← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

عمل الفعل نحو: صاحب، ودَرٍّ (١) في قولك: لله دَرُّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسمُ فاعل، أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى. ويدلك على تعرف هذا الاسم وكونه علماً أن التنوين لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادثِ في العَلَم، وإن علّقت (نزاعة) بفعل مضمر نحو: أعنيها نزاعة للشوى لم يمتنع) (٢). والشوى: الأطراف، وهي: اليدان (٣)، والرجلان، ومنه قول امرئ القيس: سليم الشظى (٤) عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا (٥) (٦)

стр. 12112

ومن هذا يقال للرامي إذا لم يصب القتل: أشوى، أي أصاب الشوى، والشوى ليس بمقتل، والشوى أيضًا جلد الرأس، واحدتها شواة. ومنه قول الأعشى: قالتْ قُتَيْلَةُ ما لَه ... قدجُلِّلَتْ شَيْباً شَواتُه (١) (هذا قول جميع أهل اللغة (٢)) (٣). قال مقاتل: تنزع النار الهامة (٤) والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته (٥).

стр. 12113

وأكثر المفسرين (١) على أنها: الأطراف، (وهو قول مجاهد (٢) (٣)). وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب (٤). وقال أبو إسحاق: لحم (٥) الساقين (٦). وقال ثابت البناني: لمكارم وجه بني آدم (٧). قوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾ قال ابن عباس: تدعو (٨) من أدبر عن الإسلام، ودعاؤها أن تقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، إليَّ يا فاسق، إليَّ يا ظالم (٩).

стр. 12114

وقال مقاتل: تدعو (١) النار يوم القيامة: إليَّ أهلي، إليَّ أهلي (٢). فهذا دعاؤها، وهذا قول المفسرين؛ قالوا: تدعُو من أدبر عن الحق باسمه (٣). وقال المبرد: تدعو معناه بعذاب (٤). روى عمرو عن أبيه: الداعي المعذب دعاه الله، أي: عذبه (٥). (قوله تعالى) (٦): ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ قالوا: جمع المال، فأمسكه ولم ينفقه في طاعة الله (٧).

стр. 12115

ومعنى أوعى: جعله في وعاء، فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. (قوله تعالى) (١): ﴿الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ يقال: هلع الرجل، يهْلَع هَلَعًا وهلاعًا، فهو هالِع وهلُوع، وهو شدة الحرْص، وقلة الصبر، يقال: جَاعَ فهلع، وأصيب فهلع، أي قلّ صبرُه. قال عمرو بن مَعْديكرب: ما إن جزِعْتُ ولا هَلَعْـ ... ـتُ ولا يرد بكاي (٢) زَنْدا (٣) هذا قول جماعة (٤) أهل اللغة (٥). وقال الفراء: الهلوع: الضجور (٦) (٧). وقال المبرد: الهلع، والجزع: يقال (٨): نعوذ بالله من الهَلَع عند

стр. 12116

منازلة الأقران (١) (٢). وأكثر المفسرين (٣) وأهل اللغة (٤) قالوا: تفسير الهلوع: (قوله تعالى) (٥): ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾، وهو الحريص الجازع. وألفاظ المفسرين في هذه قريبة المعنى؛ بعضها من بعض، قالوا: هو الجزع، الضجور، الشره، في ألفاظ كثيرة تعود إلى هذا المعنى (٦).

стр. 12117

ثم نعته فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾. يعني البؤس والفقر. ﴿جَزُوعًا﴾ لا يصبر، ولا يحتسب. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ إذا أصاب المال. (منوعا) يمنعه من حقوق الله. ٢٢ - ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ وذلك أن الإنسان اسم الجنس، فهو في معنى الناس (١). ٢٣ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ قال عبد الله (٢) (٣)، وابن عباس (٤): يعني على مواقيتها يقيمونها في أوقاتها.

стр. 12118

قال إبراهيم: هي المكتوبة (١). وقال مقاتل: لا يدعونها بالليل والنهار (٢). وروي عن عمران بن حُصَين (٣)، وعقبة بن عامر (٤) -رضي (٥) الله عنهما- أنهما قالا: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً. قال أبو إسحاق: (أي أنهم لا يزيلون وجوههم عن سمْت (٦) القبلة، واشتقاقه من الدائم، وهو الساكن (٧)، ومنه الحديث في النهي عن البول في الماء الدائم) (٨) (٩).

стр. 12119

٢٤ - قوله تعالى (١): ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ قال الحسن (٢)، والكلبي (٣)، وابن سيرين: يعني الزكاة المفروضة (٤). روى عكرمة عن ابن عباس (٥) قال: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه (٦) أن لا يتصدق (٧). وقال آخرون: هذا الحق سوى الزكاة (٨)، وهو قول: عامر (٩)، ومجاهد (١٠)، وعطاء (١١) (وإبراهيم (١٢)، ورواية هشام (١٣) عن

стр. 12120

الحسن (١)) (٢)، وقول ابن عمر (٣)، قالوا: في المال حق سوى الزكاة (٤)، وهذا يكون على طريق الندب والاستحباب (٥). قوله: ﴿لِلسَّائِلِ﴾ يعني الذي يسأل. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ (٦) قال ابن عباس: هو

стр. 12121

الذي أصيب زرعه أو تجارته، وهو لا يسأل (١). وقال أبو قلابة: كان رجل من أهل اليمامة (٢) له مال، فجاءه سيل (٣)، فذهب بماله، فقال رجل من أصحاب محمد ﷺ : هذا المحروم فاقسموا له (٤). وقال أبو إسحاق: هو الذي حرم المكاسب وهو لا يسأل (٥). وقد فسرنا هذا (٦) في سورة الذاريات (٧)، وما بعد هذا (٨) مفسر في

стр. 12122

سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]. (وقرئ ﴿بشهادتهم﴾ (١)، والإفراد أولى (٢)؛ لأنه مصدر، فيفرد كما

стр. 12123

تفرد المصادر وإن أضيف إلى الجمع، كما قال: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات (١)، وكثرة ضروبها، فحسن (٢) الجمع من جهة الاختلاف) (٣). وأكثر المفسرين (٤) قالوا: يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها. روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له (٥). والمعنى: أنهم يحفظون ما شهدوا به من هذه الشهادة، فلا يشركون بالله. ٣٦ - (قوله تعالى) (٦): ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ نزلت هذه الآيات (٧) في جماعة المستهزئين، جلسوا حول النبي ﷺ حلقاً يستهزئون

стр. 12124

بالقرآن، ويكذبون به. يقول الله تعالى: ما لهم في النظر نحوك، والجلوس عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون؛ وذلك أن نظرهم إليه كأنه نظر عداوة، وجلوسهم عند الاستهزاء (١). قال ابن عباس: يريد: نحوك مقبلين (٢) (٣). وقال الكلبي: ناظرين إليك تعجبًا (٤). وقد تقدم تفسير "المهطع" (٥). ٣٧ - وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾، وذلك أنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين (٦). ومعنى ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، واحدها عِزَة، وهي: العصبة من الناس، وهو من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضاً من المحذوف، وأصلها عِزوة (٧).

стр. 12125

والكلام في هذا كالكلام في (عضين (١))، وقد مرَّ. وقال الأزهري: وأصلها من قولهم: عزا فلان نفسه إلى بني فلان، يعزوها عزوًا: إذا انتمى (٢) إليهم، والاسم: العَزوة، وكأن العزوة كل جماعة اعتزاؤها واحد (٣). قال المفسرون (٤):

стр. 12126

كانوا يقولون: إن كان أصحاب (١) محمد يدخلون الجنة، فإنا ندخلها (٢) قبلهم، وإن أعطوا فيها شيئاً أعطينا أكثر منه، فقال الله : ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾، والنعيم: ضد البؤس. قال (ابن) (٣) عباس: يقول: أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون، ويتنعم فيها، وقد كذب بنبيي (٤)؟. ﴿كَلَّا﴾ لا يكون ذلك، ثم استأنف كلامًا يدل على (٥) البعث (٦) فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. هذا معنى قول مقاتل (٧)، وعلى هذا لا تعلق لهذا الكلام بما قبله. وقال غيره (٨): هذا يتعلق بما قبله؛ على معنى: أنهم يعلمون مما

стр. 12127

خلقوا من المقاذر (١) والأنجاس، فمتى يدخلون الجنة ولم يؤمنوا بربهم، ولم يصدقوا (٢) رسوله (٣)! نبه الله تعالى بهذا (٤) على أن الناس متساوون (كلهم) (٥) من (٦) أصل واحد وشيء واحد، فتضمن هذا أنهم متساوون في أصل الخلقة، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة، هذا معنى قول أكثرهم (٧). واختاره الزجاج، فقال: المعنى: فأي شيء لهم يدخلون به الجنة (٨) (٩). وذُكر فيه قول آخر وهو أن المستهزئين (١٠) قالوا يحتقرون المؤمنين ويزرؤون بفقرائهم، فذكر الله أنهم مخلقون مما خلقوا. وهذا معنى قول الفراء: ولمَ يحتقرونهم، وقد خلقناهم جميعًا من تراب (١١)؟!.

стр. 12128

٤٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: وأقسم، وقد مر هذا في مواضع (١). وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني مشرق كل (٢) يوم من السنة، ومغربه. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ على أن نهلكهم حين عصوا. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ من يطيعني. وقال مقاتل: لقادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله (٣). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مفسر في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ (٤). وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ مفسر في آخر سورة الطور (٥). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، أي: ينسلون بسرعة، فكأنهم إلى عَلَمٍ نُصِبَ لهم يستبقون، وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وكقوله:

стр. 12129

﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (١) الآيات. والنصب: كل شيء نُصب. قال ابن عباس: إلى غاية (٢)، أو علم يسرعون (٣). وهو [قول] (٤) أكثر المفسرين (٥). وقال الحسن: يعني إلى أنصابهم أيهم يستلم أولاً (٦)، يعني الأوثان. قال أبو إسحاق: وهذا على قراءة من قرأ: ﴿نَصَبٌ﴾ بضمتين (٧)، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: ومعناه: أصنام لهم (٨).

стр. 12130

قال أبو علي: (النُصْب) يجوز أن يكون جمع نَصْب مثل: سَقْفٍ، وسُقْفٍ، ووَرْدٍ، ووُرْدٍ، فيجوز فيه التخفيف والتثقيل (١)، مثل: أَسدٍ في جمع أُسَدٍ، قال ويجوز أن يكون النَّصْبُ والنُّصْبُ لغتين مثل: الضَّعْف، والضُّعف، ويكون التثقيل كَشُغْل، وشُغُل، وطُنْب، وطُنُب (٢). والكلام في النصب والأنصاب قد تقدم (٣). وقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ قال [أبو عبيدة] (٤): يسرعون (٥).

стр. 12131

ونحو ذلك قال الزجاج (١)، والفراء (٢). وأنشدوا: لأنْعَتَنْ (٣) نَعامَةً مِيفاضا ... خَرْجاءَ ظلت تطلُبُ الأضاضا (٤) قال الزجاج: الميفاض: السريعة، والأضاض: الموضع الذي يُلْجأ إليه، [يقال] (٥): أضَّتْني إليك حاجةً أضاضا (٦). وقال المبرد: الإيفاض (٧): ضرب من السير (٨). وجميع ألفاظ المفسرين دالة على الإسراع.

стр. 12132

قال ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل (٣): يسعون. وقال أبو (العالية) (٤)، ومجاهد (٥): يستبقون (٦). وقال الحسن: يبتدرون (٧). وقال محمد بن كعب: يشتدون (٨). وقال الليث: الإبل تَفِضُ وَفْضًا، وتَسْتَوْفِض، وأوفَضَها صاحبها. وعلى هذا الإيفاض واقع، وهو في الآية مطاوع (٩)، ويقال: وفض واستوفض بمعنى واحد (١٠).

стр. 12133

سورة نوح

стр. 12134

تفسير سورة نوح (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ قال الفراء (٢)، والزجاج (٣): (أنْ) في موضع (٤) نصب؛ لأنك أسقطت منه الخافض، لأن الأصل بأن أنْذِرْ قَوْمَكَ، فلما سقطت الباء أفضى الفعل إلى (أن) فنصبها. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون [أنْ] (٥) تفسيرًا لما أرسل به، فيكون المعنى (٦): إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك (٧). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الكلبي (٨)، ومقاتل (٩):

стр. 12135

يعني الغرق بالطوفان (١). قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أن) في محل نصب بقوله: [مبين]، أي: أبين لكم. قال مقاتل (٢) (٣)، والكلبي (٤): وحدوا الله. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في التوحيد (٥). ٤ - وقوله (٦): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت (من) تختص الذنوب من سائر الأشياء لم تدخل (٧) لتبعيض الذنوب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٨) [الحج: ٣٠]. وقال غيره (٩): (من) بمعنى: (عن)، والمعنى: يصفح لكم عن

стр. 12136

ذنوبكم (١). ويجوز أن يريد: يغفر لكم السالفة من ذنوبكم، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق قيدت بهذا التقييد (٢). قال مقاتل: (من) هاهنا صلة، يعني: يغفر لكم ذنوبكم (٣). (ونحوه قال الكلبي (٤)) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال الفراء: يريد إلى أجل تعرفونه لا يميتكم غرقاً، ولا حرقاً (٦)، ولا قتلاً. وليس في هذا حجة لأهل القدر (٧) (٨)؛ لأنه إنما أراد: مسمى عندكم -قال-، ومثله قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، أي: عندكم في

стр. 12137

معرفتكم (١). قال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير ميتة المُستأصَلين بالعذاب (٢). هذا كلامهما. (وليس فيه ما يَدفع قول أهل (٣) القدر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنهم إذا آمنوا (٤) بقوا إلى أجلهم المسمى، وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل، والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: ينسى في أعماركم (٥)؛ وذلك أن الله كان قد قضى قبل أن خلقهم، أنهم إن آمنوا بارك الله في أعمارهم (٦)، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين (٧) هلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر. هذا معنى قول ابن عباس: (ينسى في أعماركم (٨)) (٩).

стр. 12138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 12139

وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أجلكم (١) في عافية، فلا يعاقبكم بالسنين ولا بغيره (٢). والمعنى على هذا القول: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم، لا من المهلكات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ يعني أجل الموت، وأجل العذاب، وكل أجل مسمى عند الله لشيء إذا جاء لم يؤخر. والمعنى: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.

стр. 12140

٦ - قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ قال مقاتل: يعني تباعداً من الإيمان (١). وقال قتادة: هو أنه كان الرجل يذهب بابنه إلى نوح فيقول: احذر لا يغرك، فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك (٢). وقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ قال صاحب النظم: ظاهر هذا أن المغفرة جزاء لدعائهم، وهو في الباطن جزاء. المعنى: هو سبب ادعائهم، وهذا مقتضى من قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فالتأويل: وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم؛ لأمرهم بعبادة الله واتقائه وطاعته لتغفر لهم. وقوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ قال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي (٣). وقال مقاتل: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا دعائي (٤). ٨ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ قال ابن عباس:

стр. 12141

بأعلى (١) صوتي (٢). وقال أبو إسحاق: أي دعوتهم مظهرًا لهم الدعوة، و ﴿جَهَارًا﴾ منصوب مصدر موضوع موضع الحال (٣) (٤). المعنى: دعوتهم مجاهرًا لهم بالدعاء إلى توحيد الله وتقواه (٥). ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ قال مجاهد (٦)، (ومقاتل) (٧): صحْت بهم (٨). ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ فيما بيني وبينهم. قال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرًا فيما بيني وبينه (٩)، أدعوه إلى عبادتك، وتوحيدك. (١٠) وقال الزجاج: إني خلطت دُعاءهم بالعلانية بدعاء السر (١١).

стр. 12142

١٠ - قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زماناً طويلاً، جس الله عنهم المطر، وأعقم أرحامَهم أربعين سنة، فهلكت جناتهم، ومواشيهم، فصاحوا إلى نوح، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك (١). والمعنى: استدعوا مغفرة ربكم بالتوحيد، وترك الشرك. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾، أي: ماء السماء، ويجوز أن يكون المراد بالسماء المطر لقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، وهو الكثير الدرّ، والدر تخلّب (٢) الشيء حالاً بعد حال، يقال: درت الناقة، ودر اللبن، يدرّ ويدُرّ دَرّاً ودُرُوراً، ودَرت السحاب، ودرّ المطر (٣). قال مقاتل: (مدراراً (٤)): متتابعاً (٥). ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال عطاء: يكثر أموالكم، وأولادكم (٦). ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ يعني البساتين (٧).

стр. 12143

﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: كانوا [يسخطون] (١) الله فأهلك كل شيء لهم، ودفنت أنهارهم، فدعاهم نوح إلى توحيد الله، وقال: إنكم إذا وحدتم تصيبوا الدنيا والآخرة (٢). وقال أبو إسحاق (٣): أعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم من الحظ الوافر في الآخرة، والخِصْب والغنى في الدنيا (٤). قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ الرجاء هاهنا بمعنى الخوف -ذكرنا ذلك فيما تقدم (٥) - ومنه قول الهذلي (٦): إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لسْعَها (٧)

стр. 12144

و (الوقار): العظمة، والتوقير: التعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (١) يعني مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو قول أبي عبيدة (٢)، والفراء (٣)، والزجاج (٤)، (وابن قتيبة (٥)، والكلبي (٦)) (٧).

стр. 12145

وجميع ما قال المفسرون يعود إلى هذا المعنى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تعلمون حق عظمة الله (١) (٢). وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرونه (٣). وقال مجاهد: لا تُبالون عظمة ربكم (٤). وقال قتادة: لا ترجون لله عاقبة (٥). وقال ابن زيد (٦): لا ترون لله طاعة (٧). ومعنى هذه الأقوال واحد (٨)، وهو أنهم لو عظموا الله، وعرفوا حق

стр. 12146

عظمته، وحدوه، وأطاعوه، وشكروه (١). وهذا معنى قول مقاتل: فمن (٢) لم يوحده لم يعظمه (٣). (والمعنى: لمَ لا تعظمونه فتوحدونه، وقد جعل في أنفسكم (٤) آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرضين) (٥)، فقال : ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ قال المفسرون: يعني نطفة، ثم علقة، ثم شيئاً بعد شيء (٦)، إلى آخر الخلق، وطوراً (٧) بعد طور ينقلكم من حال إلى حال (٨) (٩). قال الليث: الطور: التارة، تقول: طَوْرًا بعد طَوْرٍ: أي تارة بعد تارة، والناس أطوار، أي: أخياف (١٠) على حالات شتى (١١).

стр. 12147

وقال ابن الأنباري: الطور الحال، وجمعه أطوار، وتلا هذه الآية، قال: ومعناها: ضروباً، وأحوالاً مختلفة (١). (ثم) (٢) وعظهم ليعتبروا في صنعه فقال: ١٥ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ قال ابن عباس: بعضها (٣) فوق بعض (٤)، وهذا مفسر في أول سورة الملك (٥). (قوله) (٦): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قال عطاء: في السموات (٧). واختلفوا في هذا؛ لأن القمر في السماء الدنيا، والله تعالى يقول: (فيهن)، فروى ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: وجهه في السموات، وقفاه في الأرض (٨).

стр. 12148

وهذا قول عبد الله بن عمرو (١). وقال قتادة: إن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات، وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقر بذلك أنه من كتاب الله، وتلا هذه الآية (٢). وقال الكلبي: (فيهن) يعني معهن (٣). والمعنى: خلق السموات والأرض والقمر مع خلق السموات، فجعل القمر نورًا بالليل، وجعل الشمس سراجًا ضياء لأهل الأرض. وهذا قول مقاتل (٤). وعلى قولهما: (في) بمعنى: (مع) (٥)، هذا قول المفسرين، وأما أهل العربية، فقال الأخفش: هذا على المجاز، كما تقول: أتَيْتُ بني تميم، وإنما أتيت بعضهم (٦)؛ لأنه إنما جعل نورًا في السماء ...........

стр. 12149

الدنيا (١)، وهذا قول الحسن (٢)، وعلى هذا أقيم (٣) البعض مقام الكل (٤)، كما يقال: خرج إلى البصرة على (٥) البغال، وركب إلى بغداد في السفن (٦)، وتوارى في دور بني فلان (٧). وإنما جاز إقامة البعض دون الكل (٨)؛ لأنهن كالشىء الواحد. قاله الزجاح (٩). وقال بعضهم (١٠): هذا مما حذف منه (١١) المضاف، والتقدير: وجعل القمر في بعضهن، أو في إحداهن (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾: قال ابن عباس: يريد: مبتدأ خلق آدم (١٣) (١٤)، وقال الكلبي: لأن آدم خلق من الأرض،

стр. 12150

والناس ولده (١)، وقال مقاتل: يعني أول خلقكم من تراب (٢) الأرض (٣)، قال الأخفش في قوله: (نباتًا) جعل الاسم في موضع المصدر (٤)، والمصدر: الإنبات؛ لأن هذا يدلك على ذلك المعنى (٥). وقال أبو إسحاق: (نباتاً) محمول على المصدر في المعنى؛ لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتًا، فنباتكم (٦) أبلغ في المعنى (٧). وقوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾، أي: طرقاً واسعة، واحدها: فج، وهو مفسر فيما تقدم (٨). ٢١ - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ الآية. قال الكلبي، ومقاتل: اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء (٩) والكبراء الذين لم يزدهم كثرة المال إلا ضلالاً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله:
следующие страницы →