← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

والمعنى: طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل (١) اتخاذها من ذلك الوجه. وروي عن سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر (٢). (قال أبو العباس: الثياب: اللباس، ويقال: القلب (٣). وعلى هذا ينشد (٤): فَسُلِّي ثيابي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ (٥)) (٦) وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، (وهو قول ابن سيرين (٧)،

стр. 12287

وابن زيد (١)) (٢). وذكر أبو إسحاق: وثيابك فقصر، قال: لأن تقصير الثوب أبعَدُ مِنَ النجاسة، فإنه إذا انجرّ على الأرض لم يؤمَن أن يُصيبَه ما ينجسه (٣)، وهذا قول طاوس) (٤). (وأخبرنا أبو الحسين الفسوي أن حمد بن محمد) (٥) أخبرني بعض أصحابنا (٦) عن (إبراهيم بن) محمد بن عرفة (النحوي) (٧) قال: معناه نساءك طهرهن (٨). وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس، قال الله : ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٩)) (١٠). ويكنى عنهن بالإزار (١١)، ومنه قول الشاعر (١٢):

стр. 12288

ألا أبلغ أبا حفص رسولاً فدى (١) ... لك من أخي ثقة إزاري (٢) أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور (٣) للنبي ﷺ ليلة العقبة (٤): "لنَمْنَعَنَّكَ مما نمنع منه (٥) أُزُرَنا" أي نساءنا (٦). قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال جماعة المفسرين (٧): يريد عبادة الأصنام

стр. 12289

والأوثان. (وهو قول ابن عباس (١)، وجابر (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والزهري (٦)، وابن زيد (٧)) (٨). قال قتادة (٩)، ومقاتل (١٠): يعني أساف، ونائلة؛ صنمان عند البيت يمسح وجوههما من مر بهما من المشركين، أمر الله نبيه ﷺ أن يجتنبهما. (وروى السدي عن أبي مالك قال: الشيطان والأوثان (١١)) (١٢).

стр. 12290

وقال (١) الكلبي: يقول: المأثم فاترك، ولا تقربه (٢). "والرجز" معناه في اللغة: العذاب (٣)، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وغيره من الآيات (٤). (ويكون التقدير: وذا الرجز فاهجر، أي ذا العذاب، يعني: ما يؤدي إلى العذاب) (٥) من الإثم، (والشيطان) (٦)، والأوثان، (والشرك، وهو قول الضحاك (٧)) (٨).

стр. 12291

ومن جعل الرجز -هاهنا- نفس العذاب لم يحتج إلى تقدير المضاف، وهو قول الفراء، قال: فسر الكلبي الرجز: العذاب (١). وقرئ بضم الراء، وهما لغتان (٢)، والمعنى فيهما واحدة مثل الذَّكر والذكر. قاله الفراء (٣)، والزجاج (٤)، وأبو علي (٥). قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعطى الناس شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه (٦). وهذا قول مقاتل، ومجاهد (٧)، (وإبراهيم) (٨)، وقتادة (٩)،

стр. 12292

(وطاوس (١)، وابن أبي بزهَ (٢)، والضحاك (٣)) (٤) قالوا: لا تعط مالك مصانعة رجاء أفضل منه في الدنيا، لتعطي أكثر منه. ومعنى: "لا تمنن": لا تعطِ، كقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]، و"تستكثرُ" بالرفع حال [متوقعة] (٥) أي: لا تعط شيئًا مقدرًا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه) (٦). وقال أبو علي: هو مثل قولك: مررت (٧) برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدر الصَّيد، فكذلك يكون -هاهنا- مقدرًا الاستكثار. قال: ويجوز أن يحكى به حالاً آتيه، وليس في الجزم اتجاه في "تستكثر"، ألا ترى (٨) أن المعنى ليس على أن لا تمنن تستكثر، إنما المعنى على ما تقدم (٩). قال الضحاك (١٠)، ومجاهد (١١): كان هذا للنبي ﷺ خاصة.

стр. 12293

قال أبو إسحاق: وليس على الإنسان (١) إثم أن يُهدي هدية يرجو بها ما هو أكثر منها، والنبي ﷺ أدبه الله بأشرف الآداب وأجل الأخلاق (٢) -هذا كلامه-. ومعناه: أن الإنسان قد يعطي ليثاب بأكثر من ذلك، فلا يكون له في ذلك مِنة ولا أجر. لأنه قصد بذلك الاستكثار وطلب الزيادة، فنهى الله عن ذلك (٣)، وأمره أن يقصد بما يعطي وجه الله (٤). (قول الكلبي: أرِدْ به وجه الله (٥)) (٦). ونحو هذا قال ابن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك (٧). (هذا الذي ذكرنا قول جماعة أهل التأويل) (٨) -وذكرت أقوال سوى ما ذكرنا: أحدها: لا تضعف أن تستكثر (٩) من الخير. وروى عمرو عن أبيه: المنين من الرجال: الضعيف (١٠)، ويدل على

стр. 12294

صحة هذا التأويل قراءة عبد الله "لا تمنن أن تستكثر" (١)، (وهذا قول مجاهد (٢) في رواية خُصيف) (٣). القول الثاني: لا تمنن على الناس بنبوتك (٤)، فتأخذ (عليها) (٥) منهم أجرًا تستكثر به، وهو قول ابن زبد (٦). القول الثالث (٧): لا تمنن على ربك بعملك فتستكثره، وهو قول الحسن (٨). وحكى الأزهري: لا تعط مستكثرًا ما أعطيت (٩).

стр. 12295

قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: قال عطاء عن ابن عباس: يريد على فرائض ربك (١). وقال الكلبي: فاصبر نفسك على عبادة ربك وطاعته (٢). وقال مقاتل: يعني على الأذى والتكذيب (٣)، وهو قول مجاهد (٤). وقال ابن زيد: أي: على ما حملت من محاربة العرب والعجم (٥). وعند زيد (٦) بن أسلم، وإبراهيم (٧): إن هذه الآية متصلة المعنى بالأولى. قال زيد: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، واصبر حتى يكون هو يثيبك عليها (٨). وقال (إبراهيم) (٩): اصبر لعطية ربك (١٠).

стр. 12296

(الناقور) (١): الصور في قول جميع أهل اللغة (٢) والتفسير (٣). وهو فاعول، من النقر (٤) ينقر فيه للتصويت كالهاضوم من الهضم، والحاطوم من الحطم، والنقر: التصويت باللسان.

стр. 12297

قال ابن عباس: الناقور: الصُّورُ (١)، وهو قرن (٢). وقال مجاهد: شيء كهيئة البوق (٣) (٤). قال مقاتل: يعني إذا انفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل (٥) (٦). يعني: النفخة الثانية (٧).

стр. 12298

(وهو قول الكلبي (١)) (٢). وقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (يوم النفخ في الصور، وهو قوله: "يومئذ"، وهو في محل الرفع، إلا أنه بني مع "إذ" ويجوز أن كون نصبا على معنى فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور) (٣). وقال أبو علي: "ذلك" إشارة إلى النقر، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي انقر (٤) يوم عسير. وقوله (٥): "يومئذ" على هذا متعلق بـ"ذلك"؛ لأنه مصدر، وفيه معنى الفعل فلا يمتنع أن يعمل في الظرف (٦). قال (٧): ويجوز أن يكون "يومئذ" ظرفًا لقوله: "يوم"، ويكون "يومئذ" بمنزلة حينئذ، ولا يكون "اليوم"، الذي يعني به (٨) وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنه عسير خلاف (٩) الليلة، فيكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ (١٠).

стр. 12299

فأما "إذا" في قوله: "إذا نقر" فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: "يوم عسير" تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر وصعب (١). كما أن ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) يدل على محزونون) (٣). قال مقاتل: ثم أخبر عن عسرته فقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ يقول: غير هين، ويهون على المؤمنين (٤)، ونحو هذا قال ابن عباس؛ قال: يريد أن ذلك اليوم على المؤمنين سهل (٥). وهذا يدل على صحة القول بفحوى الخطاب، حيث فهم ابن عباس، ومقاتل من عسرته على الكافر سهولته ولينه على المؤمن (٦). ١١ - قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾. ذكرنا معنى هذا عند قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ (٧). قال مقاتل: يعني: خلِّ يا محمد بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته (٨). والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: خَلَقْتُه.

стр. 12300

وأجمعوا على أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة (١).

стр. 12301

وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ قال أكثر المفسرين، وأهل المعاني (١): خلقته وحده لا مال له، ولا ولد، ولا زوجة، خلقته وحيدًا في بطن أمه. وهو قول (الكلبي (٢)، و) (٣) مجاهد (٤)، و (مقاتل (٥)) (٦) وقتادة (٧)، والجمهور (٨). (و) (٩) على هذا: الوحيد من صفة المخلوق.

стр. 12302

وذكر الفراء (١)، والكسائي (٢) (٣)، (والزجاج (٤)) (٥) وجهًا آخر وهو: أن يكون الوحيد من صفة الله على معنى: ذرني ومن خلقته وحدي لم (٦) يشركني في خلقه أحد، أي فأنا أعلم به، وأقدر عليه. وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: "وحيدًا"، قال: يريد الوليد بن المغيرة، وكان يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس (لي) (٧) في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد في قومه (٨)، وهذا غير صحيح أنه لا يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: "خلقت وحيدًا"؛ لأن الله تعالى لا يصدقه في دعواه أنه وحيد، لا نظير له، فيقول: خلقته وحيدًا (٩).

стр. 12303

ثم ذكر أنه (١) رزقه المال والولد (٢)، وبسط عليه فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال ابن عباس (في رواية أبي صالح) (٣): كثيرٌ في (٤) كل شيء من المال (٥)، وفسره في رواية عطاء فقال: "مالاً ممدودًا" ما بين مكة إلى الطائف الإبل المؤبلة (٦)، والخيل المسومة (٧)، والنعم المُرَحَّلَة (٨)، وأجنة بالطائف، ومال عين كثير، وعبيد، وجوار (٩). وقال مقاتل: يعني بستانه الذي بالطائف، كان لا ينقطع خيره، شتاء ولا صيفًا، كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (١٠) يعني لا ينقطع. ومن المفسرين من عين قدر ذلك المال، فروي عن مجاهد (١١)،

стр. 12304

وسعيد بن جبير (١)، أنهما قالا: ألف دينار. وعن قتادة: بأربعة آلاف دينار (٢). وعن الثوري: ألف ألف دينار (٣). والأولى في الممدود أن يكون ما يمد بالزيادة والنماء، كالزرع، والضرع (٤)، والتجارة. قال أبو إسحاق: تفسيره غير منقطع عنه (٥). دليله ما روي عن عمر أنه قال في تفسيره: هو غلة شهر بشهر (٦). وقال أهل المعاني: وصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى، وهو أن يكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء (٧). قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال ابن عباس: كان له عشرة أولاد

стр. 12305

حضور بمكة، لا يسافرون (١) (وهو قول الكلبي (٢)، ومجاهد، وقتادة (٣)) (٤). وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر (٥). وقال مقاتل: كانوا سبعة (٦). (قال أبو إسحاق: أي شهود معه لا يحتاجون أن يتصرفوا ويغيبوا عنه (٧)) (٨). ١٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال مجاهد: في المال والولد (٩).

стр. 12306

وقال مقاتل: بسطت له في المال والولد بسطًا (١). وقال الكلبي: مهدت له في المال الممدود (٢). ومعنى التمهيد: تسهيل التصرف في الأمور، و [يدعو] (٣) بهذا فيقال: أدام الله تمهيده، أي: بسطته وتصرفه في الأمور (٤). ومن المفسرين (٥): من جعل هذا التمهيد البسط في العيش وطول العمر. ١٥ - قوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. قال صاحب النظم: "ثم": هاهنا - معناه للتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك (٦) داري، وأطعمتك، وسقيتك، ثم أنت تشتمني، وهذا كقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (٧) ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٨)﴾ [الأنعام: ١] الآية، فمعنى ثم -

стр. 12307

هاهنا- الإنكار والتعجيب (١) قال (الكلبي، و) (٢) مقاتل (٣): ثم يرجو (٤) أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وهو قوله: ﴿كلاَّ﴾: قال ابن عباس: لا أفعل (٥)، وقال مقاتل: لا أزيده (٦). قال المفسرون (٧): لم يزل الوليد في نقصان بعد قوله: "كلا". (قال مقاتل) (٨): حتى افتقر ومات فقيرًا (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال ابن عباس: معاند لكل ما جاء به محمد ﷺ (١٠). وقال مقاتل: كان مجانبًا للقرآن لا يؤمن به (١١)

стр. 12308

وقال المبرد: عاند فهو عنيد، مثل: جالس فهو جليس، وضاجع فهو ضجيع (١) وذكرنا تفسير "العنيد" فيما سلف (٢). ١٧ - قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾: قال الكلبي: سأكلفه صعودًا، وهو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر (٣) إلى أسفلها، ثم يكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع (٤) الحديد، فيصعدها في أربعين سنة (٥).

стр. 12309

(ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس (١)) (٢)، وهو قول أبي سعيد الخدري (٣)، ومقاتل (٤). وقال أهل المعاني: سأحمله على مشقة من العذاب (٥) مثل قوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، و"صعودًا" من قولهم: عقبة صعود وكؤود (٦)، أي شاقة المصعد (٧). وهذا وعيد له، وإخبار عما يصنع الله به في الآخرة. ١٨ - قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ يقال: فكر في الأمر، وتفكر، إذا نظر فيه وتدبر (٨)، ومثله: "قدر". وذلك أن الوليد مر برسول الله ﷺ وهو يقرأ قوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣]، فسمعها الوليد، فلما رجع إلى قومه قال لهم: والله لقد سمعت من محمد

стр. 12310

آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام (١) الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (٢)، وإنه ليعلو (٣)، وما يعلى. فقالت قريش: صبأ (٤) الوليد، والله لتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل -لعنه الله-: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه. هذا قول مقاتل (٥)، وعكرمة (٦). وقال الكلبي: كان الوليد بن المغيرة قال لرؤساء مكة: إن الناس مجتمعون بالموسم غدًا، وقد فشا أمر هذا الرجل (٧) في الناس، وهم سائلوكم عنه، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نقول: إنه مجنون، قال لهم: إذًا

стр. 12311

يخاطبونه فيعلمون أنه غير مجنون، قالوا (١): فنقول: إنه شاعر. قال: هم العرب يعلمون الشعر، ويعلمون أن ما أتى به ليس بشعر. قالوا: فنقول: إنه كاهن. قال: إنهم قد لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهانة فيكذبونكم، ثم انصرف إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد، فقال ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه محزونًا، فقال: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه، وهذه (٢) قريش تجمع لك مالاً لتكون عوضًا فيما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد، فقال: والله ما يسمعوني (٣)، فكيف أقدر أن أخذ منهم مالًا؟ ولكني أكثرت حديث النفس في أمر هذا الرجل، وتفكرت في شأنه، فقوله قول ساحر، والذي يأتي به سحر (٤). فذلك قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾، قال ابن عباس: يريد في القرآن (٥). وقال مقاتل: في محمد، وقدر مع نفسه ماذا يقول له (٦). فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُتِلَ﴾ قال ابن عباس (٧)، (ومقاتل (٨)) (٩)، والمفسرون (١٠):

стр. 12312

لُعن؛ وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١) و ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا منتظمًا بما قبله على معنى: فلعن علي أي حال قدر ما قدر، كما يقال في الكلام: لأقتلنه كيف صنع، أي على أي حال كانت فيه. ويجوز أن يكون منقطعًا بما قبله مستأنفًا؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ﴾، كان هذا تمامًا، ثم قال على الإنكار، والتعجب (٢): ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾، كما تقول (٣) للرجل إذا أتى منكرًا: كيف فعلت هذا (٤). وقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾، أي عوقب بعقاب آخر. ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ في إبطال الحق، تقديرًا آخر. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده. قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): خلا، فنظر، وتفكر فيما

стр. 12313

يقول لمحمد ﷺ والقرآن. ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال مقاتل: كلح (١) وتغير لونه (٢). وقال أبو عبيدة: كره وجهه، وأنشد (قول) (٣) توبة (٤) وقَدْ رَابَني مِنها صُدُودٌ (٥) رَأيْتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حَاجَتي وبُسُورُها (٦) (٧) وقال (٨) أبو إسحاق: نظر بكراهة شديدة (٩). قال الليث: (عَبَس يَعْبِسُ فهو عَابس، إذ قطَّب ما بين عينيه، فإن أبدى (١٠) عن أسنانه في عبوسته، قيل: كلح (١١)) (١٢)، فإن اهتم لذلك

стр. 12314

وفكر فيه، قيل (١): بسر (٢)، فإن غضب مع (٣) ذلك قيل: بسل (٤). وقال (٥) الكلبي: مر الوليد على (٦) أصحاب رسول الله ﷺ وهم جلوس (٧)، فقالوا: هل لك إلى خير الإسلام؟ فعبس في وجوههم وبسر، ثم ولى مستكبرًا وقال: ما يقول صاحبكم إلا (٨) سحرًا (٩)، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ (إلى أهله مكذبًا) (١٠). ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تعظم عن الإيمان. وقال مقاتل: أدبر عن الإيمان (١١)، وتكبر حين دعي إليه (١٢). ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾، ما هذا القرآن (١٣) ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، يأثره محمد عن مسيلمة (١٤).

стр. 12315

وقال الكلبي: يأثره عن أهل بابل (١) (٢). قالا (٣): قال الوليد لقومه لما سألوه عن قوله في محمد بعد ما تفكر ونظر: إن محمدًا ساحر، والذي يقوله سحر، ألا ترونه كيف فرق بين فلان وأهله، وبين فلان وابنه وأخيه؟ فذلك قوله: ﴿إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وهو من قولهم: أثرت الحديث أثرًا، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعد ما ماتوا. هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عمن كان، والإخبار، ومنه حديث عمر ﵁: "فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا" (٤).

стр. 12316

وقال عطاء عن ابن عباس: يؤثر على جميع السحر (١). وعلى هذا هو من الإيثار. قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، يعني مسيلمة، أو أهل بابل في قول الكلبي. وقال مقاتل: يعني يسارًا أبا فكيهة، قال: هو الذي يأتيه به من مسيلمة (٢). وقال عطاء: يريد آية (٣) الشعر (٤)، أو المعنى: أنه كلام الإنس، وليس من الله. قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (أي سأدخله النار، وسقر: اسم من أسماء جهنم. لا ينصرف للتعريف والتأنيث) (٥). قال ابن عباس: وهي الطبق السادس من جهنم (٦). ثم ذكر عظم (٧) شأن سقر فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ (تأويله: وما أعلمك أي شيء سقر) (٨). ثم أخبر عنها تعظيمًا لشدتها فقال: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾

стр. 12317

قال عطاء عن ابن عباس: لا تبقيه حتى تصير فحمًا، ثم تعاد خلقًا جديدًا، فلا تذره حتى يعود عليه بأشد مما كانت -هكذا- أبدًا (١). وقال الكلبي: لا تبقي له لحمًا إلا أكلته، ولا تذرهم (٢) إذا أعيدوا خلقًا جديدًا (٣). وقال مقاتل: لا تبقي النار عليهم إذا واقعتهم حتى تأكلهم، ولا تذرهم إذا بدلت جلودهم حتى تواقعهم (٤). وقال الضحاك (٥): إذا أخذت فيهم لم تبق منهم (٦) شيئًا (٧)، وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم (٨). وقال السدي: لا تبقي لهم لحمًا , ولا تذر (٩) لهم عظمًا (١٠). قوله تعالى (١١): ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال الليث: (لاحه العطش ولوَّحه إذا غيره، والتاح إذا عطش (١٢)،

стр. 12318

ولاحه البرد، والسُّقم، والحزن، وأنشد غيره (١): ولم يَلُحْها حزنٌ على ابنمٍ ... ولا أخ ولا أبٍ (٢) فَتَسْهُمِ (٣)) (٤) قال أبو عبيدة: ﴿لَوَّاحَهٌ﴾ مغيِّرَةٌ، وأنشد (٥): (يا بنت عمِّي لاحَني الهواجر (٦)) (٧) والبشر: جمع بشرة، وهي الجلد (٨). قال الكلبي: يعني تسود بشرة من يطرح فيها (٩). وقال [أبو رزين] (١٠): يلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادًا من

стр. 12319

الليل (١). وقال مقاتل: يعني حراقة (٢) الجلد (٣). وقال غيره: محرقة للجلد (٤) -وهو معنى، وليس بتفسير-، أي أنها خرق الجلد فتغيره حتى يسود. وقال عطاء عن ابن عباس: يلوح لأهلها من مسيرة خمسمائة عام (٥). (وهذا قول الحسن (٦)، وابن كيسان (٧)) (٨). ولواحة على هذا القول: من لاح الشيء يلوح إذا لمع نحو (٩) البرق (١٠). و ﴿البَشَرِ﴾ ليس المراد بها الجلود، وإنما معناها الناس. قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر﴾ قال المفسرون: يقول على النار تسعة عشر

стр. 12320

من الملائكة هم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر ملكًا (١)، أعينهم كالبرق (٢)، وأنيابهم كالصياصي (٣)، وأشعارهم تمس (أقدامهم) (٤) يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة (٥)، ومضر، نزعت منهم الرأفة والرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا, فيرميهم حيث أراد من جهنم (٦). قالوا (٧): ولما نزلت هذه الآية، قال اللعين أبو جهل: أما لمحمد

стр. 12321

من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم بتسعة عشر، وأنتم الدهم (١)، أفتعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد (٢) منهم، ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدين (٣) -وهو رجل من بني جمح (٤) -: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عنكم عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر (٥)، ونمضي فندخل (٦) الجنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ قال (أبو بكر) (٧) بن الأنباري: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل (٨) وأبو الأشدين ما قالا، قال المسلمون: عس (٩) الملائكة إلى الحدادين (١٠).

стр. 12322

والمعنى: عس (١) الملائكة إلى السجَّانين من النار، والحداد: السجان الذي يحبس الناس، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، يعني خزانها. "إلا ملائكة" أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾، أي: عددهم في القلة، وقال مقاتل: قلتهم (٢). ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: يريد ضلاله لهم حتى قالوا ما قالوا (٣). وقال أبو إسحاق: أي محنة؛ لأن بعضهم قال: أنا أكفي هؤلاء (٤). والمعنى: جعلنا هذه العدة محنة لهم؟ ليظهروا ما عندهم من التكذيب (٥). قوله (٦): ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن الأنباري (٧)، والزجاج (٨)؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم (٩)، فيستيقنوا صدق محمد ﷺ ، موافقًا (١٠) لما في كتابهم؛ لأنه إذا أخبر بذلك على وفق (١١) ما عندهم

стр. 12323

من غير أن [يقرأ] (١)، كتابًا دل ذلك على صدقه، واللام في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٢). قال الكلبي: كان ذلك في كتب أهل الكتاب: تسعة عشر، كما نزل على رسول الله ﷺ (٣). وقال الفراء: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقينًا إلى يقينهم؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر (٤). قال ابن عباس: يعني الذين آمنوا منهم (٥). قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال الفراء: لأنهما (٦) في كتاب أهل الكتاب كذلك (٧). وعلى هذا معناه ليزداد مؤمنو أهل الكتاب تصديقًا لمحمد ﷺ إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقا لما في كتابهم (٨)، فيعلمون أنه صادق. وقال أبو إسحاق: لأنهم كلما صدقوا بما يأتي في كتاب الله زاد إيمانهم (٩). والمعنى على هذا: ويزداد المؤمنون إيمانًا بتصديقهم محمدًا في

стр. 12324

عدد خزنة النار. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أي لكيلا (١) يشك هؤلاء في أن خزنة جهنم تسعة عشر. قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك ونفاق من منافقي المدينة (٢)، (هذا قول ... (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥)) (٦). وذكر عن الحسين بن الفضل أنه (٧) قال: هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق. فالمرض في هذه الآية لا يكون بمعنى النفاق (٨). وقول المفسرين صحيح وإن أنكره؛ لأنه كان في معلوم الله تعالى (ذكره) (٩) أن النفاق سيحدث، فأخبر عما يكون. قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾، قال مقاتل: يعني مشركي العرب (١٠).

стр. 12325

وقال عطاء (١)، (والكلبي (٢)) (٣): يعني الكفار من اليهود، والنصارى. والقول قول مقاتل (٤)؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بما (٥) في كتابهم، فلا ينكرون عدد خزنة النار (٦). قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، مبين في سورة البقرة (٧) إلا أن معنى المثل هناك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ولم يذكر في هذه "مثل" حتى تنكره (٨) الكفار فيقولوا ماذا أراد الله بهذا مثلاً، ومعنى (٩) المثل -هاهنا- الحديث نفسه. ومنه قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: حديثها، والخبر عنها وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي حديثهم والخبر عنه وقصتهم (١٠).
следующие страницы →