← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

(الحد حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه بخمسة عشر ذراعًا. (١) وهو قول: قتادة (٢)، ومقاتل (٣). وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم) (٤) وأنتم في أصلابهم، والذين خوطبوا بهذا (٥) ولد الذين حملوا، وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] (٦) الآية (٧). وهذا معنى قول مقاتل (٨)، والكلبي (٩). وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني في السفينة التي تجري في الماء، وهي سفينة نوح ﵇، و"الجارية" من أسماء السفينة (١٠)، ومنه قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾

стр. 12042

[الرحمن: ٢٤]، وقد مر (١). قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ قال الفراء: النجعل السفينة لكم تذكرة وعظة) (٢)، وليس هذا بالوجه، والوجه ما قال أبو إسحاق: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، ونجاة من آمن معه تذكرة لكم (٣)، أي عبرة وموعظة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال ابن عباس: تحفظها، وتسمعها أذن حَافظةٌ لما جاء من عند الله (٤). والسفينة لا توصف بهذا. (ويقال لكل شيء حفظته في نفسك: قدْ وَعَيْتُهُ، ووعيت العِلمَ، وَوَعَيْتُ ما قلت، ويقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوْعَيْتُهُ، يقال: أوعيت المتاعَ في الوعاء (٥).

стр. 12043

ومنه قول الشاعر (١): وَالشَّرُّ أخْبَثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ (٢) وقال أبو عِمْران الجوني (٣): ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أذن عقلت (٤) عن الله (٥). وقال قتادة: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت (٦)، وأوعت (٧). قال الفراء: لتحفظها كل أذن (٨)، فتكون عظة لمن يأتي بَعْدُ (٩). وقال أبو إسحاق: (معناه: ليحفظ السَّامعُ ما يَسْمع، ويعمل به) (١٠). فمعنى واعية: سامعة حافظة قابلة لما يجعل فيها، وذلك بأن تعتبر،

стр. 12044

وتعمل بالموعظة، والمعنى لصاحب الأذن. قال أهل المعاني: ووجه التذكير في هذا أن نجاة قوم نوح من الغرق بالسفينة، وتغريق مَنْ سواهم يقتضي مدبرًا (١) قادرًا على ما شاء (٢). وقراءة العامة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين (٣). وروي عن ابن كثير: (وتَعْيَها) ساكنة العين (٤)، كأن حرف المضارعة (٥) مع مَا بَعْدَهُ بمنزلة (فَخْذٍ) فأسْكن كما يُسكن (كتِف) ونحوه؛ لأن حروف المضارعة لا تنفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْوَ، وَهْيَ. ومثل ذلك قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] في قراءة من سكن القاف (٦)، وقد سبق الكلام في نحو هذا (٧).

стр. 12045

١٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد النفخة الأولى (١). وقال الكلبي: هي النفخة الآخرة (٢). وهو قول مقاتل (٣)، وقال: (نفخة واحدة) يعني لا تُثَنَّى (٤). قال الأخفش: الفعل (٥) وقع على النفخة إذ لم يكن قبلها (٦) اسم مرفوع (٧)، قال: ويجوز (نفخة واحدة) على المصدرة حكي ذلك عن بعضهم ثم قال: فإما أن (٨) يكون أضمر، وإما أن يكون أخبر عن الفعل خاصة (٩) هذا كلامه. وبيان هذا أن (نفخة) رفع على ما لم يسم (١٠) فاعله. وقوله: إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع يريد أن الفعل لم يقع على شيء يرفعه

стр. 12046

في الظاهر، فوقع على النفخة. قوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ على لفظ الخفض (١)، فالتقدير: نفخ نفخة واحدة في الصور، وأما من قال: (نفخة) بالنصب أضمر مفعول (نفخ) ونصب (نفخة) على المصدر، أو اقتصر على الإخبار عن الفعل، كما تقول: (ضرب ضربًا) (٢) هذا معنى كلامه. وقال أبو إسحاق: النصب جائز على أن قولك: (في الصور) يقوم مقام ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن المعنى: نفخ الصور نفخة، وإنما ذكَّر نفخ , لأن تأنيث نفخة ليس بحقيقي , لأن النفخة والنفخ واحد (٣). قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال مقاتل: رفعت من أماكنها (٤)، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: قال ابن عباس: فُتَّتَا فَتة (٥) واحدة (٦) (٧).

стр. 12047

وقال مقاتل: كسرتا كسرة واحدة، لا شيء حتى يستوي ما عليها (١) من شئ مثل الأديم (٢) الممدود (٣). وذكرنا (٤) تفسير (الدك) عند قوله: ﴿جَعَلَهُ دكَآءَ﴾ [الكهف: ٩٨] ولا يجوز في (دكة) هاهنا إلا النصب؛ لارتفاع الضمير في (دكتا). قال الفراء: ولم يقل: فدككن؛ لأنه جعل الجبال كالواحد (٥) , والأرض كالواحدة، كما قال: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ولم يقل: كُنَّ (٦). قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾. قال الكلبي: قامت القيامة (٧). ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ لنزول من فيها من الملائكة؛ قاله مقاتل (٨). ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال الليث: يقال: وَهَى الثوبُ والقِرْبةُ والْحَبْلُ ونحوه إذا تَفَزَّرَ واسترْخَى (٩).

стр. 12048

وقال الكسائي: وَهَى يَهي وَهْيًا ووهِيًّا (١). قال أبو إسحاق: (يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وَهَى، فهو واهٍ) (٢). قال الفراء: (وَهْيُها: تشقُّقها) (٣). قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ معنى الأرجاء في اللغة: النواحي، يقال: رَجًا ورَجَوان، والجميع: أرجاء، ويقال ذلك لحرف (٤) البئر، وحرف القبر، وما أشبه ذلك (٥). وأنشد (أبو عبيد (٦) لعَبِيد) بن الأبرص (٧): رِيشُ الحَمَامِ على أرْجَائِهِ ... لِلْقَلْب مِنْ خَوْفِهِ وَجِيبُ (٨) والمفسرون يقولون: على حَافَاتِها (٩) وأطرافها ونواحيها وأقطارها (١٠). كل هذا من ألفاظهم.

стр. 12049

واختلفوا أن المراد بالأرجاء: أرجاء الأرض، أم السماء؟ فقال الكلبي: يقول: على حروفها وأطراف الأرض (١). وقال سعيد بن جبير: على أرجائها ما لم تنشق (٢) منها (٣). وروي عن ابن عباس: على ما لمْ يَهِ منها (٤). وهذا يدل على أن الملك على أرجاء السماء. وروى (جُوَيْبِر (٥) عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة (٦) على أرجائها حين يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن عليها. وهذا جامع للقولين (٧).

стр. 12050

قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾. قال مقاتل: يعني فوق رؤوسهم (١)، كأنه يعني فوق رؤوس الحَمَلة. قوله: ﴿يَوْمئِذٍ﴾. يعني: يوم القيامة. ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ روي عن العباس ﵁ قال: (ثمانية أملاك على صور الأوعَال (٢)) (٣). وروي أيضًا عنه في حديث مرفوع "أن فوق السماء (٤) السابعة ثمانية أوعال، بين أظلافهن ورُكَبِهِنَّ مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظُهُورِهِنَّ

стр. 12051

العرشُ" (١). وقال عطاء عن ميسرة (٢):

стр. 12052

(أرجلهم في تُخوم (١) الأرض السَّابعة يحملون العرش (٢)، ما منهم من أحد يرفع طرفه (٣). وقال عطاء (٤)، (والكلبي (٥) (٦): ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر كثرة (٧) عدد الملائكة بما يطول ذكره. وقال مقاتل: ثمانية أجزاء من الكروبيين (٨)، لا يعلم كثرتهم (٩) إلا الله (١٠).

стр. 12053

وقال الكلبي أيضًا: وهو يروى عن ابن عباس (١)، قال: ثمانية صفوف من الملائكة (٢). وقال محمد بن إسحاق: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى (٣)، فكانوا ثمانية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ " (٤) ١٨ - قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ قال مقاتل: تعرضون على الله لحسابكم، فلا يخفى منكم خافية (٥)، [وهو] (٦) معنى (٧) قول عطاء، عن ابن عباس: لا يخفى منكم على الله فعلة خافية، وخصلة خافية (٨)، ونحو ذلك ذكر الكلبي، فقال: يقول: لا تخفى على الله من أعمالكم شيء (٩)، ثم قال: ويقال: لا يخفى على الله أحد (١٠)، وهو معنى قول مقاتل: لا يخفى

стр. 12054

الصَّالح ولا الطالح (١) إذا عُرِضتم (٢)، وعلى هذا التقدير: لا يخفى منكم نفس خافية. وقراءة العامة: ﴿لَا تَخفَى﴾ بالتاء (٣)، واختار أبو عبيد الياء (٤)، وهو قراءة حمزة، والكسائي (٥)، قال (٦): لأن الياء تجوز للذكر (٧) والأنثى، والتاء لا تجوز إلا للأنثى، ومع هذا فقد حيل بين الاسم والفعل بقوله: ﴿مِنكُمْ﴾. قال المفسرون (٨): يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمَّا

стр. 12055

عرضتان فجدال ومعاذير (١)، وأمَّا العرضة الثالثة فعندَها تتطاير الصحف في الأيدي، فذلك قوله: ١٩ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (٢)، (والكلبي (٣) (٤)، ومقاتل (٥) نزلت في أبي سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد

стр. 12056

المخزومي؛ زوج أم سلمة: يُعطى كتابًا بيمينه. قال الكلبي: فيقرأ سيئاته في باطنها، فيسوؤه ذلك، ويقرأ الناس حسناته في ظاهرها، فيقولون: نجا هذا، فإذ بلغ أسفل كتابه قيل له: إن الله قد غفر لك، فيبيض وجْهُهُ، ويشرق لونه، ثم تُقرأ حسناته في ظاهرها (١)، فيسره ذلك (٢)، ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ يقول: تعالوا اقرؤوا حسَابيه (٣)، وبنحو هذا قال ابن زيد (٤) في تفسير (هاؤم): تعالوا (٥). وقال مقاتل: يعني هلمَّ (٦). (٧) وأما أهل اللغة، فإنهم يقولون في تفسيرها: هاؤم: خذوا (٨). ومنه حديث الربا: "إلا هاء وهاء" (٩)، وهو أن

стр. 12057

يقول كل واحد من البيعين (١) لصاحبه: خذ، فيعطيه (٢) ما في يده. وقال (٣) ابن السِّكِّيت: يقال: هَاءِ يا رجلُ (٤)، [وهَاؤم] (٥) يا رجال، وهَاءِ (٦) يا امرأة، وهَاءِ -مكسورة بلا ياءٍ (٧) -، وهَائِيا (٨)، وهَاؤنَّ: يا نسوة، قال: ولغة أخرى: هَأ يا رجل، وللاثنين: هَاءا (٩) بمنزلة: هَاعا (١٠)، وللجميع: هَاؤوا وللمرأة هَائي (١١)، وللثنتين (١٢): هَائيا, وللجميع: هَأن

стр. 12058

يا نسوة بمنزلة هَعْن، ولغة أخرى: هَاءِ يا رجل بهمزة مكسورة، وللاثنين: هَائيا, وللجميع: هَاؤوا, وللمرأة: هائي، وهائيا (١)، وللجميع: هائين، قال وإذا قيل لك: هاءِ قلت: ما أهاءُ يا هذا، أي: ما آخذ، وما أُهاءُ، أي: ما أعطَى (٢). ونحو هذا قال [الكسائي] (٣) وأبو الهيثم (٤) (٥). وقال أبو زيد: (قالوا: هاءَ يا رجل بالفتح، وهاءِ يا رجلُ بالكسر، وللاثنين: هاءَيا بالفتح- في اللغتين جميعًا، ولم يكسروا في الاثنين، وهاؤوا في الجميع، وأنشد: قوموا فهاؤوا الحقَّ نَنْزِلْ عِندَه ... إذْ لم [يكن] (٦) لكمُ علينا مَفْخَرُ (٧) ومن العرب من يقول: هاكَ هذا يا رجل، وهاكما، وهاكم، وهاك،

стр. 12059

وهاكما، وهاكن (١). وقال أبو القاسم الزجاجي: أجود هذه اللغات ما حكاه سيبويه عن العرب، فقال: ومما يؤمر به من المبنيات قولهم: ها يا فتى، ومعناه: تناول. ويفتحون الهمزة، ويجعلون فتحها (٢) عَلَمَ المذكر، كما قالوا: هاكَ يا فتى، فيجعل فتحة الكاف علامة المذكر، ويقول للاثنين: هاؤما، وهاؤموا، وهاؤم (٣). والميم في هذا الموضع كالميم في أنتما، وأنتم، وهذه الضمة التي تولدت في همزة هاؤُمُ، وإنما هي لضمة (ميم) الجمع؛ لأن الأصل فيه: هاءه مُوا، وأنتمو، فأتبعوا الضمة، وحكموا للاثنين بحكم الجمع؛ لأن الاثنين عندهم في حكم الجمع في كثير من الأحكام، وكتبت واوًا لانضمامها (٤)، وهي الهمزة التي كانت في هآ، وها بمعنى تناول اسم الفعل بمنزلة (صه)، أي: اسكت (٥) (٦). واختلف (٧) أهل اللغة في الفعل بين الاثنين من هذه الكلمة (٨): فذكر بعضهم: هاءَ وأيهاوِيّ، مُهَاواة إذا أعطى (٩) كل واحد منهما صاحبه، وهذا

стр. 12060

مأخوذ من هاءَ. ومنهم من يقول: هاوي، غير مهموز، ومهاواة. وهذا أكثر في استعمال الفقهاء (١)، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: إبدال الهمزة ياء. والآخر: أن يكون بناء من (ها) غير مهموز. قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (القراء مختلفون في إثبات هذه الهاء (٢)، وكذلك التي في ﴿مَالِيَهْ﴾، و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ فمنهم (٣): من يثبتها وصلًا ووقفًا. ومنهم (٤): من يحذف في الوصل، ويثبت في الوقف. ووجه إثباتها في

стр. 12061

الوصل: أن ما كان (١) من ذلك فاصلة، أو مشبهاً للفاصلة (٢) في أنه كلام تام (٣)، يُشَبَّهُ بالقافية، فيُجْعَلُ في الوصل مثلَهُ في الوقف، كما يُفْعَلُ ذلك بالقافية. وقول حمزة في ذلك [أسدُّ] (٤)؛ لأنه يحذف هذه كلها في الوصل، وهو الوجه. والكسائي أثبت البعض (٥)، وحذف البعض (٦)؛ لأنه شبه البعض بالقوافي، فأثبت الهاء فيه في الوصل، كما تثبت في القوافي، ولم يُشَبِّهِ البعض، وكلا (٧) الأمرين سائغ. وفي إجماعهم على الإثبات (٨) في ﴿كِتَابِيَهْ﴾، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ دلالة على تشبيههم ذلك بالقوافي. ولإثبات هذه (الهاءات) وجه في القياس، وذلك أن سيبويه حكى في العدد: أنهم يقولون: ثلاثة (رابعهم) (٩)، فقد أجروا الوصل في هذا مجرى

стр. 12062

الوقف، ألا ترى أنهم ألقوا حركة الهمزة على (التاء) التي للتأنيث، وأبقوها (هاء) كما يكون في الوقف، ولم يقلبوها (تاء) كما يقولون في الوصل: هذه ثلاثتك بالتاء، فكذلك قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾) (١). والكلام في هذه (الهاءات) قد تقدم في قوله: ﴿لَمَ يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. (قوله) (٢): ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال المفسرون: علمت، وأيقنت في الدنيا (٣) ﴿أنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ في الآخرة، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١] أي حاله من العيش، ﴿رَاضِيَةٍ﴾ رضاها (٤) في الجنة بأن لقي الثواب، وأمن العقاب؛ قاله مقاتل (٥)، وعطاء (٦). قال الفراء: (عيشة راضية) فيها الرضا، والعرب تقول: ليل نائم،

стр. 12063

وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلًا، وهو في الأصل مفعول، وذلك أنهم يقولون ذلك لا علي بناء الفعل، ولو كان فعلًا مصرحًا لم يُقل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يقال للمضروب (١): ضارب (٢). وقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ﴾ (٣) [هود: ٤٣]. قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ قال المفسرون: ثمارها قريبة ممن

стр. 12064

يتناولها، تدنو منه إذا أرادها (١)، فيتناول منها ما شاء (٢). والقطف: ما يُقطف من الثمار، والقطف المصدر، والقِطاف بالكسر والفتح وقت القطف (٣). قوله: ﴿كُلُواْ﴾ أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئًا، وإنما جمع الخطاب بعد قوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، لقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ , و (من) يتضمن [معنى] (٤) الجمع.

стр. 12065

قوله تعالى: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (١) أي قدمتم من أعمالكم الصالحة. ومعنى الأسلاف في اللغة: تقديم ما يرجو أن يعود (٢) خيرًا (٣)، فهو كالإقراض، ومن هذا يقال: أسلف في كذا: إذا قدم فيه ماله (٤). والمعنى: بما عملتم من الأعمال الصالحة. وقال ابن عباس: بما قدمتم في الأيام الخالية، قال: يريد أيام الدنيا (٥). و ﴿الْخَالِيَةِ﴾ الماضية، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ﴾ [الأحقاف: ١٧]، و ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤, و١٤١]. وقال الكلبي: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ يعني الصوم (٦)، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنهما بالصوم طاعة لله تعالى.

стр. 12066

٢٥ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ قال عطاء (١)، ومقاتل (٢): نزلت (٣) في الأسود بن الأسد (٤) المخزومي، أخو الذي نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٥) قتله حمزة ببدر. قال مقاتل: يعطيه مَلَكه الذي كتب عمله في الدنيا (٦)، فيتمنى أنه لم (٧) يؤت لما يرى فيه من مقابيح أعماله التي تسود لها وجهه. ٢٦ - ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ أي ولم أدر أي شيء (في) (٨) حسابي (٩)؛ لأنه لا حاصل له، ولا طائل في ذلك الحساب، وإنما كله عليه. قال الكلبي: إنه يقرؤه فيسوؤه ذلك، فيسودّ وجهه، وتزرق (١٠) عيناه (١١)، ثم يتمنى أنه لم يبعث، فقال: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ قال

стр. 12067

ابن عباس: يريد موتاً لا حياة بعده (١). وقال الفراء: (يقول: ليت الموتة الأولى التي منها لم أحي (٢) بعدها) (٣). والكناية في (ليتها) عن غير مذكور، ومعنى (القاضية) القاطعة عن الحياة (٤). وقال قتادة في هذه الآية: تمنى الموت، ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت (٥). معنى هذا أنه تمنى دوام الموت، وأن الموت (٦) [الذى] (٧) نزل به بقي له حتى لم يبعث للحساب. ٢٨ - وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا. ٢٩ - ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ قال عطاءعن ابن عباس (٨): ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد (٩).

стр. 12068

وقال مقاتل: ضلت عني حجتي، يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك (١). وقال الربيع: هلك عني سلطاني (٢) الذي كان لي في الدنيا -قال- وكان مُطاعًا في أصحابه (٣). ونحو هذا قال ابن زيد: زال عني ملكي (٤). والأكثرون على أن (٥) السلطان هو الحجة (٦)، (وهو قول مجاهد (٧)، والضحاك (٨)) (٩). وقال الحسن: قد جعل لكل إنسان سلطانًا على نفسه ودينه

стр. 12069

وعيشه (١). وعلى هذا معنى الآية: زال (٢) عني ملكي (٣)، فلا أملك لنفسي شيئاً، وذلك أنه ندم وعلم حين لم ينفعه ذلك، ولو كان ذلك في (٤) الدنيا حين كان سطانه باقيًا نفعه، وحينئذ يقول الله (٥) لخزنة جهنم: ﴿خُذُوُه﴾ فيبتدرونه (٦) مائة ألف ملك، ثم يجمع يده إلى عنقه، فذلك قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ قال الكلبي: أدخلوه (٧). قال المبرد: يقال: أصليته النار، إذا أوردته إياها، وصلّيته أيضًا، كما يقال: أكرمته (٨) وكرّمته (٩). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ وهي حلق (١٠) منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام (١١)، فهو مسلسل. وقوله (١٢): ﴿ذَرْعُهَا﴾ معنى الذرع في اللغة: التقدير بالذراع من اليد، يقال:

стр. 12070

ذرع الثوب يذرعه ذرعًا، إذا قدره بذراعه، ويقال: كم ذرع هذا الثوب؟ أي كم يبلغ إذا ذرع (١)؟ قوله: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال نوف: كل ذراع سبعون باعًا (٢)، كل باع أبعد ما بينك وبين مكة، وكان في رحبة (٣) الكوفة (٤).

стр. 12071

وقال مقاتل: الذراع منها بذراع الرجل الطويل من الخلق الأول، ولو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص (١). وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو (٢). وقال كعب: إن حلقة من تلك السلسلة مثل جميع حديد الدنيا (٣). قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني فاجعلوه فيها (٤). قال المبرد (٥): يقال: سلكته في الطريق، وفي القيد، وغير ذلك، وأسلكته، ومعناه: أدخلته، ولغة القرآن: سلكته، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، وقال: ﴿سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦). قال عبد مناف الهذلي:

стр. 12072

وحتى إذا أَسْلَكُوهُمْ في قُتائِدَةٍ (١) قال ابن عباس: يدخل في دُبره، ويخرج من حَلْقِه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه (٢). وقال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ، ثم يجعل في عنقه سائرها (٣). وهذا يدل على أنه منفرد بتلك السلسلة. وقد قال سويد بن أبي نجيح (٤): بلغني أن جميع أهل النار (٥) في تلك السلسلة (٦) (٧).

стр. 12073

قال الفراء: المعنى: ثم اسلكوه (١) فيه (٢) السلسلة، ولكن تقول: أدخلت رأسي في القلنسوة (٣)، وأدخلتها في رأسي، ويقال: الخاتم لا يدخل في يدي، واليد هي التي تدخل في الخاتم، والخف يقال فيه أيضًا، استجازوا ذلك؛ لأن معناه (٤) معروف، ولا يُشكل ذلك على أحد، فأستخفوا من ذلك ما جرى على ألسنتهم (٥). ٣٣ - فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾ لا يصدق بعظمة الله وتوحيده: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ (٦) نفسه، ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في الدنيا؛ قاله مقاتل (٧). وقال غيره: لا يأمر أهله بإطعام المسكين (٨). الطعام هاهنا: اسم أقيم مقام الإطعام، كما يوضع الطعام موضع الإعطاء. قال القُطَامِيُّ: وبعد عَطائِكَ المائةَ الرِّتَاعا (٩)

стр. 12074

قال الحسن في هذه الآية: أدركت أقوامًا يعزمون على أهليهم (أن) (١) لا يردوا سائلاً (٢)، وأن أهل البيت ليبتلون بالسائل ما هو من الجن ولا الإنس (٣) ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ يعني في الآخرة، ﴿حَمِيمٌ﴾ قالوا: قريب ينفعه أو يشفع له (٤)، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. ٣٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ روى عكرمة عن ابن

стр. 12075

عباس قال: لا أدري ما الغسلين (١)؟. وروى عطاء عنه قال: قالوا: صديد أهل النار (٢). وقال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح، والدم، والصديد إذا عُذِبوا (٣). وقال أبو عبيدة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فِعْلين من الغسل (٤). وقال الأخفش: (الغسلين) [ما انغسل] (٥) من لحومهم ودمائهم، فزيد الياء والنون (٦).

стр. 12076

وقال المبرد: هو فعلين، من غسالة أهل النار (سمي غسلينًا) (١) (٢). وقال الزجاج: واشتقاقه مما ينغسل مِنْ أبدانِهِم (٣). وقال أهل المعاني: (الغسلين: الصديد (٤) الذي يسيل من أهل النار (٥)، سمي غسلينًا لسيلانه من أبدانهم، كأنه ينغسل منهم (٦). والطعام ما هُيِّئ (٧) للأكل، فلما هُيِّئ الصديد ليأكله أهل النار (سمي غسلينًا) (٨) كان طعامًا لهم، ويجوز أن يكون المعنى: إن ذلك أقيم لهم مقام الطعام، فسمي طعامًا لما أقيم له (مقامه) (٩)، كما قالوا: تحيتك الضرب (١٠)، والتحية لا تكون ضربًا، ولكنه لما أقام الضرب مقامه جاز (١١) أن يسمّى به) (١٢). ثم

стр. 12077

ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾، قال الكلبي: يعني من يخطأ بالشرك (١). ٣٨ - ﴿فَلَا (٢) أُقْسِمُ (٣)﴾ (٣) ذكرنا هذا في مواضع (٤)، أن (لا) هاهنا يجوز أن تكون صلة (٥) مؤكدة (٦)، ويجوز أن تكون ردًا لكلام من سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما (٧) يقول المشركون (٨). وقال بعض أهل المعاني: (لا) هاهنا نافية للقسم، على معنى أنه لا يحتاج إليه، لوضوح (٩) الحق في: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾

стр. 12078

[الحاقة: ٤٠]؛ قال: وفي هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم (١). قوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: بما تبصرون اليوم، وما لا تبصرون من الهدى الذي جاء به محمد ﷺ (٢) وقال الكلبي: بما تبصرون من الخلق من شيء، وبما لا تبصرون من شيء (٣). وقال مقاتل: بما تبصرون من الخلق، وبما لا تبصرون من الخلق (٤). وقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما (٥) يبصر منها، وما لا يُبْصَرُ (٦). والمعنى في هذا: جميع المكونات، والموجودات، فيدخل في هذا: الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾. يعني القرآن. والرسول الكريم هو: جبريل، في قول الكلبي (٧)، ومقاتل (٨). ويكون المعنى: إنه لرسالة رسول كريم، فسمى رسالته: قولاً.

стр. 12079

وقال الحسن: هو محمد ﷺ (١). وعلى هذا معناه: إنه لتلاوة رسول كريم، وتلاوته: قوله. وهذا هو الأظهر (٢) لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ وهم إنما نسبوا محمدًا ﷺ إلى أنه شاعر، لا جبريل. وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. (ما) لغو، وهي مؤكدة (٣). قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله (٤). والمعنى: لا يؤمنون أصلاً، والعرب تقول: قلما تأتينا، يريدون: لا يأتينا أصلاً. وقال الكلبي: القليل ما إيمانهم أنهم: إذا سئلوا من خلقهم؟ (ليقولن الله (٥) (٦) وهذا مشروح في مواضع (٧).

стр. 12080

(وقُرئ: (تؤمنون) و ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) بالتاء (٢)، على خطاب المشركين (٣)، وبالياء على أنه خطاب لمحمد ﷺ ، وإخبار عن المشركين (٤)، كأنه قال: قليلاً ما يؤمنون يا محمد) (٥). ثم بين أن القرآن مع أنه قول رسول كريم؛ تنزيل من الله، فقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ أي: هو تنزيل ﴿وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا﴾ محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه [ما] (٦) لم يوح إليه. قال المفسرون (٧): لو تقول علينا محمد شيئاً (٨) من تلقاء نفسه لم نقله ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا
следующие страницы →