع أصله إلى القول الأول؛ لأن معنى: سجرت التنور، ملأته حطبًا ونارًا (٧). قال الفراء: وكان علي ﵁ يقول: مسجور بالنار. أي مملوء (٨). وقال ابن عباس في رواية عطية: البحر المسجور هو اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب. وهو قول أبي العالية، ورواية ذي الرمة الشاعر، عن ابن

стр. 11356

عباس (١) وليس له رواية غير هذا (٢). قال أبو زيد: المسجور يكون المملوء, ويكون الذي ليس فيه شيء (٣). أقسم الله تعالى بما ذكر من هذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظم النعمة والعبرة من وجوب التدبير لذلك, وطلب ما فيها من دقائق الحكمة، والواو في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وما بعدها من الواوات للعطف على المُقْسَم به، ولا يجوزأن يكون للقسم؛ لأن جواب القسم الأول وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ لم يأت بعد، وإذا لم يأت جواب الأول، لم يجز أن يستأنف قسم آخر، وقد ذكرنا هذا الفصل في ابتداء سورة (ص) (٤). ٧ - وجوات هذه الأقسام قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (٥) قال ابن عباس والمفسرون: إن عذاب ربك للمشركين والكافرين والمنافقين لكائن (٦). يعني في الآخرة يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)

стр. 11357

وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. قال أبو إسحاق: (يومَ) منصوب بقوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي لواقع يوم القيامة (١). ومعنى المور في اللغة: الاختلاف والاضطراب والذهاب والمجيء والتردد. والداغصة (٢) تمور في الركبة، والبعير يمور عضده مورًا، إذا مشى. وروى عمرو (٣) عن أبيه: المور الدوران، ويثال: مار يمور مورًا، إذا جعل يذهب ويجيء ويتردد , ومنه قوله: ٩ - ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (٤). قال المبرد: أي تتحرك إما لسير وإما لدوران. قال ابن عباس، ومجاهد: تدور بما فيها دورانًا وتتكفأ تكفؤ السفينة وتضطرب وتتحرك وتستدير، كل هذا من عبارات المفسرين (٥). ١٠ - ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ قال ابن عباس: كسير السحاب اليوم في الدنيا (٦). وقال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض (٧) وهذا

стр. 11358

كقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ [النمل:٨٨] الآيات, وقد ذكر الله تعالى في الواقعة أنها تصير هباءً منثورًا (١) ,ثم ذكر ما للمكذبين في ذلك اليوم بقوله: ١١ - ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قال الكلبي: الشدة من العذاب يومئذ للمكذبين بالإيمان (٢). وذكرنا قديمًا تفسير الويل (٣). ١٢ - ثم نعت هؤلاء المكذبين فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ومعنى الخوض في اللغة الدخول في الماء، ثم يتفرع منه الدخول في الأمر بالقول (٤). وأراد بالخوض هاهنا خوضهم في حديث محمد بالتكذيب واللاستهزاء, ولهذا قال المفسرون: في باطل يلعبون. قال عطاء: يخوضون في تكذيبك ويلهون بذكرك (٥). ١٣ - قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٦) ومعنى

стр. 11359

الدَّع في اللغة: الدفع في قسوة وعنف. قال أبو عبيدة (١): دععت (٢) في قفاه, أي دفعت, ومنه قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيم﴾ [الماعون: ٢]، وأنشد الليث: إذا القوم في المَحُلِ دَعُّوا اليَتِيمَا (٣) قال عامة المفسرين: يدفعون إلى النار دفعًا على وجوههم (٤)، وقال قتادة: يزعجون إليها إزعاجًا (٥). وقال مجاهد: دفرًا في أقفيتهم (٦). قال ابن الأعرابي: الدفر: الدفع (٧). قال مقاتل: يغلون أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم وراء ظهورهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعًا على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها قوله: ١٤ - ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (٨) قال ابن عباس: أي في الدنيا (٩). ثم وبخوا بما كانوا يدعون في حال التكذيب قبل انكشاف الأمر، فقيل لهم لما عاينوا مصداق الخبر ١٥ - ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ أي هذا الذي ترون. والمعنى يعود إلى العذاب،

стр. 11360

ولذلك ذكر بلفظ التذكير في قوله: ﴿هَذَا﴾. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يريد: أم قد غطى على أبصاركم، وذلك أنهم كانوا يكذبون محمدًا ﷺ فيما يوعدهم من العذاب وينسبونه إلى السحر، وإلى أنه يسحر الناس ويغطي على أبصارهم بالسحر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ وقد مر (١). فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب قيل لهم للتوبيخ والتبكيت: أفسحر ما ترون، أم قد غطي على أبصاركم فلا ترون كما كنتم تدعون في الدنيا أنه يفعل بكم. وهذا معنى قول مقاتل (٢). ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ التهديد. يقول: أم لا تبصرون العذاب فتكذبون به كما كنتم تكذبون به في الدنيا إذا كنتم لا تبصرونه. فلما ألقوا فيها قالت لهم الخزنة: ١٦ - ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: على العذاب ومقاساة حر النار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُم﴾ قال أبو إسحاق: مرفوع بالابتداء والخبر محذوف. المعنى: سواء عليكم الصبر والجزع (٣). يدل على ذلك أنهم أقروا بهذا في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي الأمر جار عليكم بالعدل، ما جوزيتم إلا جزاء أعمالكم، والمعنى: إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون، أي الكفر والتكذيب. ١٨ - فقوله تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن عباس،

стр. 11361

ومقاتل: معجبين (١). وذكرنا تفسير هذا الحرف في سورة يس (٢). ١٩ - قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ يقال: هَنُؤَ يَهْنُؤ هَنَاءَةً فهو هنيء (٣). وهنيئًا هاهنا نعت محذوف على تقدير: إمتاعًا هنيئاً، وأمرهم بالأكل والشرب يدل على الإمتاع، كأنه قيل: أمتعتم بنعيم الجنة إمتاعًا هنيئًا، ويجوز أن يقول: أراد شربًا هنيئًا، أو أكلاً هنيئًا. واقتصر على صفة مصدر أحد الفعلين من الآخر. وقال الزجاج: (هنيئاً) صفة في موضع المصدر، أي: ليهنأكم ما صرتم إليه هنيئا (٤). وذكرنا تفسير الهنيء في أول سورة النساء (٥). قال مقاتل: يعني حلالاً.

стр. 11362

وقال الكلبي: ﴿هَنِيئًا﴾ لا يموتون (١). ومقاتل ذهب إلى أن الحرام وخيم العاقبة، وطعام الجنة لما كان مأمون العاقبة وصف بالهنيء. وذهب الكلبي إلى أن الموت ينغص النعمة، ولما كان أهل الجنة يأمنوا الموت وصف نعيمهم بالهنيء. ٢٠ - قوله تعالي: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ تفسير هذه الحروف قد تقدَّم فيما سبق. ووصف ابن عباس هذه السرر فيما روي عنه عطاء قال: يريد من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيْلة (٢). وقال الكلبي: طول السرير في السماء مائة عام، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع به إلى مكانه (٣). قوله تعالي: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة الدخان (٤). ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار والتابعين (٥).

стр. 11363

﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ اختلفوا في أن هذا الإيمان من المؤمنين الذين ذكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم من الذرية؟ فقال قتادة: بإيمان من الذرية (١)، والمعنى: واتبعتهم ذريتهم في الإيمان؛ لأن الذرية إذا لم تتبع الأصل بالإيمان لم تجتمع معه في الجنة. وعلى هذا المراد بالذرية الكبار. ويجوز أن يكون المراد بالإيمان إيمان الذين آمنوا (٢). والمعنى: وأتبعهم بإيمان من الآباء ذريتهم، والذرية تتبع الآباء وإن كانت صغارًا في كثير من أحكام الإيمان وهو الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم الآباء في أحكامهم، إلا فيما كان موضوعًا عن الصغير لصغره. وعلى هذا القول، المراد بالذرية: الصغار. قال أبو علي: فإن جعلت الذرية للكبار (٣) كان قوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حالاً من الفاعلين الذين هم ذريتهم (٤). وكلا القولين مروي عن ابن عباس (٥). والوجه أن تحمل الذرية على ما بينَّا. وعلى هذه الجملة يدل كلام

стр. 11364

المفسرين (١). والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير (٢). فمن وقوعها على الصغير الواحد قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] ومن وقوعها على الكبار البالغين قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. ومن وقوعها على الكبير قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه" ثم قرأ هذه الآية (٣). وقال عبد الله في هذه الآية: الرجل يكون له القِدم وتكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك (٤). وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له ما كان يحب أن يُجْمعوا له في الدنيا (٥). وقال الشعبي: أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة (٦).

стр. 11365

وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء (١). والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية. وذكرنا جواز ذلك عند قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢) عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء. قال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٣). وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٤). وذلك قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذكرنا تفسير الألت عند قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (٥) والقراء على فتح اللام

стр. 11366

في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف. وقرأ ابن كثير بكسر اللام (١). ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم. وقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه (٢). قال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم (٣). وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، ثم ابتدأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم (٥). أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم. وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار (٦). ويدل على صحة ما ذكر ما قال الكلبي، وهو أن الله تعالى استثنى المؤمنين في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٧) فدل على أن

стр. 11367

المراد بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الكافر لا المسلم (١). ثم ذكر ما يزيدهم (٢) من الخير والنعمة فقال: ٢٢ - ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها (٣). قال الكلبي، ومقاتل: يعنى غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها. ٢٣ - ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون (٤) والمعنى أن هذا يأخذ من يد هذا وهذا يأخذ من يد هذا كالشيء المتنازع فيه، تنزعه من صاحبك، وصاحبك ينزعه منك. هذا هو الأصل ثم صار التنازع اسمًا للتناول، والمنازعة اسمًا للمناولة (٥) وقال الأعشى: نازَعتُهُمْ قُضُبَ الرّيْحَانِ مُتّكئا ... وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُقُهَا خَضِلُ (٦) وقال الأخطل: نازَعْتُهمُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وحاَنتْ وَقْعَةُ السَّاري (٧)

стр. 11368

وجميع أهل اللغة قالوا في معنى (يتنازعون): يتعاطون. وهو قول أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة (١). قوله تعالى: ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، يعني الخمر (٢). وقد ذكرنا أن الكأس معناه الإناء فيه الشراب، فإذا كان فارغًا فليس بكأس، ولما لم ينفك الكأس عما فيه، جاز أن يسمى ما فيه باسم الكأس (٣). قوله تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يلغون ولا يأثمون (٤). وعبارات المفسرين مختلفة الألفاظ، فقد قالوا: لا فضول ولا باطل ولا سباب ولا تخاصم فيها (٥). قال أبو إسحاق: أي لا يجري بينهم ما يُلْغَى، ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر (٦). وقال ابن قتيبة: أي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدنيا (٧). فإذا لم يذهب بعقولهم لم يكن منهم ما يؤثم. والتأثيم تفعيل

стр. 11369

من الإثم. يقال: أثمه، إذا جعله ذا إثم. يعني أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. والكلام في التنوين وتركه في مثل هذا قد تقدم عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١). وقوله: ﴿فِيهَا﴾ من قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ على قول سيبويه؛ لأنه خبر عن قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾ والتقدير: لا لغو فيها ولا تأثيم فيها، واستغني عن ذكر خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقوله: زيد منطلق وعمرو (٢). ٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ قال الكلبي: بالخدمة غلمان لهم (٣). قال مقاتل: لا يكبرون أبدًا (٤). ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في الحسن والبياض ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين. وقال عطاء: يريد مثل اللؤلؤ حين يخرج من أصدافه قبل أن يصيبه الطيب والدهن (٥).

стр. 11370

ومعنى: ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون فيما تكنه أي تستره (١). ذكرنا تفسير هذا الحرف في مواضع، وعلى ما ذكر مقاتل، وعطاء: أراد أنه مكنون في الصدف (٢). وقال الكلبي: قد خُبِّئ وكُنَّ من الحر والقر والمطر فلم يتغير (٣). وعلى هذا هو مكنون في غير الصدف. قال الحسن في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله، الخادم كاللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ قال: "كما بين القمر ليلة البدر والكوكب" (٤). ونحو هذا ذكر قتادة (٥). وروت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف يناديه كلهم لبيك لبيك" (٦). وقال أبو عبد الرحمن المعافري (٧): إنه ليصف الرجل من أهل الجنة

стр. 11371

سماطان لا يرى طرفهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه (١). وقال حميد بن هلال (٢): ذكرنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم، وحُلِّي حليهم، وأُري أزواجه وخدمه، أخذه سوار فرح لو كان ينبغي له أن يموت لمات من سوار فرح، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك، فإنها قائمة لك أبدًا (٣). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والنصب والخوف (٤). وقال مقاتل: زار بعضهم بعضًا فتساءلوا بينهم ما كانوا فيه من المشقة في الدنيا فذلك قوله: ٢٨ - ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي في دار الدنيا مشفقين من العذاب. ٢٩ - ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ يعني جهنم الحارة (٥). ونحو هذا قال الحسن في السموم أنه من أسماء جهنم (٦). وقال عطاء: يريد الطبق السابع من جهنم وهو الأعلى (٧).

стр. 11372

وقال الكلبي: (عذاب السموم) عذاب النار (١). وهو قول أبي عبيدة (٢). ومعنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار، وقد تكون بالليل أيضًا. قال أهل المعاني: معنى السموم الحر الذي يدخل في مسام البدن بما يوجب ألمه، ومنه ريح السموم، ومسام البدن الخروق الدقاق، وعلى هذا حر جهنم وحر النار مما يدخل في مسام البدن (٣). وقال أبو إسحاق: ﴿عَذَابَ السَّمُوم﴾ أي سموم جهنم (٤). وعلى هذا سموم جهنم ما يوجد من لفح أوارها (٥) وحرارة لهوبها كالريح الحارة الي تهب فتؤذي الإنسان. فكأنهم قالوا: وقانا الله حر جهنم حتى لم يصبنا وهج نارها. قال (٦): وسياق هذه الآيات يدل على أنهم يتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، كأن بعضهم يقول لبعض: بم صوت إلى هذه المنزلة؟ وفي الكلام دليل على ذلك، وهو قولهم في جواب المسألة: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي من المصير إلى عذاب الله فعملنا بطاعته (٧).

стр. 11373

قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن في الدنيا ولم يخف، أن يكون من أهل النار، وأن لا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقالوا: ٢٨ - ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ (١). ثم قرنوا الجواب مع ذلك بالإخلاص والتوحيد وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي نوحده ولا ندعو إلهًا غيره. وهو قول ابن عباس (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح (٣). والمعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم. أي فلرحمته يجيب من دعاه، فلذلك ندعوه، ومن كسر الهمزة قطع الكلام مما قبله واستأنف (٤)، وهو اختيار أبي عبيد قال: نقرؤها كسرًا على الابتداء، أي إن ربنا كذلك على كل حال. قال: ومن نصب أراد ندعوه لأنه، أو بأنه. فيصير المعنى: أنه يدعى من أجل هذا (٥). والتأويل الأول أعم وأحب إليّ، قال المبرد: قال أبو عبيد: الكسر أعم، ولا وجه له؛ لأن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ بمعنى لأنه، أو بأنه دائم ثابت في الله مثل قولهم لو ابتدأوا فقالوا: إنه، وأما قوله: من نصب يصير المعنى فيه أن الله يدعى من أجل هذا، فهو كما وصف، وليس

стр. 11374

في هذا علة توهن هذه القراءة، وإنما يدعو المسلمون ويستغفرون ربهم لأنه الغفور الرحيم. والمعنى في القراءتين يؤول إلى شيء واحد والله أعلم (١). قال الكلبي ومقاتل: إنه هو البر الصادق فيما وعد أولياءه، الرحيم بالمؤمنين (٢). ٢٩ - قوله ﴿فَذَكِّرْ﴾ قال المفسرون: فعظ بالقرآن أهل مكة. والمعنى: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين والكافرين. ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: برحمة ربك عليك (٣). والمعنى: بإنعامه عليك بالنبوة ورحمته إياك حتى عصمك وطهرك (٤). قوله: ﴿بِكَاهِنٍ﴾ يقال: كَهَنَ الرجل يَكْهَنُ كَهانةً، مثل: كتب يكتب كتابة، وقَلّ ما يقال إلا تَكَهَّنَ الرجل، ويقال: كهن لهم، إذا قال لهم قول الكهنة (٥)، وهم الذين كانت الشياطين تلقي إليهم ما يسترقون فيخبرون الناس به، وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث النبي ﷺ فلما بعث ومنعت الشياطين من استراق السمع بطل علم الكهانة (٦).

стр. 11375

قال المفسرون: ما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي. أي لست تقول ما تقوله (١) كهانة، ولا تنطق إلا بوحي. والكاهن الذي يوهم أنه يعلم الغيبَ بطريق خدمة الجن إياه وإخبارهم، والمجنون المارق الذي يغطي على عقله. وهذا جواب لكفار مكة حين قالوا: إنه كاهن ومجنون وشاعر، وقد علموا أنه ليس كما قالوا, ولكنهم قالوا ذلك على جهة الكذيب ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم. ٣٠ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون: ﴿شَاعِرٌ﴾ أي هو شاعر ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ريب الدهر صروفه وحوادثه من قولهم: رابه الأمر ريبًا، أي نابه وأصابه (٢). والمنون الدهر في قول الفراء (٣)، والأصمعي، والكسائي، وأصله من المنّ بمعنى القطع، وذلك أنه يقطع الأعمال. قال الفراء: المنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره أراد به الدهر، ومن أنث أراد المنية. وقول الهذلي (٤): أَمِنَ الَمُنونِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ روي بالوجهين. وقال الكسائي: المنون واحد في اللفظ، وقد يذهب به مذهب الجماع وأنشد قول عدي:

стр. 11376

مَنْ رأيْتَ المَنُونَ عَدّيْنَ أم من ... ذا عَلَيْه من أن يُضَامَ خَفِيرُ (١) عدين: أي تركن وجاوزن. قال: والعرب تقول: لا أكلمك آخر المنون. أي: آخر الدهر (٢) وكلا القولين في المنون ذكره المفسرون. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد حدثان الموت (٣). وقال الكلبي عنه: أوجاع الموت (٤). وقال مقاتل: يعني الموت. وهو قول مقاتل (٥). وقال مجاهد: حوادث الدهر (٦). والمعنى: ما يصيبه من الدهر أو من الموت. ومعنى التربص بالشيء: انتظار الدوائر به. وأنشد ابن عباس:

стр. 11377

تَربَّصْ بها رَيْبَ المَنُونِ لعلّها ... تُطَلَّقُ يومًا أو يَمُوتُ حَلِيلهُا (١) قال المفسرون: قال المشركون: ننتظر بمحمد الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وأن أباه توفي شابًّا ونحن نرجو أن يموت كما مات أبوه شابًّا (٢). وقال الأخفش: يريد نتربص به إلى ريب المنون، فحذف الجر كما تقول: قصدت زيدًا وقصدت إلى زيد، وعمدت زيدًا وعمدت إلى زيد (٣) وأصله من المنِّ، قال الله تعالى: ٣١ - ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الكلبي: انتظروا بي الموت ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ بكم من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وهو قول جماعة المفسرين (٤). قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله ﷺ (٥). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب (٦). يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر

стр. 11378

عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا. قال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب (١). وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء (٢) بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل (٣)، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل. وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك (٤). ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله (٥). وقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه (٦). وقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه (٧). والتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب, لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل (٨).

стр. 11379

قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله: ٣٣ - ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إذ قالوا إن محمدًا تقوّله، فقد زعموا أنه من قول البشر فليقولوا مثله. قال ابن عباس، ومقاتل: بقرآن من تلقاء أنفسهم مثل هذا القرآن كما جاء به ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا تقوّله (١). وهذا في دليل على الإعجاز؛ لأن الله تعالى تحداهم بالقرآن فما رام أحد منهم أن يعارضه بشيء واللسان لسانهم. ٣٥ - ثم احتج عليهم بابتداء الخلق: قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين (٢). وقال الكلبي: من غير أب (٣). وقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا (٤). والمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن

стр. 11380

كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين (١). وأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام. قال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! (٢) ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون (٣). ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على هذا. لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي (٤). وقال مقاتل: بتوحيد الخالق (٥). وقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق (٦).
следующие страницы →