← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

عظمته، وحدوه، وأطاعوه، وشكروه (١). وهذا معنى قول مقاتل: فمن (٢) لم يوحده لم يعظمه (٣). (والمعنى: لمَ لا تعظمونه فتوحدونه، وقد جعل في أنفسكم (٤) آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرضين) (٥)، فقال : ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ قال المفسرون: يعني نطفة، ثم علقة، ثم شيئاً بعد شيء (٦)، إلى آخر الخلق، وطوراً (٧) بعد طور ينقلكم من حال إلى حال (٨) (٩). قال الليث: الطور: التارة، تقول: طَوْرًا بعد طَوْرٍ: أي تارة بعد تارة، والناس أطوار، أي: أخياف (١٠) على حالات شتى (١١).

стр. 12147

وقال ابن الأنباري: الطور الحال، وجمعه أطوار، وتلا هذه الآية، قال: ومعناها: ضروباً، وأحوالاً مختلفة (١). (ثم) (٢) وعظهم ليعتبروا في صنعه فقال: ١٥ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ قال ابن عباس: بعضها (٣) فوق بعض (٤)، وهذا مفسر في أول سورة الملك (٥). (قوله) (٦): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قال عطاء: في السموات (٧). واختلفوا في هذا؛ لأن القمر في السماء الدنيا، والله تعالى يقول: (فيهن)، فروى ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: وجهه في السموات، وقفاه في الأرض (٨).

стр. 12148

وهذا قول عبد الله بن عمرو (١). وقال قتادة: إن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات، وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقر بذلك أنه من كتاب الله، وتلا هذه الآية (٢). وقال الكلبي: (فيهن) يعني معهن (٣). والمعنى: خلق السموات والأرض والقمر مع خلق السموات، فجعل القمر نورًا بالليل، وجعل الشمس سراجًا ضياء لأهل الأرض. وهذا قول مقاتل (٤). وعلى قولهما: (في) بمعنى: (مع) (٥)، هذا قول المفسرين، وأما أهل العربية، فقال الأخفش: هذا على المجاز، كما تقول: أتَيْتُ بني تميم، وإنما أتيت بعضهم (٦)؛ لأنه إنما جعل نورًا في السماء ...........

стр. 12149

الدنيا (١)، وهذا قول الحسن (٢)، وعلى هذا أقيم (٣) البعض مقام الكل (٤)، كما يقال: خرج إلى البصرة على (٥) البغال، وركب إلى بغداد في السفن (٦)، وتوارى في دور بني فلان (٧). وإنما جاز إقامة البعض دون الكل (٨)؛ لأنهن كالشىء الواحد. قاله الزجاح (٩). وقال بعضهم (١٠): هذا مما حذف منه (١١) المضاف، والتقدير: وجعل القمر في بعضهن، أو في إحداهن (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾: قال ابن عباس: يريد: مبتدأ خلق آدم (١٣) (١٤)، وقال الكلبي: لأن آدم خلق من الأرض،

стр. 12150

والناس ولده (١)، وقال مقاتل: يعني أول خلقكم من تراب (٢) الأرض (٣)، قال الأخفش في قوله: (نباتًا) جعل الاسم في موضع المصدر (٤)، والمصدر: الإنبات؛ لأن هذا يدلك على ذلك المعنى (٥). وقال أبو إسحاق: (نباتاً) محمول على المصدر في المعنى؛ لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتًا، فنباتكم (٦) أبلغ في المعنى (٧). وقوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾، أي: طرقاً واسعة، واحدها: فج، وهو مفسر فيما تقدم (٨). ٢١ - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ الآية. قال الكلبي، ومقاتل: اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء (٩) والكبراء الذين لم يزدهم كثرة المال إلا ضلالاً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله:

стр. 12151

﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقرئ: (ووُلدُهُ) -بضم الواو (١) -، وقد ذكرنا في آخر سورة مريم (٢): (أن الوُلد بالضم لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعًا، إما جمع وَلَدٍ، وإما جمع وُلْدٍ كالفُلْك، وهاهنا يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا) (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ يعني الرؤساء قتلوا السفلة (٤) عن الإيمان شرح، وقالوا لهم: (لا تذرنَّ) الآية. وهذا كان مكرهم (٥). قاله مقاتل، قال: والمعنى: قالوا قولاً عظيمًا، وقولهم العظيم أنهم قالوا: لا تذرنَّ عبادة ودّ (٦) (٧).

стр. 12152

ونحو هذا قال الكلبي (١) وغيره (٢)، إلا أنهم جعلوا ذلك القول (٣) العظيم الافتراء على الله، وتكذيب رسوله. (والكُبَّار (٤): مبالغة من الكبير (٥)، يقال: كبير (٦)، وكُبَارٌ، وكُبَّارٌ، وجميل، وجَمال، وجُمَّالٌ، وعظيم، وعَظام، وعِظَّام في أشباه (٧) كثيرة (٨) " (٩)، لهذا تم ذكر ما قالت الكبراء للسفلة، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي عبادتها.

стр. 12153

(ولا تذرن وَدًا (ولا سواعًا) (١) " إلى قوله: ﴿وَنَسْرًا﴾ (روى السُّدِّيُّ عن) (٢) أبي مالك قال: هذه أسماء آلهتهم (٣). وهو قول مقاتل (٤)، والجميع (٥). قال قتادة: ثم عبدتها العرب بعد ذلك (٦)، وكان (ودٌّ) لكلب (٧) بدومة الجنْدَل (٨)،

стр. 12154

وكان "سُواعٌ (١) ") لهُذَيْل (٢)، وكان "يغُوثُ (٣) " لبني غُطَيْف (٤) من مراد (٥). وكان (يعوق (٦)) لهمدان (٧)،

стр. 12155

وكان (نَسْر (١)) لذي الكلاع (٢) من حمير (٣) (٤). وهذا قول ابن عباس (٥)

стр. 12156

في رواية عطاء (الخراساني) (١)، وروى عنه الكلبي أن هذه الأصنام دفنها الطوفان أيام الغرق، وطمها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب (٢) (٣). وقال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح (٤)، فنشأ قوم بعدهم، (فأخذوا بأخذهم في العبادة، فقال إبليس: لو صورتم صورهم كان أشوق لكم إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم) (٥)، فجاء

стр. 12157

إليهم إبليس فقال: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم (١).هذا كلامه (٢). وابتداء عبادة (٣) الأوثان من ذلك الوقت، وسميت تلك الأصنام (٤) بهذه الأسماء؛ لأنهم صوَّروها على صورة أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء (٥). (وفي (ود) قراءتان: فتح الواو (٦)، وضمها (٧)، والفتح أعرف في اسم صنم قوم نوح. حكاه (أبو عبيدة) (٨) بالفتح، وقول الشاعر (٩): فَحَيَّاكِ وَدٌّ مَنْ هَدَاكِ لفِتْيَةٍ ... وخُوصٍ بأعلى ذي نُضالَةَ هُجَّدِ (١٠)

стр. 12158

ينشد بالفتح. قال الأخفش: وعسى أن يكون (الضم) لغة في اسم الصنم، قال: وسمعت هذا البيت: حَيّاك وُدٌّ فإنّا لا يَحِلُّ لَنا ... لَهْوُ النّساءِ وإنَّ الدِّينَ قد عَزَما (١) بضم الواو) (٢). وقال الليث: الوَد كان لقوم نوح، وكان لقريش صنم يدعونه وُداً، وبه سمي عمرو بن عبد وُدٍّ (٣). وعلى هذا فلعل من قرأ بالضم غلط، فظن صنم قوم نوح صنم قريش، وأبو عبيد يختار الفتح، وإنما يقال: (ود) اسم صنم، ألا تراهم كانوا يتسمون بـ: (عبد ود) (٤)؟. قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، من المفسرين من يجعل الإضلال من فعل كبرائهم، وهو الظاهر لقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ﴾. قال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس (٥).

стр. 12159

ومنهم من يجعل الإضلال للأصنام، ويكون المعنى: قد أضل (١) بسببها كثيرًا من الناس، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ (النَّاسِ) (٢)﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وأجرى الأصنام في هذه الآية على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآية، وقد تقدم الكلام في ذلك (٣). وهذا القول حكاه الفراء (٤)، ولعله قول الكلبي. ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): يعني المشركين بعبادتهم الأوثان. ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ إلا خسراناً. وهذا دعاء عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٧). قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ((ما) صلة كقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٨)،

стр. 12160

﴿فبَمَا رَحْمَةٍ﴾ (١)، والمعنى: من خطيئاتهم، أي من أجلها وسببها، وهو معنى قول ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣)، يعني: فبخطيئاتهم. وقرئ: (خطاياهم) (٤)، وكلاهما جمع خطيئة؛ أحدهما (٥) على التكثير، والآخر جمع الصحيح. وقد تقدم الكلام فيها عند قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (٦)، وفي

стр. 12161

الأعراف: (خطيئاتكم (١)) (٢) وقوله تعالي: ﴿أُغْرِقُوا﴾، أي: بالطوفان. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ قال مقاتل: فأدخلوا في الآخرة نارًا (٣). وقال الكلبي: يقول: سيدخلون في الآخرة نارًا (٤). وعلى هذا معنى لفظ الماضي في قوله: (فأدخلوا) للاستقبال، وذكر على لفظ الماضي لصحة كونه، وصدق الوعد به، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. وقال الضحاك: إنهم أغرقوا بالماء ثم أُحرقوا بالنار، وكانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب (٥). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ (٦) قال جماعة من المفسرين (٧): ما دَعَا نوح بهذا إلا بعد ما أوحى الله

стр. 12162

إليه: (﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾) (١) [هود: ٣٦]. وقوله: ﴿دَيَّارًا﴾ قال أهل العربية: هو فَيْعال من الدوران، أصله: ديْوَار، فقلبت الياء واوًا، وأُدغمت إحداهما في الأخرى. قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣)، (وغيرهما (٤)) (٥)، وهو في معنى واحد، يقال: مَا بالدار ديار، أي ما بها أحد. قال المفسرون: لا تدع أحدًا حتى تهلكهم (٦). وقال ابن قتيبة: يقال: ما بها ديار، أي نازل دار (٧). وقال المبرد: ديار اسم حقه النفي، يقال: ما بها ديار، ولذلك لا يقع في الواجب، قال: وهو فيعال من دار يدور (٨)، مثل القيام، من قام

стр. 12163

يقوم (١). قوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ قال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): هو أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح يحذره تصديقه، والإيمان به، وقد ذكرنا ذلك (٤)، فهو معنى قوله: ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾. وقوله تعالى (٥): ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ قال محمد بن كعب (٦)، (والربيع، وابن زيد (٧)) (٨): وهذا بعد ما أخبر الله تعالى نوحاً أنهم لا يلدوا مؤمناً. ثم دعا للمؤمنين عامًا بعد دعائه على الكفار فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ لملك بن متوشلح، وسخا بنت أنوش (٩). قال المفسرون: وكانا مؤمنين (١٠).

стр. 12164

قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم ﵉ من آبائه كافر (١). وقال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمن (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك (٣)، والكلبي (٤): مسجدي. روى عطاء عن ابن عباس: يريد من دخل بيتي، أي في ديني مؤمنًا (٥). وهو معني؛ لأن من دخل مسجده مؤمنًا، فقد دخل في دينه. وقوله (٦): ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ عام في كل من آمن بالله وصدق الرسل. وقال عطاء عنه (٧): يريد أمة محمد ﷺ عامة (٨).

стр. 12165

قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أي هلاكاً ودماراً (٢)، فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم، (والتبار: الهلاك، وكل شيء أهلك فقد تبر) (٣)، ومنه قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (٥).

стр. 12166

سورة الجن

стр. 12167

تفسير سورة الجن (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، قال ابن (٢) عباس (٣): كان رسول الله ﷺ

стр. 12168

يصلي من الليل، ويقرأ القرآن، مر به نفر (١) من الجن، فاستمعوا إليه، وإلى قراءته، ودنا (٢) بعضهم من بعض حبًّا للقرآن، حتى كادوا أن يركبوا رسول الله ﷺ (٣)، وآمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، يعني: بليغًا. وذكرنا سبب إتيان (٤) الجن إياه عند قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية (٥).

стр. 12169

وقال مقاتل: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ يعني عزيزًا لا يُوجد مثله (١). والمحعنى: قرآنًا ذا عجيب، يعجب منه لبلاغته وعدم مثله، ثم وصفوا ذلك القرآن، وهو قوله: ٢ - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾. قال عطاء: إلى الإيمان بالله (٢)، وقال الكلبي: يدعو إلى الصواب من الأمن من لا إله إلا الله (٣)، وقال (٤) مقاتل: يدعو إلى التوحيد (٥). ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ قال الكلبي: بطاعة ربنا أحدًا، يعنون إبليس، وذلك أنه بعثهم ليعرف سبب حراسة السماء بالنجوم، فخرجوا يضربون في الأرض، فمروا (٦) برسول الله ﷺ (٧)، وهو يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه، وآمنوا، ولم يرجعوا إلى إبليس (٨). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قرئ: (وأنه)، وكذلك ما بعده

стр. 12170

بالكسر، والفتح (١)، والاختيار الكسر؛ لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾، وقالوا: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى (٢) جَدُّ رَبِّنَا﴾، وأما من فتح، فقال الفراء: أما الذين فتحوا فإنهم ردوا (أن) في كل السورة على قوله: (فآمنا به)، وآمنا بكل ذلك، ففتحوا (أن) بوقوع (٣) الإيمان عليها، وأنت مع ذلك تجد الإيمان (٤) يحسن في بعض ما فتح، ويقبح في بعض، ولا (٥) يمنعك ذلك من إمضائهنَّ على الفتح، فإن الذي يقبح من ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارعٌ للإيمان (٦) يوجب فتح (أن) نحو: (صدقنا)، و (شهدنا) (٧).

стр. 12171

وقال أبو إسحاق: من حمل (١): ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ على قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يقول: فآمنا به، وبأنه تعالى جد ربنا، وكذلك ما بعدَه، وهو ردئ في القياس، لا يُعطف على (الهاء) المخفوض إلا بإظهار الخافض، ولكن وجهه أن يُحمل على معنى: (آمنا به)، لا على لفظ: (آمنا به)، ومعنى (٢) آمنا به: صدقناهُ، وعلمناه، ويكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا (٣). وقال أبو علي: من قرأ بالفتح، فإنه على العمل على (أوحي) (٤)، وهذا ضعيف جدًّا (٥)؛ لأن المعنى على الإخبار على الجن (٦) أنهم قالوا: "وأنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول"، وليس المعنى على أوحي إلى "أنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول سفيهنا"، إلا أن بعض ما فتح من "أن" في هذه السورة يحسن حملها على "أوحي" (٧)، ونذكر ذلك في

стр. 12172

موضعه (١)، ولكن ليس يطرد حمل فتح ما اختلف فيه على الوحي (٢) (٣). واختلفوا في معنى قوله: "جد ربنا": فالأكثرون على أن المعنى: جلال ربنا وعظمته، وهو قول مجاهد (٤)، ومقاتل (٥)، (وعكرمة (٦)، وقتادة (٧)، والمبرد (٨)، والزجاج (٩)) (١٠)، وجميع أصحاب العربية (١١). والجد معناه في اللغة: العظمة، يقال: جد فلان، أي: عظم (١٢)، ومنه الحديث: "كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا (١٣)، أي: جل قدره

стр. 12173

وعظم" (١). وقال الحسن "جد ربنا" أغناه (٢)، والجد يكون بمعنى الغنى، ومنه الحديث: "لا ينفع ذا الجد منك الجد" (٣)، وكذلك الحديث الآخر: "قمت

стр. 12174

على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد (١) محبوسون" (يعني) (٢) ذوي الحظ (٣) في الدنيا (٤) (٥). والمعنى: وجميع ما ذكر من الأقوال يعود إلى معنى: القولين اللذين ذكرنا. (روي عن قتادة: تعالى أمره) (٦) (٧). قال أبو (٨) عبيدة: ملكه وسُلطانه (٩). وعن القرظي: آلاؤه ونعمه (١٠).

стр. 12175

وعن مجاهد: ذكره (١). وكل هذا معناه يعود إلى جلاله، وعظمته، وغناه، وقول من قال: إن الجن قالت (هذه) (٢) بالجهالة (٣) لا يصح (٤)؛ لأنهم لو قالوه بالجهل لأنكر عليهم (ولَمَا) (٥) أخبر الله بذلك عنهم في القرآن. فأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو علمت الجن أن في الإنس جدًّا (٦) ما قالت: "تعالى جد ربنا" (٧)، فهذا محمول على أن هذا اللفظ مُوهم، وكان (٨) الأولى بهم أن يجتنبوا إطلاقه في وصف الله، وإن (كان) (٩) بمعنى جائز في وصفه.

стр. 12176

وقال أبو إسحاق: تعالى جد ربنا وعظمته (١) عن أن يتخذ صاحبة وولدًا (٢) (٣)، وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين من الجن (٤)، وهو قول مقاتل: يعني كفارهم (٥). وقال مجاهد (٦)، (وقتادة) (٧) (٨): هو إبليس. وقوله تعالى: ﴿عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ أي كذبًا، وجورًا، وهو و (٩) صفه

стр. 12177

بالشريك، والصاحبة، والولد. قاله المفسرون (١). وتفسير "الشطط" قد تقدم عند قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (٢) [الكهف: ١٤]. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥)﴾ (٣): أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن. هذا قول المفسرين (٤).

стр. 12178

قال ابن قتيبة: يقول: كنا نتوهم أن أحدًا لا يقول على الله باطلاً، يريدون أنا كنا نصدقهم، ونحن نظن أن أحدًا لا يكذب على الله، وانقطع هاهنا قول الجن (١). قال الله جل وعز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ (فمن فتح "وأنه" حملها على "أوحي"، ومن كسر جعلها مبتدأة (٢) من الله تعالى) (٣). قوله تعالى: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال جماعة المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر (٤) من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان، من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (٥).

стр. 12179

وقوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال أبو عبيدة: سفهًا وطغيانًا وظلمًا (١). وقال الليث (٢)، وغيره (٣) (٤): الرهق: جهل في الإنسان، وخِفَّةٌ في عقله. والرَّهَق: غشيان الشيء، وفي فلان رهقٌ يغشى المحارمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس: ٢٦]-وقد مر (٥) -، ورجل مُرَهَّقٌ: يغشاه السُّؤال والضيفان، ومنه قول زهير: ومُرَهَّق النِّيرانِ يُحْمَدُ في ... اللأْواءِ غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ (٦) (٧) ويقال: رهقتنا الشمس إذا قربت (٨). ومعنى قول المفسرين يعود إلى هذا، وهو أنهم قالوا في قوله:

стр. 12180

(فزادوهم رهقًا) أي إثمًا (١)، وجراءة (٢)، وطغيانًا (٣)، وخطيئة (٤)، وغيًّا (٥)، وشرًا (٦)، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى: أنهم يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا، وإثمًا، فيقولون: [سدنا] (٧) الجن والإنس. ويجوز أن يكون المعنى: زادت الجن والإنس رهقًا، أي ظلمًا، يعني لما تعوذوا (بهم) (٨) استذلوهم، واجترؤوا عليهم، فزادوهم ظلمًا، وهذا

стр. 12181

معنى قول عطاء: خبطوهم (١)، وخنقوهم (٢). فعلى القول الأول: زادوا من فعل الإنس. وعلى القول الثاني: زادوا من فعل الجن. قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ هذا أيضًا من قول الله ، والكلام في فتح "أن" وكسرها -كما ذكرنا في الآية التي قبلها (٣) - والمعنى أن الله ﵎ يقول: (ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس أن لا تبعث يوم القيامة (٤)، أي: كانوا لا يؤمنون بالبعث، كما أنكم لا تؤمنون به، وهذا خطاب من الله للكفار. وانقطع هاهنا قول الله فقالت الجن) (٥): ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد مسسنا السماء (٦). ٨ - وقال الكلبي: يقول: أتينا السماء (٧).

стр. 12182

قال أبو علي: تأويله عالجنا غيب السماء، ورمنا استراقه فنلقيه إلى الكهنة (١)، وليس من اللمس بالجارحة في شيء (٢). وهذا معنى قول الكلبي (٣). وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٤) قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦): يعني الملائكة. والحرس: جمع حارس. و ﴿شَدِيدًا﴾ يراد به الكثرة، وذكرنا في مواضع أن فعيلًا قد يكون للكثير (٧). وقوله: ﴿وَشُهُبًا﴾ قال ابن عباس: يريد النار التي يرجم بها من استرق السمع (٨). وقال الكلبي: ورُمينا بالنجوم (٩)، وهذا كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٥]، وقد مر، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (١٠)، ...

стр. 12183

وفي آيات غيرها (١). قال الكلبي: ولم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ خمسمائة عام، فلمَّا بعث محمد ﷺ مُنعوا من السموات كلها، وحرست بالملائكة والشهب، فعند ذلك قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾

стр. 12184

[الجن: ١٤] (١) الآية. وذكر المفسرون (٢): أن الانقضاض الذي رُميت به الشياطين حدث بعد مبعث النبي، وهو أحد آياته، ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] الآية، أي كنا نسمع، فالآن حين حاولنا الاستماع رُمينا بالشهب. وهو قوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. قال مقاتل: يعني رميًا من الكواكب، ورصدًا من الملائكة (٣). قال أبو إسحاق: أي حفظة تمنع من الاستماع (٤). وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: شهابًا، ورصدًا؛ لأن الرصد غير الشهاب، وهو جمع راصد (٥).

стр. 12185

وقال الفراء (١)، وابن قتيبة (٢): أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به. وعلى هذا الرصد من نعت الشهاب، وهو فَعَل بمعنى مفعول، كالنَّفَضِ والخيط. روى عبد الرزاق عن مَعمر قال: قلت للزهري: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية، قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية، فقال: غلظت، وشدد أمرهَا حين بُعث النبي ﷺ (٣). وروي أيضًا مرفوعًا ما يدل على هذا، وهو ما روي عن ابن عباس أنَّه قال: بينا رسول الله ﷺ جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم، فقال: "ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ " فقالوا (٤): كنا نقول يموت عظيم، أو يولد (٥) عظيم (٦) الحديث.
следующие страницы →