وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ (١).
والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية (٢)، ذكره ابن السكيت.
وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب (٣)، ومنه قول النابغة:
فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ
ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: (٤)
وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ
هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة (٥): والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال:
شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها (٦)
стр. 11587
وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء (١).
وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب (٢).
وروي عن النبي ﷺ "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" (٣).
قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (٤).
وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط،
стр. 11588
والواحدة رفرفة (١)، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط (٢)، وأنشد قول مقبل فقال:
وإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف (٣)
وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. (٤) واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا, لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي ﷺ "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" (٥).
قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط (٦)، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس، قال في قوله:
٧٦ - ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش (٨) وهو قول
стр. 11589
الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط (١).
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط (٢).
قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. (٣)
وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها (٤).
وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي ﷺ حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" (٥).
قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير (٦):
يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
стр. 11590
وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد (١):
جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها
وقال آخر يصف المرأة:
جنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل (٢)، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله ﷺ في صفة عمر (عبقريًّا).
وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر (٣).
فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.
стр. 11591
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ يريد البسط والطنافس (١)، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة (٢).
وقال قتادة: هي عتاق الزرابي (٣)، وهو قول سعيد بن جبير (٤).
وقال مجاهد: الديباج الغليظ (٥).
وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري (٦) ورويت أيضًا مرفوعة (٧)، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب (٨).
стр. 11592
قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك (١) لو جمعت مهلبيا، مهالبة ولم يقل مَهَالبي (٢).
وقال المبرد: أخطأ القاسم في "عباقري" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب, لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب (٣)، وفي المدائني مدائني لأنه اسم لواحد، ولو نسب إلى جماعة الكلاب قيل كلبي.
ثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله :
٧٨ - ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ تقدم تفسير الجلال والإكرام في هذه السورة.
وقرأ ابن عامر: ذو الجلال (٤) والإكرام بالرفع إجراء على الاسم وذلك دليل ظاهر على أن الاسم هو المسمى؛ لأن ذو الجلال من صفة الله لا من صفة التسمية.
стр. 11593
سورة الواقعة
стр. 11594
تفسير سورة الواقعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قال أهل المعاني (١): اذكر إذا وقعت الواقعة، وقال "صاحب النظم": إذا هاهنا صفة وفضل ولغو، كما قال : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وتأويله: انشقت السماء، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ونظيره في الكلام: قد جاء الشتاء وجاء الصوم بمعنى اقترب ودنا، وإنما قلنا: إن (إذا) ملغاة, لأنه لم يجيء لها خبر ولا جواب، ومنه قول الهذلي (٢):
حتى إذا أسلكوهم في قتائدهم ... شلَّا كما يطرد الجمالة الشردا
стр. 11595
يريد حتى أسلكوهم واليت آخر القصيدة ولم يجيء لـ (إذا) جواب هذا كلامه (١)، والأول الوجه.
قال المبرد: (وَقَعَتِ) معناه: تقع؛ لأن إذا للاستقبال ومعنى الوقوع هاهنا ظهور بالحدوث كظهور الساقط يحضره الرأي (٢) .
وقال أبو إسحاق: يقال لكل (٣) آت كان يتوقع: قد وقع، تقول: قد وقع الأمر، كقولك: قد جاء الأمر (٤).
قال ابن عباس: إذا قامت القيامة (٥).
قال أبو عبيدة والأخفش: الواقعة: اسم للقيامة كالآزفة وغيرها (٦)، وهذا هو الصحيح (٧)؛ لأن المعنى أنها ستقع، وأما ما قال مقاتل في تفسير الواقعة أنها الصيحة وهي النفخة الأخيرة (٨) فبعيد, لأن الله تعالى وصفها بعد بقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وهي من صفة القيامة لا من صفة الصيحة.
٢ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة هاهنا مصدر بمعنى الكذب، كالخائنة، واللاغية، والخاطئة، والعافية، والعاقبة، عند أكثر
стр. 11596
أهل المعاني (١) , والمعنى: ليس لها كذب، أي أنها تقع صدقًا وحقًا فليس فيها ولا الإخبار عن وقوعها كذب.
وقال بعض أهل المعاني: يجوز أن تكون الكاذبة صفة والموصوف محذوفًا، على تقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة أي أن كل ما أخبر الله من أحكامها وقضاياها صادقة غير كاذبة، ويجوز أن يكون التقدير ليس لوقعتها نفس كاذبة (٢) أي أن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها.
وأما الكسائي والفراء والزجاج فإنهم جعلوا الكاذبة هاهنا بمعنى التكذيب وفسروها بالرد، قال الكسائي: كاذبة تكذيب، وزاد الفراء: المكذوبة بمعنى التكذيب، وحكاها عن أبي ثروان (٣).
وقال أبو إسحاق: كاذبة أي لا يردها شيء، كما تقول حملة فلان لا تكذب، أي لا يرد حملته شيء (٤)، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: ليس لوقعتها رادة، وقال الكلبي عنه
стр. 11597
مردودة (١).
والردة هاهنا بمعنى المصدر، أي: رد، وعلى هذا القول يجب أن تكون (الكاذبة) بمعنى التكذيب ويكون التكذيب بمعنى الرد، ولم أر الفاعلة في مصادر التفعيل ولا الكذب بمعنى الرد لغيرهم فالله أعلم.
ويكون كذب بمعنى ارتد وولى، يقال: ما كذب عن قرنه أي ما جبن ولا رجع. ومنه قول زهير: (٢)
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا
فإن صحت الكاذبة بهذا المعنى كان تفسير ليس لوقعتها ارتداد، وهذا قول قتادة ومقاتل. قالا: ليس لوقعتها مثنوية ولا ارتداد (٣) .
٣ - قوله تعالى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال أبو إسحاق: هي خافضة رافعة (٤). روى عكرمة عن ابن عباس قال تخفض ناسًا وترفع (٥) آخرين (٦).
وقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متَّضعين (٧).
стр. 11598
وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله (١)، والمعنى أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع آخرين إلى أعلى عليين في الجنة، وقال أهل المعاني: تخفض بالمعصية وترفع بالطاعة (٢)، وقال ابن عطاء: خفضت قومًا بالعدل ورفعت قومًا بالفضل (٣).
٤ - قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ الوجه أن تجعل إذا مضمنًا بالذكر كما قلنا في ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ وقال الجرجاني: إذا ظرف لقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ لأنه وقت لها، أي أن الواقعة تقع إذا رجت الأرض رجًا، قال: وفي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ستقع الواقعة إذا رجت (٤)، ونحو هذا قال أبو إسحاق: موضع إذا نصب المعنى: إذا وقعت في ذلك الوقت ومعنى (رُجَّتِ) حركت حركة شديدة (٥) يقال: رججته فارتج، والسهم يرتج في الغرض (٦)، قال قتادة ومقاتل: زلزلت زلزالاً (٧).
وقال الكلبي وجماعة المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى يتهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال (٨)، فذلك قوله تعالى:
٥ - ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ ذكر أهل المعاني واللغة فيه قولين:
стр. 11599
أحدهما: أن معنى: (بُسَّتِ) خلطت فصارت كالدقيق المبسوس، وهو الملتوت بشيء من الماء، هذا قول أبي عبيدة، والفراء، وأنشدا (١):
لا تخبزا خبزًا وبسا بسَّا
أي: اخلطا الدقيق بالماء فكلاه، والمعنى على هذا أن الجبال تصير ترابًا تخلي بعضها ببعض.
القول الثاني: أن معنى البس الفت، روى عمرو عن أبيه: بس الشيء إذا فتته حتى يصير فتاتًا (٢).
وذكر أبو إسحاق في البس قولاً آخر وهو السوق والطرد، ومعنى (بُسَّتِ) سيقت، وأنشد (٣):
وانبس حيَّاتُ الكثيب الأهيل
قال اللحياني (٤): يقال بُسَّهم عنك، أي: اطردهم، وانبس الرجل إذا ذهب، وانبست الحيات إذا جرت على الأرض (٥)، وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الأقسام.
стр. 11600
قال ابن عباس في رواية عطاء: فُتَّت فتا، وهذا قول مقاتل ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (١) وروى منصور عنه: لُتَّت لتًّا كما يبس السويق (٢). وقال السدي: كسرت كسرًا (٣)، وهذا كقول من قال: فتت.
وقال الكلبي: سيرت عن وجه الأرض (٤)، ونحو هذا قال الحسن: قلعت من أصلها (٥).
وقال قتادة: نسفت نسفًا، وقول الكلبي والحسن وقتادة معنى قول من يفسر البس بالطرد (٦) .
٦ - قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يعني صارت غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء (٧).
والمنبث المتفرق، هذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد (٨).
стр. 11601
وروي عن علي ﵁ قال: يعني رهج الدواب الذي يسطع من حوافرها (١).
ثم ذكر أحوال الناس فقال:
٧ - قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال المفسرون: أصنافًا ثلاثة، قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج (٢).
ثم فسر الأزواج بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعني اليمين، وجمعها الميامن، وهي جوانب اليمين، وفي أصحاب الميمنة أربعة أقوال:
قال عطاء، عن ابن عباس: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وهو قول الضحاك (٣).
وعن ابن عباس أيضًا: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه (٤).
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله (٥).
стр. 11602
القول الرابع: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة (١).
٨ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ قال جميع أهل المعاني (٢) (مَا) هاهنا تفخيم لقصتهم وتعظيم لشأنهم وتعجيب منهم، كما تقول: زيد ما زيد؟ أي: أي شيء هو؟ للتعجب منه، وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] و ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢].
٩ - قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني أصحاب الشمال والمشئمة اليسرى. يقال: اليد اليمنى واليد الشومى، ومن هذا اللفظ أخذ اليُمْن والشؤم، واليَمَن والشأم.
وفي أصحاب المشئمة أربعة أقوال تضاد الأقوال التي ذكرناها في أصحاب الميمنة (٣).
ثم ذكر الصنف الثالث فقال:
١٠، ١١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ من صفتهم. ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤).
стр. 11603
واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس (١): يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٢)، وهذا كقول ابن عباس؛ لأن الذين صلوا القبلتين كانوا هم الأولين من الصحابة، ونحو هذا قال عكرمة: السابقون إلى الإسلام (٣)، وهو معنى قول الربيع: إلى إجابة الرسول ﷺ (٤).
وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان (٥). وهذا القول يوجب تخصيص السابقين بأوائل هذه الأمة. وقال الكلبي: السابقون إلى الرسول من كل أمة السابقون في الآخرة إلى الجنة (٦).
وأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان (٧).
ومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة (٨)، وقال علي ﵁:
стр. 11604
إلى الصلوات الخمس (١)، وقال عثمان بن أبي سودة (٢): إلى المسجد، إلى الجهاد، يخرجون في الرعيل الأول من المصلين والمجاهدين (٣).
ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين (٤). وقال الكلبي: إلى عَدَن (٥). وقال أهل المعاني: جزيل ثواب الله وعظيم كرامته (٦).
ثم أخبر أين محلهم فقال:
١٢ - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] كله من صفة السابقين وبيان حالهم، وذلك أن الله تعالى صنف الخلق ثلاثة أصناف كما ذكر، ثم بين هناك كل صنف وحاله في الآخرة فذكر صفة السابقين أولاً، ثم وصف
стр. 11605
الفريقين الآخرين فيما بعد.
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ﴾ الثلة: الفرقة والجماعة من (١) الناس غير محصوري العدد في قلة ولا كثرة (٢).
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من لدن آدم إلى زمان نبينا ﷺ . قاله الكلبي (٣)، وقال عطاء: يريد كثيرًا من الأولين (٤)، وقال مقاتل: يعني سابقي الأمم الخالية.
١٤ - ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يريد من أمة محمد ﷺ .
قال مقاتل: يعني سابقي هذه الأمة أقل من سابقي الأمم الخالية (٥).
وقال أبو إسحاق: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي ﷺ (٦).
١٥ - قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ معنى الوضن في اللغة: النضد والنسج المضاعف، يقال: وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون.
وقال الليث: الوضن نسج السرير وأشباهه، ويقال: درع موضونة مقاربة في النسج مثل مرصوفة، وقال رجل من العرب لامرأته: ضنيه -يعني متاع البيت- أي قاربي بعضه من بعض.
стр. 11606
قال أبو عبيدة، والفراء، والمبرد، وابن قتيبة (١): موضونة: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدروع، ومنه سمي الوضين، وهو بطان من سيور منسوجة مضاعفة تنسج فيدخل بعضه في بعض، وأنشدوا للأعشى (٢):
ومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا
قال المفسرون: مرمولة منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وهو قول الكلبي، ومجاهد، ومقاتل (٣).
وقال الضحاك: مصفوفة، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (٤).
١٧ - قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: لا يهرمون ولا يتغيرون (٥)، ونحو ذلك قال الفراء، قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: إنه لمخلد، قال: ويقال مخلدون: مقرَّطون، ويقال مسورون (٦).
وأنشد غيره:
стр. 11607
ومخلداتٍ باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان (١)
وهذا قول ابن الأعرابي قال: مخلدون مقرَّطون بالخلدة، وجمعها خلد، وهي القرطة.
وروى عمرو عن أبيه: خلَّد جاريته إذا حلَّاها بالخلد وهي القرطة، وخلَّد إذا أسنَّ ولم يشب (٢).
قال ابن عباس: غلمان لا يموتون وهو قول مجاهد (٣)، وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت.
وقال الكلبي ومقاتل: لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون (٤).
وقال سعيد بن جبير والمؤرج: مقرطون (٥).
والمراد بالولدان: الغلمان، وهم وإن لم يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق عليهم هذا الاسم, لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا، وبعضهم احترز فجعل الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة، وهذا القول يروى عن علي والحسن، قالا: لأن الجنة لا ولادة فيها (٦)،
стр. 11608
والقول هو الأول (١)
١٨ - قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قالوا الأكواب المستديرة الأفواه لا آذان لهما ولا عُرى، والأباريق ذات الخراطيم واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه (٢). وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير، يرى من ظاهرها ما في باطنها، ذكر ذلك عطاء، ومقاتل (٣)، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه، ومنه قول ابن أحمر (٤):
تعلَّقت إبريقًا وعلقت جعبةً ... ليهلك حيا ذا زهاء وجامل (٥)
وقال اللحياني: امرأة إبريق إذا كانت برَّاقة. وما بعد هذا مفسر في سورة الصافات [آية: ٤٥].
٢٠ - قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ تخيرت الشيء أخذت خيره.
٢١ - قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى (٦).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ أكثر القراءة بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض (٧).
стр. 11609
قال أبو عبيد: هي عندنا بالرفع بمعنى: وعندهم حور عين، ولا أحب الخفض لأنه ليس يطاف عليهم بالحور، هذا كلامه (١)، ووجه الرفع علي مذهب سيبويه (٢) أن قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلي قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ دل على أن معنى الكلام لهم كذا ولهم كذا، فحمل: (حُورٌ) على المعنى كأنه قيل: ولهم حور، ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر (٣):
إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج ............
فحمل ومشجج على المعنى لأن المعنى إلا رواكد ومشجج. ذكر ذلك المبرد والزجاج وأبو علي (٤).
وأما الخفض فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن تتبع آخر الكلام أوله وان لم يحسن في آخره ما حسن في أوله، وأنشد:
стр. 11610
إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا (١)
والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحواجب لأن المعنى يعرف، قال: وكان ينبغي لمن رفع -لأنهن لا يطاف بهن- أن يرفع ﴿فَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾. لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها وفي ذلك بيان أن الخفض وجه الكلام (٢)، يعني أن الحور أَتبع في الخفض اللحم والفاكهة، فلما خفضا كذلك خفض الحور، وبين الزجاج هذا الوجه فقال: وحور مخفوض على غير ما ذهب إليه من ظن أن معنى الخفض فيه أنه يطاف به ولا يطاف بالحور، ولكن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير وينعمون بحور عين (٣). وهذا معنى قول الفراء وإن لم يحسن في آخره ما حسن في أوله يعني لا يحسن الطوف في الحور كما حسن في الكأس، ولكن يعطف عليه في الظاهر؛ لأن المعنى يعرف كما عطف الشاعر العيون على الحواجب وأراد وكحلن العيون كذلك هاهنا يراد ويكرمون، أو وينعمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.
стр. 11611
وقال أبو علي: وجه الجر أن تحمله على قوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ التقدير: في جنات النعيم، وفي حور عين أي في مقام به حور عين أو معاشرة حور عين، ثم حذف المضاف (١).
وتفسير اللؤلؤ المكنون سبق في سورة الطور (٢) [آية: ٢٤] .
٢٤ - قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذكر أبو إسحاق في نصب جزاء قولين: أحدهما: أنه مصدر ودل ما قبله على يجزون.
والثاني: أنه مفعول له، المعنى: يفعل ذلك بهم لجزاء أعمالهم (٣). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ قال المبرد: اللغو ما يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى (٤). والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع.
٢٥ - [قوله: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾] (٥) يقال أثَّمه إذا قال أثمت، وللتأثيم هاهنا معنيان:
أحدهما: أن بعضهم لا يقولون لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا (٦).
الثاني: ولا يأتون تأثيمًا أي ما هو سبب التأثيم من فعل أو قول قبيح (٧)، وهذا معنى قول أبي عبيدة، قال في هذه الآية: مجازها مجاز: أكلت خبزًا ولبنًا، واللبن لا يؤكل فجاز إذا كان معها شيء يؤكل، والتأثيم
стр. 11612
لا يسمع إنما يسمع اللغو (١)، وهذا معني قول الكلبي، يقول: ولا إثم فيها (٢).
٢٦ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ وانتصب سلامًا على النعت لقوله: قيلا، والسلام الآخر بدل الثاني، والمعنى: إلا قيلا يسلم فيه من اللغو والإثم، وإن شئت جعلت القيل يعمل في السلام الأول والآخر بدل، والمعنى: إلا أنهم يقولون الخير، هذا قول الأخفش والفراء والزجاج (٣).
قال عطاء عن ابن عباس: يريد: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٤)، وزاد الكلبي عنه: وتحييهم الملائكة بالسلام ويرسل إليهم ربهم بالسلام (٥).
وقال مقاتل: يعني كثرة السلام من الملائكة (٦).
فالمفسرون: جعلوا السلام هاهنا بمعنى التحية والوجه ما قال الزجاج من أن المراد بالسلام أن قولهم يسلم من اللغو (٧)، ويدل على ذلك أن مسموع أهل الجنة لا يكون مقصورًا على التحية فقط، بل يسمعون
стр. 11613
غيرها مما لا لغو فيه ولا تأثيم (١).
٢٧ - ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ وقد تقدم تفسيره.
ثم ذكر منازلهم فقال:
٢٨ - قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ تفسير السدر قد تقدم في سورتين (٢).
والمخضود المنزوع الشوك في قول جميع أهل اللغة، والخضد: كسر (٣) الشيء اللين، وإذا كسرت عودًا لينًا ولم تبنه قلت: خضدته فاتخضد (٤)، ومعنى مخضود. خضد شوكه، أي قطع فلا شوك فيه.
قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبو الأحوص، وقسامة بن زهير (٥):
стр. 11614
خضد شوكه فلا شوك فيه (١)، يدل عليه ما روي عن سليم (٢) ابن عامر (٣) قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذى (٤) صاحبها، فقال رسول الله ﷺ : "وما هي؟ " قال: السدر، فقال رسول الله: "أو ليس يقول (في سدر مخضود) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، تنفتق الثمرة عن اثنتين وسبعين لونًا من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر" (٥).
وذكر جماعة من المفسرين في تفسير المخضود: أنه الموقر حملا (٦)، ولا وجه له، وكأنهم ذهبوا إلى أن الله تعالى لما خضد شوكه أوقره بالحمل كما هو في الخبر الذي ذكرنا, ولا يكون ذلك مما يفسر به المخضود، وأما ذكر من أنه لا يعقر اليد ولا يرد اليد منه شوك، ولا أذى
стр. 11615
فيه فكل هذا من معاني المخضود لا من تفسيره (١).
٢٩ - قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قال الليث: الطلح شجر أم غيلان، له شوك أحجن (٢)، وهو من أعظم العضاه شوكًا وأصلبه عودًا وأجوده صمغًا، والواحدة طلحة، وهذا قول جميع أهل اللغة في الطلح (٣). والمفسرون كلهم قالوا في الطلح إنه الموز (٤).
قال أبو إسحاق: جائز أن يكون يعني به شجر أم غيلان, لأن له نورًا طيب الرائحة جدًا، فخوطبوا ووعدوا ما يحبون مثله إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على سائر ما في الدنيا (٥)، ويؤكد هذا ما ذكر في التفسير أنه ليس شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسامي.
وقال مجاهد: أعجبهم طلح وج (٦) وحسنه، فقيل لهم: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٧).
стр. 11616
وتفسير المنضود قد تقدم (١)، قال الكلبي حمله بعضه على بعض (٢).
قال ابن قتيبة: المنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره، أو بالورق والحمل، فليست له سوق بارزة كما قال مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود وشجرها نضيد من أسفلها إلى أعلاها (٣).
٣٠ - قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي: دائم تام باق لا يزول ولا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا، هذاَ قول ابن عباس ومقاتل والمفسرين (٤).
قال أبو عبيدة (٥): والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع: ممدود.
قال لبيد (٦):
غلب العزاء وكان غير مغلب ... دهر طويل دائم ممدود
وأما ما ذكر بعضهم في هذا الظل أنه مسيرة سبعين سنة ومائة سنة، فهو وهم، وذلك أن ظل الجنة أمد من أن يحد، والجنة كلها ظل لا شمس معه (٧).
стр. 11617
٣١ - قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ السكب: صب الماء، يقال. سكبت الماء فهو مسكوب، وانسكب الماء وسكب فهو منسكب ساكب سكوبًا، فالسكب واقع والسكوب مطاوع (١).
قال الكلبي: مصبوب يجري الليل والنهار لا ينقطع عنهم (٢)، وبيانه ما قال أبو إسحاق: أنه ماء لا يتعبون فيه ينسكب لهم كيف يحبون (٣).
قال عطاء: يريد بحارًا حصباؤها الياقوت الأحمر، وحمأها المسك الأذفر، وترابها الكافور (٤).
٣٢ - ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ يعني ألوان فواكه الجنة.
قوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت (٥). وهذا كما روي أن النبي ﷺ قال: "لا يقطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله
стр. 11618
مكانها ضعفين" (١)
﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: ولا يمتنع من أحد أراد أخذها (٢). وقال الكلبي: لا مقطوعة تنقطع في حين ولا ممنوعة وهي التي ينظر إليها ولا تذاق (٣).
قال ابن قتيبة: يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا فينظر الناظر إلى ثمارها ولا يصل إليها (٤)، ويجوز أن يكون المعنى أنها غير مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن يدل على هذا ما روي عن ابن شوذب (٥) أنه قال: مررت بالحجاج ابن فرافصة (٦) وهو واقف على أصحاب الفاكهة، فقلت ما يقيمك هاهنا؟
стр. 11619
قال: انظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة (١).
٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش جمع فراش، وهو ما ينام عليه، مرفوعة على الأسرة وهو قول علي ﵁، ومقاتل قال: فوق السرر (٢)، وجماعة المفسرين قالوا: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة أي عالية (٣)، ويدل على صحة هذا التفسير ما روى الخدري عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: "ارتفاعها كما بين السماء والأرض" (٤).
وروى القاسم عن أبي أمامة (٥) قال: "لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لهوى سبعين خريفًا" (٦).
وقال أهل المعاني (٧): المراد بالفرش هاهنا: النساء، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والإزار واللباس، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 11620
ومعنى ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أنهن رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا، فهن مرتفعات في عقولهن وحسنهن وكمالهن، واحتجوا على هذا القول بقوله:
٣٥ - ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ فعادت الكناية إليهن ولم يجر لهن ذكر، فبان أن المراد بالفرش النسوة.
وعلى القول الأول كنى عنهن وإن لم يجر لهن ذكر؛ لأن الفرش محل النساء فاكتفى بذكر الفرش (١).
قال قتادة، وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقًا جديدًا (٢). وقال ابن عباس: يريد النساء الآدميات (٣)، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط يقول خلقناهن بعد الهرم والكبر وبعد الخلق الأول في الدنيا (٤).
ويؤكد هذا التفسير ما روى أنس أن النبي ﷺ قال: "هن عجائزكن العمش الرمص" (٥)، وذكر مقاتل قولاً آخر هو اختيار الزجاج، وهو أنه يعني الحور العين التي ذكرهن. قيل: أنشأهن الله لأوليائه لم يقع عليهم ولادة (٦).
٣٧ - ثم نعتهن فقال: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الأعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها المتحببة
стр. 11621
إليه، وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعل (١)، وقال المبرد: العاشقة لزوجها، وأنشد (٢):
وفي الخروج عروب غير فاحشةٍ ... ريا الروادف يغشى دونها البصر
وفيه قراءتان التثقيل والتخفيف (٣) وهما جائزان مطردان في جمع فعول.
وذكر المفسرون في تفسير العرب: العواشق المتحببات الغنجات (٤) المتعشقات الغلمات الشَّكِلات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم (٥).
قوله تعالي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي أمثالاً. يقال: هما تربان (٦) والمفسرون يقولون أقرانًا مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين (٧).
стр. 11622
٣٨ - قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين (١). وقال مقاتل: يقول: هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين (٢)، وهو قول الكلبي. قال المفسرون: الحور العين للسابقين والعرب الأتراب لأصحاب اليمين (٣).
ثم أخبر عنهم فقال:
٣٩ - قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هم ثلة من المؤمنين الذين كانوا قبل مؤمني هذه الأمة.
٤٠ - ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من مؤمني هذه الأمة فمن آدم إلينا ثلة ومنا ثلة (٤).
وهذا يروى مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله" (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، ومقاتل.
قال مقاتل: فأمة محمد ﷺ أكثر أهل الجنة، واحتج بما روي أن النبي ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفًّا وأربعون صفًّا من سائر الناس" (٧).
стр. 11623
ومذهب جماعة من المفسرين أن الثلتين جميعًا من هذه الأمة ثلة من سابقيها وثلة من متأخريها، وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، والضحاك (١) ويدلس على هذا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال في الثلتين: "هما جميعًا من أمتي" (٢).
وهذا القول هو اختيار أبي إسحاق، قال: معناه جماعة ممن تبع النبي ﷺ وآمن به وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده (٣).
وذكر الفراء في ارتفاع قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ وجهين:
أحدهما: الاستئناف على معنى: هم ثلة.
والآخر: أن تكون مرفوعة بقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ويكون المعنى لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء، والمعنى: هم فرقتان، فرقة من هؤلاء، وفرقة من هؤلاء (٤).
٤١ - ثم ذكر أصحاب الشمال ومنازلهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الذين يعطون كتبهم بشمائلهم (٥).
стр. 11624
٤٢ - ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي في حر النار، وذكرنا تفسير السموم عند قوله: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] (١)، وقوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].
وقوله: ﴿وَحَمِيمٍ﴾ قال الكلبي: يعني ماءً حارًّا شديدًا يغلي (٢).
٤٣ - وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ اليحموم يفعول من الأحم، وهو الأسود، والعرب تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد (٣).
وأنشد أبو عبيدة فقال:
دَعْ ذا فَكَمْ مِنْ حالكٍ يَحْموم (٤)
وكان للنعمان بن المنذر (٥) فرس شديد السواد يسمى يحمومًا، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله:
стр. 11625
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق (١)
والمفسرون جميعًا قالوا في اليحموم أنه دخان جهنم (٢)، والمعنى أنهم في ظل من دخان جهنم.
ثم نعت ذلك الظل فقال:
٤٤ - ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ قال أبو عبيدة: جره على الأول (٣).
قال الفراء: وجه الكلام أن يكون خفضًا متبغا لما قبله، كقوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وكذلك قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٣، ٣٣] قال: وقد يستأنف بلا فيرفع كما قال (٤):
وتريك وجهًا كالصحيفة (٥) لا ... ظمآنُ مختلجٌ ولا جَهِمُ
قال ابن عباس: يريد لا بارد المدخل ولا كريم المنظر (٦).