من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم بتسعة عشر، وأنتم الدهم (١)، أفتعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد (٢) منهم، ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدين (٣) -وهو رجل من بني جمح (٤) -: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عنكم عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر (٥)، ونمضي فندخل (٦) الجنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾
قال (أبو بكر) (٧) بن الأنباري: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل (٨) وأبو الأشدين ما قالا، قال المسلمون: عس (٩) الملائكة إلى الحدادين (١٠).
стр. 12322
والمعنى: عس (١) الملائكة إلى السجَّانين من النار، والحداد: السجان الذي يحبس الناس، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، يعني خزانها.
"إلا ملائكة" أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾، أي: عددهم في القلة، وقال مقاتل: قلتهم (٢).
﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: يريد ضلاله لهم حتى قالوا ما قالوا (٣).
وقال أبو إسحاق: أي محنة؛ لأن بعضهم قال: أنا أكفي هؤلاء (٤).
والمعنى: جعلنا هذه العدة محنة لهم؟ ليظهروا ما عندهم من التكذيب (٥).
قوله (٦): ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن الأنباري (٧)، والزجاج (٨)؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم (٩)، فيستيقنوا صدق محمد ﷺ ، موافقًا (١٠) لما في كتابهم؛ لأنه إذا أخبر بذلك على وفق (١١) ما عندهم
стр. 12323
من غير أن [يقرأ] (١)، كتابًا دل ذلك على صدقه، واللام في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٢).
قال الكلبي: كان ذلك في كتب أهل الكتاب: تسعة عشر، كما نزل على رسول الله ﷺ (٣).
وقال الفراء: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقينًا إلى يقينهم؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر (٤).
قال ابن عباس: يعني الذين آمنوا منهم (٥).
قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال الفراء: لأنهما (٦) في كتاب أهل الكتاب كذلك (٧).
وعلى هذا معناه ليزداد مؤمنو أهل الكتاب تصديقًا لمحمد ﷺ إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقا لما في كتابهم (٨)، فيعلمون أنه صادق. وقال أبو إسحاق: لأنهم كلما صدقوا بما يأتي في كتاب الله زاد إيمانهم (٩). والمعنى على هذا: ويزداد المؤمنون إيمانًا بتصديقهم محمدًا في
стр. 12324
عدد خزنة النار.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أي لكيلا (١) يشك هؤلاء في أن خزنة جهنم تسعة عشر.
قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك ونفاق من منافقي المدينة (٢)، (هذا قول ... (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥)) (٦).
وذكر عن الحسين بن الفضل أنه (٧) قال: هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق. فالمرض في هذه الآية لا يكون بمعنى النفاق (٨).
وقول المفسرين صحيح وإن أنكره؛ لأنه كان في معلوم الله تعالى (ذكره) (٩) أن النفاق سيحدث، فأخبر عما يكون.
قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾، قال مقاتل: يعني مشركي العرب (١٠).
стр. 12325
وقال عطاء (١)، (والكلبي (٢)) (٣): يعني الكفار من اليهود، والنصارى. والقول قول مقاتل (٤)؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بما (٥) في كتابهم، فلا ينكرون عدد خزنة النار (٦).
قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، مبين في سورة البقرة (٧) إلا أن معنى المثل هناك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ولم يذكر في هذه "مثل" حتى تنكره (٨) الكفار فيقولوا ماذا أراد الله بهذا مثلاً، ومعنى (٩) المثل -هاهنا- الحديث نفسه.
ومنه قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: حديثها، والخبر عنها وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي حديثهم والخبر عنه وقصتهم (١٠).
стр. 12326
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة، ولم يؤمن به، وهدى من صدق ذلك وآمن به.
﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، قال مقاتل: أي من الكثرة (١).
وذلك أنهم استقلوا ذلك العدد، فأخبر الله تعالى عن كثرة جنوده، بأن أعيانهم وعددهم لا يعلمها إلا هو.
وقال عطاء: "جنود ربك" يعني: من الملائكة الذين خلقهم، يعذبون أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله (٢).
وعلى هذا "تسعة عشر" هم خزنة النار، ولهم الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله.
ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.
قال ابن عباس (٣)، (ومقاتل (٤)) (٥)، أي: موعظة وتذكرة للعالم.
وقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن النار في الدنيا تذكر النار في
стр. 12327
الآخرة (١).
ثم أخبر عن عظم شأنها فأقسم على ذلك فقال:
﴿كَلَّا﴾؛ أي ليس، القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه خزنة [النار] (٢)، ﴿وَالْقَمَرِ﴾، قسم، وكذلك.
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، قال ابن عباس: إذا ولى (٣). وقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): إذا ذهب (٦).
ودبر وأدبر بمعنى واحد. قاله الفراء (٧)، والزجاج (٨). قالا: ومثله: قبل وأقبل، يقال: دبر الليل وأدبر (٩)، إذا ولى ذاهبًا، يدل على هذا قراءة من قرأ (١٠): "إذا أدبر" بالألف (١١).
стр. 12328
روي أن مجاهدًا سأل ابن عباس عن قوله: "دبر" فسكت حتى إذا أدبر الليل قال: يا مجاهد هذا حين دبر الليل (١).
وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة (٢)، ويقول: إنما يدبر ظهر البعير (٣).
والقرآن عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا - وأنشد (أبو علي) (٤):
وأبي الذي تَرَكَ المُلُوك وجَمْعَهُم ... بِصُهابَ هَامِدةً كأَمْسِ الدَّابِرِ (٥)
قال (٦) وقد قالوا أيضًا: كأمس المدبر، والوجهان (في القرآن) (٧) حسنان جميعًا (٨).
стр. 12329
(وقال أبو عبيدة (١)، وابن قتيبة (٢): دبر، أي: جاء بعد النهار) (٣)، يقال: دبرني، أي جاء خلفي، ودبر الليل (٤)، أي: جاء بعد النهار.
قال قطرب: فعلى هذا معنى "إذا دبر" إذا أقبل بعد مضي النهار (٥).
قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي (أضاء، وتبين، ومنه: الحديث "أسفروا بالفجر" (٦)، يقول: صلاة الفجر بعد ما تبين ويظهر حتى لا يشك فيه، ومن هذا قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ (٧)، أي: مضيئة) (٨).
ثم ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يعني (أن) (٩) سقر -التي جرى ذكرها- لإحدى الكبر.
стр. 12330
قال مقاتل (١)، (والكلبي (٢)) (٣): أراد بـ"الكبر" دركات جهنم، وأبوابها، وهي سبعة: جهنم، ولظى (٤)، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. أعاذنا الله منها.
و"الكبر" جمع الكبرى (٥)، مثل الصُّغْرى (٦)، والصُّغَر.
قال المبرد (٧)، وابن قتيبة (٨): إنها لإحدى العظائم، والعُظَم كما يقال: إحدى الدواهي، و"إحدى" اسم بني ابتداء [للتأنيث] (٩)، وليس بمعنى (١٠) على المذكر، نحو عصا، وأخرى (١١) -ولعل هذا مما سبق الكلام فيه- (١٢).
وألف "إحدى" مقطوع لا يذهب في الوصل.
стр. 12331
(وروي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿إنها لَحْدى (١) الكبر﴾ موصولاً حذف الهمزة حذفًا. كما يقال: وَيْلُمِّهِ (٢)، وقد جاء ذلك في الشعر، قال أبو الأسود:
يا با (٣) المغيرةِ رُبَّ أمرٍ مُعْضلٍ ... قَرَّبْتَه بالنُكر مني والدَّها (٤)
وأنشد أحمد بن يحيى:
إن لم أقاتلْ فالبِسوني بُرْقعًا وفَتَحـ ... ـات في اليَدَيْن أربعا (٥)
وقال الفرزدق:
فعليَّ إثمُ عطيَّة بن الخَيْطـ ... ـفي وإثمُ التي زجرتْكَ إن لم تَجْهَدِ (٦)(٧)
стр. 12332
وهذا مثل قراءة ابن كثير، ألا ترى أن "لإح" من قوله "لإحدى" مثل واث، من قوله "وإثم التي". وليس هذا الحذف (١) بقياس، والقياس التخفيف، وهو أن يجعل بين بين، ولكنه وجد الهمزة تحذف حذفًا في بعض المواضع فجرى (٢) عليه، وفي (٣) حذفه الهمزة من "لإحدى" ضعف؛ لأنه إذا حذفتها (٤) بقي بعدها حرف ساكن يكون أول الكلمة بعد الحذف [ولهذا] (٥) لم تخفف الهمزة أولًا؛ لأن التخفيف تقريب من الساكن، فإن لا يكون ما يلزم له إلا الابتداء بالساكن أجدر؛ ووجهه على ضعفه: أن اللام اللاحقة أول الكلمة لما لم تفرد صار بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، فصار حذف الهمزة كأنه حذف في تضاعيف الكلمة، ومن ثم قالوا: "لهو" (٦) فخففوه كما خففوا "عضْدًا"، ونحوه مما هو كلمة واحدة) (٧).
قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد قم نذيرًا للبشر (٨).
وذكر النحويون هذا القول في نصب "نذيرًا" ذكره الكسائي (٩)،
стр. 12333
والزجاج (١).
وقال (٢) الفراء: وليس ذلك بشيء (٣) -والله أعلم-؛ لأن الكلام قد حدث بينهما شيء كثير، ونصبها بالقطع من المعرفة؛ لأن (إحدى الكبر) معرفة، فقطعت منه. قال: ويجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار.، والمعنى: أنذر إنذارًا للبشر. ودل قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ على أنذر بها (٤).
وذكر أبو إسحاق: القول الأول فقال: نصب "نذيرًا" على الحال. وقال: وذكِّر [نذيرًا] (٥)؛ لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار، كقولهم: امرأة طاهر وطالق (٦).
قال أبو علي الفارسي في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قولان:
أحدهما: أن يكون حالًا من "قم" المذكورة (٧) في أول (٨) السورة (٩).
والآخر: أن يكون حالاً من قوله: ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، وليس يخلو
стр. 12334
الحال من أن يكون المضاف، أو من المضاف إليه، فإن كان من المضاف إليه، كان القائل فيه "ما في" "إحدى" من معنى التفرد، وإن كان المضاف إليه كان العامل فيه ما في "الكُبر" من معنى الفعل، وفي كلا (١) الوجهين ينبغي أن يكون "نذيرًا" مصدرًا؛ لأن المضاف مؤنث، والمضاف إليه مؤنث مجموع، والمصدر قد يكون حالاً من الجميع، كما يكون حالاً من المفرد تقول: جاء وأركض (٢)، كما تقول: جاء ركضًا (٣).
٣٧ - قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾، "لمن " بدل من قوله: "للبشر" (٤)، وهو كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ﴾ (٥).
قوله: "أن يتقدم"، أي: في الخير والإيمان.
"أو يتأخر" عنه. والمعنى: قد حصل الإنذار لكل أحد لمن آمن وصدق، ولمن عصى وكفر، وهذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة، وإلى ما أمر به جوزي بالثواب، وقد سبق له الوعد بذلك، ومن تأخر عما أمر به عوقب، وقد سبق له الإنذار والوعيد. وهذا معنى قول ابن عباس (٦)،
стр. 12335
(والكلبي (١)) (٢)، ومقاتل (٣)، والمفسرين (٤).
ومعنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين (٥): التهديد (٦)، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وذكر صاحب النظم، وغيره (٧): أن (هذه) (٨) المشيئة لله -تعالى-
стр. 12336
على معنى: لمن شاء (الله) (١) منكم أن يتقدم أو يتأخر (٢).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، أي مأحْوذة بحملها.
قال ابن عباس: مرتهنة في جهنم (٣).
وقال مقاتل: كل نفس كافرة مرتهنة بذنوبه في النار (٤).
ومن (٥) المفسرين (٦)، وأهل المعاني (٧): من يحمل هذا على العموم، وإلا فيما استثنى فتقول: كل أحد مأخوذ بعمله محاسب به إلى أن يتخلص من يتخلص بفضل الله.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ من قال إن المرتهنة هي الكافرة، قال: أصحاب اليمين هم المؤمنون. وهو قول عطاء عن ابن عباس (٨)،
стр. 12337
(والكلبي (١)) (٢)، ومقاتل (٣). قال عطاء: هم المؤمنون (٤).
وقال الكلبي: هم الذين قال الله فيهم: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهم الذين كانوا على يمين آدم" (٥).
قال (٦) مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، لا يرتهنون بذنوبهم في النار (٧).
وروى أبو ظَبْيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون (٨). وهذا قول الحسن (٩) (وابن كيسان (١٠)) (١١).
ومعنى قول قتادة: (غلق) (١٢) الناس (١٣) كلهم إلا أصحاب
стр. 12338
اليمين (١).
أي بقوا مرتهنين لا يفك رهانهم. وهذا من صفة الكفر.
ومن أجاز أن يكون المسلمون من جملة من عني بقوله "كل نفس بما كسبت" قال في أصحاب اليمين: هم أطفال المسلمين. وهو قول: علي (٢)، وابن عمر (٣) ﵄ (٤)، ومجاهد (٥)، (واختيار الفراء (٦)، والزجاج (٧)) (٨).
стр. 12339
قال الفراء: وهو شبيه بالصواب؛ لأن الوِلْدان [لم] (١) يكتسبوا (٢) إثمًا يرتهنون به؛ لأن في قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ ما يقوي أنهم الولدان؛ (لأنهم) (٣) لم يعرفوا الذنوب، فسألوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر (٤٢)﴾ (٤):
قال الكلبي: ما أدخلكم (٥).
وقال مقاتل: ما جعلكم في سقر. مال: وذلك لما أخرج الله أهل التوحيد من النار، قال المؤمنون: أصحاب اليمين لمن بقي في النار من الكفار: "ما سلككم في سقر" يقولون: ما حبسكم في النار (٦)؟ فأجابوهم عن أنفسهم، فقالوا:
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لله في الدنيا، أي من الموحدين. قاله عطاء (٧).
وقال الكلبي: يعني من المسلمين (٨).
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، أي: لم نك نتصدق على المساكين، ولا نطعمهم في الله. (قاله عطاء، والكلبي (٩)، ومقاتل (١٠)).
стр. 12340
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، قال ابن عباس: نكذب مع المكذبين (١).
وقال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): نخوض مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب.
وقال قتادة: أي كلما غوى غاوٍ غوينا (٤) معه (٥).
قال أبو إسحاق: أي نتبع الغاوين (٦).
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب.
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، أي: الموت. قاله ابن عباس (٧) والمفسرون (٨)، وهذا كقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩).
والمعنى (١٠): كنا نقول إن يوم القيامة غير كائن، وبقينا على ذلك حتى الموت ومتنا عليه.
стр. 12341
قال الله -تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد شفاعة الملائكة والنبيين، كما نفعت الموحدين (١).
وقال مقاتل: لا تنالهم شفاعة الملائكة والنبيين (٢).
وقال الحسن: حل عليهم غضب الله، فلم تنفعهم شفاعة ملك، ولا شهيد، ولا مؤمن (٣).
وقال عمران بن حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون (٤).
وقال كعب: لا تزال الشفاعة تجوز حتى تبلغ أهل هذه الآيات: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى آخرها (٥).
٤٩ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾، يعني كفار قريش حين نفروا عن القرآن.
﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾، أي عن التذكرة بمواعظ القرآن.
﴿مُعْرِضِينَ﴾، نصب على الحال (٦)، أي: أي شيء لهم، وهم معرضون عن التذكرة. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به.
ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة (فقال:
стр. 12342
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾) (١) (قال ابن عباس (٢)، وغيره (٣): يريد الحمر الوحشية) (٤). (﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾، أي: نافرة) (٥) (يقال: نفر، واستنفر، مثل: سخِر، واستسخَر، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ) (٦).
أنشد أبو عبيدة (٧)(٨)، (وابن الأعرابي (٩)، والفراء (١٠)، والزجاج (١١)) (١٢):
ارْبِط حِمارَكَ إنَهُ مُسْتَنْفَرٌ ... في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ (١٣)
стр. 12343
(وقرئ "مُسْتَنْفَرَة" بفتح الفاء (١). وهي بمعنى مذعورة. يقال: استنفر الوحش وأنفرتها ونفرتها بمعنى واحد) (٢)، واختاره (٣) أبو عبيد قال: لأن أكثر ما تكلم به العرب إذا جعلت الفعل للحمر أن تقول: أنفرت، ولا يكادون يقولون: استنفرت، إذا كانت هي الفاعلة، يقولون: استنفرت، إذا فعل ذلك بها، فهي مستنفرة (٤).
وقال أبو علي الفارسي: (الكسر في "مُستنفِرة" أولى، ألا ترى أنه: قال "فرت من قسورة"، وهذا يدل على أنها هي استنفرت) (٥).
ويدل على صحة ما قال أبو علي (أن محمد بن سلام قال: سألت أبا
стр. 12344
سوار الغنوي (١)، وكان أعرابيًّا فصيحًا، فقلت: كأنهم حمر ماذا؟ قال: مستنفرة طردها قسورة، قلت: إنما هو: فرت من قسورة، قال: أفرَّت؟، قلت: نعم، قال: فمستنفرة إذًا) (٢).
قوله تعالى: ﴿فَرَّت﴾: يعني الحمر.
﴿مِنْ قَسْوَرة﴾: اختلفوا في تفسير القسورة: فروى عن ابن عباس فيها أقوالاً، قال في رواية عطاء (٣)، (والكلبي (٤)) (٥): إنها الأسد؛ وهو قول: أبي هريرة (٦)، قال هي: الأسد الأسود (٧).
قال أبو عبيدة (٨)، وابن الأعرابي (٩)، .......
стр. 12345
(والمبرد (١)) (٢): القسورة الأسد، مأخوذ من: القسر، وهو: القهر على الكره، سمي بذلك؛ لأنه يقهر السباع.
قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدًا ﷺ ، أو سمعوه يقرأ، هربوا منه كما تهرب الحمير من الأسد (٣).
وقال في رواية سليمان (بن قتة) (٤) هي: الأسد بلسان الحبشة (٥)(٦)، وخالف عكرمة فقال: الأسد بلسان الحبشة: عنبسة (٧).
وقال (٨) في رواية سليم .......
стр. 12346
(بن عبد (١)) (٢): هم الرماة (٣). (وهو قول مجاهد (٤)، وأبي موسى الأشعري (٥)، والضحاك (٦)، ومقاتل (٧)، وابن كيسان (٨)، وعكرمة (٩)) (١٠).
وهذا معنى قول من قال في "القسورة": إنهم القناص (١١). (وهو رواية
стр. 12347
عطية عن ابن عباس (١)) (٢)، وقول سعيد (بن جبير (٣)، والحسن (٤) " (٥)؛ يدل على هذا أن الحجاج روى (عن عطاء عن ابن عباس) في "القسورة": الرماة، رجال القنص (٦)، فجمع بين اللفظين.
(روى أبو العباس عن) (٧) ابن الأعرابي في تفسير (القسورة (٨)): وفيها أقوال (لم تروَ عنه) (٩)، قال عكرمة: "من قسورة": من ظلمة الليل (١٠).
قال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل (١١).
وقال قتادة: القسورة: النَّبْل (١٢).
وقال (زيد) (١٣) بن أسلم: القسورة: الرجال الأقوياء (١٤).
стр. 12348
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال المفسرون (١): وذلك أن كفار قريش قالوا لمحمد ﷺ ليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله: أن آلهتنا باطلة، وأن إلهك حق، وأنك رسوله، نؤمر فيه باتباعك كقوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٢)، وهذا قول مجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، (وقتادة (٥)، والحسن (٦)) (٧). قالوا: أرادوا كتبًا تنزل من السماء إلى فلان، وإلى فلان: أن آمنوا بمحمد.
وقال الكلبي: إنهم قالوا: كنا نحدث أن الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنبًا أصبح وعند رأسه صحيفة مكتوبة فيها ذنبه وتوبته: أذنبت كذا وكذا، وكفارتك كذا؛ فإن فعلت بها ذلك آمنا بك (٨). (وهو اختيار
стр. 12349
الفراء (١) , والزجاج (٢)) (٣)؛ ويدل على صحته (٤) قوله: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ بلفظ الجمع لكل امرئ منهم، والصحف: الكتب، واحدتها (٥) صحيفة.
قال الليث: ومن النوادر أن تجمع فعيلة على فُعُل، مثل سفينة وسُفُن، وكان قياسهما: صحائف وسفائن (٦).
و ﴿مُّنَشَّرَةً﴾ معناها منشورة، والتفعيل (٧) للكثرة في الجمع.
قال الله: ﴿كَلَّا﴾، قال مقاتل: لا يؤتون (٨) الصحف (٩).
﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ قال عطاء: أي النار والعقاب (١٠).
والمعنى: أنهم لو (١١) خافوا الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة ووضوح المعجزة، واشتغالهم بالاقتراحات دليل على أنهم لا يخافون النار.
﴿كَلَّا﴾ أي: حقًّا، ﴿إِنَّهُ﴾، يعني: القرآن، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، تذكير وموعظة، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ قال ابن عباس: (اتعظ) (١٢)(١٣).
стр. 12350
(﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ (١))، قال (٢): يريد يتعظون (٣).
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى (٤)؛ فرد المشيئة إلى نفسه (٥).
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ روى أنس أن رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: "قال ربكم : أنا أهل أن أتَّقَى فلا يُشْرَك بي غيري، وأنا أهل لِمَنِ اتَّقَى أن يشرك بي غيري أن أغْفِرَ له" (٦).
стр. 12351
وقال (١) ابن عباس: يريد أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر لمن اتقى (٢).
(ونحو هذا قال مقاتل: أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة ذنوب أهل التقوى (٣)) (٤).
وقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب (٥).
وقال أبو إسحاق: أهل أن يُتَّقَى عِقَابُه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته (٦).
والمعنى أنه إذا كان أهلًا للمغفرة يجب أن يتعرض لمغفرته بما يؤدي إليه (٧) من الطاعة والتوبة والاستغفار.
стр. 12352
سورة القيامة
стр. 12353
تفسير سورة القيامة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ لا اختلاف بين المفسرين (٢) وأهل المعاني
стр. 12354
أن المراد: أقسم بيوم القيامة. وكذلك ما بعده، وقد ذكرنا فيما تقدم (١) من مثل هذا وجهين:
أحدهما: أن (لا) صلة (٢). والثاني: أن تكون ردًّا لكلام قد سبق. وكلا الوجهين هاهنا جائز، وإن وقع (لا) في أول السورة؛ لأن القرآن قوله كالسورة الواحدة، لاتصال بعضه ببعض، فمجازه مجاز الكلام الواحد، والذي يدل عليه: ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة، فيجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، جاء جوابه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ٢].
وإذا كان الأمر على هذا جاز أن تكون (لا) صلة لقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، و ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. هذا قول أبى إسحاق (٣) وأبى علي (٤).
стр. 12355
وقال الفراء: ولا يبتدأ بجحد (١)، ثم يجعله صلة (٢) يراد به الطرح، ولو جاز هذا لما عرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام عليهم فالرد في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ، كقولك في الكلام: لا والله لا أفعل ذلك، جعلوا (لا)، وإن رأيتها مبتدأة ردًّا لكلام قد سبق كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين [اليمين التي تكون جوابًا و] (٣) اليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت قومًا أنكروا، فهذا وجه (لا) مع الإقسام في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام (٤)(٥).
ويدل على أن المعنى إثبات القسم قراءة من قرأ: (لأقسم) يجعلها (لامًا) دخلت على: (أقسم) [وهي] (٦) قراءة الحسن (٧).
стр. 12356
والثانية: متفقة على: (لا أقسم) (١). قال الحسن: أقسم بالأولى, ولم يقسم بالثانية (٢).
واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأنها لو كانت على قسم (٣) مستأنفة للزم أن تلحق النون، فتكون (لأقسمن)؛ لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا إذا أرادوا الإيجاب في المستقبل، وإنما يقولون: لأفعلن (٤). وهذا الذي قاله أبو عبيد (هو في أكثر الأمر يكون على ما ذكر، ويجوز إدخال اللام من غير النون. حكى ذلك سيبويه، وأجازه (٥).
وكما لم تلحق (النون) مع (اللام) في هذه القراءة، كذلك يجوز أن لا تلحق (اللام) مع (النون) كما قال الشاعر (٦):
стр. 12357
وَقتيلِ مُرَّةَ اثْأَرَنَّ فَإنَّهُ ... فِرْغٌ وإنَّ أَخاهُمُ لَمْ يقصد (١)) (٢)
وقال الفراء في هذه القراءة: هو صواب؛ لأن العرب تقول: لأحلف بالله ليكونن كذا، يجعلونها (لامًا)، بغير معنى (لا) (٣).
قال ابن عباس: يريد أقسم بالقيامة (٤). وهو قول الجميع (٥).
قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم أن يقسم قال: (لا أقسم) (٦).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ هذا على قول الحسن: نفي. كما ذكرنا عنه، وعلى قول الآخرين معناه: أقسم، واختلفوا في النفس اللوامة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن كل نفس تلومها نفسها يوم القيامة، يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء
стр. 12358
نفسه أن لا يكون رجع من إساءته (١). وهو اختيار الفراء، قال: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، من كانت عملت خيرًا قالت: هل ازددت، وإن كانت عملت سوءًا (٢) قالت: ليتني لم أفعل (٣).
وقال الحسن: هي النفس المؤمنة (٤)، وإن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته (٥)، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه (٦)، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه (٧)(٨).
وقال مقاتل (٩)، وقتادة (١٠)(١١) هي: النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله.
وأما معنى القسم بالنفس اللوامة، فروى سعيد بن جبير عن ابن
стр. 12359
عباس، قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه (١).
وجواب القسم في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿قَادِرِينَ﴾.
وقال (٢) أبو جعفر النحاس: جواب القسم محذوف، على تقدير: (لتبعثن) (٣).
يدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾. (قال) (٤) ابن عباس يريد: أبا جهل، أيحسب (٥) أن لن يبعث (٦). وقال مقاتل: يعني عدي ابن ربيعة الثقفي، كفر بالبعث (٧).
قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ (٨) أي: بلى نجمعها قادرين. فقوله: (قادرين) حال، والعامل فيها مضمر، يدل عليه: (أن لن نجمع عظامه بلى) على تقدير: بلى نجمعها، ونقوى عليها قادرين. وهذا قول جميع النحويين (٩).
قال الفراء: وقول الناس: بلى نقدر، فلما صرف (١٠) إلى (قادرين)
стр. 12360
نصب خطأ؛ لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل، ألا ترى أنك تقول: أتقوم إلينا، فإن حولتها إلى فاعل قلت: أقائم أنت إلينا، وكان خطأ أن تقول: (قائمًا)، فأما قول الفرزدق:
علي قَسم لا أشْتِمُ الدهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارجًا من فِيَّ زُورُ كلامِ (١)
فإنما نصبت (خارجًا) لأنه أراد: عاهدت ربي لا شاتمًا أحدًا, ولا خارجًا من فيّ زور كلام، فقوله: (لا أشتم) في موضع نصب (٢).
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال ابن عباس: أن نجعل يده كخف البعير، أو كظلف الخنزير (٣).
وقال مقاتل (٤)، والكلبي (٥): أن نجعل أصابعه ملتزقة مثل الكف، فيكون كخف البعير لا ينتفع به ما كان حيًّا. وهذا قول قتادة (٦)