← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

ثم قال (١): هو يوم كرب وشدة (٢). وروى عطاء عنه قال: يريد شدة في الآخرة. وروى إبراهيم عنه أيضًا: عن شدة الأمر (٣). قال (٤): وقال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم (٥). وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. فهذا ما روي عن عباس في هذه الآية (٦). ونحو هذا (٧) قال سعيد بن جبير ومجاهد (٨) وقتادة. قالوا: عن شدة الأمر وبلاء عظيم (٩). وهذا قول جميع أصحاب

стр. 12007

اللغة (١). قال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر والحرب قيل: قد كشف الأمر عن ساقه، وأنشد لقيس بن زهير (٢) فقال: فإذ شمرت (٣) لك عن ساقها ... فويهًا ربيع ولا تسأم (٤) وروى الفراء بإسناده (٥) عن ابن عباس (٦) أنه قال: يريد يوم القيامة والساعة لشدتها. قال الفراء أنشدني بعض العرب لجد (٧) طرفة (٨): كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشرِّ الصراح (٩)

стр. 12008

وقال أبو إسحاق: معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كشف عن الأمر الشديد. وأنشد: قد شمرت عن ساقها فشدوا (١) ... وجدت الحربُ بكم (٢) فجدوا والقوس فيها وتر عردُّ (٣) وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع (٤) في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد (٥) شمر عن ساقه. فاستعيرت الساق والكشف عنها في موضع الشدة (٦). قال دريد يرثي رجلاً: كميش الإزار خارج نصف ساقهِ ... جسور على الجلاء طلاع أنجد (٧)

стр. 12009

وقال الهذلي: وكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري (١) وأنشد أيضًا فقال (٢): في سنةٍ قدكشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها وزاد غيره بيانًا فقال: تأويل الآية: يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. وقد كثر هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل في شدة الأمر (٣).

стр. 12010

وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال مقاتل: وذلك أنه تدمج أصلاب الكفار يومئذ فيكون عظمًا واحداً مثل صياصي (١) البقر، لأنهم لم يسجدوا لله في الدنيا. وهذا قول جميع المفسرين (٢). قالوا: إذا كان ذلك سجد (٣) الخلق كلهم لله سجدة واحدة. ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا (٤) فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم أيبس فلا تلين للسجود. قال ابن مسعود: وأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا كأن فيها السفافيد (٥).

стр. 12011

قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني حين أيقنوا بالعذاب وعاينوا النار (١). وهي حال من قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن عباس: يلحقهم ذل الندامة والحسرة (٢). قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يعني في الدنيا حين كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة ويؤمرون بها وهم معافون (٣) ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. ومعنى قوله: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أي بالأذان والإقامة. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل وإبراهيم التيمي (٤). قال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب الأذان إلى إقامة الصلاة في الجماعة (٥). قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يريد القرآن. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: يقول لمحمد: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن فأنا أنفرد بهلكتهم (٦).

стр. 12012

قال أبو إسحاق: معناه لا تشغل قلبك به، كله إليّ فإني أكفيك أمره (١). قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نأخذهم قليلاً قليلاً فلا نباغتهم. قال ابن عباس: أمكر بهم من حيث لا يعلمون (٢). وهذا مفسر في سورة الأعراف مع الآية التي بعدها (٣). قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ مع الآية التي بعدها مفسر في سورة الطور (٤). ٤٨ - قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت (٥). ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ في الضجر والعجلة ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني يونس بن متى. قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب (٦). ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر وعجل بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٧) يريد: لا تكن كمن صحب الحوت إذ نادى، وليس العامل فيه (تكن) لأنه ليس المعنى: لا تكن مثله إذ

стр. 12013

نادى ربه من بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقوله ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا (١). ومثله ﴿كَظِيمٌ﴾، وقد مر (٢). قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه (٣)، وهو أن رحمه وتاب عليه (٤) ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض. وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قال ابن عباس والحسن (٦): مذنب (٧). وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير (٨).

стр. 12014

وقال مقاتل: يذم ويلام (١). ولكن ربه منَّ عليه فنبذ بالعراء وهو سقيم، وليس بمذموم للنعمة التي تداركه. قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته (٢). ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله (٣)، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا. فمعناه (٥): إن عبد الله لظريف قبل اليوم (٦). وقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه (٧) قراءة العامة. وقرأ نافع بفتح الياء (٨). يقال: زلق هو وزلقته. مثل:

стр. 12015

شترت عينه وشترتها أنا (١) وحزن وحزنته (٢) , والأول أكثر وأوسع؛ لأنه يقال: زلق من موضعه وأزلقته أنا فينقل الفعل بالهمزة. والمفسرون بعضهم علي أن هذه الآية نزلت في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله ﷺ بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون (٣): ما رأينا مثله ولا مثل حججه، يريدون أن يصيبوه (٤) بالعين. وهذا قول الكلبي ومن تابعه (٥). قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين. وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا. قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك. أي ليرمونك ويزيلونك (٦) عن موضعك بأبصارهم، كما يقال: كاد يصرعني لشدة نظره إليّ. وهو بين من كلام العرب كثير (٧). وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم. وهذا كلام معروف عند العرب. وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم

стр. 12016

وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني (١) ونظرًا يكاد يأكلني. وتأويله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه (٢) أكلي، أو أن يصرعني لفعل. وهذا واضح (٣). وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر (٤): يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرًا يزيل مواطئ الأقدام وقال أبو علي: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة (٥). والدليل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن. وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد

стр. 12017

الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن (١) , فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 12018

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبى الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من سورة الحاقة إلى سورة القيامة تحقيق د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان

стр. 12019

تفسير سورة الحاقة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾: أجمعوا (٢) على أن المراد بها القيامة.

стр. 12020

واختلف (١) في معنى الحاقة، قال (٢) الفراء -وهو قول الكلبي-: سميت بذلك , لأن فيها الثواب وحَوَاقَّ الأمور (٣)، قال: والعرب تقول: لما عَرَّفت مني (٤) الحَقَّةَ هربت (٥)، والحَقَّة والحاقة كلاهما في معنى واحد (٦)، هذا كلامه. ويحتاج فيه إلى شرح، وهو: أن ما ذكره يتضمن قولين في معنى الحاقة: أحدهما: أنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصَّادقة الواجبة الصدق والثواب والعقاب، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع

стр. 12021

والوجود، فهي كلها حواقٌّ. القول الثاني: أن الحاقة بمعنى الحق. قال الليث: الحاقة: النازلة التي حقت، فلا كاذبة لها (١). وهذا الذي ذكره معنى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة: ٢]، وقال غيره: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: الساعة التي يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى، وهي القيامة (٢). وقال صاحب النظم: الحاقة تحق على القوم، أي: تقع بهم (٣) (٤). وقال المبرد: اشتقاقها (٥) من حقَّ الشيء، فهو حاق للواجب (٦) الذي لا شك فيه (٧).

стр. 12022

وقال الزجاج (١): لأنها تحق كل إنسان يعمله من خير وشر (٢). ولا أدري ما معنى هذا القول، ولا أيش (٣) أراد بقوله: يحق كل إنسان يعمله (٤). قال الأزهري: والذي عندي في الحاقة: أنها سميت (٥) بذلك؛ لأنها تحق (٦) كل مُحاق في دين الله بالباطل (٧)، أي كل مخاصم، فتحُقُّه، أي: تغلبه. من قولك: حَاققته أُحَاقهُ حِقاقاً فحققته أحُقُّه، أي: غلبته، وفَلَجْتُ (٨) عليه (٩). قال أبو إسحاق: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ مرفوع بالابتداء، و (ما) في قوله:

стр. 12023

﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ (١)، رفع بالابتداء أيضًا، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية خبرها، والعائد على ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الأولى الثانية على تقدير: الحاقة ما هي. والمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ الاستفهام، كما تقول: زيد مَا هُوَ؟ على تأويل التعظيم لشأنه في مدح كان أو (في) (٢) ذم (٣). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ هو تفخيم وتهويل لها، (و) (٤) مثله قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١، ٢]. قال امرؤ (٥) القيس: دَعْ (٦) عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حُجُراتِه ... ولكِنْ حدِيث ما حديثُ الرَّواحِل (٧) قوله: ﴿مَا﴾ حديث تفخيم وتهويل (له) (٨)، ثم زاد في التهويل فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ و ﴿مَا﴾ مَوْضعها رفع، وإن كان بعد "أدراك" لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، المعنى: ما

стр. 12024

أعلمك أي شيء الحاقة (١). وقال أهل المعاني: إنما قيل له: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ مع أنه يعلمها؛ لأنه إنما يعلمها بالصفة، فقيل تفخيماً لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، أي: كأنك (٢) لست تعلمها (٣) إذا (٤) لم تعاينها, ولم تر ما فيها من أهوالها (٥). قال مقاتل: ثم أخبر عنها فقال: ٤ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ أي أنها: القارعة التي كذبت بها ثمود وعاد (٦). ونحو هذا قال صاحبُ النظم، فقال: ثم وصف ﴿الْحَاقَّةُ﴾ مَا هي، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾، وهذا وهم؛ لأن قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ إخبار عن تكذيبهم بالساعة، وليس وصفاً للحاقة، ولا خبراً عنها (٧). قال المبرد: قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، ثم لم يقع لها تفسير، وقد يقع البيان في التنزيل عما يستفهم (٨) عنه للتعظيم، وقد لا يقع، فما وقع عنه البيان: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة: ٣ - ٤] قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١٠ -

стр. 12025

١١]، وما كف عن خبره فمجازه عند العرب تفخيم للأمر، يقولون: لو رأيت فُلاناً وفي يده السيف. وتأويل هذا تعظيم أمره (١). وقد ذكرنا (٢) هذا في مواضع (٣). ومعنى "القارعة": التي تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن بالجنة. قال أهل التأويل: وإنما حسن أن توضع "القارعة" موضع "الحاقة" لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها "الحاقة" (٤). و"القارعة" يراد بها: القيامة في هذه الآية عند (قول جميع) (٥) المفسرين (٦)، وذكر في بعض التفسير (٧): أنها العذاب الذي نزل بهم،

стр. 12026

وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ أكثر أهل التفسير والعربية على أن "الطاغية" هاهنا بمعنى الطغيان. قال الكلبي: الطاغية: طغيانهم (١). وقال مقاتل: عذبوا بطغيانهم (٢)، وهذا قول ابن عباس (٣) (ومجاهد) (٤) (٥). وقال أبو عبيدة: بطغيانهم، وكفرهم (٦). قال أبو إسحاق: وفاعِلُه قد يأتي (٧) بمعنى المصادر نحو: (عَافية، وعَاقبة) (٨) (٩). وذهب آخرون إلى أن "الطاغية" نعت محذوفٍ على معنى: أهلكوا بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت مقدار الصياح، وهو قول قتادة (١٠). والطاغي من كل شيء: ما تجاوز القدر (١١).

стр. 12027

واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: (الذي يدل عليه معنى الآية أنهم أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾) (١) يعني: أنه لما ذكر ما أهلك به عاد، وهو الريح، كذلك "الطاغية" وجب أن تكون اسماً لما أهلك به ثمود. وتفسير الريح الصرصر قد سبق في موضعين (٢). قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ قال الكلبي: عَاتية (٣): عتت على خُزَّانها يومئذ فلم يحفظوا كم خرج منها ,ولم يخرج قبل ذلك ولا بعده منها شيء إلا بقدر معلوم (٤). وروي هذا مرفوعاً: أن رسول الله ﷺ قال: "طغى الماء على خزانها يوم نوح، وعتت الريح على خَزَّانها يَوم عَاد، فلم يكن لهم عليها سبيل" (٥).

стр. 12028

فعلى هذا القول هي عاتية على الخُزَّان، (وهو قول جماعة من المفسرين) (١) (٢).

стр. 12029

وفيه قول آخر: قال عطاء عن ابن عباس: يريد عتت عليهم (١)، يعني: على عاد. وهو قول ابن زيد، قال: العاتية: القاهرة التي عتت عليهم، فقهرتهم بغير رأفة ولا رحمة (٢). وذكر صاحب النظم قولاً آخر (٣)، فقال: ليس هذا من العتو الذي هو عصيان، إنما هو بلوغ الشيء وانتهاؤه، ومنه قولهم: "عتى (٤) البيت"، أي: بلغ منتهاه وحق (٥). وقال : ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٦)، (وكل شيء انتهى (٧) فقد عتا يعتو (٨) عِتِياً وعُتُوّاً) (٩). وعلى هذا القول معنى "عاتية": بالغة منتهاها في القول والشدة.

стр. 12030

قوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل (١)، والكلبي (٢): سلطها عليهم. وقال غيرهما: أرسلها عليهم (٣). قال أبو إسحاق: أقامها عليهم كما شاء (٤). وقوله: ﴿حُسُومًا﴾ أكثر المفسرين قالوا: متتابعة، وهو قول: عبد الله (٥)، وعكرمة (٦)، ومجاهد (٧)، (وقتادة) (٨) (٩).

стр. 12031

والمعنى: أن هذه الأيام تتابعت عليهم بالريح المُهلكة، فلم يكن فيها فتورٌ ولا انقطاع، ولهذا المعنى قال الكلبي (١)، (والضحاك) (٢)، ومقاتل (٣) في تفسير: "حسوماً": دائمة كاملة. وقال الفراء: (والحسوم: التتابع (٤)، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوله عن (٥) آخره، قيل له: حسوم، وإنما أخذوا -والله أعلم- من حُسِمَ الداءُ، إذا كُوي صاحبُه؛ لأنه يكوى بالمكواة، ثم يتابع ذلك عليه) (٦). وقال عطية: شؤماً (٧). قال اللَّيث: الحَسْم: الشُّؤْم، ويقال: هذه ليالي الحُسُوم تَحْسِم الخير عن أهلها، كما حُسِمَ عن عَاد (٨). وذكر [أبو عبيدة] (٩) القولين، فقال: "حسوماً" ولآء متتابعة، وقالوا: مشائيم (١٠).

стр. 12032

ومعنى الحسم في اللغة: القطع (١) بالاستئصال، وسمي السيف حُسَاماً؛ لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ عداوته، فالحسوم بمعنى الشؤم هي الحاسمة للخير، والحسوم مصدر سمي به (٢). وقال ابن زيد: حسمتهم (٣) فلم تبق منهم أحدًا (٤). وعلى هذا: الحسوم: القاطعة بعذاب (٥) الاستئصال، وهو معنى قول النضر بن شميل: حسمتهم (٦)، فقطعتهم (٧) وأهلكتهم (٨). والحسوم من نعت (٩) قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، ونصب على القطع (١٠) والحال (١١).

стр. 12033

وقال أبو إسحاق: الذي توجبه اللغة في معنى قوله: "حسوماً" (أي تَحْسِمُهُمْ حُسُوماً) (١) تُفْنِيهِم وتُذْهبُهُم (٢). وعلى هذا المعنى: الحسوم مصدر مؤكد (٣) دَلَّ على فعله ما تقدّم من قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾، ويجوز أن يكون مفعولاً (له) (٤)، أي سخرها عليهم هذه المدة للحسوم، أي لقطعهم واستئصالهم (٥). ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ أي في تلك الليالي والأيام. ﴿صَرْعَى﴾: جمع صريع. قال الكلبي (٦)، ومقاتل (٧): يعني موتى يريد أنهم صرعوا بموتهم، فهم مصروعون (٨) صرع الموت. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٩) تفسير هذا متقدم في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (١٠).

стр. 12034

وقوله: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ على عروشها. قال الكلبي: شبه القوم بأسَافل النخل إذا سقطت (١). وقال مقاتل: يعني أصول نخل ساقطة، ليس لها رؤوس، بقيت أصولُها وذهب أعلاها (٢). ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ قوله: ﴿بَاقِيَةٍ﴾ يجوز أن تكون معنى: البقاء، ويجوز أن تكون بمعنى: نفس باقية، أو فرقة باقية (٣). (والمفسرون على هذا القول) (٤). قال ابن عباس: يريد: لم أبقِ (٥) منهم أحدًا (٦).

стр. 12035

وقال مقاتل (١): لم تبق منهم أحدًا (٢). (وذكر الفراء القولين (٣) (٤)). ٨ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي ومن كان قبله من الأمم الكافرة التي كفرت كما كفر هو (٥). و"من" لفظه عَام، ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين (٦). وقُرئ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بكسر (٧) القاف وفتح الباء (٨). قال سيبويه: (قِبَل) لِما وَلِيَ الشيءَ، تقول: "ذهب قِبَلَ السوق" و"لي قِبَلَك حق" أي فيما يَلِيك، واتَّسَع حتى صَار بمنزلة: "لي عليك" (٩). ومعنى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي من يتبعه، وَيحُفُّ به من جنوده وأتباعه،

стр. 12036

ويؤكد هذه القراءة مَا روي أن في حرف أُبَيٍّ: "ومَن معه". (١) وأكثر قول المفسرين على هذه القراءة (٢). قال ابن عباس: يريد جمعه وجنوده (٣). وقال الكلبي: يعني جنده (٤) (٥). وقال مقاتل: يعني ومن معه (٦). وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها (٧)، وهي -هَاهنا- يجوز أن تكون القُرى التي انقلبت بأهلها، فيكون على حذف المضاف.

стр. 12037

قال مقاتل: يعني قرى (قوم) (١) لوط (٢). ويجوز أن تكون المؤتفكات الذين أهلكوا من قوم لوط؛ على معنى: والجماعات والأمم والفرق المؤتفكات (٣). قال ابن عباس: يريد قوم لوط (٤). قال الفراء: (هم الذين ائتفكوا بخطئهم) (٥). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٦). فجعلوا المؤتفكات القوم الذين أهلكُوا. وقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال عطاء: يريد الخطايا التي كانوا يفعلونها (٧).

стр. 12038

وقال الكلبي: يعني بالشرك (١). وقال مقاتل: يعني بالكفر (٢). قال الزجاج: (بالخطأ العظيم) (٣). وهو قول الفراء (٤)، والكسائي (٥). فالخاطئة: مصدر كالخطأ والخطيئة، وهي الكفر والتكذيب. يدل عليه قوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. قال الكلبي: يعني موسى بن عمران (٦). وقال مقاتل: يعني لوطًا (٧). فذهب الكلبي بقوله: ﴿عَصَوْا﴾ إلى فرعون وقومه، وذهب مقاتل إلى المؤتفكات، والوجه أن يقال: المراد بـ"الرسول" كلاهما للخبر عن

стр. 12039

الأمتين بعد ذكرهما بقوله: ﴿فَعَصَوْا﴾ (١)، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال المفسرون: نامية، عالية، (غالبة) (٣)، شديدة، زائدة على عذاب الأمم، كل هذا من ألفاظهم (٤) (٥).

стр. 12040

قال المبرد: أي شديدة، وكبيرة، وأصله من الزيادة (١). وقال الزجاج: معنى رأبية: تزيد على الأحْداث (٢). وقال صاحب النظم: بالغة في الشدة، يقال: ربا الشيء يربُو: إذا زاد وتضاعف. ١١ - قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: يعني: زمن نوح طغى الماء على خزانه، وكثر عليهم، فلم يدروا كم خرج، وليس من السماء قطرة قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم (٣). فذهب -هاهنا- كما ذكر في قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: غضب الماء لغضب (٤) الرب، وطغى على الخزان (٥). وسائر المفسرين قالوا في: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ تجاوز حده، وخرج عن

стр. 12041

(الحد حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه بخمسة عشر ذراعًا. (١) وهو قول: قتادة (٢)، ومقاتل (٣). وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم) (٤) وأنتم في أصلابهم، والذين خوطبوا بهذا (٥) ولد الذين حملوا، وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] (٦) الآية (٧). وهذا معنى قول مقاتل (٨)، والكلبي (٩). وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني في السفينة التي تجري في الماء، وهي سفينة نوح ﵇، و"الجارية" من أسماء السفينة (١٠)، ومنه قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾

стр. 12042

[الرحمن: ٢٤]، وقد مر (١). قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ قال الفراء: النجعل السفينة لكم تذكرة وعظة) (٢)، وليس هذا بالوجه، والوجه ما قال أبو إسحاق: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، ونجاة من آمن معه تذكرة لكم (٣)، أي عبرة وموعظة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال ابن عباس: تحفظها، وتسمعها أذن حَافظةٌ لما جاء من عند الله (٤). والسفينة لا توصف بهذا. (ويقال لكل شيء حفظته في نفسك: قدْ وَعَيْتُهُ، ووعيت العِلمَ، وَوَعَيْتُ ما قلت، ويقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوْعَيْتُهُ، يقال: أوعيت المتاعَ في الوعاء (٥).

стр. 12043

ومنه قول الشاعر (١): وَالشَّرُّ أخْبَثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ (٢) وقال أبو عِمْران الجوني (٣): ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أذن عقلت (٤) عن الله (٥). وقال قتادة: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت (٦)، وأوعت (٧). قال الفراء: لتحفظها كل أذن (٨)، فتكون عظة لمن يأتي بَعْدُ (٩). وقال أبو إسحاق: (معناه: ليحفظ السَّامعُ ما يَسْمع، ويعمل به) (١٠). فمعنى واعية: سامعة حافظة قابلة لما يجعل فيها، وذلك بأن تعتبر،

стр. 12044

وتعمل بالموعظة، والمعنى لصاحب الأذن. قال أهل المعاني: ووجه التذكير في هذا أن نجاة قوم نوح من الغرق بالسفينة، وتغريق مَنْ سواهم يقتضي مدبرًا (١) قادرًا على ما شاء (٢). وقراءة العامة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين (٣). وروي عن ابن كثير: (وتَعْيَها) ساكنة العين (٤)، كأن حرف المضارعة (٥) مع مَا بَعْدَهُ بمنزلة (فَخْذٍ) فأسْكن كما يُسكن (كتِف) ونحوه؛ لأن حروف المضارعة لا تنفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْوَ، وَهْيَ. ومثل ذلك قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] في قراءة من سكن القاف (٦)، وقد سبق الكلام في نحو هذا (٧).

стр. 12045

١٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد النفخة الأولى (١). وقال الكلبي: هي النفخة الآخرة (٢). وهو قول مقاتل (٣)، وقال: (نفخة واحدة) يعني لا تُثَنَّى (٤). قال الأخفش: الفعل (٥) وقع على النفخة إذ لم يكن قبلها (٦) اسم مرفوع (٧)، قال: ويجوز (نفخة واحدة) على المصدرة حكي ذلك عن بعضهم ثم قال: فإما أن (٨) يكون أضمر، وإما أن يكون أخبر عن الفعل خاصة (٩) هذا كلامه. وبيان هذا أن (نفخة) رفع على ما لم يسم (١٠) فاعله. وقوله: إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع يريد أن الفعل لم يقع على شيء يرفعه
следующие страницы →