وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): في التوحيد، فلا يؤمن به.
وقوله (٣): ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (فإن) مكسورة الهمزة؛ لأن ما بعد (فاء -الجزاء موضع الابتداء، ولذلك حمل سيبويه قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ على أن المبتدأ فيها مضمر (٤).
وانقطع هذا الكلام عند قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ "حتى" هاهنا مبتدأة كقوله:
وحَتَّى الجِيادُ مَا يُقدْنَ بأرْسَانِ (٥)
стр. 12217
وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (١)، وهو كثير في القرآن (٢).
قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٣).
وقال مقاتل: ما يوعدون من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من العذاب في الدنيا، يعني القتل ببدر، فسيعلمون عند نزول العذاب (٤).
﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ أهم، أم المؤمنون؟
﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ قال (٥): يعني جنداً، ونظير هذه الآية قوله في مريم: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] الآية.
وقال عطاء في قوله: (وأقل عدداً): هو أن الله تعالى (يجعل) (٦)
стр. 12218
لأوليائه من الأزواج الآدميات، والحور العين أُلُوفاً، ومن الولدان المخلدين ألوفاً، ومن القهارمة (١) ألوفاً، فعند ذلك عدد المؤمن الواحد أكثر من عدد كثير من أهل مدائن الدنيا، والكافر لا عدد له إلا قرناء الشياطين (٢).
قال مقاتل: فلما سمعوا هذا قال النضر بن الحارث وغيره: متى هذا الذي توعد؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٣) من العذاب في الدنيا.
وقال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده (٤).
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، أي: غاية وبعداً. قاله أبو عبيدة (٥)، والزجاج (٦).
وقال مقاتل: يعني أجلاً بعيداً (٧)، وهذا كقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥].
стр. 12219
ثم ذكر أن علم وقت العذاب غيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: ما غاب عن العباد ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ فلا (١) يطلع ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: على الغيب الذي يعلمه هو، وينفرد بعلمه، أحداً من الناس.
٢٧ - ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: أنه لا يظهر على غيبه إلا الرُّسُلَ؛ لأن الرسل يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة، وبأن (٢) يخبر (٣) بالغيب، فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير الأنبياء (٤).
وقال مقاتل: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، أي: ارتضاه للنبوة (٥) والرسالة، فإنه (٦) يطلعه على ما يشاء من غيبه (٧).
وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على [ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ] (٨) ذلك الذي يطلع عليه الرسول.
стр. 12220
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (١) (أي يجعل بين يديه وخلفه رصدًا من الملائكة يحوطون الوحْيَ من أن تَسْتَرِقه الشياطين، فتُلْقِيَه إلى الكَهَنَة، حتى (٢) تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء، فيساووا (٣) الأنبياء، ولا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق) (٤).
فالرصد من الملائكة يدفعون الجن أن يستمع ما ينزل من الوحي. ذكره الزجاج (٥)، وابن قتيبة (٦)، (وهو معنى قول المفسرين) (٧).
قال الكلبي: يجعل من بين يديه حرسًا من الملائكة يدحرون الشياطين عنه فلا يقربونه (٨).
وقال الفراء: ذكروا أن جبريل كان إذا نزل بالوحي نزلت معه الملائكة من كل سماء يحفظونه من استماع الجن يسترقونه فيلقونه (٩) إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسل (١٠).
стр. 12221
ومعنى: (يسلك) هاهنا: يدخلهم الأرض فنجعلهم بين يدي الرسول ومن خلفه (١).
وذهب مقاتل (٢)، والضحاك (٣) إلى أن الرَّصد لكي يحرسوا الرسول من الشياطين أن يتشبهوا له في صورة المَلَك، ويحفظوه (٤) منهم، وإن أتاه شيطان في صورة ملك أخبروه، والقول هو الأول (٥).
٢٨ - قوله تعالى (٦): ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٧) الآية.
اختلفوا في قوله: "ليعلم" فقال قتادة (٨)، ...
стр. 12222
ومقاتل (١): ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا "اللام" في قوله: "ليعلم" يتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام؛ كأنه قيل: أخبرناه بحفظنا الوحي؛ ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسول أن قد بلغوا، إلى جبريل، والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل، أبلغوا رسالات ربهم، فلا يشك فيها، ويعلم أنها حق من الله (٢).
والمعنى: حفظنا الرسول من الشياطين ليعلم أن الذين أتوه أبلغوا رسالات ربهم، وهذا تأكيد لقول الضحاك ومقاتل في الآية الأولى.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسل أنهم بلغوا رسالات ربهم على التحقيق من غير شك فيها؛ إذ كانوا محروسين عن الشياطين، فالذي يبلغونه (٣) الخلق هو رسالات ربهم لا غير، وهي واصلة إليهم، ولم تصل إلى غيرهم.
وعلى هذا إنما قال: "أبلغوا". لأن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ (٤) رَسُولٍ﴾ الجمع، ويدخل فيه كل رسول ارتضاه الله.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الله أن قد أبلغوا يعني الرسل. وهذا
стр. 12223
القول اختيار (١) ابن قتيبة (٢)، والزجاج (٣)، وصاحب النظم.
قال ابن قتيبة: أي ليبلّغوا رسالات ربهم (العلم) هاهنا، مثله قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أي: ولما تجاهدوا وتصبروا (٤)، فيعلم الله ذلك ظاهراً موجوداً -يجب فيه ثوابكم- على ما بينا في غير هذا الموضع (٥).
وقال أبو إسحاق: وما بعد قوله: (ليعلم) يدل على صحة هذا (٦)، وهو قوله: (أحاط) (٧)، و (أحصى) (٨)، والضمير فيهما لله لا
стр. 12224
لغيره، فكذلك (١) في "ليعلم" (٢).
وهذه الأقوال ذكرها أهل المعاني والتفسير، وذكرت أقوال بعيدة لم أحكها (٣).
ومعنى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ علم الله ما عند الرسل، فلم يَخف عليه شيء.
(قوله تعالى) (٤): ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء، ولم يعزب (٥) عنه عدد ما خلق؛ حتى مثاقيل (٦) الذَّرِّ (٧) .......
стр. 12225
والخردل (١)(٢).
قال أبو إسحاق: و (نصب "عدداً" على ضربين: أحدهما: على معنى: وأحصى كل شيء في حال العَدَد، فلم تخف عليه سقوط ورقة، ولا حبَّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس. قال: ويجوز أن يكون (عدداً) في موضع المصدر المحمول على معنى: أحصى؛ لأن معنى وأحصى: وعد كل شيء عدداً) (٣).
(والله أعلم بالصواب) (٤).
стр. 12226
سورة المزمل
стр. 12227
تفسير سورة المزمل (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿يَا أَيُّهَا (٢) الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أجمعوا (٣) على أن المراد بالمزمل النبي ﷺ ، وأن الخطاب له.
وأصله المتزمل بـ (التاء) في قول جميع أهل اللغة (٤)، فأدغم (التاء)
стр. 12228
في (الزاي) (١)(٢).
واختلفوا في: لِمَ تزمل بثوبه.
فقال ابن عباس: كان يفرق (٣) من جبريل ﵇ (٤)، ويتزمل بالثياب في أول ما جاء حتى رآه وكلمه فأنس به (٥).
وقال الكلبي: إنما تزمل النبي ﷺ بثيابه وتهيأ (٦) للصلاة (٧). وهو اختيار الفراء، قال: المزمل الذي قد تزمل بثيابه (٨)، وتهيأ للصلاة، وهو النبي ﷺ . (٩)
وقال السدي: أراد: يا أيها (١٠) النائم (١١)، وعلى هذا إنما تزمل
والقول في تزَمُّلِهِ ﵇ (١) ما ذكره ابن عباس، فقد روى في حديث المبعث (٢) أنه كان يأتي أهله فيقول: "زملوني زملوني" (٣).
قالوا (٤): وخوطب بهذا (٥) الخطاب؛ لأنه في أول ما بدئ بالوحي
стр. 12231
ولم يكن قد بلغ (١) شيئًا, ولا قام بالدعوة، (وأمر بالرسالة) (٢) بعد، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول.
قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾، أي: للصلاة.
قال ابن عباس: إن قيام الليل (٣) كان فريضة على رسول الله ﷺ وعلى النبيين [قبله] (٤)، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية (٥).
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبي: يعني بالقليل الثلث الأخير (٦).
قال ابن قتيبة: أي صلِّ الليل إلا شيئاً يسيرًا (٧) تنام فيه، وهو الثلث (٨).
ثم قال: ﴿نِصْفَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (نصفه) بدل من (الليل) كما تقول: ضربت زيداً رأسه، فإنما ذكر زيدًا لتوكيد الكلام، وهو أوكد من قولك: ضربت رأس زيد (٩).
فالمعنى: قم نصف الليل إلا قليلاً، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو قوله: ﴿أَوِ
стр. 12232
انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، أي من النصف، ولكنه (١) ذكر ثانياً مع الزيادة، وهو قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من نصف الليل، أو زد على نصف الليل) (٢).
قال المفسرون (٣): أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زِدْ على النصف (٤) إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في (٥) الليل، وخيره في هذه الساعات للقيام، وكان النبي ﷺ وطائفة من المؤمنين معه [يقومون] (٦)
стр. 12233
علي هذه المقادير (١)، وشق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، وكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتى خفف الله عنهم، ونسخ ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآية، وهي آخر هذه السورة.
قال (سماك الحنفي (٢) سمعت) (٣) ابن عباس (يقول) (٤): لما أنزل الله أول المزمل كانوا يقومون (٥) مثل (٦) قيامكم في رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها (٧) سنة) (٨).
стр. 12234
وكان في رواية الوالبي: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المؤمنين (١)، فخفف الله عنهم، وأنزل عليهم: ﴿أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٢).
وقال في رواية عطاء (الخراساني) (٣) كان هذا بمكة، فلمَّا قدم النبي ﷺ المدينة نسختها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة (٤).
وروى (قيس بن وهب (٥)، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ (٦)،
стр. 12235
وقال) (١): (إنه) (٢) لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ فاستراح (٣) الناس (٤).
وقال مقاتل: كان هذا بمكة قبل أن (تفرض الصلوات) (٥) الخمس (٦).
стр. 12236
قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بينة بيانًا (١).
وروى الكلبي عنه: على هَيْنَتِك (٢) ترتيلًا (٣).
وقال الضحاك: انْبِذْه حرفًا (٤) حرفًا (٥).
وعن مجاهد قال: بعضه في أثر بعض (٦)(٧).
وقال قتادة في هذه الآية: بلغنا أن عامة قراءة النبي ﷺ (٨) كانت بالمد (٩).
стр. 12237
قال أبو إسحاق: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ بيِّنه تبيينًا، والتبيين لا يتم (١) بأن يعجل في القرآن، إنما يتم (٢) بأن تبين جميع الحروف، وتُوفّى حقَّها من الإشباع (٣).
وقال المبرد: معنى الترتيل: التوقف، والتمهل، والإفهام، وأصله من قولهم: ثغر رتل (٤) إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكبير (٥).
وقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين (٦).
(وقال) (٧) الليث: (الرتل: تنسيق الشيء، وثغر (٨) رتل (٩) حسن التنضيد، ورتلت الكلام (١٠) ترتيلاً إذا تمهلت فيه، وأحسنت تأليفه، وهو يترتل في كلامه) (١١).
стр. 12238
٥ - قوله تعالى (١): ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (قال الكلبي: سننزل عليك من السماء قولًا ثقيلاً) (٢). (٣) ليس على ثقل الحفظ له، واعتياصه (٤)، ولكن ما قال الحسن أنهم ليهذونه هذًّا (٥)، ولكن العمل به ثقيل (٦)، وهذا قول أكثر المفسرين أن ثقله يعود إلى العمل به.
قال قتادة: تثقل والله فرائضه وحدوده (٧).
وقال مقاتل: يثقل لما فيه من الأمر والنهي (٨) والحدود (٩).
стр. 12239
(وعلى هذا القول سمي ثقيلاً؛ لأن الحلال والحرام، والصلاة، والصيام، وجميع ما أمر الله أن يعمل به، ونهى عنه، لا يؤديه أحد إلا بتكلف (ما يثقل) (١) [عليه] (٢)) (٣).
وروي عن الحسن (أيضًا) (٤) أنه قال: معناه: إنه ثقيل في الميزان يوم القيامة (٥).
ونحو هذا قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا، ثقل في الموازين يوم القيامة (٦).
وذهب قوم من المفسرين (٧) إلى أن المراد بثقله: أنه ثقيل المحمل، واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ كان يثقل عليه الوحي عند نزوله، حتى روي (أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها حتى وضعت جرانها (٨) فلم
стр. 12240
تستطع أن تتحرك) (١).
وقال الفراء: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أي ليس بالخفيف، ولا السَّفْساف (٢)؛ لأنه كلام ربنا تعالى وجلّ ذكره (٣).
وذكر الزجاج هذا القول فقال: ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه: أنه قول له وزْنٌ في صِحَّتِه، وبيانه، ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصينٌ (٤)، وهذا قول لذو وزن إذا كنت تستجيده، وتعلم أنه قد وقع موقع الحكمة والبيان (٥).
وقال غيرهما (٦): جعله ثقيلًا من جهة عظم قدره، وجلالة خطره،
стр. 12241
وكل شيء نفيس عِلْق خطير (١)، فهو ثقل وثقيل. وتأويل هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: (قولًا ثقيلًا) يعني: كلامًا عظيمًا (٢).
قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون المراد به ثقيل على من (عانده) (٣) فرده ولم ينفذ له (٤).
٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قال أبو عبيدة: ناشئة الليل: ساعات الليل، وآناء الليل ناشئة بعد ناشئة (٥).
(وروى عمرو (٦) عن أبيه: نشأ الليل: ارتفع (٧)) (٨).
وقال ابن قتيبة: هي آناء الليل، وساعاته هي مأخوذة من نَشَأَتْ تنشَأ نَشْأ، أي ابتدأت، وأقبلت شيئًا بعد شيء، وأنشأها الله فنشأت.
والمعنى: إن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم (٩).
(ونحو هذا قال المبرد (١٠)، وصاحب النظم في: (ناشئة الليل)، وهو قول أكثر المفسرين) (١١).
стр. 12242
قال الحسن: كل شيء بعد العشاء فهو ناشئة (١).
وهو قول عكرمة (٢)، وأبي مجلز (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)(٦)، قالوا: الليل كله ناشئة.
وهذا قول ابن عباس (٧)، وابن الزبير (٨). (٩) في رواية ابن أبي مُلَيْكة،
стр. 12243
عنهما (١) جميعًا، قال: سألتهما عن ناشئة الليل، فقالا: الليس كله ناشئة. وقال آخرون: (ناشئة الليل) قيام الليل، وهو قول الكلبي (٢)، و (٣) مقاتل (٤)، (ومعاوية بن قرة) (٥)(٦)، وابن مسعود (٧)، وسعيد بن جبير (إلا أنهما قالا) (٨): هي بالحبشية.
قال سعيد بن جبير: هي بلسان الحبشية نشأ: قام (٩).
стр. 12244
قال صاحب النظم: الناشئة على هذا القول مصدر من قولك: نشأ الشيء، وقد تضع العرب الفاعلة مواضع المصادر، كما قلنا في الخاطئة، وفي الجاثية، والكاذبة، واللاغية.
وفي ناشئة الليل قول آخر، وهو قول علي بن الحسين (١) ﵁ (٢) قال: هو ما بين المغرب إلى العشاء (٣). وهو قول أنس.
روى ثابت أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء، ويقول: هي: (ناشئة الليل) (٤).
ونحو ذلك روي عن سعيد بن جبير (٥)، (وهو قول الضحاك (٦)،
стр. 12245
والحكم (١)، واختيار الكسائي (٢)) (٣) قالوا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، (وهي رواية عطاء عن) (٤) ابن عباس قال: يريد أول ما ينشأ (٥).
وروي عن عائشة ﵂ (٦) أنها قالت: الناشئة القيام بعد النوم (٧).
وهو قول ابن الأعرابي، قال: إذا نمت من أول الليلة نومة، ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه: (ناشئة الليل) (٨).
وقوله تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. قال ابن عباس: هى أشد على المصلي (٩).
وقال قتادة: يقول أثبت في الخير (١٠).
(وقال الكلبي: يقول أشد نشاطًا للرجل إذا كان محتسبًا
стр. 12246
للصلاة (١)) (٢).
وقال الفراء: (يقول) (٣): أثبت قيامًا؛ لأن النهار يضطرب (فيه) (٤) الناس، ويتقلبون فيه للمعاش، قال: وقال بعضهم: هي أشد على المصلي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم (٥).
وذكر أبو إسحاق المعنيين جميعًا فقال: معناه: وهي أبلغ في القيام وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل جعل ليسكن فيه (٦).
وقال ابن قتيبة: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أثقل على المصلي من ساعات النهار. وقال وهو من قولك: اشتدت على القوم وَطْأةُ سُلْطانِهم، إذا ثقل عليهم ما يُلزمهم ويأخذهم به، فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على (قدر) (٧) شدة الوطأة وثقلها (٨).
وقال أبو علي: المعنى: (إن صلاة ناشئة الليل أشق على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل للدعة (٩) والسكون، وجاء في الحديث: (اللهم
стр. 12247
اشدد وطأتك (١) على مضر) (٢).
هذا الذي ذكرنا على قراءة من قرأ (وَطْأةً) بفتح الواو مقصورًا (٣).
ومن قرأ (وِطاءً) بكسر الواو والمد (٤)، فقال مجاهد: أجدر أن
стр. 12248
يواطئ (١) سمعه وبصره (٢)) (٣). (وهو قول مقاتل (٤)، وروي ذلك عن ابن عباس قالوا: يواطئ السمع والقلب (٥)) (٦).
قال ابن قتيبة: من قرأ: (وِطاءً) على تقدير: (فعال) فهو مصدر لِوَاطأت فلانًا على كذا مُواطأة ووِطاءً. وأراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي (٧)، ولسانه، وسمعه، (وبصره) (٨) على التفهم والأداء، والاستماع بأكثر مما يتواطأ عليه بالنهار (٩).
(وروى ابن سلام عن يونس: (أشد وِطاءً) قال: ملاءمة ومُوافقة، ومن ذلك قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، أي: ليوافقوا.
قال أبو علي: وكأن المعنى إن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها أكثر مما يواطئ (في ساعات (١٠)) النهار؛ لأن البال أفرغ للانقطاع عن كثير مما يشتغل بالنهار) (١١).
стр. 12249
واختار أبو عبيدة هذه القراءة (١)، قال: لأن التفسير يصدقها، إنما هي مواطأة السمع والبصر إياه إذا قام يصلي في ظلمة الليل (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٣) قال عطاء عن ابن عباس: يريد أحسن لفظًا (٤).
وقال الكلبي: وأبين قولاً بالقرآن (٥).
قال ابن قتيبة: أي أخلص للقول، وأسمع له؛ لأن الليل تهدأ عنه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، ويخلص القول، ولا يكون دون تسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائل (٦).
وقال أبو عدي: أي أشد استقامة وصوابًا لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل، وأنشد (٧) (فقال) (٨):
له ولها وقعٌ بكلِّ قرارة ... ووقع بمستن الفضاء قويم (٩)
стр. 12250
أي مستقيم) (١).
٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾. قال جماعة من المفسرين (٢): فراغًا طويلاً، وسعة لتصرفك، وقضاء حوائجك.
والمعنى: إن لك في النهار فراغًا للنوم، والتصرف في الحوائج فضل من الليل.
هذا قول أهل التفسير. قال أبو عبيدة: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: منقلبًا طويلًا (٣).
وقال المبرد: تقلبًا فيما تحب، قال: وبهذا سمي السابح لتقلبه بيديه ورجليه (٤).
وقال ابن قتيبة: أي تصرفًا، وإقبالاً، وإدبارًا في حوائجك وأشغالك (٥).
(ونحو هذا قال الفراء (٦)، والزجاج (٧)) (٨).
قال (٩) ابن الأعرابي: معناه اضطرابًا ومعاشًا (١٠).
стр. 12251
وقال الليث: (فراغًا للقمر (١)) (٢).
(ومعنى ذكر هذا الفراغ، والتصرف هاهنا ما ذكرنا أنه يفرغ في النهار للنوم، والتصرف في الحوائج فيكون ليلهُ للصلاة) (٣).
(وقال) (٤) أبو إسحاق: أي (إن) (٥) فاتك من الليل شيء، ذلك في النهار فراغ (٦) قال: وهو معنى قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
قال مقاتل: بالتوحيد (٧).
قوله تعالى (٨): ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: أخلص إليه إخلاصًا (٩)، (وهو قول مقاتل (١٠)، والكلبي (١١)، ومجاهد (١٢)،
стр. 12252
والضحاك (١)).
وقال قتادة: أخلص لله العبادة والدعوة (٢).
وجميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص (٣).
وأصل معنى التبتل في اللغة: القطع (٤)، (وقيل لمريم: البتول؛ لأنها انقطعت إلى الله في العبادة، وصدقة بَتْلة: مُنْقطعة من مال صاحبها) (٥).
стр. 12253
وقال اللبث: البتْل: تمييز الشيء من الشىِء، والبَتول: كل امرأة تنقبض [عن] (١) الرجال لا شهوة لها, ولا حاجة فيهم، ومنه التَّبتُّل: وهو ترك النكاح، والزهد فيه.
وقال (ربيعة) (٢) بن مَقْرُوم (٣):
لو أنها عَرَضت لأشْمَطَ راهب ... عبدَ الإلهَ صرورةً متبتِّلِ (٤)) (٥)
هذا معنى الحرف في اللغة، وأما في الآية، فقال أبو إسحاق: انقطع إليه في العبادة (٦).
وقال الفراء: يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقبل على العبادة: قد
стр. 12254
تبتل، أي قطع كل شيء إلا أمر الله وطاعته (١).
وهذا يؤدي معنى الإخلاص الذي ذكر أهل التفسير.
وقال زيد بن أسلم: التبتل: رفض الدنيا (٢) وما فيها، والتماس (٣) ما عند الله (٤).
وقال ابنه: (تبتل إليه): تفرغ لعبادته (٥).
وهذا كله يرجع: (٦) إلى معنى الانقطاع إليه عما سواه.
وقال الأخفش في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ لم يجيء بمصدره، ومصدره (٧) التبتل (٨).
وقال غيره (٩): جاء تبتيلًا على بَتِّلْ نفسك إليه تبتيلاً، فوقع المصدر موقع مقاربه في المعنى، ويكون التقدير: وتبتل مبتلًا نفسك إليه تبتيلاً، كما قال: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهذا معنى قول أبي إسحاق: تبتل محمول على معنى بَتَّل إليه تبتيلًا (١٠).
стр. 12255
قوله تعالى (١): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
(الرفع (٢) في قوله: (رب المشرق) (٣) يحتمل أمرين:
أحدهما: القطع من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ على تقدير: هو رب المشرق، فيكون خبر ابتداء (٤) محذوف، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: فعليهم متاع قليل.
والثاني: أن يرفعه بالابتداء، وخبره الجملة التي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، والعائد إليه الضمير المنفصل، والخفض (٥) على اتباع قوله: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾) (٦).
قوله: ﴿فَأتًخِذهُ وكيلًا﴾ قال الكلبي: يقول: اتخذه يا محمد كفيلًا على ما قال لك إنه سيفعله بك (٧).