قال مجاهد: تنتظر من ربها ما أمر لها به (١).
وقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها (٢).
قال الأزهري -وهو الحكم في اللغة-: من قال: إن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ من الانتظار، فقد أخطأ؛ لأن العرب لا تقول: نظرت إلى الشيء بمعنى (٣): انتظرته، إنما تقول: نظرت فلانًا، أي انتظرته (كما) (٤) قال الحطيئة:
وقد نظرتكم أبناء صادرة (٥)
فإذا قلت: نظرتُ إلى الشيء، فلا يكون إلا بالعين، وإذا قلت: نظرتُ في أمر كذا احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب (٦). هذا كلامه.
стр. 12392
ويشهد لصحة أن (النظر) (١) الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير، ولم يوصل في موضع بـ (إلى) كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (والملائكة) (٢)﴾ [الأنعام: ١٥٨].
(والوجه) إذا وصف بالنظر، وعدي بـ (إلى) (٣) لم يحتمل غير الرؤية (٤)، وإن شق على من أنكر ذلك، والنظر يكون بمعنى نظر القلب، كما يقال: انظر إلى الله ثم إليك. على معنى: إنما أتوقع فضل الله. ثم فضلك، وإنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى الوجه، فإذا أسند إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا الانتظار، وإذا بطل المعنيان في هذه الآية لم يبق لنفاة الرؤية عليها كلام، والسنة الصحيحة في الأخبار المأثورة يعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية (٥).
стр. 12393
وسنذكرها في مسند التفسير (١) إن شاء الله.
٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ (قال ابن عباس (٢) و) المفسرون (٣): كالحة، عابسة، (كاشفة)، كئيبة، مصفرة، (متغيرة) (٤) اللون، كريهة، مقطبة (٥)؛ كل هذا من ألفاظهم.
стр. 12394
وذكرنا تفسير البسور عند قوله: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها قد أيقنت أن العذاب نازل (١) بها، (وهو) (٢) قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ قال (أبو عبيدة) (٣): الفاقرة: الداهية، وهو الوسم الذي يفقر به على الأنف (٤).
قال الأصمعي: (الفقر، أي: يُحَزُّ أنف العبير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يُكوى عليه جرير (٥) يُذَلَّل بذلك الصعب، ومنه قيل: عملت به الفاقرة (٦)(٧). وقال الليث: الفاقرة: داهية تكسر الظهر (٨).
قال المبرد: وترى أن أصلها من الفقرة، والفقارة، وهما واحدها، وجمعها فقار، وفقر، وكأن فاقرة داهية تقطع الظهر (٩).
стр. 12395
وقال ابن قتيبة: يقال: فَقَرْتُ الرجل (١)، كما يقال: رأستُه (٢)، وَبَطنته (٣)، فهو مفقور، وفَقِرٌ، وفقير (٤).
قال ابن عباس: تستيقن أن يفعل بها عظيم (٥).
وقال مجاهد: داهية (٦). وقال مقاتل: تعلم الوجوه المتغيرة أن يفعل بها شر (٧). وهو قول قتادة في تفسير الفاقرة، قال: الشر (٨). (٩) وفسر ابن زيد (١٠) ذلك بدخول النار، فقال: تعلم أنها ستدخل النار (١١). وفسرها الكلبيُّ بالحجاب، فقال: تعلم أن يفعل بها منكرة من العذاب، وهي أن
стр. 12396
تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه (١).
٢٦ - قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه (٢).
وقال مقاتل: (كلا) أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة (٣). ثم استأنف فقال: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، وهي جمع ترقوة، يعني: بلغت النفس أو الروح، أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، (قاله المبرد (٤)، وغيره (٥)(٦)، وكلهم (٧) قالوا: بلغت النفس التراقي. وهي جمع ترقوة، مثل عرقوة.
قال الليث: وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين (٨)، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومنه قول دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّة:
стр. 12397
ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي (١)
قال مقاتل: يعني بلغت النفس الحلقوم (٢).
(وقال الزجاج: ذكرهم الله صُعُوبة أول أيام الآخرة عند بلوغ النفس التَّرْقوة (٣)) (٤).
وقال الفراء: يقول إذا بلغت نفس الرجل عند الموت تراقيه، وقال من حوله: (من راق) (٥)، وهو قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾، (راق) (٦): يجوز أن يكون من الرقية، يقال: رقاه يرقيه (رقية (٧)) (٨) إذا عوذه (٩) بما يشفيه كما يقال: (بسم الله أرقيك) (١٠).
стр. 12398
ويجوز أن يكون من رقى يرقي رقيًّا (١)، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكلا القولين قد ذكر في التفسير. قال أبو قلابة: هل من طبيب شاف (٢)؟.
وقال الكلبي: هل من طبيب يرقي (٣)؟ (وهو قول الضحاك (٤)، وعكرمة (٥)) (٦).
وقائل هذا القول من حول ذلك الإنسان أشفى (٧) على الموت، ومعنى هذا الاستفهام: يجوز أن يكون استفهامًا عن الذي يُرقى؛ كأنهم طلبوا له الرقية والشفاء. وهو معنى قول قتادة: التسموا له الأطباء، فلم
стр. 12399
يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا (١). ويجوز أن يكون معناه الإنكار؛ لأن يكون له راقٍ يرقيه. قال أبو إسحاق: أي من يشفي من هذه الحالة، يقوله القائل عند البأس، أي من يقدر أن يَرْقِيَ من الموت (٢). القول الثاني: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: وقال ملك الموت: من يرقي هذه النفس الكافرة، كرهتها الملائكة أن يصعدوا بها إلى السماء، حتى يقول ملك الموت: يا فلان: اصعد بها (٣).
قال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو قوله: (وقيل من راق) (٤).
وهذا قول مقاتل (٥)، وسليمان التيمي (٦)، (ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس) (٧).
стр. 12400
وذكرنا قديمًا (١): أن إظهار (النون) عند حروف (٢) الفم (٣) لحن غير جائز، فلا يجوز إظهار نون (من) في قوله: (مَنْ راقٍ).
وروى حفص عن عاصم: إظهار (النون)، و (٤) (اللام) في قوله: (من راق)، و (بل ران (٥)) (٦).
قال أبو علي الفارسي: ولا أعرف وجه ذلك (٧).
وسمعت شيخنا أبا الحسن الضرير النحوي ﵀ يقول: إنما أظهر النون؛ لأنه خاف الالتباس تتابع المرق؛ لأنه يقال له: مراق، وأظهر اللام؛ لأنه خاف الالتباس بتثنية (بر) بمعنى الأرض الفضاء، وهذا
стр. 12401
ضعيف؛ لأن كسرة القاف في (من راق)، وفتحة النون في (بل ران) مع الإدغام يمنعان هذا الالتباس عند الوصل، والوجه أن يقال: قصد الوقف على (من)، و (بل) فأظهرهما، ثم ابتدأ بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراء) (١).
٢٨ - وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾. قال (ابن عباس (٢) و) (٣) المفسرون (٤): علم، وأيقن الميت الذي بلغت روحه تراقيه (٥)، أن الفراق من الدنيا.
وقال مجاهد: أيقن أنه في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة (٦).
٢٩ - ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾. قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٧): يريد شدة الموت، بشدة الآخرة (٨).
стр. 12402
وهو قول الكلبي (١)، ومقاتل (٢)، (وقتادة (٣)) (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، (والسدي (٦)(٧) قالوا: معناه: تتابعت عليه الشدائد: شدة بعد مفارقة الوطن من الدنيا والأهل، وشدة القدوم على ربه، فالتقت آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة (٨)) (٩).
(قال أهل اللغة: قيل للأمر الشديد: ساق؛ لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن) (١٠) ساقيه، ثم قيل للأمر الشديد: ساق. ومنه قول (١١) دريد:
стр. 12403
كَمِيشُ الإزار خارجٌ نِصفُ ساقِهِ (١)
أراد: أنه: مشمر جاد، ولم يرد خروج الساق بعينها) (٢).
وهذا القول اختيار المبرد (٣)، وأبي عبيدة (٤).
قال المبرد في هذه الآية أي: الشدة بالشدة، تقول العرب: قامت الحرب على ساق (٥). أي اشتدت، وأنشد للجعدي:
أخُو الْحَرْبِ إنْ عَضَّتِ الْحَرْبُ عَضَّها ... وَإنْ شَمَّرَتْ عنْ سَاقِها الْحَرْبُ شَمَّرا (٦)(٧)
стр. 12404
وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت (١). ونحو ذلك روى شعبة عن قتادة قال: أما رأيته إذا حضر يضرب برجله على الأخرى (٢).
وروى السدي عن أبي مالك قال: ساقاه التفتا عند الموت (٣).
وفي الآية قول ثالث:
قال الحسن: هما ساقاه إذا لُفَّتا (٤) في الكفن (٥): وهو قول سعيد بن المسيب (٦).
وقال زيد بن أسلم: يعني ساق الكفن بساق الميت (٧).
٣٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾. قال ابن عباس: مرجع العباد (٨).
стр. 12405
وقال مقاتل: إلى الله المنتهى يساقون إليه ليس عنه مرحل (١).
٣١ - قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): يعني: أبو جهل.
قال الكلبي: يقول: لم [يصدق] (٤) أبو جهل بالرسالة، ﴿وَلَا صَلَّى﴾ يعني: ولم يسلم (٥).
قال مقاتل: [لم يصدق] (٦) بالقرآن، ولا (صلَّى) لله صلاة (٧).
قال أبو عبيدة (٨)، والمبرد (٩): أي لم يصدق، ولم يصل. كقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١]، أي: فلم يقتحم.
وكذلك ما روي في الحديث: (أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا اسْتَهَلَّ) (١٠). والأصل في هذا أن (لا) حرف نفي، ينفي الماضي، كما ينفي
стр. 12406
المستقبل، أنشد أبو عبيدة لطرفة:
وأيُّ خَمِيسٍ لا أَفَأْنَا نِهَابَه (١)
بمعنى: لَمْ نُفَأْ، وذكرنا الكلام في هذا في قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾
стр. 12407
[البقرة: ١٠٢] عند حكاية كلام أبي بكر بن السَّرَّاج (١)(٢).
قوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، أي: بالقرآن. ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ رجع إليهم. ﴿يَتَمَطَّى﴾: يتبختر ويختال في مشيته، (قاله ابن عباس (٣) والمفسرون (٤)(٥).
وقال مقاتل (٦)، وزيد بن أسلم (٧): هو مشية بني مخزوم (٨).
وفي (يتمطى) قولان: أحدهما: أنه (من المَطْو، وهو المد. ومنه
стр. 12408
حديث أبي بكر ﵁ أنه مرَّ ببلال، وقد مُطِىَ في الشمس) (١)، أي: مد. وكل شيء مددته فقد مَطَوْتَه، ويتمطى معناه يتمدد) (٢). وقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): هو من الْمَطَا، وهو الظهر، فيلوي ظهره تبخترًا.
القول [الثاني] (٥): أنه من المط، وهو المد أيضًا، والْمُطَيْطَاء (٦): التبختر ومد اليدين في المشي، والْمَطِيطَة: الماء الخاثر في أصل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد. وهذا قول أبي عبيدة (٧)، وابن قتيبة (٨) في هذه الآية.
قال ابن قتيبة: وأصله (يتمطط) فقلبت (التاء) فيه (ياء) كما قيل: يَتَظَنَّى، ويَتَقَصَّى، قال: وأصل (الطاء) في هذا كله (قال) يقال: مططت ومددت (٩).
٣٤ - قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ قال جماعة المفسرين (١٠):
стр. 12409
هذا تهديد من الله لأبي جهل، ووعيد. وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة بمعنى: الوعيد، في سورة محمد ﷺ . (١) والمعنى: (وَلِيَك المكروه يا أبا جهل) (٢).
قال قتادة (٣)، (والكلبي (٤)(٥)، ومقاتل (٦): أخذ رسول الله بيد أبي جهل، ثم قال: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني (٧)؟ لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل الوادي، ثم انسل ذاهبًا، فأنزل الله كما قال له رسول الله ﷺ . ونحو ذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قالها لأبي جهل، ثم أنزلها الله (٨).
стр. 12410
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ (١) قالوا (٢): يعني أبا جهل. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣)﴾ هملاً، مهملاً، لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يوعظ في الدنيا, ولا يحاسب بعمله في الآخرة. (والسدى معناه في اللغة: المهمل، يقال: أسدَيْت إبلي إسداءً أهملتها، والاسم: السُّدَى .. ذكر ذلك (أبو عبيد) (٤)، (عن أبي زيد) (٥)، والأشبه بالمعنى في ﴿سُدًى﴾، أي: مهملًا لا يبعث. يدل عليه قوله في الدلالة على البعث: ﴿أَلَمْ يَكُ﴾، أي: هذا الإنسان. ﴿نُطْفَةً﴾، أي: ماءً قليلاً، يعني في ابتداء خلقه. ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ أي تصب في الرحم، وذكر الكلام في ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ [النجم: ٤٦]، وقوله (٦): ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ [الواقعة: ٥٨]. وفي (يُمنى) قراءتان (٧): التاء، والياء، (فالتاء للنطفة على تقدير: ألم
стр. 12411
تك نطفة، يمنى من المني. والياء) (١) للمني، كأنه: من مني يمنى، أي يقدر خلق الإنسان منه.
﴿ثُمَّ كَانَ﴾ الإنسان ﴿عَلَقَةً﴾ بعد النطفة. ﴿فَخَلَقَ﴾ يعني: فنفخ فيه الروح، وسوّى خلقه. قاله ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣). ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ من الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًّا، خلق من مائه أولادًا (له) (٤)؛ ذكورًا، وإناثًا. وهو قوله: ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني: الصنفين. ثم فسرهما فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
(قوله) (٥): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ الذي فعل هذا. ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، وهذا تقدير لهم أن (٦) من قدر على الابتداء قدر على البعث بعد الموت، وذلك إشارة إلى الفاعل المضمر في قوله: ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ وهو الله تعالى، وكان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم فبلى" (٧).
стр. 12412
وقال ابن عباس: إذا قرأت هذه السورة (فقلت) (١): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [فقل] (٢): اللهم ربنا فبلى (٣). (والله أعلم بالصواب) (٤).
стр. 12413
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
-١١٥ -
التَّفْسيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من سورة الإنسان إلى سورة الفجر
تحقيق
د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء الثالث والعشرون
стр. 12414
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
-١١٥ -
التَّفْسيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من سورة الإنسان إلى سورة الفجر
تحقيق
د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء الثالث والعشرون
стр. 12415
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي, على بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد
الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان,
الرياض١٤٣٠ هـ.
٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)
١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, على بن أحمد
أ- العنوان ... ب- السلسة
ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)
стр. 12416
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 12417
تفسير سورة الإنسان (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].
١ - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) قال ابن عباس (٣)، (ومقاتل) (٤)(٥)، والمفسرون (٦): قد أتى، وهو قول أهل المعاني (٧) أيضًا.
стр. 12418
قال الأخفش: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي قد أتاك، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه (١).
وقال المبرد: (هل) معناه في هذا الموضع: (قد) (٢)، وكذلك قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]، وحُكي عن سيبويه: أن (هل) قد تكون لغير الاستفهام (٣).
وقال الكسائي: (هل) تأتي استفهامًا، وهو بابها، وتأتي جحدًا (٤)، (وتأتي بمعنى: قد) (٥)(٦).
(وقال الفراء: معناه: قد أتى، قال (وهل): قد تكون جحدًا) (٧)، وتكون خبرًا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد أعطيته، ووعظته، قال: والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا (٨).
وقال أبو إسحاق: (هل) ليست باستفهام (٩). ويحقق ذلك قول أبي
стр. 12419
بكر الصديق -أرضاه الله- قال لما سمع هذه الآية: [ليت] (١) المدة التي أتت على آدم، ولم يكن شيئًا مذكورًا، تمت على ذلك، وكان لا يلد، ولا يُبتلى أولاده (٢).
وهذا الذي ذكره عن الصديق يروى ذلك عن عمر (٣)، وابن مسعود (٤)، (ومراده) (٥) أن (هل) لو كان استفهامًا ما قال من قال: ليت ذلك تم؛ لأن الاستفهام إنما يجاب بـ (لا) أو (نعم)، وهذا الكلام، إنما يحسن إذا كان المراد بـ (هل) الخبر لا الاستفهام (٦).
وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال جماعة من المفسرين (٧): يريد آدم ﵇.
стр. 12420
﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ يعني أربعين سنة كان ملقى قبل أن ينفخ فيه الروح. هذا قول الكلبي (١).
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بـ (الحين) أن آدم أقام حين خلق من طين أربعين سنة (٢) من صلصال، وأربعين سنة من حمأ (٣) مسنون (٤)، فتم خلقه بعد عشرين ومائة سنة (٥). وزاد ابن مسعود فقال: أقام من تراب أربعين سنة، ثم ذكر مثل قول ابن عباس، فقال: فتم خلقه بعد ستين ومائة سنة (٦).
стр. 12421
وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال ابن عباس: لا في السماء، ولا في الأرض (١).
قال الفراء: يريد كان شيئًا, ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين أن خلقه الله إلى أن نفخ فيه الروح (٢). ونحو هذا قال الزجاج، قال: ويجوز أن يعني به جميع الناس (٣).
والمعنى: أنهم كانوا نطفًا (٤)، ثم علقًا (٥)، ثم مضغًا (٦)، إلى أن صاروا شيئاً مذكورًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم من نطفة. ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني المشج في اللغة: "الخلط، يقال: مشج (يمشج) (٧) مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط.
قال ابن الأعرابي: واحدها: مَشْج، ومَشَج، وأنشد (قول الشماخ) (٨):
стр. 12422
طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ... على مَشَجٍ سُلالتُه مَهِينُ (١)
وأنشد أيضًا:
فَهُنَّ يَقْذِفْنَ مِنَ الأمْشاجِ ... مِثْلَ بُرُودِ اليُمْنَةِ الحجاج (٢)
قال: والمشج: شيئان مخلوطان (٣).
وقال [أبو عبيدة (٤)] (٥)، والفراء (٦): الأمشاج: الأخلاط، ويقال للشيء إذا خُلط: مَشيج، كقولك: خليط، وممشوج (كقولك) (٧) مخلوط، وأنشد (٨) للهذلي (٩)(١٠)، فقال:
стр. 12423
كأنّ الرِّيش والفُوقَيْن منه ... خِلاف النَّصْل سِيطَ به مَشِيجُ (١)
يصف السهم: بأنه قد نفذ في الرمية، فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير، ووصف (النطفة) وهي واحدة بالأمشاج، وهي جمع، كوصف: البُرمة (٢) بالأعشار في قولهم: بُرمة أعشارٌ، أي قطع متكسرة، وثوب أخلاق، وأرض سباسب (٣)(٤).
ومعنى أمشاج: أخلاط في قول جميع أهل اللغة (٥)،
стр. 12424
(والمفسرين) (١)(٢).
واختلفوا في كيفية اختلاط نطفة الرجل، ومعنى ذلك الاختلاط.
فالأكثرون (على) (٣) أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، وهو قول ابن عباس (٤) في رواية عطاء، (والكلبي) (٥)(٦)، ومقاتل (٧)،
стр. 12425
(وعكرمة) (١)(٢). قالوا: هو اختلاط ماء الرجل، وهو أبيض غليظ، بماء المرأة، وهو أصفر رقيق، فيختلطان، ويخلق الولد منهما، فما كان من عَصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن مَاءِ المرأة.
وقال مجاهد: هي ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، ونطفة المرأة خضراء، وحمراء (٣)، وهو قول الكلبي (٤)، (ورواية الوالبي عن ابن عباس (٥)) (٦).
وقال عبد الله: أمشاجها عروقها (٧). يعني: العروق التي تكون في النطفة. وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة،
стр. 12426
وذلك (١) أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل، وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النطفة بالدم (٢).
وقال قتادة: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة (٣).
ونحو هذا روى (سماك) (٤) عن عكرمة (٥)، واختاره الزجاج فقال: أمشاج: أخلاط من مني ودم، ثم ينقل من حال إلى حال (٦).
وقال أهل المعاني: إن الله جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، ثم عدلها (٧).
والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف، وتم الكلام (٨).
стр. 12427
ثم قال: (قوله تعالى) (١): ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
قال مقاتل: فجعلناه بعد النطفة سميعًا بصيرًا لنبتليه بالعمل (٢).
وقال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهي مقدمة معناها التأخير، المعنى: خلقناه، وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه (٣). (ونحو هذا قال الزجاج (٤)، وابن قتيبة (٥)(٦).
وقال آخرون: (نبتليه) متصل المعنى بما قبله، كأنه قيل: خلقناه من نطفة أمشاج لنبتليه، لنختبره في الاعتبار بهذه الأحوال في خلقه، فيكون (نبتليه) في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين إياه (٧).
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، فقال: فجعلناه سميعًا بصيرًا. (وهذا قول صاحب النظم) (٨)(٩).
стр. 12428
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد بيّنا له سبل الهدى (١).
وقال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل، كل ذلك جائز، يقول عرفناه السبيل (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد إما موحّدًا طائعًا لله، و (إمّا) مشركًا بالله (٣) في علم الله (٤).
قال الفراء: و (إمَّا) هاهنا تكون جزاء، أي إن شكروا (٥) أو كفروا (٦).
ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر أنه بين سبيل التوحيد، ودل عليه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن, أو كفر فجحد.
ومعنى: (هدينا) هاهنا: بيَّنَّا , وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى (٧) أنه ذكر السبيل فقال: ﴿هديناه السبيل (٨) (أي: أريناه ذلك، ثم إن وفقه للسلوك سلك فآمن، وإن خذله كفر (٩).
стр. 12429
وفي الآية قول آخر: قال مقاتل: يعني بينا له سبيل الهدي، وسبيل الضلالة، إما أن يكون موحدًا فيما بيّن له، أو كافرًا فلا يوحده (١).
وقال مجاهد: (إنا هديناه السبيل) قال: الشقاء والسعادة (٢).
والمعنى على هذا: بينا له سبيل الحق، والباطل، وعرفناه طريق الخير والشر، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)
قال الفراء: و (إما) (أنْ) (٤) تكون على: (إما) التي في قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ (٥) فكأنه قال: خلقناه شقيًا، أو سعيدًا (٦).
стр. 12430
وقال الزجاج: معناه: هديناه الطريق إما الشِقْوة، وإما السَّعادة (١).
والآية حجة على القدرية (٢)؛ لأن الله تعالى ذكر أنه هدى الإنسان (إلى) (٣) طرق السعادة، والشقاوة، وانتصب شاكرًا أو كفورًا على القول الأول بإضمار على التقدير (٤): إما (كان) (٥) شاكرًا، وإما جعلناه (٦) كفورًا، ودل عليه قوله: هديناه السبيل على هذا المضمر.
ويجوز أن ينتصب على الجار بتقدير: هديناه السبيل شاكرًا أو كفورًا