← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]. وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله ﷺ عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى (١). قوله (٢): ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أي: فسترى يا محمد، ﴿وَيُبْصِرُون﴾ يعني المشركين، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة (٣). والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد: يَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ (٤) ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة (٥). وقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر (٦). يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة (٧)، وابن عباس

стр. 11972

في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون (١). وهذا محمول على زيادة الباء. وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية (٢)، وفيه قولان للنحويين: أحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون (٣). والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون (٤)، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك (٥) ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون (٦). والقول الثاني: أن الباء بمعنى في (٧). ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في (٨) فرقة الكفار (٩). والقولان للفراء (١٠) فشرحهما أبو إسحاق. وقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن

стр. 11973

فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج (١). وهذا القول وإن أنكره غير مردود، لأن زيادة الباء كثير في الكلام وفي التنزيل، ذكرنا ذلك في عدة مواضع (٢). واختار المبرد أن يكون ﴿اَلمَفْتُونُ﴾ مصدرًا معنى الفتنة (٣). ٨، ٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين فنهاه الله أن يطيعهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة. وقال أبو الهيثم: الإدهان: المقاربة في الكلام والتليين في القول (٤). وقال المبرد: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره، إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ [الواقعة: ٨١].

стр. 11974

قال الكلبي: لو (١) تصانعهم في الدين فيصانعونك (٢). والمعنى: تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون. وهذا قول مجاهد: تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك (٣). وهذا قول أكثر المفسرين (٤). ومعنى رواية الوالبي عن ابن عباس (٥). وقال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة (٦). وروى عنه عطاء: لو تكفر (٧) يكفرون. وهذا قول مقاتل، وعطية، والضحاك (٨). وهذا كالأول؛ لأنه يكفر بمداهنتهم لو فعل، وهم يكفرون باتباعه فيتبعونه على الكفر (٩).

стр. 11975

١٠ - قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحلف بالباطل، ﴿مَهِينٌ﴾ قال مجاهد ومقاتل: ضعيف القلب (١). قال الزجاج: هو فعيل من المهانة وهي القلة، ومعناه هاهنا القلة في الرأي والتمييز (٢). وهذا معنى قول المفسرين: ضعيف القلب. وقال الحسن وقتادة: المهين: المكثار من الشر (٣). ومعناه أنه الوضيع بإكثاره من القبيح. وقيل: هو القبيح. وقيل: الحقير؛ لأنه عرف أنه يحلف على الكذب (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): يعني: الأخنس بن شريق؛ وهو قول السدي والكلبي (٦). وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين عرض على النبي ﷺ

стр. 11976

المال ليرجع عن دينه (١). ١١ - قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال المبرد: هو الذي يهمز الناس بالمكروه، وأكثر ذلك بظهر الغيب (٢). وقال الزجاج: مغتاب للناس (٣). وقال ابن عباس: طعان للناس (٤). وقال مقاتل: مغتاب (٥). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيم﴾ يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. ويقال: نمَّ يَنُمُّ وَينِمُّ نمّا ونميمًا ونميمة. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ قال عطاء والكلبي (٦) عن ابن عباس، ومقاتل، معنى الخير هاهنا الإيمان والإسلام، كان له عشرة بنين، وكان يقول لهم وللحمته من قرابته: لئن تبع دين محمد منكم أحد (٧) لا أنفعه بشيء أبدًا (٨)؛ فمنعهم الإسلام وهو الخير الذي منعهم. وعلى هذا معناه: مناع للإيمان والإسلام؛ أي يمنعهما الناس. ويجوز أن يكون المعنى (٩): مناع رفده ونفعه لأجل الخير وهو الإسلام. وقال الآخرون: معناه: بخيل بالمال. فالخير على هذا القول المال،

стр. 11977

وهو اختيار ابن قتيبة (١). قوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني في الغشم والظلم (٢). والمعنى أنه ظلوم يعتدي الحق ويتجاوزه فيأتي بالظلم. وهو معنى قول الكلبي: معتد للحق (٣). ومعناه أنه صاحب الباطل. ﴿أَثِيم﴾ أثم بغشمه وظلمه، وصار ذا إثم. وقال عطاء (٤): أثيم في جميع أفعاله. وقال الكلبي: يعني فاجرًا (٥). ١٣ - قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ﴾ قال الفراء: العتل في هذا الموضع: الشديد الخصومة بالباطل (٦)؛ وهو قول الكلبي (٧). وقال أبو عبيدة: هو الفظ الكافر، وهو الشديد في كل شيء (٨). وقال المبرد: العتل عند العرب: الجافي الخلق. ونحسبه -والله أعلم- في هذا الموضع المتجافي عن الحق. وقال الزجاج: هو في اللغة: الغليظ الجافي (٩).

стр. 11978

وقال الليث: هو الأكول المنوع (١). هذا قول أهل اللغة في تفسير العُتل (٢)، وأصله في العتل، وهو السوق الشديد والقود العنيف من قوله: ﴿فَاَعْتِلُوهُ﴾ وقد مر (٣). فالعُتل: الجافي الغليظ الشديد الخصومة والفظ العنيف. وقال الفراء في كتاب "المصادر": إنه لعُتُل بَيِّنُ العُتُلَّة، بضم العين والتاء وتشديد اللام. قال: والعرب تقول: إنك لَعَتِلٌ شديد إلى الشر -بفتح العين وكسر التاء مخففة- بيَّن العتل (٤). معناه: إنك لسريع إلى الشر. وقوله المفسرين في هذا على قسمين: أحدهما: أنه ذم في الخَلْق. والثاني: أنه ذم في الخُلُق. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم (٥). وقال مقاتل: رحيب الجوف وثيق الخلق (٦). وقال أبو رزين: العتل: الصحيح (٧).

стр. 11979

وقال مجاهد: هو الشديد الأشر (١). وقال عبيد بن عمير (٢): هو الأكول الشروب القوي الشديد يوزن فلا يزن شعيرة (٣)، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفًا دفعة واحدة في جهنم (٤). وقال الحسن: هو الفاحش الخُلق، اللئيم الضريبة (٥). قوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلكَ﴾ قال صاحب النظم: (بعد) هاهنا بمنزلة مع على تأويل عتل مع ما وصفناه به (٦). وهذا معنى قول مقاتل (٧). يعني مع هذا النعت. ﴿زَنِيم﴾ الزنيم في اللغة: الدعي. قال أبو عبيدة (٨): الملصق بالقوم وليس منهم، وأنشد لحسان بن ثابت (٩): وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد.

стр. 11980

قال: ويقال للتيس: زنيم له زنمتان (١). قال المبرد: وإنما أخذ فيما ذكر أبو عبيدة من زنمت (٢) الشاة إذا شقت أذنها فاسترخت هدبته (٣) ويبست كالشيء المعلق. والزنمة من كل شيء الزيادة (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم (٦). ونحو هذا روى ثابت بن أبي صفية عن رجل يكنى أبا عبد الرحمن عن ابن عباس قال: هو اللئيم الملزق (٧) ثم أنشأ يقول: زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع (٨) وهذا قول مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعكرمة (٩). قالوا: هو ولد

стр. 11981

الزنا الملحق بالقوم في النسب وليس منهم (١). وتمثل عكرمة فيه ببيت شعر فقال: زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم (٢) ويؤكد هذا التفسير ما قال مرة الهمداني (٣): إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة (٤). وفيه قول آخر: قال الشعبي: هو الرجل الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها (٥). وقال سعيد بن جبير: هو الرجل السوء يعرف بالشر، يمر على القوم فيقولون: هذا رجل سوء (٦). ونحو هذا روى خصيف (٧) عن عكرمة قال: الزنيم: الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (٨).

стр. 11982

قال ابن قتيبة: معنى هذا القول أنه قد لحقه (١) سبة في الدِّعوة (٢) عرف بها مزنمة الشاة (٣). وفي الزنيم قول ثالث روى عكرمة (٤) عن ابن عباس: نعت فلم يعرف فقيل: ﴿زَنيِمٍ﴾ قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (٥). وهذا قول مقاتل: كان في أصل أذنه مثل زنمة الشاة (٦). ١٤ - ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال الفراء: وقرئ (أأن كان) بهمزتين (٧). قال: والمعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان، أي: لأن كان يريد لا تطعه لماله وبنيه. ومن قال: (أأن كان) فإنه وبخه؛ والمعنى: ألان كان ذا مال وبنين تطعه. وإن شئت قلت (٨): ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه

стр. 11983

آياتنا قال: أساطير الأولين. وكان حسن (١). واختار أبو إسحاق القول الثاني، وقال: (أنْ) نصب بمعنى قال ذلك؛ لأن كان ذا مال وبنين. أي: جعل مجازاة النعم التي خُولها من المال والبنين الكفر بآياتنا. قال: قال: وإذا جاءت ألف الاستفهام ومعناها التوبيخ فهذا هو القول، ولا يصلح غيره. وإذ (٢) بغير استفهام جاز أن يكون المعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين. أي: لا تطعه ليَسَاره وعدده (٣). وقد اتفقا (٤) على جواز أن يكون قال في قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ﴾ عاملًا في (أنْ) في (٥) قوله: ﴿أَن كاَنَ﴾ قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون العامل فيه ﴿تُتْلَى﴾ أو ﴿قَال﴾ أو شيء ثالث، ولا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه. ألا ترى أن تتلى من قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ قد أضيفت إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيدًا حين يأتي زيد. ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) أيضًا؛ لأن (قال) جواب (إذا)، وحكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له ولا يتقدم عليه. وإذا لم يجز أن يعمل في (أنْ) واحد من هذين الفعلين علمت أنه محمول (٦) على شيء آخر مما دل في الكلام عليه.

стр. 11984

والذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق، ونحو ذلك. إنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدمًا عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه. وإن من النحويين من يقول: إنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك، فإذا صار كالظرف (١) من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] لما كان ظرفا، والعامل فيه بعثتم، الدال عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد﴾، وكذلك ﴿أَن كاَنَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، كأنه جحد بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين، أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين (٢). وعلى هذا المعنى يكون محمولًا فيمن استفهم فقال: أن كان ذا مال وبنين؛ لأنه (٣) توبيخ وتقرير، فهو بمنزلة الخبر. ومثل ذلك قولك: ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي، إذا وبخته بذلك. فعلى هذا تقدير الآية (٤). ١٦ - قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ الوسم: أثر كية. يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها، إما بكية، وإما قطع في أذن علامة

стр. 11985

له (١). قال أبو عبيد: الخرطوم الأنف. وأنشد قول ذي الرمة (٢): تنجو إذا جعلت تدمى أخشتها ... وأعتم بالزبد الجعد الخراطيمُ ونحو هذا قال أبو عبيد (٣). وقال أبو زيد: الخرطوم والخطم: الأنف. وقال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف، وهو من السباع في مواضع الشفاه من (٤) الناس، والجحافل (٥) من ذوات الحوافر، والمرمات والمقمات (٦) من ذوات الأظلاف، والمشافر من الإبل، وهو من الليل موضع الأنف (٧). واختلفوا في معنى هذا الوسم، فالأكثرون على أنه وعيد (٨) له بذلك في الآخرة. قال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار (٩). ونحو هذا قال أبو العالية: يسود وجهه فيجعل له علمًا في

стр. 11986

الآخرة ويعرف بسواد وجهه (١)، وهذا القول اختيار الفراء والزجاج (٢). قال الفراء: سنسمه سمة أهل النار؛ أي: سنسود وجهه، والخرطوم (٣) وإن كان قد خص بالسمة؛ لأن في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض (٤). وقال الزجاج: معنى ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سنجعل له في الآخرة العلم (٥) الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم، وجائز -والله أعلم- أن ينفرد بسمة؛ لتعاليه في عداوة النبي ﷺ فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته لرسول الله ﷺ عداوة يتبين بها من غيره (٦)، فهؤلاء جعلوا هذه السمة على الخرطوم سواد وجهه في الآخرة. وجعل الضحاك هذه السمة كيًّا على وجهه يعرف بها في الآخرة: وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧). كما توسم الغنم؛ واختاره الكسائي (٨). وهذا قريب من قول أبي إسحاق الثاني. هذا كله قول من قال: إن هذا (٩) الوعيد يلحقه في الآخرة. وذهب بعضهم إلى أن هذه التسمية لحقته في الدنيا. وهو قول الكلبي

стр. 11987

عن ابن عباس قال: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال (١). وذهب آخرون إلى أن معني هذا الوسم أنه يُشهر بالقبيح والذكر السوء؛ وهو قول قتادة، واختيار ابن جرير وابن قتيبة (٢). قال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه (٣). وقال ابن جرير (٤): سنبين أمره بيانًا واضحًا حتى تعرفوه فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم (٥). وشرح ابن قتيبة هذا المعنى. فقال: للعرب (٦) في مثل هذا اللفظ مذهب تخبر به. تقول العرب للرجل يسب الرجل سبة قبيحة (٧) باقية، أو

стр. 11988

تبينوا عليه فاحشة: قد وسمه بميسم (١) بسوء. يريدون ألصق به عارًا لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا يعفو (٢) أثرها. قال جرير (٣): لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث (٤) جدعت أنف الأخطل يريد أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء. أي: أبقى به عليه عارًا كالجدع والوسم. وقال أيضًا (٥): رفع المطيُّ بما وسمت مجاشعًا ... والزنبري يعوم ذو الأجلال يريد أن هجاءه قد سارت في المطي وغني به في البر والبحر (٦). وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة (٧) ولا يعلم أن الله وصف أحدًا وصفه له ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها عنه؛ لأنه وصف بالحلف، والمهانة، والغيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم،

стр. 11989

والدِّعوة؛ فألحق به عارًا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة. كالوسم على الخرطوم وأبين ما يكون في الوجه. ومما يشهد لهذا المذهب قول من قال في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. ١٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ (١) الآية. قال المفسرون: بلونا أهل مكة بالجوع والقحط كما ابتلينا أصحاب الجنة بالجوع حين هلكت جنانهم. وهم قوم من ثقيف، كانوا باليمن (٢) مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنان وزروع ونخيل. وكان أبوهم يجعل مما فيها للمساكين من كل شيء حظًّا عند الصرام وعند الحصاد والدياسة والرفاع (٣). فقالت بنوه: العيال كثير، والمال قليل، ولا يسعنا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا. وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى الهلاك وإلى ما قص الله في كتابه من قصتهم (٤). قال مقاتل: وهذا مثل ضربه الله لكفار مكة ليعتبروا فيرجعوا، وهو قوله: ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّة﴾ (٥) قال المفسرون: وهي تسمى (٦): الضروان

стр. 11990

بقرب صنعاء (١). قال سعيد بن جبير: على اثني عشر ميلًا منها (٢). وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم بالنار (٣). قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ حلفوا ليقطعن ثمر نخلهم إذا أصبحوا بسُدفة (٤) من الليل. قال مقاتل: قالوا: اغدوا سرًا إلى جنتكم فاصرموها ولا تؤذنوا المساكين وكان آباؤهم يخبرون المساكين (٥) فيجتمعون عند صرام جنتهم (٦). ويقال: قد صرم العذق عن النخلة وأرم النخل إذا حان وقت صرامه (٧). ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ يقولون: إن شاء الله. هذا قول جماعة

стр. 11991

المفسرين (١). ويقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء، كله واحد، وأصل هذا كله من الثني وهو الكف والرد (٢)، وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره. ١٩ - قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٣) قال ابن عباس: أحاطت بها النار فاحترقت (٤). وقال الكلبي: ﴿عَلَيْهَا﴾ على الجنة، أرسل عليها نارًا من السماء فاحترقت، فذلك قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾، والطائف لا يكون إلا ليلاً (٥). وروى (٦) أبو ظبيان (٧) عن ابن عباس قال: هو أمر من أمر ربك (٨). وقال قتادة: طرقها طارق من أمر الله، والطائف: الطارق ليلاً (٩).

стр. 11992

وحقيقة المعنى ما ذكره ابن عباس من قوله: أحاطت بها النار (١). وقال مقاتل: بعث نارًا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت سوداء، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قال: يعني أصبحت الجنة سوداء كالليل. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء؛ يعني كالليل المظلم (٢)، شبه سوادها بسواد الليل الدامس، وهو آخر ليالي الشهر، وهو أشد ما يكون ظلمة. وهذا القول في الصريم هو قول الفراء والزجاج (٣). قال شمر: الصريم: الليل، والصريم: النهار (٤)، ينصرم الليل من النهار والنهار من الليل. وعلى هذا الصريم بمعنى المصارم (٥). وقال غيره: سمي الليل صريمًا لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل، وهو يبطل بالنهار. سمي صريمًا ولا يصرم (٦) عن التصرف (٧). وقال قتادة: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كأنها صرمت (٨). وعلى هذا الصريم بمعنى

стр. 11993

المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وأبى عطاء هذا القول فروى عن ابن عباس: وليس يعني المصرومة، وذلك أن النار تحرق الأشجار فلا تشبه ما في ثمره وإن احترقت الثمار دون الأشجار، وهو بعيد أشبه المقطوع ثمره (١). وقال الحسن: أي: صرم عنها الخير فليس فيها شيء (٢). والصريم على هذا مفعول أيضًا. وقال المؤرج: كالرملة (٣) انصرمت من معظم الرمل (٤). وقال الأصمعي: الصريم من الرمل: قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمل، وتجمع (٥) الصرائم (٦). وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال، وهي لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقال الأخفش: كالصبح انصرم من الليل (٧). وقد ذكرنا أن النهار يسمى صريمًا. قال المبرد: قيل: كالنهار لا شيء فيها، كما يقال: لك سواد الأرض وبياضها. فالسواد العامر، والبياض الغامر، وعلى (٨) هذا شبهه

стр. 11994

بالنهار لخرابها وخلوها من الثمار والأشجار، وهذا على المقابلة، وذلك أن العامر لما سمي سوادًا سمي الخراب بياضًا لا على معنى اللون (١) ولكن على معنى المضادة (٢). ٢١ - قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ قال يعني بالحرث الثمار والزرع والأعناب (٣)، ولذلك قال: (صارمين)؛ لأنهم أرادوا قطع ثمار النخيل والأعناب. وقال أبو إسحاق: إن كنتم عازمين (٤) على صرم (٥) النخل. وقال الكلبي: على حرثكم. يعني: ما كان في جنتهم من شجر وزرع (٦) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ يعني (٧): جاذين للنخل والحصاد، ولم يرد الجمع بين النخل والزرع في الحصاد؛ لأن الحصاد والقطاف لا يجتمعان في وقت واحد، ولكنهم غدوا إلى جنتهم لحصاد الزرع وللمقام بها إلى آخر القطاف. و (أن) في قوله: ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ بمعنى أي، كما قال تعالى ذكره: ﴿أَنِ

стр. 11995

﴿امْشُواْ﴾، وقد مر (١). قوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقُواْ﴾ أي ذهبوا إلى جنتهم ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يسرون الكلام بينهم بـ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾، ومضى تفسير التخافت عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) قال ابن عباس: غدوا إليها بسدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين (٣). وقال قتادة: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان يمسك قوته ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، فلما مات غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (٤)، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾. وقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها (٥). ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ واختلفوا في تفسير الحرد. والحرد (٦) في اللغة يكون على معان. الحرد: المنع، من قولهم: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها. وحاردت الناقة إذا منعت لبنها وقيل اللبن (٧). ومنه قول الأعشى:

стр. 11996

فإذا ما بكؤت أو حاردتْ ... فك عن حاجب أخرى طينها (١) والحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي (٢): أقبل سيلٌ كان من (٣) أمرِ الله ... يحرِد حَرْد الجنَّة المُغَلَّهْ وأنشد أبو عبيدة (٤): أما إذا أحردت حردي فمجرية ... ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب والحرد: الغضب. وهما لغتان الحَرْدُ (٥)، والحَرَدُ؛ والتحريك أكثر. وأنشد أبو عبيدة (٦): أسود شرًى لاقت أسود خفية ... تساقوا (٧) على حرد وماء الأساود

стр. 11997

هذا الذي ذكرنا هو قول جميع أهل اللغة في تفسير الحرد (١). وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه المعاني. قال قتادة: على جد من أمرهم (٢). وقال مقاتل: جد في أنفسهم (٣). وقال الكلبي: غدوا جادين. وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد (٤) في رواية أبي بشر. وهذا من معنى القصد، وذلك أن المقاصد إلى الشيء جاد بخلاف من لا يكون له قصد في أمر، على أن الليث قد قال في كتابه: على جد من أمرهم. فقال الأزهري: الصواب على حد. أي على منع، كما قال الفراء. ثم ذكر بإسناده عن الفراء بالحاء (٥). ويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي (٦) قالوا في معنى الحرد هاهنا: إنه المنع (٧). أي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين ما كانوا يعطونه. وقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم (٨). وهذا من معنى القصد أيضًا.

стр. 11998

وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول (١) سفيان (٢)؛ قال (٣): على حنق وغضب. وروى (٤) معمر عن (٥) الحسن: على فاقة (٦)؛ ومعناه من القلة، من قولهم: حاردت الناقة، والمعنى أنهم غدوا على قلة مالهم عند أنفسهم فقالوا: المال قليل لا يسع المساكين. وقال السدي: الحرد اسم الجنة. وذكر الأزهري هذا القول فقال (٧): وقيل في بعض (٨) التفسير: إن حرد كانت قريتهم (٩). قوله تعالى: ﴿قَادرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قادرين على جنتهم في أنفسهم (١٠)؛ وهو قول مقاتل وجميع المفسرين (١١).

стр. 11999

قال أبو إسحاق: أي قادرين عند أنفسهم على قصد جنتهم لا يحول بينهم وبينها آفة (١). وقال ابن قتيبة: يقول: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون (٢). فالقدرة على هذا القول بمعنى الجدة والقدرة على المال. وفي القول الأول معناه القدرة على الجنة. ٢٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ قال الفراء: غدوا على مالهم ليصرموه فلم يروا إلا سوادًا فقالوا: إنا لضالون ما (٣) هذا بمالنا الذي نعرف. ثم قال بعضهم: بل هو مالنا حرمنا بما صنعنا بالأرامل والمساكين (٤). وقال أبو إسحاق: لما رأوها محترقة قالوا: إنا قد ضللنا طريق جنتنا، أي ليست هذه، ثم علموا أنها عقوبة فقالوا: ٢٧ - ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾، أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين (٥). هذا معنى قول المفسرين. قال ابن عباس: قالوا: إنا أخطأنا الطريق (٦). وذلك أنهم أنكروها لأنها احترقت. ثم نظروا إلى أعلام فيها فعرفوا أنها جنتهم فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ

стр. 12000

(٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ هو يعني أعدلهم في قول جميع المفسرين. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وكقوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قالوا: هلا تستثنون فتقولون: إن شاء الله. وهو قول ابن عباس (١) ومقاتل والكلبي ومجاهد (٢). قال أبو إسحاق: ومعنى التسبيح هاهنا الاستثناء، وهو أن يقولوا: إن شاء الله. فإن قيل: التسبيح أن تقول: سبحان الله. والجواب في ذلك أن كل ما عظمت الله به فهو تسبيح , لأن التسبيح تنزيه الله عن السوء، والاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله (٣). وقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله (٤). وإنما أنكر أوسطهم عليهم ترك الاستثناء (٥) في قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ فحلفوا على صرام جنتهم من غير استثناء فلم يصرموا فأنكر عليهم الأوسط ترك الاستثناء في اليمين (٦). ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نزهوه عن أن يكون ظالمًا فيما صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمعصيتنا ومنعنا المساكين.

стр. 12001

وقال الكلبي: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ يقولون: نستغفر ربنا مما صنعنا (١)، ثم لام بعضهم بعضًا فيما فعلوا من العزم على منع المساكين. ٣٠ - وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ يقول (٢) هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي. ويقول هذا لهذا: أنت (٣) منعتنا أن ندخلها المساكين. فكان هذا هو التلاوم بينهم , قاله عطاء والكلبي (٤). وقال مقاتل: يلوم بعضهم بعضًا في منع حقوق المساكين (٥). ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طغينا فيما أعطانا الله ولم نأخذه بالشكر كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا (٦). ثم اجتمع (٧) القوم وتعاقدوا إن أبدلنا الله (٨) بها خيرًا منها لنصنعن كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه ذلك، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم الله بها خيرًا منها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب ليس يحمل البغل منها إلا عنقودًا، فذلك قوله تعالى:

стр. 12002

﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ (١)، وفي هذا إشارة إلى أنهم لما بلوا بذهاب ما لهم تذكروا فرجعوا إلى الله تعالى بالرغبة. وهو وعظ لأهل مكة بالتذكير والرجوع إلى الله تعالى. فلما بلاهم بالجدب حين دعا عليهم الرسول ﷺ فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر (٢)، واجعلها سنين كسنى يوسف" (٣). وقال عطاء عن ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدًا وأصحابه وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ويضرب القيان على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقطع رجاهم فقتلوا وأسروا وانهزموا (٤) كأهل هذه الجنة لما انطلقوا إليها عازمين على الصرام وإحراز المال دون المساكين فلما انتهوا إليها وجدوها سوداء محترقة، فخاب ظنهم وأخلف رجاؤهم، فذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

стр. 12003

يعني (١) كما ذكر من إحراقها بالنار (٢). وتم الكلام هاهنا لتمام قصة أصحاب الجنة (٣). ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني المشركين. قال ابن عباس: يريد أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وأعظم (٤). ٣٤ - ٣٨ - ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ (٥) ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) (٦). ٣٩ - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل: يقول: ألكم عهود على الله

стр. 12004

بالغة ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استوثقتم بها منه فلا تنقطع. أعهدكم (١) إلى يوم القيامة بأن لكم الذي تقضون لأنفسكم من الخير (٢). وقال عطاء: يريد ألكم عهد مني ألا أصيبكم بعذاب ولا عقوبة (٣). ومعنى ﴿بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متناهية في التأكيد تنتهي إلى يوم القيامة. فتكون (إلى) من صلة (بالغة). هذا قول الكسائي (٤). ويجوز أن يكون (إلى) من صلة الأيمان، أي: أيمان إلى يوم القيامة. ويكون معنى (بالغة) مؤكدة، كما تقول جيد بالغ وكل شيء متناه في (٥) الصحة والجودة فهو بالغ (٦). ويدل على هذا المعنى قراءة الحسن (بالغةً) بالنصب (٧) على معنى حقًّا. كأنه قيل: أيمان علينا حقًّا بلغت حقيقة التأكيد، هذا كله معنى قول الفراء (٨). وقال أبو إسحاق: أي حلف لكم على ما تدعون في حكمكم (٩). ٤٠ - ثم قال لرسوله ﷺ : ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ أيهم كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين. وذكرنا معنى الزعيم عند قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ

стр. 12005

زَعِيمٌ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني بل ألهم شركاء. يعني ما كانوا يجعلونهم شركاء لله , وهذا كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فأضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله فأضافها إليهم بفعلهم. والتأويل: أم عندهم لله شركاء فليأتوا بهؤلاء الشركاء ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء لله. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ظرف لهذا الأمر. أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم (٢). وذلك أنها تبطل وتزهق فلا تنفعهم بشيء. يقول الله: ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وهذا الذي ذكرنا معنى ما ذكره صاحب النظم (٣). وأما معنى قوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عكرمة عن ابن عباس قال: عن شدة. ألم تسمع إلى قول الشاعر (٤): وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ قال: وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب. أما سمعتم قول الشاعر: سن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحربُ بنا على ساق

стр. 12006

ثم قال (١): هو يوم كرب وشدة (٢). وروى عطاء عنه قال: يريد شدة في الآخرة. وروى إبراهيم عنه أيضًا: عن شدة الأمر (٣). قال (٤): وقال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم (٥). وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. فهذا ما روي عن عباس في هذه الآية (٦). ونحو هذا (٧) قال سعيد بن جبير ومجاهد (٨) وقتادة. قالوا: عن شدة الأمر وبلاء عظيم (٩). وهذا قول جميع أصحاب

стр. 12007

اللغة (١). قال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر والحرب قيل: قد كشف الأمر عن ساقه، وأنشد لقيس بن زهير (٢) فقال: فإذ شمرت (٣) لك عن ساقها ... فويهًا ربيع ولا تسأم (٤) وروى الفراء بإسناده (٥) عن ابن عباس (٦) أنه قال: يريد يوم القيامة والساعة لشدتها. قال الفراء أنشدني بعض العرب لجد (٧) طرفة (٨): كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشرِّ الصراح (٩)

стр. 12008

وقال أبو إسحاق: معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كشف عن الأمر الشديد. وأنشد: قد شمرت عن ساقها فشدوا (١) ... وجدت الحربُ بكم (٢) فجدوا والقوس فيها وتر عردُّ (٣) وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع (٤) في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد (٥) شمر عن ساقه. فاستعيرت الساق والكشف عنها في موضع الشدة (٦). قال دريد يرثي رجلاً: كميش الإزار خارج نصف ساقهِ ... جسور على الجلاء طلاع أنجد (٧)

стр. 12009

وقال الهذلي: وكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري (١) وأنشد أيضًا فقال (٢): في سنةٍ قدكشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها وزاد غيره بيانًا فقال: تأويل الآية: يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. وقد كثر هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل في شدة الأمر (٣).

стр. 12010

وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال مقاتل: وذلك أنه تدمج أصلاب الكفار يومئذ فيكون عظمًا واحداً مثل صياصي (١) البقر، لأنهم لم يسجدوا لله في الدنيا. وهذا قول جميع المفسرين (٢). قالوا: إذا كان ذلك سجد (٣) الخلق كلهم لله سجدة واحدة. ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا (٤) فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم أيبس فلا تلين للسجود. قال ابن مسعود: وأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا كأن فيها السفافيد (٥).
следующие страницы →