← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.

стр. 12461

وعلى هذين القولين: سلسبيل صفة سميت بها العين، واختار ابن الأنباري القول الثالث، وقال: الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء لسلسه (١) وسهولة مدخله في الحلق، يقال: شراب سَلْس، وسِلْسَال، وسَلْسَبيل، إذا كان كذلك؛ إلا أنه قال: سلسبيل صفة للماء، وليس باسم العين، فقال: وغير منكر أن يقول تسمى، ثم يذكر الوصف يؤدي عن الاسم، واحتج على هذا بإجراء (٢) سلسبيل قال وإنما أجري؛ لأنه وصف للماء، ولو كان اسمًا للعين لكان الغالب عليه ألا يجري (٣) (٤). وذكر ابن عباس في قوله: (سلسبيلا) قال: تنسل في حلوقهم انسلالًا (٥). قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الواقعة (٦). قوله تعالى: ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ، وحسنه،

стр. 12462

واللؤلؤ: إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه (١) منظومًا (٢). وقال الكلبي: أبيض ما يكون اللؤلؤ إذا انتثر (٣). هذا قولهما. والأحسن في تشبيههم باللؤلؤ المنثور أن يقال: إنما شبهوا باللؤلؤ المنثور لانتشارهم في الخدمة، فلو كانوا صفًا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أن الله قال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِم﴾، فإذا كانوا يطوفون كانوا نثرًا. (وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة (٤)، وسفيان (٥)، قالا: من كثرتهم وحسنهم) (٦). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ذكر الفراء فيه قولين: أحدهما: أن المعنى: وإذا رأيت ما ثَمَّ، وصلح إضمار (ما) كما قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يريد ما بينكم. والثاني: يريد إذا نظرت ثم، أي: إذا رميت ببصرك (هاهنا) (٧) (٨) قال أبو إسحاق: لا يجوز إضمار (ما)؛ لأن (ما) موصولة بقوله: (ثم)، ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصلة، ولكن (رأيت) تتعدى في

стр. 12463

المعنى إلى (ثم)؛ لأن المعنى: إذا رميت ببصرك ثَمَّ (١). ومعنى: (ثم) هناك، يعني في الجنة. ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف. ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه، ولا طيبه (٢). وقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة، والطعام (٣)، والشراب، والتحف إلى ولي الله، وهو في منازله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم (٤). وقال مقاتل: لا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بإذنه (٥). وهو قول مجاهد (٦)، وسفيان (٧)، (والسدي) (٨) (٩). قالوا: هو استئذان الملائكة عليهم. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر

стр. 12464

مركبهم، ثم تلا (١): ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. (٢) قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قال الفراء: من نصب (عاليهم) (٣) جعله كالصفة، نحو: فوقهم (٤)، والعرب تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل؛ لأنه محل (٥)، فـ (عاليهم) من ذلك (٦). وقال أبو إسحاق: وهذا لا نعرفه في الظروف (٧)، ولو كان ظرفًا لم يجز إسكان (الياء)، ولكن نصبه على الحال من شيئين: أحدهما: على (الهاء)، و (الميم) في: (عاليهم)، المعنى: يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليًا الأبرارَ ثياب سندس؛ لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء، ويجوز أن يكون حالاً من (الولدان). المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا في حال علو الثياب إياهم (٨).

стр. 12465

وقال أبو علي الفارسي: من نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ احتمل النصب أمرين: أحدهما: أن يكون حالاً، والعامل فيه أحد شيئين: إما: (لَقَّاهُمْ) من قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، وإما ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾، ومثل قوله: ﴿عَالِيهُم﴾ في كونه حالًا قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مرتفعة باسم الفاعل قال: وقد أجيز أن يكون ظرفًا؛ لأنه لما كان (عالِ) بمعنى فوق (١) أجري مجراه في هذا، وهذا الوجه أبين، وهو أن (عال) صفة جُعل ظرفًا، كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (٢) كذلك، وكما قالوا: هو ناحيةً من الدار. ومن قرأ: (عَالِيهِم) فأسكن الياء (٣) في موضع رفع الابتداء، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره، ويكون اسمه في وضع الجماعة، كما أن الخبر جماعة، وفاعل قد يراد (به) (٤) الكثرة كما قال: ألا إنَّ جيراني العشيّةَ رائِح ... دَعَتْهُم دواع من هوًى ومنادِحُ (٥) وفي التنزيل: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ﴿وقطع دابر القوم﴾ (٦) كأنه أفرد حيث جعل بمنزلة المصدر، وقد قالوا: الجامِل

стр. 12466

والباقر (١)، يراد بهما الكثرة قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن في إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، وإن لم يعتمد على شيء أن يكون (ثياب سندس) مرتفعة بعالِيَهُم ارتفاع الفاعل، وأفْرَدت عاليًا؛ لأنه فعل متقدم، قال أبو علي: (عالِيَهُم) وإن كان مضافًا إلى الضمير، فهو في تقدير الانفصال والتنوين؛ لأنه مما لم يمض، فهو بمنزلة: زيدٌ ضاربُ أخيك غدًا، فهذا ابتداءُ بالنكرة؛ إلا أنه قد اختص (٢) بالإضافة، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال (٣). قوله تعالى: (خضر) (قرئ خفضًا ورفعًا (٤). (٥)، فمن رفع فلأنها صفة مجموعة لموصوف مجموع، وهو قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع، الجمع المرفوع الذي هو ثياب، ومن خفض أجرى الخضر، وهو جمع على السندس؛ لأنه يراد به الجنس، وأجاز أبو الحسن جمع وصف ما يراد به الجنس بالجمع فقال: يقول: أهلك الناسَ الدينارُ

стр. 12467

الصّفر، والدرهم البيض (١)، على استقباح له، ومما يدل على فتحه أن العرب تجيء الجمع الذي هو في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى (٢) الواحد، وذلك قولهم: حصى أبيض، وفي التنزيل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذه الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ فيه الجر والرفع (٤) أيضًا، فالجر من حيث كان جنسًا أضيف إليه الثياب، (كما أضيف إلى سندس، فكأن المعني ثيابهم، فأضاف الثياب) (٥) إلى الجنس، كما تقول: ثياب خزٍّ (٦) وكتانٍ (٧)، فتضيفهما إلى الجنسين، ودل على ذلك قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، (ومن رفع إستبرق) (٨) أراد العطف على الثياب،

стр. 12468

كأنه ثياب سندس، وثياب إستبرق، فحذف المضاف (١). وهذه الآية مفسرة في سورة الكهف (٢) إلى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال الكلبي: شراب أهل الجنة طاهر كله (٣). قال الفراء: يقول هو طهور ليس بنجس كما [كان] (٤) في الدنيا [مذكورًا] (٥) بالنجاسة (٦)، وعلى هذا: الطهور مبالغة من الطاهر. والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا. وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع (٧) من ساق العرش من شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد، وما كان في جوفه من (٨) قذر، وأذى (٩).

стр. 12469

وقال أبو قلابة (١)، وإبراهيم (٢): يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أوتوا بالشراب الطاهر، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك. وعلى قول هؤلاء: المراد بالطهور المطهر؛ لأنه يطهرهم مما ذكروا. فقال: .. (٣) ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أن يقال لهم: إن هذا، يعني (٤) ما وصف من نعيم الجنة، كان لكم جزاء بأعمالكم. ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أني قبلت اليسير من أعمالكم (٥)، وشكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب وأعظمه (٦). ٢٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ قال الكلبي: السورة، والآية، والآيتين لم تنزل جملة واحدة كما نزل سائر الكتب (٧)، وهذا معنى قول مقاتل (٨).

стр. 12470

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (١) مفسر في مواضع (٢). ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ يعني: من مشركي مكة. ﴿آثِمًا﴾ يعني: عتبة بن ربيعة، قال للنبي ﷺ : ارجع عن هذا (٣) الأمر، وأزوجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولدًا (٤). وقوله: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قال: وأنا (٥) أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم (٦) مالاً، (قاله الكلبي (٧)، ومقاتل) (٨) (٩). قال الفراء: (أو) هاهنا بمنزلة (لا)، وأنشد (١٠)، فقال:

стр. 12471

لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجِدْتُ ولا ... وَجْدُ عَجُوز أضلها رُبَعُ أوْ وَجْدُ شيخ أضَلَّ ناقَتَه ... يَوْمَ توافي الحَجيجُ فاندفعوا (١) أراد ولا وجد شيخ (أضل ناقته) (٢) قال (٣) وقد يجوز في العربية: لا تطيعن (٤) منهم من أثم, أو كفر، فيكون المعنى في: (أو) قريبًا من معنى (الواو) كقولك للرجل: لأعطينك سألت، أو سكتَّ، معناه: لأعطينك على كل حال (٥). هذا كلامه، وعلى هذا يتجه قول قتادة: إن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٦) يعني أبا جهل. وقال الزجاج: (أو) هاهنا أوكد من (الواو)؛ لأنك إذا قلت: لا تطع

стр. 12472

زيدًا وعمرًا (١)، فأطاع أحدهما كان غير عاصٍ؛ لأنه أمره (٢) أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال: ولا تطع آثمًا أو كفورًا (٣)، دلت (أو) على كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك (٤) إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت: هذان (٥) أهل أن يُتَّبَعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع، وقد ذكرنا (٦) هذا مستقصى عند قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] (٧). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي اذكره بالتوحيد في الصلاة. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر. قاله

стр. 12473

عطاء (١)، (والكلبي) (٢) (٣)، ومقاتل (٤). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني فصلِّ له المغرب، والعشاء. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ قال مقاتل: يعني التطوع، يقول: وصل لله طويلًا (٥)، يعني التطوع بعد المكتوبة، (وهو قول الكلبي (٦)) (٧). وقال عطاء: يريد أن صلاة الليل فريضة عليك يا محمد (٨). والقول هو الأول؛ لأنه كان لا يجب عليه أن يصلي جميع الليل. ثم ذكر كفار مكة، فقال: (قوله تعالى) (٩): ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾. قال ابن عباس (١٠)، (والكلبي (١١) (١٢)، ومقاتل (١٣): أمامهم،

стр. 12474

كقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]. ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ عسيرًا، شديدًا، كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. (ومعنى) (١): ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ أي يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعلمون، ولا يهتمون لوقوعه، فقد تركوه من كل وجه. ثم ذكر دلالة قدرته، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس: خلقهم (٢)، وهو قول مقاتل (٣)، ومجاهد (٤)، (وقتادة (٥)، والفراء (٦)، والزجاج (٧)) (٨). قال الفراء: الأسر: الخَلْق، يقال: لقد أسِر هذا الرجل أحسنَ

стр. 12475

الأسر، كقوله: أحسن الخلق (١). وقال أبو عبيدة: أسرهم: شدة الخَلْق، يقال: فرس شديد الأسر، وأنشد لبشر (بن أبي خازم) (٢)، (فقال) (٣): شديد الأسر يحمل أريحيًا ... أخا ثقة إذا الحدثان نابا (٤) قال: وكل شيء شددته من غَبيطٍ (٥)، أو قتبٍ (٦)، فهو مأسور (٧). وقال المبرد: (الأسر: القوى كلها، وأصله عند العرب: القِدُّ (٨) الذي يشد به الأقتاب، ويقال للقتب: المأسور، ومنه قول الشاعر: واسْتَدْفَأ الكَلْبُ بالمأسُورِ ذِي الذِّئْبِ (٩)) (١٠) يقول من شدة البرد استدفأ الكلب بالقتب.

стр. 12476

وقال الليث: الأسر: قوة المفاصل، والأوصال، وشد الله أسره (فلان) (١) أي قوة (٢) (فلان) (٣)، وكل شيئين جمع طرفاهما (٤)، فشد (٥) أحدهما بالآخر فقد أسر (٦). (وذكرنا هذا مستقيم عند ذكر الأسارى (٧)) (٨). وقال الحسن (في هذه الآية) (٩) يعني: أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب (١٠) (١١). وهو (معنى) (١٢) قول من قال: هي المفاصل (١٣).

стр. 12477

وروي عن مجاهد: أنه قال في تفسير الأسر: الشَّرَج (١): (يعني موضعي مَصَرَّتَي البول والغائط، إذا خرج الأذى تقَبَّضَتا (٢)) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلاً منهم (٤). وهذا كقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾. [الواقعة: ٦١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ مفسرة في سورة المزمل (٥). ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ أي الطاعة، والاستقامة اتخاذ السبيل المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩]. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شيئًا من الخير إلا أن يشاء الله ذلك (٦) لكم (٧). وقال أبو إسحاق: أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله (٨). قوله (تعالى) (٩): ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (قال عطاء) (١٠): يعني

стр. 12478

من صدّق نبيه أدخله جنته (١). وقال مقاتل: يعني في دينه الإسلام (٢). ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين من كفار مكة. قال أبو إسحاق: نصب (الظالمين)؛ لأن قبله منصوبًا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذبُ الظالمين، ويكون (أعدَّ لهم عذابًا أليمًا)، تفسيرًا لهذا المضمر قال: والاختيار في الظالمين: النصب (٣)، وإن كان الرفع جائزًا (٤)؛ لأن الاختيار عند النحويين أن تقول: أعطيت زيدًا، وعمرًا (٥) أعددت له بِرًا، فيختارون النصب على معنى: وبَرَرْتُ عمرًا (٦)، (أو أبَرُّ عمرًا) (٧). وأما قوله في: ﴿حم عسق﴾ ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ﴾ (٨)

стр. 12479

[الشورى:٨] فإنما (١) ارتفع؛ لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه، فينصبه في المعنى، ولم يجز أن يعطف على المنصوب قبله، وارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا﴾ يدل على: ويعذب، فجاز أن ينتصب (٢).

стр. 12480

سورة المرسلات

стр. 12481

تفسير سورة المرسلات (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ ذكر في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بـ"المرسلات" الرياح، وهو قول مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، (وابن مسعود (٤)، وابن عباس (٥) في رواية العوفي) (٦)، ويدل (٧)

стр. 12482

على صحة هذا القول: قوله: ﴿ويرسل الرياح﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، فالله يرسلها، وهي مرسلات. القول الثاني: إن معنى "المرسلات" هاهنا الملائكة، وهو قول مقاتل (١)، (ومسروق (٢)، وأبي صالح) (٣) عن أبي هريرة (٤)، وابن عباس (٥) في رواية الكلبي. القول الثالث: قال ابن عباس (٦): (في رواية عطاء) (٧): يريد الأنبياء. وقوله: ﴿عُرْفاً﴾ هو ذكر فيه قولان: أحدهما: متتابعة، وهو قول من قال في "المرسلات" إنها الرياح (٨). قال الزجاج: أرسلت كعرف الفرس (٩).

стр. 12483

وقال الفراء: تتابعت كعرف الفرس، والعرب تقول: تركت الناس إلى فلان عرفاً واحداً، إذا توجهوا إليه فأكثروا (١). والعرف على هذا اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى: والرياح التي أرسلت (٢) متتابعة. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر. وهو قول المبرد، قال: عرفاً (٣) اتباعاً (٤).-والمعنى فيهما واحد-. القول الثاني: و"العرف" أنه بمعنى المعروف، كقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٥) [الأعراف: ١٩٩] وقد مر، وهو قول من قال في "المرسلات " إنها الملائكة. قال مقاتل (٦) (والكلبي (٧)) (٨): أرسلوا بالمعروف (٩) من أمر الله ونهيه. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد (١٠) الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله (١١).

стр. 12484

٢ - قوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال المفسرون (١): يعني الرياح الشديدة الهبوب. وقال مسروق: يعني الملائكة (٢). قال أبو إسحاق: من قال: الملائكة، فالمعنى: أنها تعصف بروح الكافر (٣). يقال: عصف بالشيء: إذا أباده وأهلكه، ومنه قول الأعشى: تُعْصِف بالدَّارعِ (٤) والحاسِرِ (٥) (٦) قوله (تعالى) (٧): ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ استئناف قسم آخر، لذلك كانت بـ

стр. 12485

"الواو"، وقد ذكرنا هذا في أول سورة ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: ١]. ومعنى الناشرات: الرياح التي تأتي بالمطر. وهو قول الحسن (١)، وابن مسعود (٢)، (ومجاهد) (٣) (٤)، وقتادة (٥). يدل على هذا قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. يعني أنها تنشر السحاب نشرًا، وهو ضد الطي. وقال مقاتل: يعني الملائكة ينشرون كتب بني آدم، وصحائف أعمالهم (٦)، (وهو قول مسروق (٧)،

стр. 12486

وعطاء، عن ابن عباس (١)) (٢). وقال أبو صالح: يعني المطر (٣). وعلى هذا القول: النشر بمعنى الإحياء من قولهم: نشر الله الميت بمعنى أنشره، والمطر (٤) يحيى الأرض، فالأمطار ناشرة وناشرات (٥). قوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ الأكثرون (٦) على أنها الملائكة تأتي بما، يفرق

стр. 12487

بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وهو قول مقاتل (١)، (والكلبي (٢)) (٣). وقال مجاهد: هي الريح، وعلى هذا "فالفارقات" الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده (٤). وقال قتادة: هي آيُ القرآن فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام (٥) ، (وهو قول الحسن (٦)) (٧)، (وقال أبو إسحاق: يجوز أن يعني به الرسل (٨)) (٩). ٥ - قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة في قول الجميع (١٠).

стр. 12488

قال مقاتل: تلقي بالروح (١). وقال قتادة: تلقي بالقرآن (٢). وقال الكلبي: تلقي الذكر إلى الأنبياء (٣). وبعض المفسرين يخص الآية بجبريل (٤)، وعلى هذا يجوز أن يسمى باسم الجماعة. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (٥) [الصافات: ٣]. ٦ - قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قال قتادة: عذرًا من الله، ونذرًا منه

стр. 12489

إلى خلقه (١)، ونحو هذا قالت الجماعة (٢). وفيهما القراءتان: التثقيل، والتخفيف (٣). قال الفراء: وهو مصدر مثقلاً كان أو مخففًا، والمعنى: إعذارًا، وإنذارًا (٤). واختار أبو عبيد التخفيف، وقال: لأنهما في موضع المصدرين إنما هما: الإعذار، والإنذار، وليسا بجمع فيثقلا (٥). وقال أبو إسحاق: معناهما: المصدر -والتثقيل (٦)، والتخفيف (٧) بمعنى واحد-، ونصبه على ضربين: أحدهما: مفعول على البدل من قوله: ﴿ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]. والثاني: على المفعول له، فيكون "الملقيات ذكراً" للإعذار

стр. 12490

والإنذار (١). وقال (أبو الحسن) (٢) الأخفش: "عذراً أو نذراً" أي إعذاراً أو إنذاراً، وقد خففتا (٣) جميعاً، وهما لغتان (٤). قال أبو علي الفارسي: العذر، والعذير (٥)، والنذر، والنذير، مثل: النكر والنكير، وهما جميعاً مصدران، ويجوز التخفيف فيهما على حد التخفيف (٦) في العُنق، والأُذُن -قال-: ويجوز في قولهم من [ضَمَّ] (٧) أن يكون "عُذُراً" جمع عاذر، كشارف وشُرُف، وكذلك "النُّذُر" يجوز أن يكون جمع نذير، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]، ويكون "عذراً أو نذراً" على هذا القول حالاً من الإلقاء، كأنهم يُلْقُون الذكر في حال العذر، والنذر. وذكر أيضًا وجهاً آخر في انتصاب "عذراً أو نذراً" وهو أن يكون مفعول الذكر كأنه قيل: فالملقيات أن يذكر عُذْراً أو نُذْراً (٨)، وهو غير ما ذكر أبو إسحاق، فقد حصل أربعة أقوال: وجهان لأبي إسحاق، ووجهان لأبي علي، واختار المبرد أن يكون انتصابه على الحال؛ لأنه قال: هما

стр. 12491

جمعان، الواحد: عذيراً ونذيراً (١)، (وأنشد (٢) [لحاتم الطائي] (٣): أماويَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ ... وقدْ عَذَرَتْني في طِلابكُمُ العُذْرُ (٤) فالعذر في هذا البيت جماعة لمكان لحاق علامة التأنيث) (٥). ومن أول السورة إلى هاهنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ وهذا جواب القسم. قال مقاتل: إنما توعدون من أمر الساعة لكائن (٦). وقال الكلبي: إنما توعدون من الخير والشر لواقع بكم (٧). ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهاب ضوئها (٨). وقال مقاتل: حولت من الضوء إلى السواد (٩). وقال المبرد: أي مُحي ضوؤها (١٠).

стр. 12492

وقد ذكرنا تفسير الطمس عند قوله: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) [يونس: ٨٨]. ٩ - ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: شقت (٢). والفرج: الشق، يقال: فرجه الله فانفرج، وكل مشقوق فرج (٣). وقال ابن قتيبة: فتحت (٤)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ [النبأ: ١٩]. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قلعت من مكانها فذهبت عن وجه الأرض، كقوله: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]. قال الزجاج: إذا [ذهبت] (٥) بها كلها بسرعة (٦). وقال المبرد: "نسفت" قلعت من مواضعها، وأنشد [للمُمَزَّق العَبْدي (٧)] (٨):

стр. 12493

وقد تَخِذَتْ رِجْلي إلى جَنْتِ غَرْزِها ... نَسِيفًا كأفْحُوصِ القَطَاةِ المطَرَّقِ (١) قال: يعني: ما سعت برجليه من وبرها (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، قال الفراء (٣)، والزجاج (٤)، وأبو علي (٥): الهمزة في "أقتت" بدل من الواو، وكل "واو" انضمت، وكانت ضمتها لازمة، فإنها تبدل على الاطراد همزة أولاً [ثانية] (٦) من ذلك: أن تقول: صَلّي القومُ أُحدانا، وهذا [أُجوه] (٧) حسان، وأدْؤر في جمع دار، والهمزة أصلها واو، وذلك لأن ضمة الواو ثقيلة (٨)، كما كان كسر الياء ثقيلاً، وأما قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فلا يجوز فيه البدل؛ لأن الضمة لا تلزم (٩)، ألا ترى أنه لا يسوغ في نحو قولك: هذا

стр. 12494

عدوٌّ أن تبدل، والدليل على أن همزة "أقتت" مبدلة، وأن [أصل] (١) الكلمة من الوقت، ويدل عليه قراءة أبي عمرو: "وُقِّتَتْ" بالواو على الأصل (٢) قال مجاهد في قوله: "أقتت": وعدت وأجلت (٣). قال أبو إسحاق: أي جعل لها وقتاً (٤). وفيه قول آخر، قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): جمعت ليشهدوا على أممهم بالبلاغ إليهم. وهو اختيار الفراء (٧)، وابن قتيبة. قال: جمعت لوقتها يوم القيامة (٨). وهذا القول أليق بظاهر التفسير؛ (وذلك أن جواب "إذا" في هذه الآية محذوف على تقدير: فإذا النجوم طمست، وإذا، وإذا، وإذا، كان كذا وكذا، والذي يليق بهذا أن يكون المعنى: وإذا الرسل (٩) جعل لها وقت؛ لأن ذلك التوقيت قد سبق من الله، وجمع ما ذكر من الطمس،

стр. 12495

والفرج، والنسف، إنما يقع في القيامة، فلذلك هذا التوقيت وجب أن يكون واقعاً فيه؛ وقد جمعهم للميقات المعلوم، وما ذكرنا من إضمار الجواب هو قول الأخفش) (١). ثم ذكر أن الرسل كانوا قد ضرب لهم الأجل لجمعهم فقال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ أي أخرت (٢). قال الفراء: يعجب العباد من ذلك اليوم (٣). ثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ قال ابن عباس: يوم يفصل الرحمن بين العباد (٤)، وهذا كقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ [الدخان: ٤٠]. ثم عظم ذلك اليوم، وهوّل منه، فقال: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾. قال مقاتل: هذا تعظيم لشدته (٥). وقال الكلبي: يقول: وما علمك بيوم الفصل (٦). ثم ذكر حال المكذبين الذين كذبوا بذلك اليوم فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ

стр. 12496

لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١) ثم أخبر بما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ قال مقاتل: يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ -قال (٣) -: يعني كفار مكة حين كذبوا محمداً ﷺ . (٤) قال الفراء (٥)، والزجاج (٦): هو رفع على الاستئناف، على معنى: سنفعل ذلك، ويتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله: "سنتبعهم" (٧) فهذا تحقيق للرفع. وقال أبو علي: الجزم في: "نُتْبِعْهُم" (٨) على الإشراك في "ألم" ليس

стр. 12497

بالوجه، ألا ترى أن الإهلاك فيما مضى، والإتباع للآخرين لم يقع مع الأول، فإذا كان كذلك لم يحسن الإشراك في الجزم، ولكن على الاستئناف (١) [أو] (٢) على [أن] (٣) يجعل خبر مبتدأ محذوف -قال- ويجوز الإسكان فيه للتخفيف لا للجزم (٤)، كما روي في بيت امرئ القيس: فاليوم أشرب غيرَ مُسْتَحْقِبٍ (٥) وقد تقدم القول فيه (٦). ثم زاد تخويفاً لأهل مكة فقال: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. أي: (مثل ما فعلنا بمن تقدم من الأمم، وموضع الكاف: نصب) (٧). ثم ذكر بدو خلقهم لئلا يكذبوا بالبعث فقال:

стр. 12498

٢٠ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ وهذا كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ (١) [السجدة: ٨] , وهذا مذكور في سورة المؤمنين (٢). ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني مدة الحامل، ومنتهى الحمل. ﴿فَقَدَرْنَا﴾ قال الكلبي: يعني خلقه، كيف يكون قصيراً، وطويلاً، وذكراً، وأنثى (٣). وفيه قراءتان: التخفيف، والتشديد (٤). قال الفراء: والمعنى فيهما واحد؛ لأن العرب تقول: قُدِر عليه الموت، والرزق، وقدِّر بالتشديد، وجه من احتج للتخفيف بقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] لا يلزم؛ لأن العرب تجمع بين اللغتين، قال الله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧]، وقال الأعشى:

стр. 12499

وأنْكَرَتنْي وما كانَ الذي نَكِرَتْ (١) (٢) قال أبو علي: ويجوز أن يكون: "نعم المقدرون" فجاء على حذف الزوائد، نحو: دلو الدالي (٣)، وأجواز ليل غاضْ (٤) (٥). وذكرنا ذلك في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٦) [الحجر:٢٢].

стр. 12500

ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال: ٢٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ معنى الكفت في اللغة: الضم، والجمع، يقال: كَفَتُّ الشيء: أي ضممته فانكفت، أي انضم، ومنه قول أوس: كِرامٌ حين تَنْكَفِتُ الأفاعي ... إلى أجحارهنَّ من الصَّقيعِ (١) أي ينضم، قال أبو عبيدة: كفاتًا: أوعية، يقال للنِّحْي: كِفْتٌ، كِفت، وكفيت (٢)؛ لأنه يحوي اللبن ويضمه، ويقال أيضًا: جِرابٌ كَفِيتٌ وكِفتٌ إذا كان لا يضيِّع شيئًا مما يجعل فيه، ويقال للقدر أيضًا: كِفْتٌ، ومنه المثل: كِفْتٌ إلى وئيَّةٍ (٣).
следующие страницы →