← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

تفسير سورة التحريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي ﷺ على (١) نفسه، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي ﷺ عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي ﷺ -وقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك (٢) النبي ﷺ فقولي (٣): ما هذا الريح نجدها منك؟ أكلت مغافير (٤)؟ فإنه يقول: لا. سقتني حفصة عسلًا. فقولي: جرست نحلة العرفط (٥). فدخل النبي ﷺ على

стр. 11902

امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا. فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية (١). وهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة (٢)، ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٣). وفي تفسير عطاء الخراساني أن التي كانت تسقي رسول الله العسل أم سلمة (٤). وقال المقاتلان: ... رسول الله ﷺ في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ... النبي ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة،

стр. 11903

فلما رأى النبي ﷺ في وجه ... والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا. فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي ﷺ حتى حلف أن لا يصيبها (١)، فأنزل الله هذه الآية (٢). وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت (٣) عائشة -وعائشة كانت عند أمها- وعلمت حفصة بذلك، فأخبرت عائشة (٤) ... عائشة: في بيتي، وفي يومي؟ فأرضا رسول الله ﷺ بأن حلف لها أن لا يصيبها (٥). وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس (٦).

стр. 11904

قال مسروق: حرم رسول الله ﷺ أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية. فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١). وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (٢). قال صاحب النظم: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله نهي، وتحريم الحلال (٣) مكروه، ولا يحرم الحلال إلا بتحريم الله (٤). قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة (٥). قوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي

стр. 11905

مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ قال صاحب النظم: ﴿تَبْتَغِي﴾ حال خرجت مخرج المضارع. والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] (٢). وقال غيره: قد أوجب، وهو اختيار ابن قتيبة (٣). وذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٠]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي تحليلها بالكفارة. و ﴿تَحِلَّةَ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت (٤)، وتفعلة من مصادر تفعل كالتوصية، والتسمية. ومن المضاعف التعزة والتغرة. وتحلة القسم تكون بمعنيين: أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية. والآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل. وهذا هو الأكثر في

стр. 11906

الاستعمال (١)، كما روي في الحديث: "لن يلج النار إلا تحلة القسم" (٢)، يعني زمانًا يسيرًا. وذلك أن القسم يتحلل بما يقع عليه الاسم كمن حلف أنه لا يأكل الخبز، يخرج عن يمينه بأدنى ما يقع عليه الاسم، وكذلك في كل شيء، ومنه قول الشاعر (٣): أرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ... بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم وذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي ﷺ حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين. قال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: ٨٩]. والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين (٤). روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين (٥). والحكم في

стр. 11907

هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ولم ينو طلاقًا ولا ظهارًا كان هذا اللفظ موجبًا لكفارة اليمين، وكذلك لو قال لأمته وجب كفارة يمين (١)، وكذلك لو قال لنسائه وجواريه: أنتن عليّ حرام. كفته كفارة واحدة. نص عليه الشافعي ﵀ (٢). فأما إذا حرم على نفسه طعامًا أو شيئًا آخر سوى الفرج لم يلزمه بذلك كفارة (٣)، والآية محمولة على تحريم الجارية، أو على تحريم العسل مع اليمين، لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف (٤)، ولو حرم على نفسه ركوب دابة أو لبس ثوب لم يجب

стр. 11908

عليه كفارة إذا لم يحلف. قال المقاتلان: أمر الله نبيه ﷺ أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة (١). قال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: وليكم وناصركم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما فرض من حكمه. ٣ - قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال أبو إسحاق: موضع (إذ) نصب كأنه قال: واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا (٣)، يعني ما أسر إلى حفصة في تحريمه الجارية على نفسه واستكتمها ذلك (٤)، وقال جماعة من المفسرين: إن النبي ﷺ لما رأى المغيرة والكراهية في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين. تحريم الأمة على نفسه، وبشرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر. وهذا قول

стр. 11909

ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير (١) ومقاتل (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أخبرت به عائشة (٣) ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فأخبر (٤) النبي ﷺ حفصة عند ذلك ببعض (٥) ما قالت، وهو قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ قال ابن عباس: عرف حفصة بعض ما أخبرت به عائشة: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فلم يعرفه إياها على وجه التكريم والإغضاء (٦). وقال مقاتل: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة أن أبا بكر وعمر يملكان (٧). فالذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر. ونحو هذا ذكر الزجاج (٨).

стр. 11910

وروى أبو بكر ابن عيالش الكلبي (١) قال: كره أن ينشر في الناس. يعني ذكر الخلافة. وروى عن الكلبي بخلاف هذا قال: عرفها بعض حديثها لعائشة من شأن أبي بكر وعمر، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وهو تحريم الجارية؛ لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك. يعني أنه ﷺ أنكر عليها إفشاء الخلافة وأعرض عن إفشاء التحريم لقلة مبالاته بذلك (٢). وقرئ (عرَفَ) مخففًا (٣)، ومعناه جازى عليه، ولا يجوز أن يكون (عرف) من العلم؛ لأن النبي ﷺ إذا أظهره الله على ما كانت أفشته علم جميع ذلك، ولم يجز أن يعلم من ذلك مع إظهار الله إياه بعضه، ولكن يعلم جميعه، فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه علمت أنه بمعنى المجازاة،

стр. 11911

وهذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان وأعرف لأهل الإساءة، أي: لا يخفى عليّ ذلك وأغضي عن بعض، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: يجازيهم، وهو أعلم (١) بما في قلوب الخلق أجمعين. ومثله قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، أي: يرى جزاءه، وليس المعنى يرى ما عمل. وكان مما جازى حفصة تطليقه إياها؛ هذا كلام أبي علي (٢). وهو كله قول الفراء والزجاج (٣) واختيار أبي عبيد قراءة العامة لقوله: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ يعني لم يعرفها إياه، ولو كان عرف مخففًا لكان ضده وأنكر بعضًا (٤).

стр. 11912

٤ - ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي من التعاون على النبي ﷺ بالإيذاء: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت (١) عن الحق، وهما أنهما أحبا ما ذكره النبي ﷺ من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما (٢)، وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيرًا لكما (٣). والمراد بالجمع في قوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ التثنية. قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين (٤). وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ (٥) [الأنعام: ١١٣].

стр. 11913

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي ﷺ بالمعصية (١) والإيذاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه. قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له (٢). وقال مقاتل: ولي له في العون (٣)، يعني يتولى نصرته. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وليه، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين (٤) للنبي ﷺ على من عاداه، وناصرين له. وهو قول المقاتلين وعكرمة (٥). وروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" (٦). وقال المسيب بن شريك (٧): هو أبو بكر (٨). وقال سعيد بن جبير: هو عمر (٩).

стр. 11914

وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين (١). ولفظ الآية على ما قال. ونحو ذلك قال الكلبي: هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين (٢). قال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر (٣). وقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر (٤)، هذا كلامهما. وقد حصل أن قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم. وقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء (٥). وعلى هذا معنى الآية: أن الأنبياء يوالونه وهم له أولياء، كما أن الله تعالى وليه وجبريل وليه. أي فلا يضره معاداة من عاداه. وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي ﷺ فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا

стр. 11915

يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله (١). قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ظَهِيرٌ﴾ قال يعني: أعوان النبي ﷺ (٢). قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع (٣) كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير (٤). قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١٠ - ١١]، فدل عود الذكر

стр. 11916

مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة (١). ٥ - ثم خوف نساءه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية. قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب. والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب (٢). والمعنى: واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، والله تعالى كان عالمًا أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛ تخويفًا لهن؛ وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، والأكثر في قوله: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام (٣). ولإدغام القاف في الكاف حسن , لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن , لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات. وهو رواية أبي نشيط (٤) عن قالون، وقراءة أبي جعفر، وكذلك

стр. 11917

القاف والكاف يكونان لقربهما من الحلق في حكم حروفه. والإدغام في حروف الحلق ليس بكثير، وكذلك فيما أشبههن (١). ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال المفسرون: صائمات. وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٢) [التوبة: ١١٢]. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه (٣) كان، فعادت كما كانت غير ذات زوج قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك (٤)، ولا يوصف به الرجل إلا أن يقال: ولد الثيبين كما يقال: ولد البكرين. وجاء في الخبر: "الثيبان يرجمان" (٥). قال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل

стр. 11918

أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا (١). قوله تعالى: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ يريد عذارى. ٦ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) قال ابن عباس: أي بالانتهاء عما نهاكم الله عنه، والعمل بطاعته (٣)، ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ قال عمر: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ قال: "تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمركم الله به" (٤). ونحو هذا قال جماعة المفسرين. قال مقاتل بن حيان: يعني أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه وأهله وعبيده وإمائه في تأديبهم وتعليمهم (٥). وقال علي ﵁ (٦) في هذه الآية: علموهم وأدبوهم (٧).

стр. 11919

وقال الحسن: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته (١). وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله (٢). قال ابن عمر لرجل: أدب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك (٣)، كيف أدبته؟ وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطاعتك (٤). وقال أبو ذر: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: "أخف أهلك ولا ترفع عنهم عطاءك" (٥). وقال أبو إسحاق: المعنى: خذوا أنفسكم وأهليكم بما يقرب من الله، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي (٦). وقال مقاتل: قوا أنفسكم وأهليكم المعاصي بالأدب الصالح النار في الآخرة (٧). وهو قوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقد سبق تفسيره في سورة البقرة (٨).

стр. 11920

قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد خزنة النار تسعة عشر ملكًا (١)، ﴿غِلَاظٌ﴾ أي على أهل النار كقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، ويجوز أن يكون معنى الغلظ هاهنا ضخامة أجسامهم. قال (٢) ابن عباس: ما بين منكبيه مسيرة سنة. ونحوه قال مقاتل (٣). وقوله: ﴿شِدَادٌ﴾ أي أقوياء. قالا: وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم (٤). ٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال أبو إسحاق: معناه توبة بالغة في (٥) النصح (٦). وقال الفراء: ﴿نَصُوحًا﴾ من صفة التوبة، ومعناه يحدث نفسه إذا تاب

стр. 11921

من ذلك الذنب ألا يعود إليه أبدًا. هذا كلامه (١). والمعنى: توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه. وهذا معنى قول قتادة وسعيد بن المسيب قالا (٢): هي الصادقة الناصحة، ينصحون بها أنفسهم (٣). وروي عن عاصم (نصوحًا) بضم النون (٤). قال الفراء: أراد المصدر مثل القعود. ونحو ذلك قال المبرد (٥) والزجاج. يقال: نصحت لهم نصحًا ونصاحة ونصوحًا (٦)، ويحتمل المصدر هاهنا معنيين: أحدهما: أنه أراد توبة ناصحة، يسمى الفاعل باسم المصدر. ويجوز أن يريد به توبة ذات نصوح. وقال أبو زيد نصحته: صدقته، وتوبة نصوح: صادقة (٧). وأما قول المفسرين فإنهم كلهم على أن التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها بعدها الذنب. قال عمر بن الخطاب ﵁: التوبة النصوح أن يجتنب الرجل عمل السوء ثم لا يعود إليه أبدًا (٨).

стр. 11922

وقال مقاتل بن حيان (١): التوبة النصوح أن يتوب العبد من ذنبه صادقًا في ذلك لا يريد مراجعته ولا يعود فيه (٢). ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الله الجنة (٣)، وهو قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: لا يعذبهم الله بدخول النار، قاله مقاتل (٤). وذكرنا تفسير الإخزاء عند قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] (٥). وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ مفسر في سورة الحديد. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. وهذا معنى قول ابن عباس: لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين (٦).

стр. 11923

قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: يريد: من إطفاء نور المنافقين وإثبات نور المؤمنين. ٩ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ مفسر في سورة براءة (١). ١٠ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ قال صاحب النظم: نظمه: ضرب الله امرأة نوحٍ وامرأة لوط للذين كفروا مثلًا. ثم بين حالهما فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحًا ولوطًا. وقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط إذا نزل به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم قومه أنه قد نزل به ضيف، وإذا نزل به بالنهار (٢) دخنت (٣). وروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما

стр. 11924

في الدين (١). وقال عكرمة: فخانتاهما في الدين (٢). وروى أن ابن عباس سئل عن قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ليس بالزنا، ولكن كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف (٣). وقال مقاتل: كانتا مخالفتين لدينهما (٤). وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان (٥). هذا ما ذكره المفسرون في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، وقد حصل من هذا أن خيانتهما لم تكن في بغاء، لأن الأنبياء ﵈ لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت في الدين (٦). قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لم يدفعا عنهما عذاب الله مع كفرهما. وقال مقاتل والكلبي (٧): يخون عائشة وحفصة في تظاهرهما على الرسول. أي إن عصيا ربهما لم يغن محمد عنهما من الله شيئاً (٨).

стр. 11925

وقال صاحب النظم: أي أن من كان كافرًا وكان زوجه ووليه مؤمنًا لم ينفع الكافر إيمان وليه ولا (١) زوجه، ولا الصالح صلاح غيره (٢). قال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأنبياء لا يغنون عمن عمل بالمعاصي شيئًا (٣). وقال المفسرون: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره (٤). ١١ - ثم أخبر أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعًا (٥)، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة. فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ومعنى عندك أي لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو الجنة (٦). قال المفسرون: كانت تعذب في الله لأجل إيمانها، فسألت الله بيتًا في الجنة، فاستجاب الله لها، فنظرت إلى

стр. 11926

بيتها في الجنة قبل موتها (١). قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ قال مقاتل: وعمله الشرك (٢). وروى أبو صالح (٣) عن ابن عباس: ﴿وَعَمَلِهِ﴾ قال: جماعه (٤). ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: المشركين أهل مصر (٥). قال صاحب النظم: وتأويل الآية أن من كان مؤمنًا وعمل صالحًا لم يضره كفر حميمه ووليه وفساده (٦). قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض على الله وأبعدهم من الله. فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا، أن الله حكم عدل لا يؤاخذ عبدًا إلا بذنبه (٧). وقال مقاتل: يقول لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية. وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم (٨). ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ وقد تقدم

стр. 11927

تفسيره في سورة الأنبياء (١). قال مقاتل: أحصنت فرجها عن الفواحش، وإنما ذكرت بذلك لأنها قذفت بالزنا (٢). وقال الكلبي: يعني فرجها ثوبها (٣). قال الزجاج: والعرب تقول للعفيف: هو نقي الثوب وهو طيب الحُجْزة. تريد أنه عفيف، وأنشد للنابغة (٤): رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب ونحو هذا قال الفراء، وهو مستقصى فيما تقدم (٥)، والدليل على القول الثاني قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي في فرج ثوبها (٦). قال مقاتل: يعني في الجيب، وذلك أن جبريل مد حبيب درعها بإصبعه ثم نفخ في جيبها، فحملت (٧). وهذا قول جماعة المفسرين (٨). ومن حمل الفرج على حقيقته في هذه الآية جعل الكناية في قوله: (فيه) من غير

стр. 11928

مذكور، وهو حبيب الدرع (١). قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ قال مقاتل: يعني بعيسى أنه نبي الله (٢)، ويدل على هذا قراءة الحسن (بكلمةِ ربها) على الواحد (٣). وعيسى سمي كلمة الله في مواضع من القرآن (٤)، وجمعت تلك الكلمة هاهنا فذكرت باسم الجمع. وقال أبو علي الفارسي: الكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه. قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وكأن المعنى: صدقت بالشرائع التي ابتلي بها إبراهيم فأخذت بها وصدقت الكتاب فلم تكذب بها، وإنما سميت الشرائع كلمات كما سميت الشرائع (٥) التي ابتلي بها إبراهيم كلمات في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقد مر. وهذا الذي ذكرناه قول أبي علي (٦). وهو معنى قول ابن عباس بكلمات ربها التي جاء بها جبريل. وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قال: التي أنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى (٧).

стр. 11929

وقرئ، (وكتابِهِ) على الواحد (١). والمراد به الكثرة (٢) والشياع أيضًا. وقد يجيء ذلك في الأسماء المضافة كما جاء في المفردة التي بالألف واللام، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فكما أن المراد بنعمة الله الكثرة، كذلك في قوله: (وكتابه) (٣). قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ قال ابن عباس: من الطائعين لله (٤). قال مقاتل: من المطيعين لربها (٥). وقال عطاء: من المصلين (٦). قيل: كانت تصلي بين المغرب والعشاء. وقال قتادة: كانت من القوم المطيعين (٧). ولهذا قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ دون القانتات: لأنه أراد القوم، وهو عام، كقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ومعنى من القوم القانتين أي من الذين (٨) هم مقيمون على طاعة الله. ويجوز أن يراد قومها، وذلك أن رهطها الذين كانت منهم

стр. 11930

مريم مطيعون، وكانوا أهل بيت من الله بمكان (١)

стр. 11931

سورة الملك

стр. 11932

تفسير سورة الملك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - اختلفوا في معنى ﴿الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ هاهنا. فروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشي إلا مات، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء (١) فوق الحمار ودون البغل، لا يمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيّ (٢). وقال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة، والحياة (٣) نفخ الروح (٤). وقال قتادة: يعني موت الإنسان أذل الله به ابن آدم، والحياة حياته في الدنيا (٥). وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في

стр. 11933

الآخرة دار الحيوان (١). قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ مضى الكلام في معنى ابتلاء الله في مواضع (٢). والمعنى: لنعاملكم معاملة المختبر، فيرى من يعتبر بهما، فيعلم قدرة الله الذي قدر على خلق ضدين الحياة والموت، فيحذر مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، وشمتوي فيه الفقير والغني والملوك والسوقة، ويعلم أن خلفهما قاهر الجميع (٣). وهذا المعنى في ليبلوكم على قول الكلبي، وأما على قول قتادة (٤) فقال أبو إسحاق: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٥): خلق الحياة ليختبركم فيها، وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم بأعمالكم (٦). وعلى هذا المعنى: خلق الموت ليبعثكم (٧) للجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ تتعلق بخلق الحياة دون خلق الموت؛ لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما

стр. 11934

خلق الموت (١) له، هذا معنى ما ذكره أبو إسحاق. وأما على قول مقاتل فالمعنى: ليبلوكم فيما بين كونكم مواتًا نطفًا وعلقًا، وبين منتهى الحياة، والمعنى: خلقكم أمواتًا أولاً ثم خلق لكم الحياة ليرى أعمالكم الذي تستحقون به الجزاء (٢). قال صاحب النظم: معنى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ ليكون ما قدر عليكم من الخير والشر فتجازون به؛ لأن (٣) الجزاء بما (٤) كان وما يكون من الخلق. وسمي وقوع ذلك الذي قدر علينا بلوى منه؛ تحذيرًا وتخويفًا. وعلى ما رواه عطاء في تفسير الموت والحياة يتعلق قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ بخلق الموت والحياة على الوجه الذي ذكرنا في تفسير الكلبي. قال الفراء والزجاج: المتعلق بأيكم مضمر، لأن المعنى والتقدير: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً، وارتفعت (أي) بالابتداء ولا (٥) يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها على أصل الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: لأعلم أيكم أفضل. كان المعنى: لأعلم أزيد أفضل أم عمرو. وأعلم لا يعمل فيما بعد الألف، وكذلك لا يعمل في أي، لأن المعنى واحد (٦)، وهذا مما سبق الكلام فيه. ومثل هذا قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] يريد: سلهم ثم انظر أيهم يكفل بذلك. والكلام في إعراب أي فيما

стр. 11935

ذكرنا (١). ومعنى قوله: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال أبو قتادة (٢): سألت رسول الله ﷺ عنه فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلاً (٣). ثم قال: أتمكم عقلاً، أشدكم لله خوفًا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرًا" (٤). ونحو هذا قال قتادة: أتم عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله (٥).

стр. 11936

وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي ﷺ في حديث أبي قتادة (١). وروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده. ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض. وقال الكلبي: كل سماء مقببة على الأخرى يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة (٣). قال الزجاج: و ﴿طِبَاقًا﴾ مصدر، أي: طوبقت طباقًا (٤). قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ قال مقاتل: ما ترى يا ابن آدم في خلق السموات من عيب (٥). وقال قتادة: ما ترى خللًا واختلافًا (٦). وقال السدي: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي من اختلاف وعيب (٧)، يقول الناظر:

стр. 11937

لو كان كذا كان أحسن (١). قال الكلبي: هو الذي يفوت بعضه بعضًا (٢). وتقرأ (تُفوُّت) (٣) قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل (تصعر، تصاعر) (٤) وتعهدته، وتعاهدته. قال: والتفاوت: الاختلاف، يريد: هل ترى في خلقه من اختلاف؛ ونحو هذا قال الزجاج سواء (٥). قال ابن قتيبة: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئًا، فيقع الخلل فيهن، ولكنه متصل بعضه ببعض (٦). قال أبو الحسن الأخفش: تفاوت أجود، لأنهم يقولون: تفاوت

стр. 11938

الأمر، ولا يكادون يقولون: تَفَوَّت الأمر (١). واختار أبو عبيد (٢): (تفوت)، قال: يقال: تفوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث (أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله) (٣). قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قال مقاتل (٤): اردد البصر. وهذا معنى قول الفراء. قال إنما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ لأنه قال: ﴿مَّا تَرَى﴾ (٥). قوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ قال المفسرون: من فروج وصدوع وشقوق وفتوق وخروق. كل هذا من ألفاظهم (٦). ومنه التفطر والانفطار، وقد مر (٧).

стр. 11939

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد مرة بعد مرة (١). ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال مقاتل: صاغرًا (٢)؛ وهو قول الفراء والزجاج (٣). وقال ابن قتيبة: مبعدًا من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته (٤). وقال المبرد: الخاسئ: المبعد المصغر -والله أعلم- كالذي قصد ففزع (٥) عجزًا وصغرًا. وقد أفصح ابن عباس هذا فقال: الخاسئ: الذي لم ير ما يهوى (٦). ومضى تفسير الخاسئ في سورة البقرة (٧). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو كليل قال منقطع لا يرى عيبًا ولا فطورًا (٨). وقال الكلبي: الحسير: المعي (٩). قال الليث: الحسر والحسور: الإعياء. تقول: حسرت الدابة والعين، وحسرها بعد الشيء إذا حدقت

стр. 11940

نحوه. قال رؤبة (١): يحسر طرف عينه فضاؤه فحاصل (٢) هذا أن الحسير يجوز أن يكون مفعولًا من حسره بعد الشيء كما ذكر رؤبة، ويجوز أن يكون فاعلًا من الحسور الذي هو الإعياء؛ وهو قول الفراء: وهو كليل كما يحسر الإبل إذا قومت عن هزال وكلال، فهي (٣) الحسرى واحدها حسير (٤). قال أبو إسحاق: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا (٥). والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاد بصره في السماء حتى يكل ويعيا لم ير فيها فطورًا ولا تفاوتًا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال المفسرون: هي الأدنى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ واحدها مصباح وهو السراج. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، وهو السراج. ثم يسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته. قال الليث: والمصابيح من النجوم أعلام الكواكب (٦). قال ابن عباس: بنجوم لها نور (٧).
следующие страницы →