← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11936–11975 · переход к 11941.

стр. 11936

وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي ﷺ في حديث أبي قتادة (١). وروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده. ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض. وقال الكلبي: كل سماء مقببة على الأخرى يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة (٣). قال الزجاج: و ﴿طِبَاقًا﴾ مصدر، أي: طوبقت طباقًا (٤). قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ قال مقاتل: ما ترى يا ابن آدم في خلق السموات من عيب (٥). وقال قتادة: ما ترى خللًا واختلافًا (٦). وقال السدي: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي من اختلاف وعيب (٧)، يقول الناظر:

стр. 11937

لو كان كذا كان أحسن (١). قال الكلبي: هو الذي يفوت بعضه بعضًا (٢). وتقرأ (تُفوُّت) (٣) قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل (تصعر، تصاعر) (٤) وتعهدته، وتعاهدته. قال: والتفاوت: الاختلاف، يريد: هل ترى في خلقه من اختلاف؛ ونحو هذا قال الزجاج سواء (٥). قال ابن قتيبة: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئًا، فيقع الخلل فيهن، ولكنه متصل بعضه ببعض (٦). قال أبو الحسن الأخفش: تفاوت أجود، لأنهم يقولون: تفاوت

стр. 11938

الأمر، ولا يكادون يقولون: تَفَوَّت الأمر (١). واختار أبو عبيد (٢): (تفوت)، قال: يقال: تفوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث (أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله) (٣). قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قال مقاتل (٤): اردد البصر. وهذا معنى قول الفراء. قال إنما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ لأنه قال: ﴿مَّا تَرَى﴾ (٥). قوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ قال المفسرون: من فروج وصدوع وشقوق وفتوق وخروق. كل هذا من ألفاظهم (٦). ومنه التفطر والانفطار، وقد مر (٧).

стр. 11939

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد مرة بعد مرة (١). ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال مقاتل: صاغرًا (٢)؛ وهو قول الفراء والزجاج (٣). وقال ابن قتيبة: مبعدًا من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته (٤). وقال المبرد: الخاسئ: المبعد المصغر -والله أعلم- كالذي قصد ففزع (٥) عجزًا وصغرًا. وقد أفصح ابن عباس هذا فقال: الخاسئ: الذي لم ير ما يهوى (٦). ومضى تفسير الخاسئ في سورة البقرة (٧). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو كليل قال منقطع لا يرى عيبًا ولا فطورًا (٨). وقال الكلبي: الحسير: المعي (٩). قال الليث: الحسر والحسور: الإعياء. تقول: حسرت الدابة والعين، وحسرها بعد الشيء إذا حدقت

стр. 11940

نحوه. قال رؤبة (١): يحسر طرف عينه فضاؤه فحاصل (٢) هذا أن الحسير يجوز أن يكون مفعولًا من حسره بعد الشيء كما ذكر رؤبة، ويجوز أن يكون فاعلًا من الحسور الذي هو الإعياء؛ وهو قول الفراء: وهو كليل كما يحسر الإبل إذا قومت عن هزال وكلال، فهي (٣) الحسرى واحدها حسير (٤). قال أبو إسحاق: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا (٥). والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاد بصره في السماء حتى يكل ويعيا لم ير فيها فطورًا ولا تفاوتًا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال المفسرون: هي الأدنى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ واحدها مصباح وهو السراج. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، وهو السراج. ثم يسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته. قال الليث: والمصابيح من النجوم أعلام الكواكب (٦). قال ابن عباس: بنجوم لها نور (٧).

стр. 11941

وقال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين (١)؛ فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع (٢). قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، فالقول إنها إذا جعلت رجومًا (٣) لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين كما ينفصل من السرج وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها (٤). وهذا كما قال بعض أهل المعاني: ينفصل من الكوكب شهاب نار (٥)، وهذا كقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية [الحجر: ١٦]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ...﴾ الآية [الصافات: ٦]. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾، أي: في الآخرة ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، كقوله: مفتولة وفتيل (٦). ٧ - قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال مقاتل: صوتًا مثل أول

стр. 11942

صوت الحمار (١). وقال عطاء: يريد: سمعوا لأهلها شهيقًا (٢)، فجعل (٣) الشهيق لأهل جهنم دونها. والقول هو الأول (٤). وقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير (٥). وقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ (٦). وتفسير الشهيق قد سبق (٧). قوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين (٨).

стр. 11943

قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل (١). وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل (٢). ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب. قال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا (٣). يدل على هذا المعنى قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى (٤) قول المفسرين، وأهل المعاني: قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار (٥). وقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا (٦). ولفظ المفسرين في تفسير: ﴿تَمَيَّزُ﴾: تفرق (٧). قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الفوج: الجماعة من الناس. والأفواج: الجماعات في تفرقة (٨)؛ ومنه قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]. وقوله: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهو سؤال توبيخ. قال أبو إسحاق: وهذا

стр. 11944

التوبيخ زيادة لهم في العذاب (١). ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي (٢) وعطاء: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله (٣). وهذا يدل على أن الله تعالى لم يخلق لهم سمع الهدى ولا معرفته، لأنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ولم يريدوا بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى. وقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار (٤). قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل (٥)، وهو قولهم: ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء (٦). ويجوز أن يراد بالواحد المضاف الشياع، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨]، وقد مر في مواضع.

стр. 11945

وقوله (١): ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ قال المفسرون: فبعدًا لهم (٢). والسحق: البعد، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل (٣) كما تقول في العُنق والطنب (٤)؛ وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر. المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة (٥). قال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال: وإن أهلك فذلك كان قدري (٦) أي: تقديري (٧). ثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: ﴿وإِنَّ اَلَّذِينَ

стр. 11946

يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يخافون عذاب ربهم ولم يروه فيؤمنون به خوفًا من عذابه (١). ١٣ - ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية (٢): ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب. قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد. فأنزل الله هذه الآية (٣). ثم احتج على ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى. والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول. أي خالق الصدور (٤) والأقوال عالم بها وبما فيها؛ وهذا معنى قول مقاتل (٥). وقد حذف مفعول (خَلَقَ) لأن ما قبله من ذكر القول والصدر يدل

стр. 11947

عليه. ويجوز أن يكون (خَلَقَ) بمعنى المخلوق. فيكون المعنى: ألا يعلم الله من خلقه. أي مخلوقه (١)، وحذف العائد إلى الموصول. قوله: ﴿وَهُوَ اَللًطِيفُ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما فيها من السر والوسوسة (٢). وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر. واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع. وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب (٣)، وقوله: (يعلم) واقع عليه على تأويل: ألا يعلم الله من خلقه؛ بمعنى يعلم ما كان ويكون منه سرًا وجهرًا وإضمارًا، وزاد وجهًا آخر فقال: وزعم بعضهم أن (مَنْ) بمثابة (ما)، كما تكون (ما) بمثابة (من) في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله

стр. 11948

مخلوقًا (١). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك. ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول (٢)؛ وفي وصف الأرض بالذلول قولان: أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض (٣). والمعنى على (٤) هذا أنه لم يجعلها بحيث يمتنع المشيء فيها بالحزونة (٥) والغلظ. وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها (٦). وهو قول الكلبي (٧). وعلى هذا القول معناه أنه سخرها لنا بأن أثبتها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لم تكن منقادة لنا. قوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أمر إباحة. ومعناه البيان عن كونها ذلولًا. وفي المناكب قولان:

стр. 11949

أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس. قالوا: جبالها وآكامها (١). وسميت الجبال مناكب، لأنها مشبهة بمناكب الإنسان وهو الجيد الشاخص من طرفيه (٢). والجبال شاخصة عن الأرض. القول (٣) الثاني: أنها النواحي والطرق والفجاج والأطراف والجوانب. وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس، واختيار الفراء وابن قتيبة (٤) قال: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه (٥). وذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل (٦). قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض.

стр. 11950

وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل (١). ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم (٢). قال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم (٣). ثم خوف أهل مكة فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء (٤). والمعنى: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، إلا أنه أخرج مخرج ما في السماء تفخيمًا لشأن سلطانه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه. لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن (٥) ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هو الملك (٦) الموكل بالعذاب وهو جبريل. والمعنى: أن يخسف بكم الأرض بأمره (٧).

стр. 11951

﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق (١). وقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى (٢). وقال الحسن: تحرك بكم (٣). والمعنى على هذا التفسير أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرض تمور فتقلبهم إلى أسفل؛ هذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم (٤). ثم زاد في التخويف فقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط (٥) فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا

стр. 11952

عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر:٣٤] ثم هدد وأوعد فقال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا ﷺ . وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك (١). وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى: فستعلمون رسولي وصدقه حين (٢) لا ينفعكم ذلك، أو: فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وهو العذاب (٣). و (كيف) في قوله: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار. ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم (٤). ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا (٥). ثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف. قال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن (٦) وقال المبرد: وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضها بعد البسط. وأنشد هو وأبو عبيدة قول

стр. 11953

أبي خراش (١): كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ... خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ... يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ (٢) وعطف قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟ وهو معنى قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: في الحالتين، جميعًا. في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة. وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الآية [النحل: ٧٩]. ٢٠ - ولما كان الكفار يمتنعون عن الإيمان وينكرون التوحيد مع وضوح الأدلة صاروا كأنهم يمتنعون من عذاب الله بجند، وأشبهت حالهم من يملك دفع العذاب إن أتاه، فقال الله تعالى منكرا عليهم أن (٣) يكون لهم

стр. 11954

امتناع من عذابه (١) ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم﴾، وهذا نسق على قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال (٢) ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ﴾ وهو استفهام إنكار. أي: لا جند لكم ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ يمنعكم من عذاب الله. قال ابن عباس ينصركم مني إن أردت عذابكم (٣). ثم ذكر أن ما هم فيه غرور فقال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾، أي: من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، أي: من الذي يرزقكم من آلهتكم المطر إن أمسكه الله عنكم، قاله مقاتل (٤). ثم قال: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان (٥). ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ (٦)،

стр. 11955

والإكباب مطاوع الكب (١)، وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم﴾ [النمل: ٩٠]، ويقال للسادر والهائم (٢) على وجهه في ضلاله: مكب على وجهه، فضرب المكب على وجهه مثلًا للكفار؛ لأنه أكب على وجهه في الغي والكفر يمشي ضالًا أعمى القلب. فهذا أهدى، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ معتدلًا يبصر الطريق ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي، وقول مقاتل، ومجاهد، والضحاك (٣). وقال الكلبي: راكبًا رأسه في الكفر والضلالة كما تركب البهيمة رأسها (٤). وقال مقاتل: يعني أبا جهل والنبي ﷺ (٥). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل وحمزة بن عبد المطلب (٦).

стр. 11956

وقال عكرمة (١): هو أبو جهل وعمار بن ياسر. وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبًّا على وجهه يوم القيامة، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]، والمؤمن يمشي سويًّا (٢). قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم لله غير طائعين (٣). وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه (٤). وذكر الله تعالى أنهم يستعجلون وعد العذاب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد﴾، ثم ذكر حالهم عند معاينة العذاب فقال: ٢٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب، ﴿زُلْفَةً﴾ يعني قريبًا. قاله المفسرون وأصحاب العربية. قال ابن عباس: يريد: فلما قرب منهم العذاب (٥). وقال مقاتل: لما رأوا العذاب في الآخرة قريبًا (٦). وذكرنا الكلام في الزلف والزلفى والزلفة، وهي بمنزلة القربى (٧). وقال الحسن: رأوه

стр. 11957

معاينة (١). وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أن ما قرب من الإنسان رآه معاينة (٢). وقوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس وغيره: اسودت وعلتها الكآبة والقترة (٣). وقال أبو إسحاق: تبين فيها السوء (٤). وأصل السوء القبح. والسيئة ضد الحسنة. والسواء: المرأة القبيحة وذكرنا هذا قديمًا (٥)، ويقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيء يساء إذا قبح. وهو فعل لازم ومجاوز (٦). فمعنى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾، أي: قبحت بالسواد وأثر الكآبة كما ذكر المفسرون (٧). وقوله: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: وقالت لهم الخزنة: ﴿هَذَا﴾ العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ قال الكلبي: تسألون في الدنيا (٨). وقال مقاتل: تمنون في الدنيا (٩). قال الفراء: تدعون (١٠). وهما واحد

стр. 11958

مثل (تذكرون) و (تذكرون) و ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ ﴿وتدخرون﴾ (١) وقال المبرد: معناه تستعجلون. تقول: دعوت بكذا إذا طلبته، وادَّعيتُ به افتعلت، من هذا. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد تكذبون (٢). قال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، أي: تدعون أنكم إذا متم وكنتم ترابًا أنكم لا تخرجون (٣)؛ ونحو هذا قال أبو عبيدة: تكذبون وتردون (٤). ومعناه ما ذكره أبو إسحاق. وقال غيره (٥): معناه هذا الذي كنتم ببطلانه تدعون. أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم (٦)، وكأن هذا أقرب من قول أبي إسحاق. والقول هو الأول بدليل قراءة من قرأ ﴿تَدَّعُونَ﴾ من الدعاء. وهذا لا يحتمل التكذيب، ومعناه: كنتم به تستعجلون وتدعون الله بتعجيله (٧).

стр. 11959

٢٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ بعذابه ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ فلم يعذبنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾، أي: يمنعهم ويؤمنهم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والمعنى: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء نرجو رحمته ونخاف عذابه، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، أي: إنه نازل بكم لا محالة ولا رجاء لكم كما للمؤمنين. هذا معنى قول المفسرين (١). وقال أهل المعاني (٢): إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي ﷺ وأصحابه، فقال الله تعالى: قل لهم: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾ بالإماتة ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا، فأي راحة لكم في ذلك؟ وأي أمان لكم من العذاب؟ وما الذي ينفعكم ذلك؟ أي: إن أهلكنا لا يرد عنكم العذاب، ولا بقاؤنا. وكلاهما عندنا (٣) سواء. ثم قال: ﴿قُلْ﴾ لهم في إنكارك عليهم وتوبيخك لهم ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ من الضال منا: أنحن (٤) أم أنتم، أي: ستعلمون ذلك عند معاينة العذاب؛ وهذا تهديد لهم. وقراءة العامة على المخاطبة. وقرأ الكسائي بالياء (٥) لقوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ (٦).

стр. 11960

ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ قال أبو علي: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه هاهنا انتبهوا؛ كأنه (١) قال: انتبهوا ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ كقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] ولا يكون جواب الجزاء (٢) الذي هو ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، ولكن جوابه ما دل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الذي (٣) هو بمعنى انتبهوا، كما أن الفاء في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ليس بجواب (إن)، إنما هو جواب (وأما) (٤)، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس، ومقاتل: يعني: ماء زمزم (٥). قوله: ﴿غَوْرًا﴾ أي: ذاهبًا في الأرض؛ يقال: غار الماء يغور غورًا، إذا نضب وذهب في الأرض. والغور هاهنا بمعنى الغائر (٦) سمي بالمصدر. يقال: رجل ضيف وعدل وزور (٧). وقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: ظاهر تراه وتناله الدلاء. قاله

стр. 11961

المفسرون (١). وقال مجاهد: المعين: الجاري (٢). وقد ذكرنا القولين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٣) والاختلاف وما هو الاختيار.

стр. 11962

سورة القلم

стр. 11963

تفسير سورة القلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿ن﴾ اختلفوا في تفسيره. فروي عن ابن عباس بطرق أن المراد به الحوت الذي على ظهره الأرض، وأنه من أول ما خلق الله تعالى فكبس الأرض على ظهره؛ وهو رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، والكلبي، وأبي صالح عن ابن عباس (١). وقول مجاهد ومقاتل والسدي (٢)، قالوا: هو الحوت الذي يحمل الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى (٣). والنون في اللغة السمكة (٤). ومنه قوله تعالى في ذكر يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ﴾، وقد مر (٥).

стр. 11964

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (ن) الدواة (١)، ونحو هذا روى الضحاك (٢)؛ وهو قول الحسن وقتادة (٣). والنون في اللغة الدواة، ومنه قول الشاعر (٤): إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألفت النون بالدمع السجوم وروى عكرمة (٥) عن ابن عباس أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن. قال: (الر) و (حم) و (ن) حروف الرحمن مقطعة (٦). وروى معاوية بن قرة (٧) مرفوعًا أن نون هاهنا لوح من نور (٨).

стр. 11965

وقال أبو عبيدة وابن كيسان (١): نون فاتحة السورة كسائر الفواتح (٢). وقال المبرد: (ن) اسم الحرف المعروف من حروف الهجاء نحو (ق) و (م). وهذا هو الأشبه؛ لأنه لو كان للسمكة لكان معربًا غير ساكن الآخر (٣)؛ لأنه اسم لمسمى (٤)، وحروف المعجم إنما هي موضوعة على الوقف، ولذلك يلتقي في أواخرها ساكنان؛ هذا كلامه. وقد اختار قول من قال: إنه من حروف المعجم لافتتاح السورة، والمراد به آخر حروف الرحمن لبنائه على السكون. والقول ما قال (٥).

стр. 11966

والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ (١)، فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وإذا انفصل مما قبلها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال. ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿الم﴾، وقولهم في العدد: واحد، اثنان. فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت (٢) النون (٣). وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ص * وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: ١] و ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢] قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة (٥) قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء

стр. 11967

والأرض. وهذا قوله في رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم (١). وروى مجاهد عنه قال: كان أول (٢) ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر. قال: فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه (٣). وهذا قول جميع المفسرين. قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ (٤). قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قالوا: يعني وما تكتب الملائكة

стр. 11968

الحفظة من أعمال بني آدم (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَنْتَ﴾ هو اسم ﴿مَآ﴾ و ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ الخبر، و ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّك﴾ موصولة بمعنى النفي. انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما تقول: أنت بنعمة الله (٢) فَهِمٌ، وما أنت بنعمة الله بجاهل. وتأويله: فارقك الجهل بنعمة ربك (٣) . وهذا جواب لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. قال مقاتل: وذلك حين قال كفار مكة: إن محمدًا مجنون، فأقسم الله بالحوت وبالقلم وبأعمال بني آدم، فقال: ﴿مَآ أنَتَ﴾ يا محمد ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّك﴾، يعني برحمة ربك ﴿بِمَجنُونٍ﴾ (٤)، وقال عطاء عن (٥) ابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة (٦). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أكثر المفسرين وأهل المعاني يقولون: غير منقوض ولا مقطوع، يقال: منَّهُ السير، أي أضعفه. والمنين: الضعيف، ومنَّ الشيء إذا قطعه (٧)، ومنه قول لبيد (٨):

стр. 11969

غبس كواسبُ ما يمنُّ طعامها يصف كلابًا ضارية. وقال مجاهد: غير محسوب (١). وهو المن الذي يريد به الاعتداد. وهو معنى قول مقاتل: لا يمن به عليك (٢). وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة (٣). والقول هو الأول. والمعنى: إن لك لأجرًا يصبرك على بهتهم وافترآتهم عليك، وقولهم: إنك مجنون: غير ممنون. ٤ - ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٤): يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته (٥) لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي

стр. 11970

مالك، وابن زيد بن أسلم (١) وجماعة (٢)؛ قالوا: يعني الإسلام والدين (٣). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا (٤): يعني أدب القرآن (٥). ويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن (٦). وفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله (٧). واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك (٨) الله به في القرآن (٩). ومعنى الخلق في اللغة: العادة (١٠). ذكرنا (١١) ذلك في قوله:

стр. 11971

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]. وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله ﷺ عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى (١). قوله (٢): ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أي: فسترى يا محمد، ﴿وَيُبْصِرُون﴾ يعني المشركين، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة (٣). والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد: يَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ (٤) ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة (٥). وقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر (٦). يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة (٧)، وابن عباس

стр. 11972

في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون (١). وهذا محمول على زيادة الباء. وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية (٢)، وفيه قولان للنحويين: أحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون (٣). والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون (٤)، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك (٥) ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون (٦). والقول الثاني: أن الباء بمعنى في (٧). ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في (٨) فرقة الكفار (٩). والقولان للفراء (١٠) فشرحهما أبو إسحاق. وقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن

стр. 11973

فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج (١). وهذا القول وإن أنكره غير مردود، لأن زيادة الباء كثير في الكلام وفي التنزيل، ذكرنا ذلك في عدة مواضع (٢). واختار المبرد أن يكون ﴿اَلمَفْتُونُ﴾ مصدرًا معنى الفتنة (٣). ٨، ٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين فنهاه الله أن يطيعهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة. وقال أبو الهيثم: الإدهان: المقاربة في الكلام والتليين في القول (٤). وقال المبرد: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره، إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ [الواقعة: ٨١].

стр. 11974

قال الكلبي: لو (١) تصانعهم في الدين فيصانعونك (٢). والمعنى: تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون. وهذا قول مجاهد: تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك (٣). وهذا قول أكثر المفسرين (٤). ومعنى رواية الوالبي عن ابن عباس (٥). وقال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة (٦). وروى عنه عطاء: لو تكفر (٧) يكفرون. وهذا قول مقاتل، وعطية، والضحاك (٨). وهذا كالأول؛ لأنه يكفر بمداهنتهم لو فعل، وهم يكفرون باتباعه فيتبعونه على الكفر (٩).

стр. 11975

١٠ - قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحلف بالباطل، ﴿مَهِينٌ﴾ قال مجاهد ومقاتل: ضعيف القلب (١). قال الزجاج: هو فعيل من المهانة وهي القلة، ومعناه هاهنا القلة في الرأي والتمييز (٢). وهذا معنى قول المفسرين: ضعيف القلب. وقال الحسن وقتادة: المهين: المكثار من الشر (٣). ومعناه أنه الوضيع بإكثاره من القبيح. وقيل: هو القبيح. وقيل: الحقير؛ لأنه عرف أنه يحلف على الكذب (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): يعني: الأخنس بن شريق؛ وهو قول السدي والكلبي (٦). وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين عرض على النبي ﷺ
следующие страницы →